HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤٧٣

وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ (يَعْنِي الدَّسْتَوَائِيَّ) قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ يُحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أنه كَانَ يَقُولُ، فِي الْحَرَامِ: يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [٣٣/الأحزاب/ ٢١].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص184
ج ٢ ص ١١٠٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٢٩٧
[٢٥٧] حديث ابن عباس ﵁ قال: (إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ، فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا) ، اختلف العلماء في الرجل يقول لامرأته: أنت علي حرام، فقال جماعة: إنها ثلاث، وقال جماعة: إن ذلك كذب، وقال قليلون: إنه على نية الرجل، والصحيح في تأويل الآية : ما رواه ابن عباس ﵁ ، وأخبر به عن فعل النبي ﷺ في بيان قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، أي: ذلك يمين إذا لم ينو الطلاق، وقيل: هو يمين إن نوى أو لم ينو، قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١].
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٦ ص٩١
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «من هناتك» هي جمع هَنَة، وأصلها أنها كناية عن نكرة، غير أن مقصوده هنا: هات فُتيا من فتاويك المستغربة، أو خبرًا من أخبارك المستكرهة، وهو إشعار باستشناع تلك المقالة عندهم. انتهى . وقوله: (تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ) قال النوويّ - ﵀ -: هو بياء مثناة من تحتُ بين الألف والعين، هذه رواية الجمهور، وضبطه بعضهم بالموحدة، وهما بمعنى، ومعناه: أكثروا منه، وأسرعوا إليه، لكن بالمثناة إنما يُستعمل في الشرّ، وبالموحدة يُستعمل في الخير والشرّ، فالمثناة هنا أجود. انتهى . وقوله: (فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ) هو بمعنى قوله في الرواية الماضية: «فأمضاه عليهم»؛ أي: ألزمهم به، وقضى عليهم بوقوعه. والحديث تقدّم البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٦٧٦] (١٤٧٣) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ، يَعْنِي الدَّسْتَوَائِيَّ، قَالَ: كَتَبَ إَلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كثِيرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْحَرَامِ: يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ) ابن أبي عبد الله سَنْبَر، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله (٧٨) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. ٣ - (يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ) الثقفيّ مولاه المكيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ [٦] (خ م د س ق) تقدم في «النكاح» ٥/ ٣٤٤٩. ٤ - (سَعِيدُ بْن جُبَيْرِ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٩. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، و«إسماعيل بن إبراهيم» هو: ابن عليّة. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، ويعلى، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وابن جبير، فكوفيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه العمل بالكتابة، وهذا هو المذهب الصحيح؛ لأن النبيّ - ﷺ - كان يكتب إلى الملوك، والآفاق، فكانوا يعملون به، وهو مشهور في «الصحيحين»، وغيرهما. قال النوويّ - ﵀ - في «التقريب»: الكتابة: هي أن يكتب مسموعه لغائب، أو حاضر، بخطه، أو بأمره، وهي ضربان: مجردة عن الإجازة، ومقرونة بأجزتك ما كتب لك أو إليك، ونحوه من عبارة الإجازة، وهي في الصحة والقوّة كالمناولة المقرونة، وأما المجردة فمَنَعَ الرواية بها قوم، منهم القاضي الماورديّ الشافعيّ، وأجازها كثيرون من المتقدمين والمتأخرين، منهم أيوب السختيانيّ، ومنصور، والليث، وغير واحد من الشافعيين، وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث، ويوجد في مصنفاتهم: كتب إليّ فلان قال: حدثنا فلان، والمراد به هذا وهو المعمول به عندهم معدود في الموصول لإشعاره بمعنى الإجازة، وزاد السمعانيّ، فقال: هي أقوى من الإجازة. ثم يكفي معرفته خط الكاتب، ومنهم من شرط البينة وهو ضعيف؛ ثم الصحيح أنه يقول في الرواية بها: كتب إليّ فلان قال: حدثنا فلان أو أخبرني فلان مكاتبة أو كتابة ونحوه، ولا يجوز إطلاق حدثنا وأخبرنا، وجوّزه الليث، ومنصور، وغير واحد من علماء المحدثين وكبارهم. انتهى . وإلى هذا أشار السيوطيّ - ﵀ - في «ألفيّة الحديث»: خَامِسُهَا كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ … يَغِيبُ أَوْ يَحْضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ يُكْتَبَ عَنْهُ فَمَتَى أَجَازَا … فَهْيَ كَمْنَ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازَا أَوْ لَا فَقِيلَ لَا تَصِحُّ وَالأَصَحْ … صِحَّتُهَا بَلْ وَإِجَازَةً رَجَحْ وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ أَنْ يَعْرِفَ خَطْ … كَاتِبِهِ وَشَاهِدًا بَعْضٌ شَرَطْ ثُمَّ لْيَقُلْ «حَدَّثَنِي أَخْبَرَنِي … كِتَابَةً» وَالْمُطْلِقِينَ وَهِّنِ ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْحَرَامِ) فيما إذا حرّم الرجل امرأته، ففي الرواية التالية: «إذا حرّم الرجل عليه امرأته، فهي يمين يُكفّرها»، وقوله: (يَمِينٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هو يمين، والجملة مقول القول، وقوله: (يُكَفِّرُهَا) جملة في محلّ رفع صفة لـ «يمينٌ»، وإنما أنّث الضمير؛ لأن اليمين مؤنّة، قال الفيّوميّ - ﵀ -: ويمينُ الْحَلِفِ أُنثى، وتُجمع على أَيْمُنٍ، وأيمانٍ، قاله ابن الأنباريّ، قيل: سُمّي الْحَلِف يمينًا؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضَرَب كلُّ واحد منهم يمينه على يمين صاحبه، فسُمّي الحلف يمينًا مجازًا. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «إذا حرّم الرجل امرأته، ليس بشيء»، وقوله: «ليس بشيء» يَحْتَمِلُ أن يريد بالنفي التطليقَ، ويَحْتَمِل أن يريد به ما هو أعمّ من ذلك، والأول أقرب، ويؤيده قوله بدلها في هذه الرواية: «فهي يمين يكفّرها»، ولفظ الإسماعيليّ: «إذا حرّم الرجل امرأته، فإنما هي يمين يكفِّرها»، فعُرف أن المراد بقوله: «ليس بشيء» أي: ليس بطلاق، وأخرج النسائيّ، وابن مردويه، من طريق سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن رجلًا جاءه، فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حرامًا، قال: كذبت، ما هي عليك بحرام، ثم تلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال له: عليك رقبة. انتهى. وكأنه أشار عليه بالرقبة؛ لأنه عَرَف أنه موسر، فأراد أن يكفر بالأغلظ من كفارة اليمين، لا أنه تعيّن عليه عتق الرقبة، ويدل عليه ما وقع من التصريح بكفارة اليمين، أفاده في «الفتح» . (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - مستدلّا على ما ذهب إليه بقوله تعالى: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) يشير بذلك إلى قصّة التحريم الآتي في حديث عائشة - ﵂ - بعد حديث. وقد اختُلف هل المراد تحريم العسل الآتي في حديث عائشة - ﵂ -، أو تحريم مارية؟ فقد أخرج النسائيّ بسند صحيح، عن أنس - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به حفصة وعائشة، حتى حرّمها، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية، قال في «الفتح»: وهذا أصحّ طرق هذا السبب، وله شاهد مرسل، أخرجه الطبريّ بسند صحيح، عن زيد بن أسلم التابعيّ الشهير، قال: أصاب رسول الله - ﷺ - أم إبراهيم ولدِهِ في بيت بعض نسائه، فقالت: يا رسول الله في بيتي، وعلى فراشي، فجعلها عليه حرامًا، فقالت: يا رسول الله كيف تُحَرِّم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، قال زيد بن أسلم: فقول الرجل لامرأته: أنت عليّ حرام لغوٌ، وإنما تلزمه كفارة يمين إن حلف. انتهى. وقال في «الفتح» أيضًا في «كتاب التفسير»: والغرض من حديث ابن عباس - ﵄ - قوله فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فإن فيه إشارةً إلى سبب نزول أول هذه السورة، وإلى قوله فيها: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وقد وقع في بعض حديث ابن عباس، عن عمر في القصة المطوّلة الآتية في الباب التالي: «فعاتبه الله في ذلك، وجعل له كفارة اليمين»، واختُلِف في المراد بتحريمه، ففي حديث عائشة - ﵂ - أن ذلك بسبب شربه - ﷺ - العسلَ عند زينب بنت جحش، فإن في آخره: «ولن أعود له، وقد حلفتُ». ووقع عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى مسروق قال: حلف رسول الله - ﷺ - لحفصة لا يقرب أَمَته، وقال: «هي عليّ حرام»، فنزلت الكفارة ليمينه، وأُمر أن لا يُحَرِّم ما أحل الله. وأخرج الضياء في «المختارة» من مسند الهيثم بن كُليب، ثم من طريق جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ - لحفصة: «لا تخبري أحدًا أن أم إبراهيم عليّ حرام»، قال: فلم يَقْرَبها حتى أخبرت عائشةَ، فأنزل الله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. وأخرج الطبرانيّ في «عشرة النساء»، وابن مردويه من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله - ﷺ - بمارية بيت حفصة، فجاءت، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي، دون نسائك؟ فذكر نحوه. وللطبراني من طريق الضحاك، عن ابن عباس قال: دخلت حفصة بيتها، فوجدته يطأ مارية، فعاتبته، فذكر نحوه، وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا، فيَحْتَمِل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا. وقد روى النسائيّ من طريق حماد، عن ثابت، عن أنس هذه القصة مختصرةً أن النبيّ - ﷺ - كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به حفصة وعائشة، حتى حرّمها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٣٦٧٦ و٣٦٧٧] (١٤٧٣)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٩١١) و«الطلاق» (٥٢٦٦)، و(ابن ماجه) في «الطلاق» (٢٠٧٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٣٤٣)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٢٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ١٥٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ١٥٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٩/ ٣٢٧)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٤/ ٤٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٣٥٠) و«الصغرى» (٦/ ٣٤٥) و«المعرفة» (٥/ ٤٨٦ و٤٨٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن قال لامرأته: أنت عليّ حرام: قال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ - في «تفسيره»: اختَلَف العلماء في الرجل يقول لزوجته: «أنت عليّ حرام» على ثمانية عشر قولًا: (أحدها): لا شيء عليه، وبه قال الشعبيّ، ومسروق، وربيعة، وأبو سلمة، وأصبغ، وهو عندهم كتحريم الماء والطعام، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٧]، والزوجة من الطيّبات، ومما أحلّ اللهُ، وقال تعالىْ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، وما لم يُحرّمه الله فليس لأحد أن يُحرّمه، ولا يصير بتحريمه حرامًا، ولم يثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال لِمَا أحلّ الله: هو عليّ حرام، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدّمت منه، وهو قوله: «والله لا أقربها بعد اليوم»، فقيل له: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾؛ أي: لم تمتنع منه بسبب اليمين؟ يعني أقدِمْ عليه، وكفّر. (وثانيها): أنها يمين يُكفّرها، قاله أبو بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود، وابن عبّاس، وعائشة - ﵃ -، والأوزاعيّ، وهو مقتضى الآية، قال سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: إذا حرّم الرجل عليه امرأته، فإنما هي يمين يُكفّرها، وقال ابن عبّاس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، يعني أنّ النبيّ - ﷺ - كان حرّم جاريته، فقال الله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [التحريم: ١، ٢]، فكفّر عن يمينه، وصيّر الحرام يمينًا، أخرجه الدارقطنيّ. (وثالثها): أنها تجب فيها كفّارة، وليست بيمين، قاله ابن مسعود، وابن عبّاس أيضًا في إحدى روايتيه، والشافعيّ في أحد قوليه، وفي هذا القول نظر، والآية تردّه على ما يأتي. (ورابعها): هي ظهار، ففيها كفّارة الظهار، قاله عثمان، وأحمد بن حنبل، وإسحاق. (وخامسها): أنه إن نوى الظهار، وهو ينوي أنها محرّمة كتحريم ظهر أمه، كان ظهارًا، وإن نوى تحريم عينها عليه بغير طلاق، تحريمًا مطلقًا، وجبت كفّارة يمين، وإن لم ينو شيئًا، فعليه كفّارة يمين، قاله الشافعيّ. (وسادسها): أنها طلقةٌ رجعيّةٌ، قاله عمر بن الخطّاب، والزهريّ، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وابن الماجشون. (وسابعها): أنها طلقة بائنةٌ، قاله حمّاد بن أبي سليمان، وزيد بن ثابت، ورواه خُوَيز مَنْدَاد عن مالك. (وثامنها): أنها ثلاث تطليقات، قاله عليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت أيضًا، وأبو هريرة - ﵃ -. (وتاسعها): هي في المدخول بها ثلاث، ويُنَوَّى في غير المدخول بها، قاله الحسن، وعليّ بن زيد، والحكم، وهو مشهور مذهب مالك. (وعاشرها): هي ثلاث، ولا يُنوَّى بحال، ولا في محلّ، وإن لم يدخل بها، قاله عبد الملك في المبسوط، وبه قال ابن أبي ليلى. (وحادي عشرها): هي في التي لم يدخل بها واحدةٌ، وفي التي دخل بها ثلاثٌ، قاله أبو مصعب، ومحمد بن عبد الحكم. (وثاني عشرها): أنه إن نوى الطلاق، أو الظهار كان ما نوى، فإن نوى الطلاق، فواحدةٌ بائنةٌ، إلا أن ينوي ثلاثًا، فإن نوى ثنتين فواحدة، فإن لم ينو شيئًا كانت يمينًا، وكان الرجل مُولِيًا من امرأته، قاله أبو حنيفة وأصحابه، وبمثله قال زُفر، إلا أنه قال: إذا نوى اثنتين ألزمناه. (وثالث عشرها): أنه لا تنفعه نيّة الظهار، وإنما يكون طلاقًا، قاله ابن قاسم. (ورابع عشرها): قال يحيى بن عمر: يكون طلاقًا، فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها حتى يكفّر كفّارة الظهار. (وخامس عشرها): إن نوى الطلاق فما أراد من أعداده، وإن نوى واحدةً، فهي رجعيّةٌ. وهو قول الشافعيّ - ﵀ -، وروي مثله عن أبي بكر، وعمر، وغيرهم من الصحابة، والتابعين. (وسادس عشرها): إن نوى ثلاثًا فثلاثًا، وإن نوى واحدةً فواحدةً، وإن نوى يمينًا فهي يمين، وإن لم ينو شيئًا فلا شيء عليه، وهو قول سفيان، وبمثله قال الأوزاعيّ، وأبو ثور، إلا أنهما قالا: إن لم ينو شيئًا فهي واحدةٌ. (وسابع عشرها): له نيّته، ولا يكون أقلّ من واحدة، قاله ابن شهاب، وإن لم ينو شيئًا لم يكن شيء، قاله ابن العربيّ، ورأيت لسعيد بن جبير، وهو: (ثامن عشرها): أن عليه عتق رقبة، وإن لم يجعلها ظهارًا، ولست أعلم لها وجهًا، ولا يبعد في المقالات عندي. قال القرطبيّ: قال علماؤنا: سبب الاختلاف في هذا الباب أنه ليس في كتاب اللهُ ولا في سنّة رسول الله - ﷺ - نصّ، ولا ظاهرٌ يُعتمد عليه في هذه المسألة، فتجاذبها العلماء لذلك. فمن تمسّك بالبراءة الأصليّة، قال: لا حكم، فلا يلزم بها شيء، وأما من قال: إنها يمين، فقال: سمّاها الله يمينًا، وأما من قال: تجب فيها كفّارة، وليست بيمين، فبناه على أحد أمرين: أحدهما: أنه ظنّ أن الله تعالى أوجب الكفّارة فيها، وإن لم تكن يمينًا، والثاني: أن معنى اليمين عنده التحريم، فوقعت الكفّارة على المعنى، وأما من قال: إنها طلقة رجعيّةٌ، فإنه حمل اللفظ على أقلّ وجوهه، والرجعيّة محرّمة الوطء كذلك، فيُحمل اللفظ عليه. وهذا يلزم مالكًا؛ لقوله: إن الرجعيّة محرّمة الوطء، وكذلك وجه من قال: إنها ثلاث، فحمله على أكبر معناه، وهو الطلاق الثلاث، وأما من قال: إنه ظهار؛ فلأنه أقلّ درجات التحريم، فإنه تحريم، لا يرفع النكاح، وأما من قال: إنه طلقةٌ بائنةٌ، فعوّل على أن الطلاق الرجعيّ لا يُحرّم المطلّقةَ، وأن الطلاق البائن يحرّمها، وأما قول يحيى بن عمر، فإنه احتاط بأن جعله طلاقًا، فلما ارتجعها احتاط بأن ألزمه الكفّارةَ. قال ابن العربيّ: وهذا لا يصحّ؛ لأنه جمع بين المتضادّين، فإنه لا يجتمع ظهار وطلاقٌ في معنى لفظ واحد، فلا وجه للاحتياط فيما لا يصحّ اجتماعه في الدليل. وأما من قال: إنه يُنَوَّى في التي لم يدخل بها؛ فلأن الواحدة تُبينها، وتحرّمها شرعًا إجماعًا، وكذلك قال من لم يَحْكُمْ باعتبار نيّته: إن الواحدة تكفي قبل الدخول في التحريم بالإجماع، فيكفي أخذًا بالأقلّ المتَّفَق عليه، وأما من قال: إنه ثلاث فيهما، فلأنه أخذ بالحكم الأعظم، فإنه لو صرّح بالثلاث لنفذت في التي لم يدخل بها نفوذها في التي دخل بها، ومن الواجب أن يكون المعنى مثله، وهو التحريم. وهذا كلّه في الزوجة، وأما في الأمة فلا يلزم فيها شيء من ذلك، إلا أن ينوي به العتق عند مالك، وذهب عامّة العلماء إلى أن عليه كفّارة يمين، قال ابن العربيّ: والصحيح أنها طلقة واحدة؛ لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقلّه، وهو الواحدة إلا أن يعدّده، كذلك إذا ذكر التحريم يكون أقلّه إلا أن يقيّده بالأكثر، مثل أن يقول: أنت عليّ حرام إلا بعد زوج، فهذا نصّ على المراد. انتهى كلام القرطبيّ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أقرب الأقوال القول الثاني، وهو أنه يمين يكفّرها؛ لأنه مقتضى الآية، كما أشار إليه ترجمان القرآن عبد الله بن عبّاس - ﵄ -، كما بيّنه حديث الباب، وفي رواية النسائيّ من طريق سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجلٌ، فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حرامًا، قال: كذبت، ليست عليك بحرام، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]: عليك أغلظ الكفارة، عتق رقبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٨)

١. «المفهم» ٤/ ٢٤٥.

٢. «شرح النوويّ» ١٠/ ٧٢.

٣. زاد في ترجمة النووي: «ولم ينو طلاقها»، والأولى حذفه من الترجمة؛ ليكون موافقًا لقول ابن عبّاس - ﵄ -، فتنبّه.

٤. «التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير» ١/ ١١.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٨٢.

٦. راجع: «الفتح» ١٢/ ٥٣ - ٥٤ «كتاب الطلاق» رقم (٥٢٦٦).

٧. راجع: «الفتح» ١١/ ٦ - ٧ «كتاب التفسير» رقم (٤٩١١).

٨. «الجامع لأحكام القرآن» ١٨/ ١٨٠ - ١٨٤ «تفسير سورة التحريم».