HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤٨٥

حدثنا محمد بن المثنى العنزي. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنَ عَبَّاسٍ اجْتَمَعَا عَنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَهُمَا يَذْكُرَانِ الْمَرْأَةَ تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زوجها بليال. فقال ابن عباس: آخِرُ الْأَجَلَيْنِ. وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَلَّتْ. فَجَعَلَا يَتَنَازَعَانِ ذَلِكَ. قَالَ فقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي (يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ) فَبَعَثُوا كُرَيْبًا (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَجَاءَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَت: إِنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ. وَإِنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَأَمَرَهَا أن تتزوج.
ج ٢ ص ١١٢٢

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٦ ص٢٩١
كونه ولدًا ببيّنة، ولا مشاهدة، فأشبه الْعَلَقَة، ولا تنقضي العدة بوضع ما قبل المضغة بحال، سواء كان نطفة، أو علقة، وسواء قيل: مبتدأ خلق آدميّ، أو لَمْ يُقل، ولا نعلم في هذا مخالفًا إلَّا الحسن، فإنه قال: إذا عُلم أنه حمل انقضت به العدّة، وفيه الغُرّة، والأول الأصحّ، وعليه الجمهور. وأقلّ ما تنقضي به العدّة من الحمل أن تضعه بعد ثمانين يومًا منذ أمكنه وطؤها؛ لأن النبيّ - ﷺ - قال: «إن خلق أحدكم ليُجمَع في بطن أمه، فيكون نطفة أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك …» الحديث متّفقٌ عليه، ولا تنقضي العدّة بما دون المضغة، فوجب أن تكون بعد الثمانين، فأما ما بعد الأربعة أشهر، فليس فيه إشكال؛ لأنه يُنكّس في الخلق الرابع. انتهى كلام ابن قدامة بتصرّف واختصار وهو تفصيل حسن جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٣٧٢٢] (١٤٨٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَن، وَابْنَ عَبَّاسٍ اجْتَمَعَا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُمَا يَذْكُرَانِ الْمَرْأةَ، تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عِدَّتُهَا آخِرُ الْأَجَلَيْن، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَلَّتْ، فَجَعَلَا يَتَنَازَعَانِ ذَلِكَ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي، يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ، فَبَعَثُوا كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أمِّ سَلَمَةَ، يَسْأْلُهَا عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَهُمْ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ، نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، وَإِنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى الزَّمِنُ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةُ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٤ - (سُلَيْمَانُ بْن يَسَارٍ) الهلاليّ مولى ميمونة المدنيّ، ثقةٌ فاضل فقيهٌ، من كبار [٣] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ٢ ص ٤٨٩. ٥ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة المخزوميّة، أم المؤمنين، ماتت - ﵂ - سنة (٦٢) وقيل غير ذلك (ع) تقدمت في «شرح المقدمة» ج ٢ ص ٤٧٣. شرح الحديث: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف التابعيّ الشهير (وَابْنَ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (اجْتَمَعَا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (وَهُمَا يَذْكُرَانِ الْمَرْأةَ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل «اجتمع»، وقوله: (تُنْفَسُ) جملة في محلّ نصب على الحال من «المرأة»، وهو بضمّ أوله، بصيغة المبنيّ للمفعول، ومعناه معلومٌ؛ أي: تَلِدُ، يقال: نُفِسَت المرأة، فهي نُفساء، والجمع نفاس بالكسر، ومثله عُشَرَاء وعِشار، وبعض العرب يقول: نَفِسَتْ تَنْفَسُ، من باب تَعِبَ، فهي نافسٌ، مثلُ حائض، والولد منفوس، والنِّفَاس بالكسر أيضًا اسم من ذلك، ونَفِسَت تَنْفَس، من باب تَعِبَ: حاضت، ونُقل عن الأصمعيّ: نُفِسَت بالبناء للمفعول أيضًا، وليس بمشهور في الكتب في الحيض، ولا يقال في الحيض: نُفِسَت بالبناء للمفعول، وهو من النفس، وهو الدم، ومنه قولهم: لا نفس له سائلة؛ أي: لا دمَ له يَجْري، وسُمِّي الدم نفسًا؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان قِوَامها بالدم، والنفساء من هذا، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . وقوله: (بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا) ظرف متعلّق بـ «نُفِسَت»، وقوله: (بِلَيَالٍ) التنوين للتقليل؛ أي: ليالٍ قليلة، لا تبلغ مدّة أربعة أشهر وعشرًا (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (عِدَّتُهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ) أي: من عدّة الوفاة، أو من عدّة وضع الحمل، يعني أنَّها تتربّص أربعة أشهر وعشرًا، لو وضعت قبل ذلك، وتترئص وضعها إن مضت المدة، ولم تضع، وقال بقول ابن عبّاس هذا محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلي، ونُقل عن سحنون أيضًا، ووقع عند الإسماعيليّ: قيل لابن عبّاس في امرأة وَضَعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلةً، أيصلح أن تتزوج؟ قال: لا، إلى آخر الأجلين، قال أبو سلمة: فقلت: قال الله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] قال: إنما ذاك في الطلاق، وقد أخرج الطبريّ وابن أبي حاتِم بطرُق متعددة إلى أُبَيّ بن كعب أنه قال للنبيّ - ﷺ -: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ المطلقة ثلاثًا، أو المتوفى عنها زوجها؟ قال: هي للمطلقة ثلاثًا، أو المتوفى عنها، قال الحافظ - ﵀ -: وهذا المرفوع، وإن كان لا يخلو شيء من أسانيده عن مقال، لكن كثرة طرقه تُشعر بأن له أصلًا، ويعْضِده قصة سبيعة المذكورة. انتهى . [تنبيه]: يقال: إن ابن عبّاس - ﵄ - رجع عن مذهبه هذا، وقال بقول الجمهور، قال في «الفتح»: ويقوّيه أن المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك. انتهى. (وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (قَدْ حَلَّتْ) أي: حلّ نكاحها؛ لانقضاء عدّتها بوضع حملها؛ عملًا بالآية المذكورة (فَجَعَلَا يَتَنَازَعَانِ ذَلِكَ) فيه أن المفضول يسعه خلاف الفاضل في المسائل، فإن أبا سلمة من التابعين، وابن عبّاس من الصحابة - ﵄ -. (قَالَ) سليمان بن يسار (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي، يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن؛ أي: أنا أوافقه فيما قال (فَبَعَثُوا) أي: أرسلوا (كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو كريب بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشدين المدنيّ الثقة من الثالثة، توفي سنة (٩٨ هـ) تقدّمت ترجمته في «الحيض» ٢/ ٦٨٨. [تنبيه]: قال في «الفتح»: هذا السياق ظاهره أن أبا سلمة تَلَقَّى ذلك عن كريب، عن أم سلمة، وهو المحفوظ، وذكر الحميديّ في «الجمع» أن أبا مسعود ذكره في «الأطراف» في ترجمة أبي سلمة، عن عائشة، قال الحميديّ: وفيه نظر؛ لأن الذي عندنا من البخاريّ: «فأرسل ابنُ عباس غلامه كُريبًا، فسألها»، لَمْ يذكر لها اسمًا، قال الحافظ: كذا قال، والذي وقع لنا، ووقفت عليه من جميع الروايات في البخاريّ، في هذا الموضع: «فأرسل ابن عباس غلامه كريبًا إلى أم سلمة»، وكذا عند الإسماعيليّ من وجه آخر، عن يحيى بن أبي كثير، وقد ساقه مسلم من وجه آخر، فأخرجه من طريق سليمان بن يسار؛ «أن أبا سلمة بن عبد الرَّحمن، وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة، وهما يذكران المرأة تُنْفَس بعد وفاة زوجها بليالي، فقال ابن عباس: عدتها آخر الأجلين، فقال أبو سلمة: قد حَلَّت، فجعلا يتنازعان، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، فبعثوا كُريبًا مولى ابن عباس إلى أم سلمة، يسألها عن ذلك»، فهذه القصة معروفة لأم سلمة. انتهى . (إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أمية المخزوميّة - ﵂ -، وقوله: (يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ) جملة في محلّ نصب على الحال من «كريبًا» (فَجَاءَهُمْ) كريب بعد أن سألها (فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ) - ﵂ - (قَالَتْ: إِنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ، نُفِسَتْ) قال النوويّ - ﵀ -: هو بضمّ النون على المشهور، وفي لغة بفتحها، لغتان في الولادة. انتهى . (بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ) كذا أبهم المدّة في هذه الرواية، عند مسلم، وكذا هو عند البخاريّ في رواية الْمِسور بن مَخْرمة، وفي رواية الزهريّ الماضية: «فلم تَنْشَبْ أن وضعت»، ووقع في رواية محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة، عن سبيعة، عند أحمد: «فلم أمكُث إلَّا شهرين، حتى وضعت»، وفي رواية داود بن أبي عاصم: «فولدت لأدنى من أربعة أشهر»، وهذا أيضًا مبهم، وفي رواية يحيى بن أبي كثير عند البخاريّ في «تفسير الطلاق»: «فوضعت بعد موته بأربعين ليلةً»، كذا في رواية شَيبان عنه، وفي رواية حجاج الصوّاف، عند النسائيّ: «بعشرين ليلةً»، ووقع عند ابن أبي حاتم، من رواية أيوب، عن يحيى: «بعشرين ليلة، أو خمس عشرة»، ووقع في رواية الأسود: «فوضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يومًا، أو خمسة وعشرين يومًا»، كذا عند الترمذيّ، والنسائيّ، وعند ابن ماجة: «ببضع وعشرين ليلة»، وكأن الراوي ألغى الشكّ، وأتى بلفظ يَشْمُل الأمرين. ووقع في رواية عبد ربه بن سعيد: «بنصف شهر»، وكذا في رواية شعبة بلفظ: «خمسة عشر، نصف شهر»، وكذا في حديث ابن مسعود، عند أحمد. قال الحافظ - ﵀ -: والجمع بين هذه الروايات متعذِّر؛ لاتحاد القصّة، ولعل هذا هو السرّ في إبهام من أبهم المدّة، إذ محل الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر وعشر، وهو هنا كذلك، فأقلّ ما قيل في هذه الروايات: «نصف شهر». قال: وأما ما وقع في بعض الشروح أن في البخاريّ رواية «عشر ليال»، وفي رواية للطبرانيّ: ثمان، أو سبع، فهو في مدّة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النبيّ - ﷺ -، لا في مدة بقية الحمل، وأكثرُ ما قيل فيه بالتصريح شهران، وبغيره دون أربعة أشهر. انتهى . كذا أبهم الراوي المدة في روايات مسلم، وبعضهم عيّنوا المدّة، واختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا، فرُوي أنَّها وضعت بعد وفاة زوجها بشهرين، كما في رواية أحمد، وروى البخاريّ: «بعد أربعين ليلةً»، وروى النسائيّ: «بعد عشرين ليلةً»، ورُوي غيرها. قال الحافظ بعدما ساق هذه الروايات: والجمع بين هذه الروايات متعذّر؛ لاتحاد القصّة، ولعلّ هذا هو السرّ في إبهام من أبهم المدّة. انتهى. (وَإِنَّهَا) أي: سبيعة (ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ) استَغْنَت أم سلمة - ﵂ - بسياق قصة سُبيعة عن الجواب بـ «لا»، أو«نعم»، لكونه تضمّن الجواب بـ «نعم» مع بيان الدليل، ففيه جواب السؤال بدليله، وهو أوفى، وأخصر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: من أغرب ما رأيت أن صاحب «تكملة فتح الملهم» احتجّ بقوله: «فأمرها أن تتزوّج» لمذهبه الحنفيّ أن النِّكَاح يصحّ بدون وليّ، وبعبارات النساء، وهذا احتجاج عجيبٌ، كيف يصنع بقوله - ﷺ -: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ …» الحديث أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة، والحاكم، وهو حديث صحيح، وقد استوفيت البحث في هذا في غير هذا الموضع، ولله الحمد، والمنّة، وله الفضل والنعمة، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهدا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم سلمة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٣٧٢٢ و٣٧٢٣] (١٤٨٥)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٩٠٩)، و(الترمذيّ) في «الطلاق» (١١٩٤)، و(النسائيّ) في «الطلاق» (٦/ ١٩٢ و١٩٣)، و(مالك) في «الموطّإ» (٢/ ٥٩٠)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ٥٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١١٧٢٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣١٤)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٥/ ١٨٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٦٥ - ١٦٦)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٧٦٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٢٩٥ و٤٢٩٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ١٩٠ - ١٩١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ١٧٣)، و(البيهقيّ) في «الصغرى» (٦/ ٤٥٥) و«المعرفة» (٦/ ٤٧)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّلَ الكتاب قال: [٣٧٢٣] (…) - (وَحَدَّثنَاه مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ع) وَحَدَّثنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، غَيْرَ أَنَّ اللَّيْثَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَأَرْسَلُوا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَلَمْ يُسَمِّ كُرَيبًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التجيبيّ المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المشهور، تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٥ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقن عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٥. و«يحيى بن سعيد» وهو الأنصاري، ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية الليث، عن يحيى بن سعيد، ساقها النسائيّ - ﵀ - في «الكبرى» ٣/ ٣٨٧ فقال: (٥٧٠٦) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث، عن يحيى، وهو ابن سعيد، عن سليمان بن يسار؛ أن أبا هريرة، وابن عباس، وأبا سلمة بن عبد الرَّحمن، تذاكروا عدّة المتوفَّى عنها الحامل، تضع عند وفاة زوجها، فقال ابن عباس: تعتد آخر الأجلين، وقال أبو سلمة: بل تَحِلّ حين تضع، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة، زوج النبيّ - ﷺ -، فقالت: «وضعت سُبيعة الأسلمية، بعد وفاة زوجها بيسير، فاستفتت رسول الله - ﷺ -، فأمرها أن تتزوج». انتهى. ورواية يزيد بن هارون، عن يحيى ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده» ٣/ فقال: (٤٦٤٧) - حدّثنا عمار بن رجاء، قال: أنبا يزيد بن هارون، قال: أنبا يحيى بن سعيد؛ أن سليمان بن يسار أخبره، عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، وابن عباس، اجتمعا عند أبي هريرة، فتذاكروا الرجل، يُتَوَفَّى عن المرأة، أو المرأة يُتَوَفَّى عنها زوجها، فتَلِد بعده بليالي، فقال ابن عباس: أجلها آخر الأجلين، قال أبو سلمة: إذا وَضَعت، فقد أُحِلَّت، فأرسلوا كريبًا إلى أم سلمة، يسألها عن ذلك، فقالت: إن سُبيعة بنت الحارث تُوُفِّي عنها زوجها، فوضعت بعد وفاته بليالي، وإن رجلًا من بني عبد الدار، يُدْعَى أبا السَّنابِل بن بَعْكَك خطبها، وأخبرها أنَّها قد حَلَّت، فأرادت أن تزوج غيره، فقال لها أبو السنابل: فإنك لَمْ تحلي، فذكرت ذلك سُبيعة لرسول الله - ﷺ -، فأمرها أن تزوج. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩) - (بَابُ وُجُوبِ الإِحْدَادِ في عِدَّةِ الْوَفَاة، وَتَحْرِيمِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) (اعلم): أن «الإحداد» - بكسر الهمزة -: مصدر أحدّت المرأة رُباعيًّا، ويقال: حدّت ثلاثيًّا. قال الفيّوميّ - ﵀ -: حدّت المرأة على زوجها تَحِدُّ - بالكسر - وتَحُدّ - بالضمّ - حِدَادًا بالكسر، فهي حادّ، بغير هاء، وأحدّت إحدادًا، فهي مُحِدٌّ، ومُحِدَّةٌ: إذا تركت الزينة لموته. وأنكر الأصمعيّ الثلاثيّ، واقتصر على الرباعيّ. انتهى. وقال ابن منظور - ﵀ - بعد ذكر نحو ما تقدّم -: قال أبو عبيد: وإحداد المرأة على زوجها ترك الزينة، وقيل: هو إذا حَزِنت عليه، ولبست ثياب الحزن، وتركت الزينة والخضاب، قال أبو عبيد: ونرى أنه مأخوذ من المنع؛ لأنَّها قد مُنِعَت من ذلك، ومنه قيل للبوّاب: حدّاد؛ لأنه يمنع الناس من الدخول. انتهى. وقال في «الفتح»: قوله: «تحد» بضمّ أوله، وكسر ثانيه، من الرباعيّ، ويجوز بفتحة، ثم ضمة، من الثلاثيّ، قال أهل اللغة: أصل الإحداد المنع، ومنه سمّي البوّاب حدّادًا؛ لمنعه الداخل، وسمّيت العقوبة حدًّا؛ لأنَّها تردع عن المعصية. وقال ابن درستويه: معنى الإحداد منع المعتدّة نفسَهَا الزينةَ، وبَدَنَها الطيبَ، ومنع الْخُطّاب خِطبتها، والطمعَ فيها، كما منع الحدّ المعصية. وقال الفرّاء: سمّي الحديد حديدًا؛ للامتناع به، أو لامتناعه على محاوله، ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلّبه في الجهات. ويُروى بالجيم، حكاه الخطّابيّ، قال: يُروى بالحاء والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة. وقال أبو حاتم: أنكر الأصمعيّ: حَدّت، ولم يَعرِف إلَّا: أحدّت. وقال الفرّاء: كان القدماء يؤثرون: أحدّت، والأخرى أكثر في كلام العرب. وقال في موضع آخر: قال ابن بطّال: الإحداد - بالمهملة -: امتناع المرأة المتوفّى عنها زوجها من الزينة، كلها من لباس، وطيب، وغيرهما، وكلّ ما كان من دواعي الجماع. وأباح الشارع للمرأة أن تحدّ على غير زوجها ثلاثة أيام لما يغلب من لَوْعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجبًا؛ لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لَمْ يحل لها منعه في تلك الحال. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال: [٣٧٢٤] (١٤٨٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ، قَالَ: قَالَتْ زينَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا، أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ، فِيهِ صُفْرَةٌ، خَلُوقٌ، أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيةً، ثُمَّ مَشَتْ بِعَارِضَيْهَا، ثمَّ قَالَت: وَالله، مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»، قَالَتْ زينَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ، فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»، قَالَتْ زينَبُ: سَمِعْتُ أُمِّي، أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَت امْرَأةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا»، مَرَّتَيْن، أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّة، تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ»، قَالَ حُمَيْدٌ: قُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زينَبُ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طيبًا، وَلَا شَيْئًا، حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ، حِمَارٍ، أَوْ شَاةٍ، أَوْ طَيْرٍ، فَتَفْتَضُّ بِه، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ، فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ، مِنْ طيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٥) (ع) تقدم في «الصلاة» ١٧/ ٩١٦. ٤ - (حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ) الأنصاريّ، أبو أفلح المدنيّ، يقال له: حُميد صُفيرا، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الرضاع» ٧/ ٣٦٠٣. ٥ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد، الصحابيّة بنت الصحابيّ والصحابيّة - ﵃ -، ربيبة النبيّ - ﷺ -، ماتت سنة (٧٣) (ع) تقدمت في «الحيض» ٢/ ٦٨٩. ٦ - (أُمّ حَبِيبَةَ) رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين، ماتت - ﵂ - سنة (٢ أو ٤ أو ٤٩) وقيل غير ذلك (ع) تقدمت في «المساجد ومواضع الصلاة» ٣/ ١١٨٦. ٧ - (زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ) الأسديّة، أم المؤمنين، ماتت) - ﵂ - في خلافة عمر - ﵁ - (ع) تقدمت في «الزكاة» ٤٩/ ٢٤٨١. ٨ - (أُمُّ سَلَمَةَ) - ﵂ - تقدّمت في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الله بن أبي بكر عن حُمَيد. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّة، عن ثلاث صحابيّات، كلهنّ من أمهات المؤمنين، وإحداهنّ أمها، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد - ﵂ -، وزعم ابن التين أنَّها لا رواية لها عن رسول الله - ﷺ -، كذا قال، وقد أخرج لها مسلم حديثها: «كان اسمي برّة، فسمّاني رسول الله - ﷺ - زينب …» الحديث، وأخرج لها البخاريّ حديثًا في «المناقب» . (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ) التي بيّنتها في كلامها الآتي (قَالَ: قَالَتْ زينَبُ) - ﵂ - (دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ) رملة بنت أبي سفيان - ﵄ - (زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا، أَبُو سُفْيَانَ) صخر بْنُ حَرْب - ﵁ -، مات سنة (٣٢ هـ) عند الجمهور، وقيل: سنة ثلاث، ووقع عند البخاريّ في «الجنائز» من رواية ابن عُيينة: «لَمّا جاء نَعْيُ أبي سفيان من الشام». قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه مات بالمدينة، بلا خلاف بين أهل الأخبار، ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك، إلَّا في رواية ابن عيينة هذه، وأظنّها وهَمًا، وكنت أظنّ أنه حذف منه لفظ «ابن»؛ لأن الذي جاء نعيه من الشام، وأمّ حبيبة في الحياة هو أخوها يزيد بن أبي سفيان الذي كان أميرًا على الشام، لكن رواه البخاريّ في «العِدَد» من طريق مالك، ومن طريق سفيان الثوريّ، كلاهما عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن حُميد بن نافع بلفظ: «حين توفّي عنها أبوها، أبو سفيان بن حرب»، فظهر أنه لَمْ يسقط منه شيء، ولم يقل واحد منهما «من الشام»، وكذا أخرجه ابن سعد في ترجمة أم حبيبة، من طريق صفيّة بنت أبي عُبيد، عنها، ثم وجدت الحديث في «مسند ابن أبي شيبة»، قال: «حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن حُميد بن نافع - ولفظه: جاء نعي أخي أم حبيبة، أو حميم لها، فدعت بصفرة، فلطخت به ذراعيها»، وكذا رواه الدارميّ عن هاشم بن القاسم، عن شعبة، لكن بلفظ: «أن أخًا لأم حبيبة مات، أو حميمًا لها»، ورواه أحمد عن حجاج، ومحمد بن جعفر جميعًا، عن شعبة، بلفظ: «أن حميمًا لها مات»، من غير تردّد، وإطلاق الحميم على الأخ أقرب من إطلاقه على الأب، فقوي الظنّ عند هذا أن القصّة تعدّدت لزينب مع أمّ حبيبة عند وفاة أخيها يزيد، ثم عند وفاة أبيها أبي سفيان، ولا مانع من ذلك. انتهى . (فَدَعَتْ أمّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ) أي: طلبت طيبًا (فِيهِ صُفْرَةٌ) قال الفيّوميّ: «الصُّفْرة»: لون دون الحمرة، والأصفر الأسود أيضًا. انتهى ، وقوله: (خَلُوقٌ) بدل من «صُفرة»، وهو بفتح الخاء المعجمة، بوزن رَسُول: ما يُتخلّق به من الطيب، قال بعض الفقهاء: وهو مائعٌ، فيه صُفْرة، قاله الفيّوميّ . وقال النوويّ - ﵀ -: هو برفع «خَلُوقٌ»، وبرفع «غيرُهُ»؛ أي: دعت بصفرة، وهي خَلوقٌ، أو غيره، و«الْخَلُوق»: بفتح الخاء: طِيب مخلوط. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: «الْخَلُوق» بفتح الخاء المنقوطة: أنواع من الطيب تُخلط بالزعفران، وهو العبير أيضًا . (أَوْ غَيْرُهُ) أي: غير الخلوق، من أنواع الطيب (فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً) بالنصب، قال الحافظ: لَمْ أعرف اسمها (ثُمَّ مَسَّتْ بعَارِضَيْهَا) أي: جانبي وجهها، وجعل العارضين ماسحين تجوّزًا، والظاهر أَنها جعلت الطيب في يديها، ومسحتها بعارضيها، والباء للإلصاق، أو الاستعانة، و«مسح» يتعدّى بنفسه، وبالباء، تقول: مسحت برأسي، ومسحت رأسي. وفي «الإكمال»: قال ابن دريد: العارضان صفحتا العنق، وما بعده الأسنان. وفي «كتاب العين»: عارضة الوجه: ما يبدو منه، ومبسما الوجه والثنايا، والمراد هنا الأول. وقال القرطبيّ - ﵀ - في «المفهم»: أصل العوارض: الأسنان، وسُمِّيت الخدود عوارض؛ لأنَّها عليها، من باب تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوزه، أو كان منه بسبب، والعارضان هنا هما: الخدّان. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «مست بعارضيها»: هما جانبا الوجه، فوق الذَّقَن إلى ما دون الأذن، وإنما فَعَلت هذا؛ لدفع سورة الإحداد، وفي هذا الذي فعلته أم حبيبة، وزينب - ﵄ - مع الحديث المذكور دلالة لجواز الإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام، فما دونها. انتهى . (ثُمَّ قَالَتْ) أمّ حبيبة - ﵂ - (وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ) «من» زائدة، وفي رواية: «حاجةٌ» (غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقَولُ عَلَى الْمِنْبَرِ) أي: حال كونه قائمًا على المنبر («لَا يَحِلُّ) نفي بمعنى النهي، للتأكيد، واستُدلّ به على تحريم الإحداد على غير الزوج، وهو واضحٌ، وعلى وجوب الإحداد المدّةَ المذكورةَ على الزوج. واستُشكل بأن الاستثناء وقع بعد النفي، فيدلّ على الحلّ فوق الثلاث على الزوج، لا على الوجوب. وأجيب بأن الوجوب استُفيد من دليل آخر؛ كالإجماع. ورُدّ بأن المنقول عن الحسن البصريّ أن الإحداد لا يجب، أخرجه ابن أبي شيبة، ونَقَلَ الخلّال بسنده عن أحمد، عن هُشيم، عن داود، عن الشعبيّ؛ أنه كان لا يعرف الإحداد. قال أحمد: ما كان بالعراق أشدّ تبحّرًا من هذين - يعني الحسن والشعبيّ - قال: وخفي ذلك عليهما. انتهى. ومخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج، وإن كان فيها ردّ على من ادّعى الإجماع، وفي أثر الشعبيُّ تعقّبٌ على ابن المنذر، حيث نفى الخلاف في المسألة، إلَّا عن الحسن. وأيضًا فحديث التي شَكَت عينها - وهو الثالث من الأحاديث المذكورة هنا - دالّ على الوجوب، وإلا لَمْ يمنع التداوي المباح. وأجيب أيضًا بأن السياق يدلّ على الوجوب، فإن كلّ ما منع منه إذا دلّ دليلٌ على جوازه كان ذلك الدليل دالًّا بعينه على الوجوب؛ كالختان، والزيادة على الركوع في الكسوف، ونحو ذلك، قاله في «الفتح» . (لِامْرَأَةٍ) تمسّك بمفهومه الحنفيّة، فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة، وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليها، كما تجب العدّة، وأجابوا عن التقييد بالمرأة أنه خرج مخرج الغالب، وعن كونها غير مكلّفة؛ لأن الولي هو المخاطب بمنعها مما تُمنع منه المعتدّة، ودخل في عموم قوله: «امرأة» المدخول بها، وغير المدخول بها حرّة كانت، أو أمة، ولو كانت مبعّضة، أو مكاتَبة، أو أم ولد إذا تُوُفّي عنها زوجها، لا سيّدها لتقييده في الخبر، خلافًا للحنفيّة. (تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) استدلّ النسائيّ - ﵀ - بهذا على اختصاص الإحداد بالمسلمة، فترجم بقوله: «تركُ الزينة للحادّة المسلمة، دون اليهوديّة والنصرانيّة»، وبه قال الحنفيّة، وبعض المالكيّة، وأبو ثور؛ وذلك لتقييده بالإيمان. وأجاب الجمهور بأنه ذُكِر تاكيدًا للمبالغة في الزجر، فلا مفهوم له، كما يقال: هذا طريق المسلمين، وقد يسلكه غيرهم. وأيضًا فالإحداد من حقّ الزوج، وهو ملتحق بالعدة في حفظ النسب، فتدخل الكافرة في ذلك بالمعنى كما دخل الكافر في النهي عن السَّوْم على سَوْم أخيه، ولأنه حقّ للزوجية، فأشبه النفقة والسكنى. ونقل السبكيّ في فتاويه عن بعضهم أن الذميّة داخلة في قوله: «تؤمن بالله، واليوم الآخر»، ورَدّ على قائله، وبيّن فساد شبهته، فأجاد. وقال النوويّ: قيّد بوصف الإيمان؛ لأن المتّصف به هو الذي ينقاد للشرع، قال ابن دقيق العيد: والأول أولى، وفي رواية عند المالكيّة أن الذّمّيّة المتوفّى عنها تعتدّ بالأقراء، قال ابن العربيّ: هو قول من قال: لا إحداد عليها. (تَحِدُّ) بضم أوله، من الإحداد رباعيًّا، وبفتحه، من الحدّ، ثلاثيًّا، وهو على حذف«أن»المصدريّة، ورفع الفعل، وهو مقيس، كما في قوله - ﷿ -: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وهو في تأويل المصدر فاعل«يحلّ »؛ أي: لا يحل لها الإحداد (عَلَى مَيْتٍ) بسكون الياء، وتشديدها، واستُدِلّ به لمن قال: لا إحداد على امرأة المفقود؛ لأنه لَمْ تتحقّق وفاته، خلافًا للمالكية (فَوْقَ ثَلَاثٍ) يعني ثلاث ليال، ولذا ذكّر العدد؛ لكون المعدود مؤنَثًا، فتنبّه. وقال ابن بطّال - ﵀ -: أباح الشارع للمرأة أن تحدّ على غير الزوج ثلاثة أيام؛ لِمَا يَغْلِب من لَوْعة الحزن، ويهجُمُ من أليم الوجد، وليس واجبًا؛ للاتفاق على أن الزوج لو طالبها بالجماع لَمْ يحلّ لها منعه في تلك الحالة. وقال القرطبيّ - ﵀ -: ويستفاد منه أن المرأة إذا مات حميمها، فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة، تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات حميمها في بقيّة يوم أو ليلة الغتها، وحسبت من الليلة القابلة المستأنفة. انتهى . (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) أُخِذَ من هذا الحصر أن لا يُزاد على الثلاث في غير الزوج أبًا كان أو غيره. وأما ما أخرجه أبو داود في «المراسيل» من رواية عمرو بن شعيب «أن النبيّ - ﷺ - رخّص للمرأة أن تحدّ على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام»، فلو صحّ لكان خصوص الأب يخرج من هذا العموم، لكنه مرسلٌ، أو معضل؛ لأن جلّ رواية عمرو بن شعيب عن التابعين، ولم يرو عن أحد من الصحابة، إلَّا الشيء اليسير عن بعض صغار الصحابة. ووهم بعض الشّرَّاح، فتعقّب أبا داود تخريجه في «المراسيل»، فقال: عمرو بن شُعيب ليس تابعيًّا، فلا يخرّج حديثه في المراسيل. وهذا التعقّب مردود لما سبق؛ ولاحتمال أن يكون أبو داود كان لا يخصّ المراسيل برواية التابعيّ، كما هو منقول عن غيره أيضًا. واستُدلّ به للأصحّ عند الشافعيّة في أن لا إحداد على المطلّقة، فأما الرجعيّة، فلا إحداد عليها إجماعًا، وإنما الاختلاف في البائن، فقال الجمهور: لا إحداد عليها، وقالت الحنفيّة، وأبو عُبيد، وأبو ثور: عليها الإحداد؛ قياسًا على المتوفّى عنها، وبه قال بعض الشافعيّة، والمالكيّة. واحتجَّ الأولون بأن الإحداد شُرع لأن تركه من التطيب، واللبس، والتزيّن، يدعو إلى الجماع، فمُنعت المرأة منه زجرًا لها عن ذلك، فكان ذلك ظاهرًا في حقّ الميت؛ لأنه يمنعه الموت عن منع المعتدّة منه عن التزويج، ولا تراعيه هي، ولا تخاف منه، بخلاف المطلّق الحيّ في كلّ ذلك، ومن ثَمّ وجبت العدّة على كلّ متوفّى عنها، وإن لَمْ تكن مدخولًا بها، بخلاف المطلّقة قبل الدخول، فلا إحداد عليها اتفاقًا، وبأن المطلّقة البائن يمكنها العود إلى الزوج بعينه بعقد جديد. وتُعُقّب بأن الملاعنة لا إحداد عليها. وأجيب بأن تركه لفقدان الزوج بعينه، لا لفقدان الزوجيّة. واستُدلّ به على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال، فما دونها، وتحريمه فيما زاد عليها، وكأن هذا القدر أُبيح لأجل حظ النفس، ومراعاتها، وغلبة الطباع البشريّة، ولهذا تناولت أمّ حبيبة، وزينب بنت جحش - ﵄ - الطيب؛ لتخرجا عن عُهدة الاحداد، وصرّحت كلّ منهما بأنها لَمْ تتطيّب لحاجة، إشارةً إلى أن آثار الحزن باقيةٌ عندهما، لكنهما لَمْ يسعهما إلَّا امتثال الأمر. (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا») قال القرطبيّ:«أربعة»منصوب على الظرف، والعامل فيه«تحدّ»، و«عشرًا»معطوف عليه. انتهى . وقال الطيبيّ: الاستثناء في قوله:«إلَّا على زوج»متّصل، إذا جعل قوله:«أربعة أشهر»منصوبًا بمقدّر، بيانًا لقوله:«فوق ثلاث »؛ أي: أعني، أو أذكر، فهو من باب قوله:«ما اخترت إلَّا منكم رفيقًا»؛ لكون ما بعد«إلَّا»شيئين، فيقدّم المفسّر، أعني«أربعة أشهر»على الاستثناء، تقديره: لا تحدّ المرأة على ميت فوق ثلاث، أعني أربعة أشهر، إلَّا على زوج، أو من قولك: ما ضرب أحدٌ أحدًا إلَّا زيدٌ عمرًا، وإذا جُعل معمولًا لـ«تحدّ» مضمرًا، كان منقطعًا، فالتقدير: لا تحدّ امرأة على ميت، فوق ثلاث، لكن تحدّ على زوج أربعة أشهر. انتهى . قيل: الحكمة في كونه أربعة أشهر وعشرًا أن الولد يتكامل تخليقه، وتنفخ فيه الروح بعد مضيّ مائة وعشرين يومًا، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلّة، فجُبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط، وذَكَرَ العشر مؤنّثًا؛ لإرادة الليالي، والمراد مع أيامها عند الجمهور، فلا تحلّ حتى تدخل الليلة الحادية عشرة، وعن الأوزاعيّ، وبعض السلف: تنقضي بمضيّ الليالي العشر بعد مضيّ الأشهر، وتحلّ في أول اليوم العاشر. واستُثنيت الحامل كما تقدّم شرح حالها في الكلام على حديث سُبيعة بنت الحارث الأسلميّة - ﵂ -. وقد ورد في حديث قويّ الإسناد، أخرجه أحمد، وصححه ابن حبّان، عن أسماء بنت عُميس - ﵂ -، قالت: «دخل عليّ رسول الله - ﷺ - اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب، فقال: لا تُحدّي بعد يومك هذا»، لفظ أحمد، وفي رواية له، ولابن حبّان، والطحاويّ: «لَمّا أُصيب جعفر أتانا رسول الله - ﷺ -، فقال: تَسَلّبي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئت». قال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفّى عنها بعد اليوم الثالث؛ لأن أسماء بنت عُميس، كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتفاق، وهي والدة أولاده: عبد الله، ومحمد، وعون، وغيرهم، قال: بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز. وأجاب بأن هذا الحديث شاذّ مخالفٌ للأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه، قال: ويحتمل أن يقال: إن جعفرًا قُتل شهيدًا، والشهداء أحياء عند ربّهم، قال: وهذا ضعيف؛ لأنه لَمْ يرد في حقّ غير جعفر، من الشهداء، ممن قُطع بأنهم شُهداء، كما قُطع لجعفر، كحمزة بن عبد المطّلب عمه، وكعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر. انتهى كلام العراقيّ، ملخّصًا. وأجاب الطحاويّ بأنه منسوخ، وأن الإحداد كان على المعتدة في بعض عدّتها في وقت، ثم أُمرت بالإحداد أربعة أشهر وعشرًا، ثم ساق أحاديث الباب، وليس فيها ما يدلّ على ما ادَّعاه من النسخ، لكنّه يُكثر من ادِّعاء النسخ بالاحتمال، فجرى على عادته، وَيحْتَمِل وراء ذلك أجوبة أخرى: [أحدهما]: أن يكون المراد بالإحداد المقيّد بالثلاث قدرًا زائدًا على الإحداد المعروف، فَعَلَتْه أسماء مبالغة في حزنها على جعفر، فنهاها عن ذلك بعد الثلاث. [ثانيها]: أنَّها كانت حاملًا، فوضعت بعد ثلاث، فانقضت العدّة، فنهاها بعدها عن الإحداد، ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى: «ثلاثًا»؛ لأنه يُحمل على أنه - ﷺ - اطّلع على أن عدّتها تنقضي عند الثلاث. [ثالثها]: لعله كان أبانها بالطلاق قبل استشهاده، فلم يكن عليها إحداد. [رابعها]: أن البيهقيّ أَعَلّ الحديث بالانقطاع، فقال: لَمْ يثبت سماع عبد الله بن شدّاد من أسماء، وهذا تعليلٌ مدفوع، فقد صححه أحمد، لكنه قال: إنه مخالفٌ للأحاديث الصحيحة في الإحداد. وهو مصير منه إلى أنه يُعلّه بالشذوذ، وذكر الأثرم أن أحمد سُئل عن حديث حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر، رفعه: «لا إحداد فوق ثلاث»؟ فقال: هذا منكر، والمعروف عن ابن عمر من رأيه. انتهى. وهذا يَحْتَمِل أن يكون لغير المرأة المعتدّة، فلا نكارة فيه، بخلاف حديث أسماء، والله أعلم. وأغرب ابن حبّان، فساق الحديث بلفظ: «تسلّمي» بالميم، بدل الموحدة، وفسّره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله، ولا مفهوم لتقييدها بالثلاث، بل الحكمة فيه كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشدّ، فلذلك قيّدها بالثلاث، هذا معنى كلامه، فصحّف الكلمة، وتكلّف لتأويلها. وقد وقع في رواية البيهقيّ وغيره: «فأمرني رسول الله - ﷺ - أن أتسلّب ثلاثًا»، فتبيّن خطؤه، قاله في «الفتح» . (قَالَتْ زينَبُ) - ﵂ -، بالسند السابق، وهذا هو الحديث الثاني (ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) أم المؤمنين - ﵂ -. قال في «الفتح»: وظاهره أن هذه القصّة وقعت بعد قصّة أم حبيبة - ﵂ -، ولا يصحّ ذلك إلَّا إن قلنا بالتعدّد، ويكون ذلك عقب وفاة يزيد بن أبي سفيان؛ لأن وفاته سنة ثمان عشرة، أو تسع عشرة، ولا يصحّ أن يكون ذلك عند وفاة أبيه؛ لأن زينب بنت جحش ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين، على الصحيح المشهور عند أهل العلم بالأخبار، فيُحْمَل على أنَّها لَمْ تُرِد ترتيب الوقائع، وإنما أرادت ترتيب الأخبار. وقد وقع في رواية أبي داود بلفظ: «ودخلت»، وذلك لا يقتضي الترتيب، والله أعلم. انتهى. (حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَما) قال الحافظ - ﵀ -: لَمْ أتحقّق من المراد به؟ لأن لزينب ثلاثة إخوة: عبد الله، وعبد، بغير إضافة، وعبيد الله بالتصغير، فأما المكبَّر، فاستُشهد بأحد، وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدًّا؛ لأن أباها أبا سلمة مات بعد بدر، وتزوّج النبيّ - ﷺ - أمها، أم سلمة، وهي صغيرة تَرْضَع، فقد ثبتٌ أن أمها حلّت من أبي سلمة بوضع زينب هذه، فانتفى أن يكون هو المراد هنا، وإن كان وقع في كثير من «الموطّآت» بلفظ: «حين توفّي أخوها عبد الله»، كما أخرجه الدارقطنيّ من طريق ابن وهب وغيره عن مالك. وأما عبدٌ بغير إضافة، فيُعرف بأبي أحمد ، وكان شاعرًا أعمي، وعاش إلى خلافة عمر - ﵁ -، وقد جزم ابن إسحاق وغيره من أهل العلم بالأخبار بأنه مات بعد أخته زينب بسنة. وروى ابن سعد في ترجمتها في «الطبقات» من وجهين أن أبا أحمد المذكور حضر جنازة زينب مع عمر - ﵁ -، وحكي عنه مراجعة له بسببها، وإن كان في إسنادهما الواقديّ، لكن يُستشهد به في مثل هذا، فانتفى أن يكون هذا الأخير المراد. وأما عُبيد الله المصغّر، فأسلم قديمًا، وهاجر بزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى الحبشة، ثم تنصّر هناك، ومات، فتزوّج النبيّ - ﷺ - بعده أم حبيبة، فهذا يَحْتَمِل أن يكون هو المراد؛ لأن زينب بنت أبي سلمة عندما جاء الخبر بوفاة عبيد الله، كانت في سنّ من يَضبط، ولا مانع أن يحزن المرء على قريبه الكافر، ولا سيّما إذا تذكّر سوء مصيره، ولعلّ الرواية التي في «الموطّإ»: «حين توفّي أخوها عبد الله» كانت بالتصغير، فلم يَضبطها الكاتب، والله أعلم. ويعكُر على هذا قول من قال: إن عُبيد الله مات بأرض الحبشة، فتزوّج النبيِّ - ﷺ - أم حبيبة، فإن ظاهرها أن تزويجها كان بعد موت عُبيد الله، وتزويجها وقع بأرض الحبشة، وقبل أن تسمع النهي. وأيضًا ففي السياق: «ثم دخلت على زينب» بعد قولها: «دخلت على أم حبيبة»، وهو ظاهر في أن ذلك كان بعد موت قريب زينب بنت جحش المذكور، وهو بعد مجيء أم حبيبة من الحبشة بمدّة طويلة، فإن لَمْ يكن هذا الظنّ هو الواقع احتمل أن يكون أخًا لزينب بنت جحش من أمها، أو من الرضاعة، أو يُرجّح ما حكاه ابن عبد البرّ وغيره من أنّ زينب بنت أبي سلمة وُلدت بأرض الحبشة، فإن مقتضى ذلك أن يكون لها عند وفاة عبد الله بن جحش أربع سنين، ومثلها يَضبِط في مثلها، والله أعلم. قاله في «الفتح» . (فَدَعَتْ بِطِيبٍ، فَمَسَّتْ مِنْهُ) وفي رواية «به» أي: مسّت جسدها من ذلك الطيب، أو بذلك الطيب (ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ) وفي رواية: «أما والله» (مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ) وفي رواية بحذف «من» (غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر، تُحِدُّ) تقدّم أنه بفتح أوله، وضمه، وأنه على تقدير حرف مصدريّ، وهو في تأويل المصدر فاعل»يحلّ«(عَلَى مَيْتٍ، فَوْقَ ثَلَاثٍ) أي: ثلاث لَيَالٍ (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) أي: فتحدّ عليه (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا») أي: أيامها، عند الجمهور، وقيل: عشر ليال، وقد تقدم تفصيل الخلاف في ذلك. (قَالَتْ زينَبُ) بالسند السابق، وهذا هو الحديث الثالث (سَمِعْتُ أمِّي أُمَّ سَلَمَةَ) أي: أم المؤمنين هند بنت أبي أميّة المخزوميّة - ﵄ - (تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) زاد في رواية الليث، عن حميد بن نافع: «جاءت امرأة من قريش»، وسمّاها ابن وهب في «موظئه»، وأخرجه إسماعيل القاضي في «أحكامه» من طريق عاتكة بنت نعيم بن عبد الله، أخرجه ابن وهب: «عن أبي الأسود النوفليّ، عن القاسم بن محمد، عن زينب، عن أمها، أم سلمة؛ أن عاتكة بنت نُعيم بن عبد الله، أتت تستفتي رسول الله - ﷺ -، فقالت: إن ابنتي تُوفّي عنها زوجها، وكانت تحت المغيرة المخزوميّ، وهي تحدّ، وتشتكي عينها …» الحديث، وهكذا أخرجه الطبرانيّ من رواية عمران بن هارون الرمليّ، عن ابن لهيعة، لكنه قال: «بنت نُعيم»، ولم يسمّها. وأخرجه ابن منده في «المعرفة» من طريق عثمان بن صالح«عن عبد الله بن عُقبة، عن محمد بن عبد الرَّحمن، عن حميد بن نافع، عن زينب، عن أمها، عن عاتكة بنت نُعيم، أخت عبد الله بن نعيم، جاءت إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: إن ابنتها تُوفّي زوجها …» الحديث، وعبد الله بن عقبة هو ابن لَهِيعة، نسبه لجدّه، ومحمد بن عبد الرَّحمن هو أبو الأسود، فإن كان محفوظًا فلابن لهيعة طريقان، ولم تسمّ البنت التي توفّي زوجها، قال الحافظ - ﵀ -: ولم تُنسب فيما وقفت عليه، وأما المغيرة المخزوميّ، فلم أقف على اسم أبيه، وقد أغفله ابن منده في «الصحابة»، وكذا أبو موسى في «الذيل» عليه، وكذا ابن عبد البرّ، لكنه استدركه ابن فتحون عليه. انتهى كلام الحافظ . (إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ؛ يَا رَسُولَ الله، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا) قال النوويّ - ﵀ -: هو برفع النون، ووقع في بعض الأصول «عيناها» بالألف. انتهى . وقال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان ضمّ النون على الفاعليّة على أن تكون العين هي المشتكية، وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل، وهي المرأة، ورجّح هذا. ووقع في بعض الروايات: «عيناها» يعني ويرجّح الضمّ، وهذه الرواية في مسلم ، وعلى الضمّ اقتصر النوويّ، وهو الأرجح، والذي رجّح الأول هو المنذريّ. (أفَأَكْحُلُهَا؟) بضمّ الحاء المهملة، من باب قتل (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا»، مَرّتَيْن، أَوْ ثَلَاثًا) أي: سألته عن ذلك مرتين، أو ثلاث مرّات (كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا) وفي رواية شعبة، عن حميد بن نافع، فقال: «لا تكتحل»، قال النوويّ: فيه دليلٌ على تحريم الاكتحال على الحادّة، سواء احتاجت إليه، أم لا، وجاء في حديث أم سلمة - ﵂ - في «الموطإ» وغيره: «اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار». ووجه الجمع أنَّها إذا لَمْ تحتج إليه لا يحلّ، وإذا احتاجت لَمْ يجز بالنهار، ويجوز بالليل، مع أن الأولى تركه، فإن فعلت مسحته بالنهار. قال: وتأوّل بعضهم حديث الباب على أنه لَمْ يتحقّق الخوف على عينها. وتُعُقّب بأن في حديث شعبة المذكور «فخشُوا على عينها»، وفي رواية ابن منده المتقدّم ذكرها: «رَمِدت رَمَدًا شديدًا، وقد خَشِيت على بصرها»، وفي رواية الطبرانيُّ أنَّها قالت في المرّة الثانية: «إنها تشتكي عينها فوق ما يظنّ، فقال: لا»، وفي رواية القاسم بن أصبغ، أخرجها ابن حزم: «إني خشيت أن تنفقئ عينها، قال: لا، وإن انفقأت»، وسنده صحيح، وبمثل ذلك أفتت أسماء بنت عُميس، أخرجه ابن أبي شيبة، وبهذا قال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقًا، وعنه يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه، وبه قال الشافعيّة مقيّدًا بالليل. وأجابوا عن قصّة المرأة باحتمال أنه كان يحصل لها البرء بغير الكحل؛ كالتضميد بالصبر ونحوه. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن صفيّة بنت أبي عبيد أنَّها أحدّت على ابن عمر، فلم تكتحل حتى كادت عيناها تزيغان، فكانت تقطر فيهما الصبر. ومنهم من تأول النهي على كحل مخصوص، وهو ما يقتضي التزيّن به؛ لأن محض التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه، فلم ينحصر فيما فيه زينة. وقالت طائفة من العلماء: يجوز ذلك، ولو كان فيه طيب، وحملوا النهي على التنزيه؛ جمعًا بين الأدلّة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالمنع مطلقًا هو الصواب؛ لقوة أدلته، والله تعالى أعلم. (ثمَّ قَالَ) - ﷺ - («إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ) ووقع في»البخاريّ: «أربعةَ أشهر وعشرًا» بالنصب، قال في «الفتح»: كذا في الأصل بالنصب على حكاية لفظ القرآن، ولبعضهم بالرفع، وهو أوضح. وقال ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى تقليل المدّة بالنسبة لما كان قبل ذلك، وتهوين الصبر عليها، ولهذا قال بعده. (وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ») وفي التقييد بالجاهليّة إشارة إلى أن الحكم في الإسلام صار بخلافه، وهو كذلك بالنسبة لما وصف من الصنيع، لكن التقدير بالحول استمرّ في الإسلام بنصّ قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، ثم نُسخت بالآية التي قبلُ، وهي: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وقال النوويّ - ﵀ -: قوله:«إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكنّ في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» معناه: لا تستكثرن العدّة، ومنع الاكتحال فيها، فإنها مدة قليلة، وقد خُفِّفت عنكنّ، وصارت أربعة أشهر وعشرًا، بعد أن كانت سنة، وفي هذا تصريح بنسخ الاعتداد سنةً المذكورِ في سورة البقرة في الآية الثانية. وأما رميها بالبعرة على رأس الحول، فقد فَسَّره في الحديث، قال بعض العلماء: معناه: أنَّها رمت بالعدّة، وخرجت منها؛ كانفصالها من هذه البعرة، ورميها بها، وقال بعضهم: هو إشارة إلى أن الذي فعلته، وصبرت عليه، من الاعتداد سنة، ولبسها شرّ ثيابها، ولزومها بيتًا صغيرًا هَيِّن بالنسبة إلى حقّ الزوج، وما يستحقه من المراعاة، كما يهون الرمي بالبعرة. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «وقد كانت إحداكنّ إلخ» هذا منه - ﷺ - إخبارٌ عن حالة المتوفَّى عنهنّ أزواجهنّ قبل ورود الشرع. وحاصله أنهنّ كنّ يُقمن في بيوتهنّ حولًا ملازمات لحالة الشَّعَث، والْبَذَاذة، والتَّفَل، ووحشة المسكن، وفي شرار الثياب، والأحلاس إلى أن ينقضي الحول، وعند ذلك تخرج، فترمي ببعرة، مشعرةً بأن أمر العدّة المذكورة، وإن كان شديدًا، قد هان عليها في حقّ من مات عنها، كرمي البعرة. وقيل: إن معنى ذلك أنَّها رمت بالعدّة وراء ظهرها، كما رمت بالبعرة، فلما جاء الإسلام أمرهنّ الله تعالى بملازمة البيوت حولًا، وقد دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠]، وأشهر قول المفسّرين فيها، وأحسنه أن المتوفَّى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفّى حولًا، ويُنفَق عليها من ماله ما لَمْ تخرج من المنزل، فإن خرجت لَمْ يكن على الورثة جُناح في قطع النفقة عنها، ثم نُسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونُسخت النفقة بالربع، أو الثمن، قاله ابن عبّاس، وقتادة، والضحاك، وعطاء، وغيرهم، وفي هذه الآية مباحث كثيرةٌ لذكرها موضع آخر. قال القاضي عياض: والإجماع منعقد على أن الحول منسوخٌ، وأن عدّتها أربعة أشهر وعشر، يعني أنَّها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]. انتهى . (قَالَ حُمَيْدٌ) هو ابن نافع، راوي الحديث، وهو موصول بالإسناد المبدوء به (فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ) بنت أبي سلمة - ﵂ - (وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟) أي: بيّني لي المراد بهذا الكلام الذي خوطبت به هذه المرأة (فَقَالَتْ زينَبُ) - ﵂ - (كَانَتِ الْمَرْأَةُ، إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا) قال في «الفتح»: هكذا في هذه الرواية لم تسنده زينب، ووقع في رواية شعبة، مرفوعًا كله، لكنه باختصار، ولفظه: «فقال: لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شرّ أحلاسها، أو شرّ بيتها، فإذا كان حولٌ، فمرّ كلبٌ رمت ببعرة، فلا، حتى تمضي أربعة أشهر وعشرٌ». قال الحافظ: وهذا لا يقتضي إدراج رواية الباب؛ لأن شعبة من أحفظ الناس، فلا يقضى على روايته برواية غيره بالاحتمال، ولعل الموقوف ما في رواية الباب من الزيادة التي ليست في رواية شعبة. انتهى. لكن تعقّب هذا الزرقاني في «شرح الموطإ» حيث قال بعد نقل كلام الحافظ هذا: وقد يرد عليه أن ذلك ليس بالاحتمال، فقد صرّح هو في «شرح نخبته» تبعًا لغيره بأن مما يُعرف به الإدراج مجيء رواية مبيّنة للقدر المدرج، وما هنا من ذلك، فإن رواية مالك عن شيخه، عن حميد بيّنت أن التفسير من زينب، وكون شعبة من الحفّاظ لا يقتضي أنه لا يروي ما فيه المدرج، فلم يزل الحفّاظ يروونه كثيرًا؛ كابن شهاب وغيره. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ادَّعَوه من الإدراج في رواية شعبة لا يظهر لي وجهه، فإن أصل الحديث مرفوع، لا إدراج فيه، وإنما التفسير الواقع في رواية مالك بطوله من زينب - ﵂ -، فلا إدراج في رواية شعبة الآتية بعد حديث، ونحوها رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ الآتية بعد ثلاثة أحاديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (دَخَلَتْ حِفْشًا) - بكسر الحاء المهملة، وإسكان الفاء، بعدها شين معجمة - أي: بيتًا صغيرًا حقيرًا، قريب السِّمْك، قاله النوويّ . وقال مالك - ﵀ -: «الحفش البيت الرديء»، وفي رواية عنه: «الصغير جدًّا»، وهما بمعنًى، فرداءته لصغره. وفسره مالك أيضًا بالخصّ، وهو - بضم الخاء المعجمة، وتشديد الصاد المهملة -: البيت من القصب، والجمع أَخصاص، مثل قُفْل وأَقفال. وقال الشافعيّ: الحِفْش: البيت الذليل الشَّعِث البناء، وقيل: هو شيء من خُوص يُشبه القُفّة، تَجمع فيه المعتدّة متاعها من غزل، أو نحوه. قال في «الفتح»: وظاهر سياق القصّة يأبى هذا، ففي رواية يحيى الأنصاريّ، عن حميد بن نافع: «عَمَدَت إلى شرّ بيت لها، فجلست فيه»، ولعلّ أصل الحفش ما ذُكر، ثم استعمل في البيت الصغير الحقير على طريق الاستعارة. انتهى . (وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا، وَلَا شَيْئًا) أي: مما يُتزيَّن به (حَتَّى تَمُرَّ بِهَا) وفي رواية: «لها» (سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ) بالتنوين (حِمَارٍ) بالجرّ على البدل (أَوْ شَاةٍ، أَوْ طَيْرٍ) «أو» فيهما للتنويع، لا للشكّ، وإطلاق الدابّة على ما ذُكر هو بطريق الحقيقة اللغويّة، لا العرفيّة. وقال القرطبيّ: سُمّيت هذه كلها دوابّ؛ لأنها تدبّ؛ أي: تمشي، وهذه تسمية لغويّة أصليّة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ الآية [هود: ٦] انتهى . (فَتَفْتَضُّ بِهِ) بفاء، ثم مثنّاة، ثم ضاد معجمة مشدّدة، والباء في «به» سببيّة، وجوّز الكرمانيّ أن تكون للتعدية، أو تكون زائدة؛ أي: تفتضّ الطائر بأن تكسر بعض أعضائه. انتهى. لكن يردّه ما يأتي من تفسير الافتضاض صريحًا. وقال مالك - ﵀ -: معنى «تفتضّ لما؛ أي:»تمسح به جلدها«، قال في»الفتح«: وأصل الفضّ الكسر؛ أي: تكسر ما كانت فيه، وتخرُج منه بما تفعله بالدابّة. ووقع في رواية النسائيّ:«تقبص»بقاف، ثم موحّدة، ثم مهملة خفيفة، وهي رواية الشافعيّ، والقبص الأخذ بأطراف الأنامل، والضبط الأول أشهر. قال الأصبهانيّ، وابن الأثير: هو كناية عن الإسراع؛ أي: تذهب بعَدْو، وسرعة إلى منزل أبويها؛ لكثرة حيائها؛ لقبح منظرها، أو لشدّة شوقها إلى التزويج؛ لبُعد عهدها به. وقال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض، فذكروا أن المعتدّة، كانت لا تمسّ ماءً، ولا تقلّم ظفرًا، ولا تُزيل شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتضّ؛ أي: تكسر ما هي فيه من العدّة بطائر تمسح به قُبُلَها، وتنبذه، فلا يكاد يَعيش بعدما تفتضّ به. وهذا لا يخالف تفسير مالك، لكنه أخصّ منه؛ لأنه أطلق الجلد، وتبيّن أن المراد به جلد القُبُل. وقال ابن وهب: معناه أنها تمسح بيدها على الدابّة، وعلى ظهره، وقيل: المراد تمسح به، ثم تفتضّ؛ أي: تغتسل، والافتضاض: الاغتسال بالماء العذب؛ لإزالة الوسخ، وإرادة النقاء، حتى تصير بيضاء نقيّة كالفضّة، ومن ثمّ قال الأخفش: معناه تتنظّف، فتنتفي من الوسخ، فتشبه الفضّة في نقائها وبياضها، والغرض بذلك الإشارة إلى إهلاك ما هي فيه، ومن الرمي الانفصال منه بالكلّيّة. انتهى. (فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ، إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ) بالبناء للفاعل؛ أي: تخرج تلك المعتدّة من حفشها (فَتُعْطَى) بالبناء للمفعول (بَعْرَةً) بفتح الموحّدة، وسكون المهملة، ويجوز فتحها (فَتَرْمِي بِهَا) وفي رواية مطرّف، وابن الماجشون، عن مالك: «ترمي ببعرة من بعر الغنم، أو الإبل، فترمي بها أمامها، يكون ذلك إحلالًا لها»، وفي رواية ابن وهب: «فترمي ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها»، ووقع في رواية شعبة المذكورة: «فإذا كان حولٌ، فمرّ كلبٌ رمت ببعرة»، وظاهره أن رميها البعرة يتوقّف على مرور الكلب، سواء طال زمن انتظار مروره، أم قصر، وبه جزم بعض الشرّاح، وقيل: ترمي بها من عرض، من كلب، أو غيره، ترمي من حضرها أن مقامها حولًا أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبًا أو غيره. وقال عياضٌ: يمكن الجمع بأن الكلب إذا مرّ افتضّت به، ثم رمت البعرة، قال الحافظ: ولا يخفى بُعده، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيّما إذا كان حافظًا، فإنه لا منافاة بين الروايتين حتى يحتاج إلى الجمع. واختُلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدّة رمي البعرة، وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربّص، والصبر على البلاء الذي كانت فيه لما انقضى، كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها؛ استحقارًا له، وتعظيمًا لحق زوجها، وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل بعدم عودها إلى مثل ذلك، قاله في «الفتح» . (ثُمَّ تُرَاجعُ) بضم المثناة الفوقيّة، مبنيًّا للفاعل، من المراجعة (بَعْدُ) أي: بعدما ذُكر من الافتضاض، والرمي (مَا شَاءَتْ، مِنْ طِيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ) مما كانت ممنوعة منه في تلك المدّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زينب بنت أبي سلمة، عن أمهات المؤمنين الثلاثة - ﵅ - متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٣٧٢٤ و٣٧٢٥ و٣٧٢٦ و٣٧٢٧ و٣٧٢٨ و٣٧٢٩] (١٤٨٦)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٢٨٢) و«الطلاق» (٥٣٣٤ و٥٣٣٥ و٥٣٣٦)، و(أبو داود) في «الطلاق» (٢٢٩٩)، و(الترمذيّ) في «الطلاق» (١١٩٦ و١١٩٧)، و(النسائيّ) في «الطلاق» (٦/ ٢٠١ - ٢٠٢) و«الكبرى» (٣/ ٣٩٤ و٣٩٦)، و(ابن ماجه) في «الطلاق» (٢٠٨٤)، و(مالك) في «الموطإ» (٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ٦١ - ٦٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٢١٣٠)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٣٠٤ و٣٠٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٢٩١ و٢٩٢ و٣١١ و٣٢٤ و٣٢٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٦٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٣٠٤)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٧٦٥ و٧٦٨)، و(الطبرا نيّ) في «الكبير» (٢٣/ ٤٢٢ و٤٢٣ و٤٢٤ و٤٢٥ و٤٢٦ و٤٢٧ و٨١٣ و٨١٥ و٨١٦ و٨١٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ١٩٣ و١٩٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٤٣٧) و«المعرفة» (٦/ ٥٩ - ٦٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٣٨٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه يدلّ على وجوب الإحداد على المعتدّة من وفاة زوجها، وهو مجمع عليه في الجملة، وإن اختلفوا في تفصيله، على ما سيأتي بيانه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): بيان وجوب عدّة المتوفّى عنها زوجها، وبيان مدّته، وهو أربعة أشهر وعشرة أيام، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. [فإن قيل]: حديث الباب لا يدلّ على وجوب العدّة، فمن أين يؤخذ الوجوب؟ [قلت]: يؤخذ من الأدلة الأخرى، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وكنهيه - ﷺ - عن كَحْل عين تلك المرأة مع وجود المرض، فإنه دليل وجوب الإحداد، فيكون تقدير قوله - ﷺ -: «أربعة أشهر وعشرًا» أي: يجب عليها أن تُحدّ هذه المدّة. ٣ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وأنها لو كانت حاملًا، فزاد حملها على هذه المدّة لم يلزمها الإحداد، وبهذا قال الجمهور، وقالت المالكيّة: عليها الإحداد إلى أن تضع؛ نظرًا إلى المعنى؛ إذ كلّ ذلك عدة من وفاة، وإنما خصّ ذلك العدد بالذكر؛ لأن الْحُيَّلَ من النساء أغلب، وهنّ الأصل، والحمل طارئ، قاله القرطبيّ . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الجمهور هو الأرجح عندي؛ لموافقته لظاهر النصّ، فتأمل، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): جواز الإحداد للمرأة على أقاربها لمدة ثلاثة أيام، فما دونها. ٥ - (ومنها): أن الإحداد لا يجب إلا على المرأة المسلمة، لقوله - ﷺ -: «تؤمن بالله واليوم الآخر». ٦ - (ومنها): أن قوله - ﷺ -: «لا» في جواب «أفنكحُلها؟»، وقوله: في حديث أم عطية - ﵂ - المذكور بعده: «لا تكتحل» دليل على تحريم الاكتحال على الحادّة، سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في الحديث الآخر في «الموطإ» وغيره في حديث أم سلمة - ﵂ -: «اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار». ووجه الجمع بين الأحاديث أنها إذا لم تحتج إليه لا يحلّ لها، وإن احتاجت لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل، مع أن الأولى تركه، فإن فعلته مسحته بالنهار، فحديث الإذن فيه؛ لبيان أنه بالليل للحاجة غير حرام، وحديث النهي محمول على عدم الحاجة، وحديث التي اشتكت عينها، فنهاها محمول على أنه نهي تنزيه، وتأوّله بعضهم على أنه لم يتحقق الخوف على عينها. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن تأويل بعضهم بعد تحقّق الخوف أقرب، والله تعالى أعلم. وقد اختَلَف العلماء في اكتحال المحدّة، فقال سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، ومالك في رواية عنه: يجوز إذا خافت على عينها بكحل لا طيب فيه، وجوّزه بعضهم عند الحاجة، وإن كان فيه طيب، قال النوويّ - ﵀ -: ومذهبنا جوازه ليلًا عند الحاجة بما لا طيب فيه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ - ﵀ - هو الأرجح عندي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الإحداد على المرأة المتوفّى عنها زوجها: قال النوويّ - ﵀ -: يجب على كلّ معتدّة عن وفاة، سواءٌ المدخول بها، وغيرها، والصغيرة، والكبيرة، والبكر، والثيِّب، والحرّة، والأمة، والمسلمة، والكافرة، هذا مذهب الشافعيّ، والجمهور. وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين، وأبو ثور، وبعض المالكية: لا يجب على الزوجة الكتابية، بل يختص بالمسلمة، لقوله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر»، فخصَّه بالمؤمنة، ودليل الجمهور أن المؤمن هو الذي يستثمر خطاب الشارع، وينتفع به، وينقاد له، فلهذا قُيِّد به. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن ما ذهب إليه الحنفيّة، ومن معهم من أن الوجوب خاصّ بالمسلمة هو الأقرب؛ لظاهر النصّ، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. قال: وقال أبو حنيفة أيضًا: لا إحداد على الصغيرة، ولا على الزوجة الأمة. وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد، ولا على الأمة إذا تُوُفّي عنهما سيدهما، ولا على الزوجة الرجعية. واختلفوا في المطلقة ثلاثًا، فقال عطاء، وربيعة، ومالك، والليث، والشافعيّ، وابن المنذر: لا إحداد عليها، وقال الحكم، وأبو حنيفة، والكوفيون، وأبو ثور، وأبو عبيد: عليها الإحداد، وهو قول ضعيف للشافعيّ. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الأولون من أن وجوب الإحداد خاصّ بالمتوفّى عنها زوجها، ولا إحداد على المطلقة البائن هو الأرجح؛ لقوله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر تُحدّ على ميت، إلا على زوج …» الحديث، فخصّ الإحداد بالميت، بعد تحريمه في غيره، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم. قال: وحَكَى القاضي قولًا عن الحسن البصريّ؛ أنه لا يجب الإحداد على المطلقة، ولا على المتوفَّى عنها، وهذا شاذّ غريب. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بطلان هذا القول، فتأمله، والله تعالى أعلم. قال القاضي عياض - ﵀ -: واستفيد وجوب الإحداد في المتوفّى عنها من اتفاق العلماء على حمل الحديث على ذلك، مع أنه ليس في لفظه ما يدل على الوجوب، ولكن اتفقوا على حمله على الوجوب مع قوله - ﷺ - في الحديث الآخر، حديثِ أم سلمة، وحديثِ أم عطية في الكُحل، والطيب، واللباس، ومنعها منه، والله أعلم. انتهى . [تنبيه]: قال العلماء: والحكمة في وجوب الإحداد في عدّة الوفاة دون الطلاق؛ لأن الزينة، والطيب، يدعوان إلى النكاح، ويوقعان فيه، فنُهيت عنه؛ ليكون الامتناع من ذلك زاجرًا عن النكاح؛ لكون الزوج ميتًا، لا يَمنع معتدته من النكاح، ولا يراعيه ناكحها، ولا يخاف منه، بخلاف المطلق الحيّ، فإنه يُستغنَى بوجوده عن زأجر آخر، ولهذه العلة وجبت العدّة على كل متوفًى عنها، وإن لم تكن مدخولًا بها، بخلاف الطلاق، فاستُظهر للميت بوجوب العدّة، وجُعلت أربعة أشهر وعشرًا؛ لأن الأربعة فيها ينفخ الروح في الولد إن كان، والعشر احتياطًا، وفي هذه المدة يتحرك الولد في البطن، قالوا: ولم يوكل ذلك إلى أمانة النساء، ويجعل بالإقراء كالطلاق؛ لما ذكرناه من الاحتياط للميت، وَلَمّا كانت الصغيرة من الزوجات نادرةً أُلحقت بالغالب في حكم وجوب العدّة، والإحداد ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدّة المتوفّى عنها زوجها: قال العلّامة ابن قُدامة - ﵀ -: أجمع أهل العلم على أن عدّة الحرّة المسلمة، غير ذات الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرٌ، مدخولًا بها، أو غير مدخول بها، وسواء كانت كبيرة، أو صغيرةً، لم تبلغ، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقوله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة …» الحديث المذكور في الباب. [فإن قيل]: ألا حملتم الآية على المدخول بها، كما قلتم في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؟ [قلنا]: إنما خصّصنا هذه بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولم يَرِد تخصيص عدّة الوفاة، ولا أمكن قياسها على المطلقة في التخصيص لوجهين: [أحدهما]: أن النكاح عقدُ عُمُرٍ، فإذا مات انتهى، والشيء إذا انتهى تقرّرت أحكامه، كتقرّر أحكام الصيام بدخول الليل، وأحكام الإجارة بانقضائها، والعدّة من أحكامه. [الثاني]: أن المطلّقة إذا أتت بولد يُمكن الزوج تكذيبها، ونفيه باللعان، وهذا ممتنعٌ في حقّ الميت، فلا يؤمَن أن تأتي بولد، فيلحق الميت نسبه، وما له من ينفيه، فاحتطنا بإيجاب العدّة عليها؛ لحفظها عن التصرّف، والمبيت في غير منزلها؛ حفظًا لها. إذا ثبت هذا، فإنه لا يُعتبر وجود الحيض في عدّة الوفاة في قول عامّة أهل العلم. وحكي عن مالك أنها إذا كانت حاملًا، مدخولًا بها وجبت أربعة أشهر وعشرٌ فيها حيضة، واتباع الكتاب والسنّة أولى؛ ولأنه لو اعتبر الحيض في حقّها لاعتُبر ثلاثة قروء، كالمطلّقة. وهذا الخلاف يختصّ بذوات القرء، وأما الآيسة، والصغيرة، فلا خلاف فيهما. وأما الأمة المتوفّى عنها زوجها، فعدّتها شهران وخمسة أيام، في قول عامّة أهل العلم، منهم سعيد بن المسيّب، وعطاء، وسليمان بن يسار، والزهريّ، وقتادة، ومالكٌ، والثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وغيرهم، إلا ابن سيرين، فإنه قال: ما أرى عدّة الأمة إلا كعدّة الحرّة؛ إلا أن تكون قد مضت في ذلك سنة، فإن السنّة أحقّ أن تُتّبع، وأخَذَ بظاهر النصّ وعمومه. واحتجّ الأولون باتفاق الصحابة - ﵃ - على أن عدّة الأمة المطلّقة على النصف من عدّة الحرّة، فكذلك عدة الوفاة. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن سيرين رحمه الله تعالى في مسألة عدة الأمة هو الحقّ؛ لظاهر الآية، وعدم دليل يخصّصها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في بيان الحكمة في كون عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا: قال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: إنما خصّ الله تعالى عدّة الوفاة بأربعة أشهر وعشر؛ لأن غالب الحمل يَبِين تحرّكه في تلك المدّة؛ لأن النطفة تبقى في الرحم أربعين، ثم تصير علقةً أربعين، ثم مضغة أربعين، فتلك أربعة أشهر، ثم يُنفخ فيه الروح بعد ذلك، فتظهر حركته في العشر الزائد على الأربعة الأشهر، وهذا ما جاء من حديث عبد الله بن مسعود - ﵀ -. وأنّث عشرًا؛ لأنه أراد به مدّة العشر. قاله المبرّد. وقيل: لأنه أراد الأيام بلياليها، وإلى هذا ذهب كافّة العلماء، فقالوا: عشرة أيام بعد الأربعة الأشهر. وقال الأوزاعيّ: إنما أنّث العشر؛ لأنه أراد الليالي، فعلى قول الجمهور: تحلّ باليوم العاشر بآخره، وعلى قول الأوزاعيّ تحلّ بانقضاء الليلة العاشرة. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . وقال ابن قدامة - ﵀ -: والعشر المعتبرة في العدّة هي عشر ليال بأيامها، فتجب عشرة أيام مع الليالي، وبهذا قال مالكٌ، والشافعيّ، وأبو عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وقال الأوزاعيّ: يجب عشر ليال وتسعة أيام؛ لأن العشر تستعمل في الليالي، دون الأيام، وإنما دخلت الأيام اللاتي في أثناء الليالي تبعًا. وأجيب بأن العرب تغلّب اسم التأنيث في العدد خاصّة على المذكّر، فتُطلق لفظ الليالي، وتريد الليالي بأيامها، كما قال الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، يريد بأيامها، بدليل أنه قال في موضع آخر: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، يريد بلياليها. انتهى بتصرّف يسير . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي ما قاله الأولون هو الأرجح؛ لوضوح حجته، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال: [٣٧٢٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ زينَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لِأُمِّ حَبِيبَةَ، فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَمَسَحَتْهُ بِذِرَاعَيْهَا، وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَصْنَعُ هَذَا؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». وَحَدَّثَتْهُ زينَبُ عَنْ أُمِّهَا، وَعَنْ زينَبَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَوْ عَن امْرَأَةٍ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلّهم ذُكروا في السند الماضي، وقبل باب، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي. وقوله: (تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لِأُمِّ حَبِيبَةَ) أي: قريب لها. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ - ﵀ - عند قوله: «تُوُفّي حميم لأم حبيبة» هكذا رواه أبو أحمد الْجُلُوديّ وغيره، ووقع في نسخة ابن الحذّاء: «تُوُفّي حميم لأم سلمة»، جَعل أم سلمة بدل أم حبيبة، ورواية أبي أحمد على الصواب، قال أبو عليّ: حدّثنا حكم بن محمد، قال: نا أبو بكر بن إسماعيل، قال: نا أبو بشر الدُّولابيّ، قال: نا أحمد الْمِصّيصيّ، قال: نا حجّاج بن محمد، قال: نا شعبة، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، قالت: تُوفّي حميم لأم حبيبة، فَدَعت بصُفْرة، وذكر الحديث إلى آخره. وفي حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن حُميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة؛ أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة، قال: قالت زينب: دخلت على أم حبيبة، زوج النبيّ - ﷺ - حين تُوُفّي أبوها أبو سفيان، قالت: ثم دخلتُ على زينب بنت جحش، ثم قالت: سمِعتُ أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - … الحديث. انتهى كلام الجيّانيّ - ﵀ - . وقوله: (وَحَدَّثَتْهُ زينَبُ) وفي بعض النسخ: «وحدّثتنيه زينب». وقوله: (أَوْ عَن امْرَأَةٍ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -) «أو» هنا للشكّ من الراوي، هل قالت: «وعن زينب»، فصرّحت باسمها، أو قالت: عن امرأة من بعض أزوج النبيّ - ﷺ -، فأبهمتها. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل الى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال: [٣٧٢٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدثنَا مُحَمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ زينَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ، تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّهَا؛ أَنَّ امْرَأَةٌ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَخَافُوا عَلَى عَيْنِهَا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَاسْتَأَذَنُوهُ فِي الْكُحْل، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَدْ كَانَتْ اِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا، فِي أَحْلَاسِهَا، أَوْ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا حَوْلًا، فَإِذَا مَرَّ كلْبٌ، رَمَتْ بِبَعْرَةٍ، فَخَرَجَتْ، أفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: وهم المذكورون قبله. وقوله: (أَن امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا) تقدّم أن المرأة لا يُعرف اسمها، وزوجها هو المغيرة المخزوميّ. وقوله: (فِي الْكُحْلِ) يَحْتَمل أن يكون بفتح الكاف مصدر «كَحَل»، من باب نصر، ويَحْتَمِل أن يكون بضمها، وهو - كما في «القاموس، -: الإثْمُد، وكلُّ ما وُضع في العين يُستشفى به، فعلى هذا يكون الكلام على حذف مضاف؛ أي: في استعمال الكُحل، والله تعالى أعلم. وقوله: (فِي أَحْلَاسِهَا) بفتح الهمزة، وإسكان الحاء المهملة: جمع حِلْس، بكسر، فسكون، والمراد شرّ ثيابها، كما قال في الرواية الأخرى، وهو مأخوذ من حِلْس البعير وغيره، من الدوابّ، وهو كالْمِسْح، يُجعل على ظهره . وقوله: (بِبَعْرَةٍ) بسكون العين المهملة، وفتحها. وقوله: (أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أي: أفلا تمكث أربعة أشهر وعشرًا. والحديث مُتّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال: [٣٧٢٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، بِالْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا: حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْكُحْل، وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأُخْرَى مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ تُسَمِّهَا زَيْنَبَ، نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال: [٣٧٢٨] (١٤٨٨/ ١٤٨٦) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ؛ أنَّهُ سَمِعَ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، تَذْكُرَان أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ بِنْتًا لَهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَاشْتَكَتْ عَيْنُهَا، فَهِيَ تُرِيدُ أَنْ تَكْحُلَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُن تَرْمِي بِالْبَعْرَة، عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْل، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ»).
مصادر المؤلف (٤١)

١. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٧.

٢. «الفتح» ١٠/ ٧١٥ - ٧١٦ «كتاب التفسير» «تفسير سورة الطلاق» رقم (٤٩٠٩).

٣. «الفتح» ١٠/ ٧١٦ «تفسير سورة الطلاق» رقم (٤٩٠٩).

٤. «شرح النوويّ» ١٠/ ١١١.

٥. «الفتح» ١٢/ ٢١١ «كتاب الطلاق» رقم (٥٣٢٠).

٦. راجع:«الفتح»١٢/ ٢٣٠.

٧. «الفتح» ٤/ ٢١.

٨. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٢.

٩. «المصباح المنير» ١/ ١٨٠.

١٠. «شرح النوويّ» ١٠/ ١١٣.

١١. «المفهم» ٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣.

١٢. «المفهم» ٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣، و«شرح الزرقانيّ على الموطإ» ٣/ ٢٣٠ - ٢٣١.

١٣. «شرح النوويّ» ١٠/ ١١٣.

١٤. «الفتح في ١٢/ ٢٣٠ - ٢٣١.

١٥. «المفهم» ٤/ ٢٨٤.

١٦. قال الجامع: هذا هو الحقّ، فإنك لا ترى في عبارة أبي داود، وكذا النسائيّ إلَّا أنهم يُطلقون المرسل على المنقطع، ولا يعبّرون بلفظ المنقطعة، فتنبّه.

١٧. «المفهم»٤/ ٢٨٤.

١٨. «شرح المشكاة» ٦/ ٣٦٥.

١٩. «الفتح» ١٢/ ٢٣٢ - ٢٣٤.

٢٠. هذا هو المعروف في السِّيَر، ووقع في نسخة «الفتح»: أبو حميد، وهو تصحيف، وقد وقع في «عمدة القاري» على الصواب، راجعه ٨/ ٦٦.

٢١. راجع: «الفتح» ٤/ ٢٢ - ٢٣ «كتاب الجنائز» رقم (١٢٨١).

٢٢. «الفتح» ١٢/ ٢٣٤.

٢٣. «شرح النوويّ» ١٠/ ١١٣.

٢٤. هو في بعض نسخ مسلم، كما نبّه عليه النوويّ - ﵀ -.

٢٥. «شرح النوويّ» ١٠/ ١١٤.

٢٦. «المفهم» ٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧.

٢٧. «شرح النوويّ» ١٠/ ١١٤.

٢٨. «الفتح»١٢/ ٢٣٦.

٢٩. «المفهم» ٤/ ٢٨٧.

٣٠. «الفتح» ١٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨.

٣١. «المفهم» ٤/ ٢٨٥.

٣٢. «شرح النوويّ»١٠/ ١١٤.

٣٣. «شرح النوويّ» ١٠/ ١١٢.

٣٤. «شرح النوويّ» ١٠/ ١١٣.

٣٥. «المغني» ١١/ ٢٢٤.

٣٦. «المفهم» ٤/ ٢٨٥.

٣٧. «المغني» ١١/ ٢٢٤ - ٢٢٥.

٣٨. وفي نسخة: «وحدّثتنيه».

٣٩. «تقييد المهمل» ٣/ ٨٥٦ - ٨٥٧.

٤٠. «القاموس المحيط»٤/ ٤٣.

٤١. «شرح النوويّ» ١٠/ ١١٦.