HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤٩٣

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بن نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: سُئِلْتُ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فِي إِمْرَةِ مُصْعَبٍ. أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ: فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ. فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ: اسْتَأْذِنْ لِي. قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ. فَسَمِعَ صَوْتِي. قَالَ: ابْنُ جُبَيْرٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ادْخُلْ. فَوَاللَّهِ! مَا جَاءَ بِكَ، هَذِهِ السَّاعَةَ، إِلَّا حَاجَةٌ. فَدَخَلْتُ. فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْذَعَةً. مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً حَشْوُهَا لِيفٌ. قُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! الْمُتَلَاعِنَانِ، أيفرق بينما؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! نَعَمْ. إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ. قَالَ: يا رسول الله! أرأيت لو أن وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ. وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [٢٤ /النور - ٩] فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ. وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. قَالَتْ: لَا. وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! إِنَّهُ لَكَاذِبٌ. فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كان من الصادقين. ثم فرق بينهما.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص206
ج ٢ ص ١١٣٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٦ ص٣٧٦
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوَّل الكتاب قال: [٣٧٤١] (١٤٩٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سُئِلْتُ عَن الْمُتَلَاعِنَيْن، فِي إِمْرَةِ مُصْعَبٍ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ، فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَةَ، فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ: اسْتَأْذِنْ لِي، قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ، فَسَمِعَ صَوْتِي، قَالَ: ابْنُ جُبَيْرٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ادْخُلْ، فَوَاللهِ مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ، فَدَخَلْتُ، فَإذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْذَعَةً، مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً، حَشْوُهَا لِيفٌ، قُلْتُ: أَبا عَبْدِ الرَّحْمَن، الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ نَعَمْ، إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَل عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلتُكَ عَنْهُ، قَدْ ابْتُلِيتُ بِه، فَأَنْزَلَ اللهُ هَؤُلَاءِ الآياتِ فِي «سُورَةِ النُّورِ»: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْه، وَوَعَظَهُ، وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَة، قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا، وَذَكَّرَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَة، قَالَتْ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرًّجُل، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَة، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالله، إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) مَيْسرة الْعَرزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٩. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) - ﵄ -، تقدّم قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنه (قَالَ: سُئِلْتُ) بالبناء للمفعول (عَن الْمُتَلَاعِنَيْنِ) أي: عن حكمهما (فِي إِمْرَةِ) بكسر الهمزة، وسكون الميم: اسم من الإمارة (مُصْعَبِ) بن الزبير بن العوّام القرشيّ الأسديّ، أمير العراقين، أبو عيسى، وأبو عبد الله، لا رواية له، كان فارسًا شجاعًا جميلًا وَسِيمًا أحارب المختار، وقتله، وكان سفّاكًا للدماء، سار لحربه عبد الملك بن مروان، وكان يسمى من سخائه آنية النحل، قال إسماعيل بن أبي خالد: ما رأيت أميرًا قط أحسن من مصعب، ورَوَى عمر بن أبي زائدة أن الشعبيّ قال: ما رأيت أميرًا قط على منبر أحسن من مصعب، قال المدائنيّ: كان يُحسد على الجمال. قُتِل مصعب يوم نصف جمادى الأولى، سنة اثنتين وسبعين، وله أربعون سنة، ذكره الذهبيّ في «السير» . (أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟) بالبناء للمفعول (قَالَ) سعيد (فَمَا دَريتُ مَا أقُولُ، فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (بِمَكَّةَ) الظاهر أنه منزله الذي نزله لما جاء مكة للحج، أو العمرة؛ لأنه من سكان المدينة، والظاهر أن سعيدًا سافر من الكوفة إلى مكة ليسأل ابن عمر - ﵄ - عن هذه المسألة التي لم يدر جوابها حين سئل. وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد، قال: «كنّا بالكوفة نختلف في الملاعنة، يقول بعضنا: يفرّق بينهما، ويقول بعضنا: لا يفرّق». ويؤخذ منه أن الخلاف في ذلك كان قديمًا، وقد استمرّ عثمان البتّيّ من فقهاء البصرة على أن اللعان لا يقتضي الفرقة، كما تقدّم نقله عنه، وكأنه لم يبلغه حديث ابن عمر، قاله في «الفتح» . (فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ) لا يُعرف اسمه . (اسْتَأْذِنْ لِي، قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ) من القيلولة، يقال: قال يَقِيل قَيْلًا، وقَيْلُولةً: نام نصف النهار، والقائلة: وقت القيلولة، وقد تُطلق على القيلولة . (فَسَمِعَ صَوْتِي، قَالَ: ابْنُ جُبَيْرٍ؟) برفع «ابن»، وهو بتقدير الاستفهام، أي: قال ابن عمر: أأنت ابن جبير؟ (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ادْخُلْ، فَوَاللهِ مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ) فيه أنه لا يُشقّ على العالم، ومن يُحتاج إليه في أوقات راحتهم، وأن المحتاج إليه إذا عَلِم من القرائن أن الآتي إليه في وقت راحته إنما جاء لضرورة عَرَضت له، لا ينبغي أن يضجر له، بل يواجهه ببشاشة . (فَدَخَلْتُ، فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ) «إذا» هي الْفُجائيّة، أي: ففاجأني افتراشه (بَرْذَعَةً) بفتح الموحّدة، وسكون الراء، فذال معجمة، ويقال: بالدال المهملة: الْحِلْسُ يُلْقَى تحت الرحل، أفاده المجد ، وفيه زَهادة ابن عمر - ﵄ - (مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً) بكسر الواو: الْمِخَدّة، وجمعها وَسادات، ووسائد، والوساد بغير هاء: كل ما يُتوسّد به، من قُماش، وتُراب، وغير ذلك، وجمعها وُسُدٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، ويقال: الوسائد لغة في الوسادة، قاله الفيّوميّ . (حَشْوُهَما) بفتح، فسكون؛ أي: ما جُعل فيها، ومُلئت به (لِيفٌ) بكسر اللام؛ أي: لحاء شجر (قُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر - ﵄ -، وهو بتقدير حرف النداء، كما قال الحريريّ ﵀ في «مُلحته»: وَحَذْفُ «يَا» يَجُوزُ فِي النِّدَاءَ … كَقَوْلِهِمْ «رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي» وقال ابن مالك ﵀ في «خلاصته»: وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا وَذَاكَ فِي اسْمِ الْجِنْسِ وَالْمُشَارِ لَهْ … قَلَّ وَمَنْ يَمْنَعْهُ فَانْصُرْ عَاذِلَهْ (الْمُتَلَاعِنَانِ) مبتدأ خبره جملة قوله: (أَيُفَرَّقُ) بالبناء للمفعول (بَيْنَهُمَا؟) وفي رواية عزرة، عن سعيد بن جبير: قال: «لم يفرّق المصعب - يعني ابن الزبير - بين المتلاعنين، فذكرت ذلك لابن عمر، فقال: فرّق رسول الله - ﷺ - بين أخوي بني العجلان». (قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ نَعَمْ) أي: يُفرّق بينهما، إنما سبّح تعجبًا من خفاء هذا الحكم المشهور على سعيد (إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ) قال القرطبيّ ﵀: هو - والله أعلم - عويمر العجلانيّ المتقدّم الذكر. انتهى . (قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ أَن لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا) «أنْ» بفتح الهمزة هي المخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي: أنه، وإلى هذا أشار في «الخلاصة»: وَإِنْ تُخَفَّفْ «أَنَّ» فَاسْمُهَا اسْكَنْ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ «أَنْ» وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا … وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِـ «قَدْ» أَوْ نَفْيٍ أوْ … تَنْفِيسِ أوْ «لَوْ» وَقَلِيلٌ ذِكْرُ «لَو» (امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ) يعني الزنا (كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ) أي: لما فيه من الفضيحة (وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ) وفي نسخة: «عن مثل ذلك»؛ أي: على أمر عظيم؛ أي: لما فيه من الْمَضَض ، والغيظ (قَالَ) ابن عمر - ﵄ - (فَسَكَتَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمْ يُجِبْهُ) أي: لما ينتظره من الوحي، ففي حديث ابن مسعود - ﵁ - الآتي: «لَمّا سأل الرجل النبيّ - ﷺ - عن ذلك، قال - ﷺ -:»اللهم افتح«، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان» (فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ) ذلك الرجل (فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ، قَدْ ابْتُلِيتُ بِهِ) هذا يدلّ على أن سؤاله الأول ليس عن شيء واقع حقيقة، وإنما هو شيء ارتاب فيه، فحمله شدّة غيرته على أن يسأل، فوقع له ذلك حقيقة، ابتلاءً، كما يقال: البلاء موكّل بالمنطق . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «قد ابْتُليتُ به» ظاهر هذا أنه خطاب من السائل للنبيّ - ﷺ - لَمّا لم يُجبه، فأخبره بوقوع ذلك له؛ ليُحقّق عنده أنه مضطرّ إلى المسألة، فَيُجيبه، كما فَعَل النبيّ - ﷺ -، وقد جاء من حديث ابن عبّاس - ﵄ - قال: ذكر التلاعن عند رسول الله - ﷺ -، فقال عاصم بن عديّ في ذلك قولًا، ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه وَجد مع امرأته رجلًا، فقال عاصم: ما ابتُليت بهذا إلا لقولي، فذهب به إلى رسول الله - ﷺ -، وذكر الحديث، وهذا نصّ في أنّ المبتلَى به عاصم من جهة أنه امتُحن بوقوع ذلك برجل من قومه، فعَظُم عليه ذلك، وشَقّ عليه، حتى تكلّف سؤال النبيّ - ﷺ - عن تلك المسألة القبيحة، ورأى أن ذلك كالعقوبة له؛ لما تكلّم في اللعان قبل وقوعه، وأما ابتلاء السائل الذي سأل النبيّ - ﷺ -، فإنما هو أن وَجَد الرجل مع امرأته، فهو ابتلاء آخر، غير ابتلاء عاصم. انتهى . قال الجامع عفا الله صه: عندي أنه لا مانع من كون ابتلاء السائل من نوع ابتلاء عاصم، كما أسلفت تقريره، فتأمله، والله تعالى أعلم. (فَأَنْزَلَ اللهُ هَؤلَاءِ الْآيَاتِ فِي «سُورَةِ النُّورِ»: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾) أي: يقذفون زوجاتهم بالزنا، زاد في رواية النسائيّ: حتى بلغ ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ (فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ) أي: تلا النبيّ - ﷺ - هؤلاء الآيات (وَوَعَظَهُ، وَذَكَّرَة) وفي رواية النسائيّ: «فبدأ بالرجل، فوعظه، وذكّره»، قال القرطبيّ: هذا الوعظ والتذكير كان منه - ﷺ - قبل اللعان، وينبغي أن يُتّخذ سنّة في وعظ المتلاعنين قبل الشروع في اللعان، ولذلك قال الطبريّ: إنه يجب على الإمام أن يعظ كلّ من يحلّفه، وذهب الشافعيّ إلى أنه يعظ كلّ واحد بعد تمام الرابعة، وقبل الخامسة؛ تمسّكًا بحديث ابن عبّاس - ﵄ - في لعان هلال بن أمية - ﵁ - أنه - ﷺ - وعظهما عند الخامسة. انتهى . (وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا) هو حدّ القذف في حقّه (أَهْوَن مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ) أي: من نار جهنّم - أعاذنا الله منها - (قَالَ) الرجل (لَا) أي: لا أتراجع مما قلته؛ لأنه حقّ، وصدقٌ، كما أوضحه بقوله: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا) أي: المرأة (فَوَعَظَهَا، وَذَكَرَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا) هو الرجم في حقّها حيث كانت محصنةً (أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ) قال النوويّ ﵀: فيه أن الإمام يعظ المتلاعنين، ويُخوّفهما من وبال اليمين الكاذبة، وأن الصبر على عذاب الدنيا، وهو الحدّ أهون من عذاب الآخرة. انتهى . (قَالَتْ: لَا) أي: لا أتراجع عما قلته (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ) - ﷺ - في اللعان (بِالرَّجُلِ) فيه أن الابتداء في اللعان يكون بالزوج؛ لأن الله تعالى بدأ به؛ ولأنه يُسقط عن نفسه حدّ قذفها، وينفي النسب إن كان، ونقل القاضي وغيره إجماع المسلمين على الابتداء بالزوج، ثم قال الشافعيّ، وطائفة: لو لاعنت المرأة قبله لم يصحّ لعانها، وصححه أبو حنيفة، وطائفة. قاله النوويّ . (فَشَهِدَ) بكسر الهاء، من باب عَلِم يعلم (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) بنصب «أربع» على المفعوليّة (بِاللهِ) متعلّق بـ «شهادات». قال القرطبيّ ﵀: قوله: «فشهِد أربِع شهادات»؛ أي: حلف أربع أيمان، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: ٦]؛ أي: يحلف أربع أيمان، والعرب تقول: أشهد بالله؛ أي: أحلف، وكما قال شاعرهم: فَأَشْهَدُ عِنْدَ اللهِ أَنِّي أُحِبُّهَا … فَهَذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدَهَا لِيَا وهذا مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: هي شهادات محقّقة من المتلاعنين على أنفسهما، وانبنى على هذا الخلاف في لعان الفاسقَين، والعبدَين، فعند الجمهور يصحّ، وعند أبي حنيفة لا يصحّ، وربّما استُدلّ لأبي حنيفة بما رواه أبو عمرو من حديث عمرو بن شعيب مرفوعًا: «لا لعان بين مملوكين، ولا كافرين»، وبما رواه الدارقطنيّ من هذا المعنى، ولا يصحّ منها كلِّها شيء عند المحدّثين. واختلفوا في الألفاظ التي يقولها المتلاعنان، وأولى ذلك كلّه ما دلّ عليه كتاب الله تعالى، وهو أن يقول: أشهد بالله لقد زنيت، أو لقد رأيتها تزني، أو أن هذا الحمل ليس منّي، أو هذا الولد، أربع مرّات، ثم يُخمّس، فيقول: لعنةُ الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تقوم هي، فتقول: أشهد بالله لقد كذَب عليّ فيما رماني به، أو أن الحمل منه، أو هذا الولد ولده، ثم تُخمّس بأن تقول؛ غَضَبُ الله عليها إن كان من الصادقين. قال: وقد زاد بعض علمائنا في اليمين: بالله الذي لا إله إلا هو، ومشهور مذهبنا أنه إن لاعنها على رؤية الزنا نصّ على ذلك، كما ينصّه شهود الزنا، فيقول: كالْمِرْوَد في الْمُكْحُلة، وكلّ ذلك منهما، وهما قائمان. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . (إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ) بالنصب عطفًا على «أربعَ»؛ أي: وشهد الخامسة، ويَحتمل الرفع، على أنه مبتدأ خبره قوله: (أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) هذه ألفاظ اللعان، وهي مُجمعِ عليها، قاله النوويّ ﵀ . (ثُمَّ ثَنَّى) بتشديد النون؛ أي: أمر ثانيًا (بِالْمَرْأَة، فشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالله، إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةُ) يَحتمل النصب، والرفع على التوجيه المذكور (أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) قال النسفيّ ﵀: إنما جُعل الغضب في جانبها؛ لأن النساء يَستعملن اللعن كثيرًا، كما ورد به الحديث، فربما يجترئن على الإقدام؛ لكثرة جَرْي اللعن علي ألسنتهنّ، وسقوط وقوعه عن قلوبهنّ، فذُكر الغضب في جانبهنّ؛ ليكون رادعًا لهنّ. انتهى . (ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) بتشديد الراء، من التفريق، قال السنديّ ﵀: وفيه أنه لا بدّ من تفريق الحاكم، أو الزوج بعد اللعان، ولا يكفي اللعان في التفريق، ومن لا يقول به يرى أن معناه أظهر أن اللعان مفرّق بينهما. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك مستوفًى، وأن الراجح عدم اشتراط التفريق، بل يقع بالفراغ من التعانهما، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٤١ و٣٧٤٢ و٣٧٤٣ و٣٧٤٤ و٣٧٤٥ و٣٧٤٦] (١٤٩٣)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٧٤٨) و«الطلاق» (٥٣١٢ و٥٣١٥) و«الفرائض» (٦٧٤٨)، و(أبو داود) في «الطلاق» (٢٢٥٧ و٢٢٥٨ و٢٢٥٩)، و(النسائيّ) في «الطلاق» (٦/ ١٧٧) و«الكبرى» (٦/ ٤١٥)، و(الترمذيّ) في «الطلاق» (١٢٠٢)، و(ابن ماجه) في «الطلاق» (٢٠٦٩)، و(مالك) في «الموطّإ» (١٢٠٢)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ٤٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٦٧١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١١ و١٩ و٤٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٢٣١ و٢٢٣٢)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٧٥٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٢٨٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٢٠٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤٠٤ و٤٠٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في كيفيّة اللعان، وألفاظه: قال العلامة ابن قُدامة ﵀: أما ألفاظه فهي خمسة في حقّ كلّ واحد منهما، وصفته أن الإمام يبدأ بالزوج، فيقيمه، ويقول له: قل أربع مرّات: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، ويُشير إليها، إن كانت حاضرة، ولا يحتاج مع الحضور، والإشارة إلى نسبة وتسمية، كما لا يحتاج إلى ذلك في سائر العقود، وإن كانت غائبةً أسماها، ونسبها، فقال: امرأتي فلانة بنت فلان، ويرفع في نسبها حتى تنتفي المشاركة بينها وبين غيرها. فإذا شهد أربع مرّات، وقفه الحاكم، وقال له: اتّق الله، فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكلّ شيء أهون من لعنة الله، ويأمر رجلًا، فيضع يده على فيه، حتى لا يبادر بالخامسة قبل الموعظة، ثم يأمر الرجل، فيرسل يده عن فيه، فإن رآه يمضي في ذلك، قال له: قل: وأن لعنة الله عليّ، إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنى. ثم يأمر المرأة بالقيام، ويقول لها: قولي: أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، وتشير إليه، وإن كان غائبًا أسمته، ونسبته، فإذا كرّرت ذلك أربع مرّات، وقفها، ووعظها كما ذكرنا في حقّ الزوج، ويأمر امرأة، فتضع يدها على فيها، فإن رآها تمضي على ذلك، قال لها: قولي: وأن غضب الله عليّ، إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنى. قال: وعدد هذه الألفاظ الخمسة شرط في اللعان، فإن أخلّ بواحدة منها لم يصحّ. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ باختصار. وسئل الإمام أحمد ﵀ كيف يلاعن؟ فقال: على ما كتاب الله تعالى، ثم ذكر نحو ما تقدّم. وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: واختلفوا في الألفاظ التي يقولها المتلاعنان، وأولى ذلك كلّه ما دلّ عليه كتاب الله تعالى، ثم ذكر نحو ما تقدّم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن ما دلّ عليه نصّ كتاب الله تعالى من ألفاظ اللعان، هو المتّبع، ولا حاجة إلى الاختلاف في الزيادة والنقص، إلا إذا ثبت في الأحاديث ما يدلّ على الزيادة، مثل التوقيف ووضع اليد في الخامسة، وقوله: إنها موجبة، ونحو ذلك، فيُعمل بالزيادة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال: [٣٧٤٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: سُئِلْتُ عَن الْمُتَلَاعِنَيْن، زَمَنَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْر، فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ، فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ؛ أيفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. والباقون ذكروا قبله. وقوله: (زمَنَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أي: وقت كونه أميرًا على الكوفة. وقوله: (ثمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير عيسى بن يونس. [تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن عبد الملك بن أبي سليمان هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال: [٣٧٤٣] (. . .) - (وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ -: «حِسَابُكمَا عَلَى الله، أَحَدُكمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا»، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَالِي، قَالَ: «لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا»، قَالَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. وقوله: (حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ) يعني لا سبيل في الدنيا إلى معرفة الصادق، وعقاب الكاذب منكما، وإنما يحاسبكم الله تعالى في الآخرة، وفيه أن الخصمين المتكاذبين لا يعاقب واحد منهما، وإن علمنا كذب أحدهما على الإبهام، قاله النوويّ ، وفيه أن البيّنتين إذا تعارضتا تساقطتا، حكاه الخطّابيّ . وقوله: (أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ) قال القاضي عياض ﵀: ظاهره أنه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان، والمراد بيان أنه يلزم الكاذب التوبة، قال: وقال الداوديّ: إنما قاله قبل اللعان؛ تحذيرًا لهما منه، قال: والأول أظهر، وأولى بسياق الكلام، قال: وفيه ردّ على من قال من النحاة: إن لفظة «أَحَدٍ» لا تُستعمل إلا في النفي، وعلى من قال منهم: لا تُستعمل إلا في الوصف، ولا تقع موقع «واحد»، وقد وقعت في هذا الحديث في غير نفي، ولا وصف، ووقعت موقع «واحد»، وقد أجازه المبرد، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]. انتهى . (لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا) أي: لا يبقى بينكما نكاح بعد اللعان، أو المراد أنه لا تَسَلُّط لك عليها، فلا تصدّق أنت في اتهامها من غير بيّنة، ولا تُحدّ هي للزنا بمجرّد قولك، أو المراد. وقال القرطبيّ ﵀: فيه دليل لمالك، ولمن قال بقوله في تأبيد التحريم، فإن ظاهره النفي العامّ، وقد ذكر الدارقطنيّ زيادة في حديث سهل بعد قوله: «ففرّق رسول الله - ﷺ - بينهما»، وقال: «لا يجتمعان أبدًا»، وقال أبو داود عن سهل: مضت سنّة المتلاعنين أن يفرّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا، قال مالك: وهي السنّة التي لا اختلاف فيها عندنا. انتهى . (قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَالِي) أي: أطلب مالي الذي أعطيتها صداقًا (قَالَ) - ﷺ - («لَا مَالَ لَكَ) أي: ليس لك أن تستردّ منها مهرها الذي أعطيتها؛ لأنك قد استوفيته بدخولك عليها، وتمكينها لك من نفسها، ثم أوضح - ﷺ - ذلك بتقسيمِ مستوعِبٍ، فقال: (إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا) أي: فيما ادّعيته عليها من الزنا (فهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا) أي: فقد استوفيت حقّك منها قبل ذلك (وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا») أي: من مطالبتها؛ لئلا تجمع عليها الظلم في عرضها، ومطالبتها بمال قبضته منك قبضًا صحيحًا. ويُستفاد منه أن الملاعِنة لو أكذبت نفسها بعد اللعان، وأقرّت بالزنا وجب عليها الحدّ، لكن لا يسقط مهرها، كذا في «الفتح». ثم إن الإجماع قد انعقد بحكم حديث الباب على أن الملاعنة المدخول بها تستحقّ جميع الصداق، والخلاف في غير المدخول بها، فالجمهور على أن لها النصف كغيرها من المطلّقات قبل الدخول، وقال أبو الزناد، والْحَكَم، وحماد: بل جميعه، وقال الزهريّ: لا شيء لها أصلًا، ورُوي عن مالك نحوه، كذا في «عمدة القاري» . وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ) هو ابن حرب، شيخه الثالث (فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار (سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) غرض المصنّف بهذا بيان الاختلاف بين شيوخه في صيغ الأداء، فقد صرّح زهير بسماع عمرو من سعيد، وسعيد من ابن عمر - ﵄ -. والحديث متّفق عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال: [٣٧٤٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثنا حَمَّاد، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَان، وَقَالَ: «اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم ذُكروا في السند الماضي، والباب الماضي. وقوله: (فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ) يعني فهل للكاذب منكما أن يتوب إلى الله تعالى؟ وفيه استحباب عرض التوبة على المذنب، وفي «صحيح البخاريّ» أنه - ﷺ - قال ذلك ثلاث مرّات. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى الكلام عليه فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال: [٣٧٤٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَن اللِّعَان، فَذَكَرَ عَن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، و«سفيان» هو: ابن عُيينة، و«أيوب» هو: السَّختيانيّ. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أيوب هذه ساقها الحميديّ في «مسنده» ٢/ ٢٩٦ فقال: (٦٧٢) - حدثنا الحميديّ ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أيوب السَّخْتيانيّ؛ أنه سمع سعيد بن جبير يقول: سألت ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن رجل لاعن امرأته، فقال لي ابن عمر - ﵄ - يده هكذا بإصبعه السبابة والوسطى: فرّق رسول الله - ﷺ - بين أخوي بن عجلان، وقال: «الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟»، قال سفيان: وكان أيوب حدّثناه أوّلًا في مجلس عمرو، ثم حدّث عمرو بحديثه هذا، فقال له أيوب: أنت يا أبا محمد أحسن له حديثًا مني. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال: [٣٧٤٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَارٍ، وَاللَّفْظُ لِلْمِسْمَعِيِّ، وَابْنِ الْمُثَنَّى، قَالُوا: حَدَّثنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمْ يُفَرِّق الْمُصْعَبُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْن، قَالَ سَعِيدٌ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: فَرَّقَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ أَخَوَيْ بَني الْعَجْلَانِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد بن بشّار بُندار، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِم [٩] (٢٠٠) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام الدستوائيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٤] (١١٧) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٥ - (عَزْرَةُ) بن عبد الرحمن بن زُرارة الْخُزَاعيّ الكوفيّ الأعور، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن عائشة أم المؤمنين، مرسل، وعن أبي الشعثاء، والحسن الْعُرَنيّ، وحُميد بن عبد الرحمن الْحِمْيريّ، وسعيد بن جبير، والشعبيّ، وغيرهم. ورَوى عنه سليمان التيميّ، وقتادة، وداود بن أبي هِنْد، وخالد الْحَذّاء، وعاصم الأحول، وعبد الكريم الجزريّ، وورقاء بن إياس. قال عليّ بن المدينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: من يعرف عزرة صاحب قتادة؟ فقال يحيى: بلى والله إني أعرف، وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: عزرة روى عنه قتادة، وداود، وسليمان، وخالد، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: عزرة الذي يروي عنه قتادة ثقةٌ، وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ: عزرة بن عبد الرحمن روى عنه قتادة، والتيميّ، وعبد الكريم الجزريّ، ثقةٌ، ولم يسمع من البراء، وذكره ابن حبان في الطبقة الثالثة من الثقات، ولم يصفه بأنه أعور، وذكر في هذه الطبقة عزرة بن دينار الأعور، روى عن المكيين، روى عنه التيميّ، وداود بن أبي هند، والله أعلم .
مصادر المؤلف (٢٥)

١. وفي نسخة: «عن مثل ذلك».

٢. راجع: «سير أعلام النبلاء» ٤/ ١٤٠ - ١٤٣.

٣. «الفتح» ١٢/ ١٨٤.

٤. راجع: «تنبيه المعلم» ص ٢٥٤.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٥٢١.

٦. راجع: «تكملة فتح الملهم» ١/ ٢٤٥ - ٢٤١.

٧. «القاموس المحيط» ٣/ ٤.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٨.

٩. «المفهم» ٤/ ٢٩٥.

١٠. محرّكة: وجَع المصيبة.

١١. هذا من كلام الناس، وروي مرفوعًا، ولا يصحّ.

١٢. «المفهم» ٤/ ٢٩٥.

١٣. «المفهم» ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦.

١٤. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٢٥.

١٥. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٢٥.

١٦. «المفهم» ٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧.

١٧. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٢٥.

١٨. «تفسير النسفي» ٣/ ١٣٦.

١٩. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٢٦.

٢٠. راجع: «تكملة فتح الملهم» ١/ ٢٤٣.

٢١. «إكمال المعلم» ٥/ ٨٦.

٢٢. «المفهم» ٤/ ٢٩٨.

٢٣. راجع: «تكملة فتح الملهم» ١/ ٢٤٤.

٢٤. هذا قول الراوي عن الحميديّ.

٢٥. قال في «تهذيب التهذيب»: وأما الحديث الذي رَوَى أبو داود، وابن ماجه، من طريق عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قصة شُبْرُمة، فوقع عندهما عزرة غير منسوب، وجزم البيهقيّ بأنه عزرة بن يحيى، ونَقَل عن أبي عليّ النيسابوري أنه قال: =