HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤٩٧

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيَّانِ (وَاللَّفْظُ لِابْنِ رُمْحٍ) قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التلاعن عن رسول الله ﷺ. فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا. ثم انصرف. فأتاها رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا. فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بهذا إلا لقولي. فذهبت بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا، قَلِيلَ اللَّحْمِ، سَبِطَ الشَّعَرِ. وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ، خَدْلًا، آدَمَ، كَثِيرَ اللَّحْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهُمَّ! بَيِّنْ» فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا. فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا. فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ، فِي الْمَجْلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ؟» فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا. تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السوء.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص209
ج ٢ ص ١١٣٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٦ ص٤٠٥
تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ اللهُ أولَ الكتاب قال: [٣٧٥٣] (١٤٩٧) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِر، وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيَّان، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِه، يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا إِلَّا لِقَوْلِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا، قَلِيلَ اللَّحْم، سَبِطَ الشَّعَر، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ؛ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِه، خَدْلًا، آدَمَ، كَثِيرَ اللَّحْم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ بَيَنْ»، فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَينَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ»؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ، كَانَتْ تُظْهِرُ في الْإِسْلَامِ السُّوءَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عِيسَى بْنُ حَمَّادِ) بن مسلم التُّجيبيّ، أبو موسى المصريّ، لقبه زُغْبةُ، وهو لقب أبيه أيضًا، ثقةٌ [١٠] (٢٤٨)، وقد جاوز التسعين، وهو آخر من حدّث عن الليث من الثقات (م دس ق) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٢. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام الشهير المصريّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في «الحيض» ٢٧/ ٨٢٢. ٦ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في «الحيض» ٣/ ٦٩٥. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، تقدّم قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀ ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول انفرد به هو وابن ماجه، والثاني ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخيه، والليث، فمصريّون. ٤ - (ومنها): أن رواية يحيى، عن عبد الرحمن من رواية الأكابر، عن الأصاغر؛ لأن يحيى من الطبقة الخامسة، وعبد الرحمن من السادسة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة، وفيه ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وكلهم تقدّموا غير مرّة، وإنما أعدته من باب التذكير، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ) ببناء الفعل للمفعول، و«التلاعن» بالرفع على أنه نائب الفاعل، وفي رواية عند البخاريّ: «ذُكر المتلاعنان»، والمراد: ذِكْرُ حكم الرجل يرمي امرأته بالزنا، فعبّر عنه بالتلاعن باعتبار ما آل إليه الأمر بعد نزول الآية (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ) الأنصاريّ الصحابيّ، تقدّمت ترجمته في شرح حديث سهل بن سعد - ﵂ - (فِي ذَلِكَ قَوْلًا) قال الكرمانيّ: معنى قوله: «قولًا»؛ أي: كلامًا لا يليق به، كعُجْب النفس، والنَّخْوَة ، والمبالغة في الغيرة، وعدم المردّ إلى الله، وقدرته. وتعقّبه الحافظ، فقال: وكلّ ذلك بمعزل عن الواقع، وإنما المراد بقول عاصم ما تقدّم في حديث سهل بن سعد أنه سأل عن الحكم الذي أمره عويمرٌ أن يسأل له عنه، وإنما جزمت بذلك؛ لأنه تبيّن لي أن حديثي سهل بن سعد، وابن عبّاس من رواية القاسم بن محمد، عنه في قصّة واحدة، بخلاف رواية عكرمة، عن ابن عبّاس، فإنها قصّة أخرى، كما تقدّم في تفسير «سورة النور»، عن ابن عبد البرّ أن القاسم روى قصّة اللعان عن ابن عبّاس، كما رواه سهل بن سعد، وغيره، في أن الملاعن عويمر، وبيّنت هناك توجيهه، وعلى هذا فالقول المبهم عن عاصم في رواية القاسم هذه هو قوله: «أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا؛ أيقتله، فتقتلونه؟» الحديث، ولا مانع أن يروي ابن عباس القصّتين معًا، ويؤيّد التعدّد اختلاف السياقين، وخلوّ أحدهما عما وقع في الآخر، وما وقع بين القصّتين من المغايرة، كما أبيّنه. انتهى . (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: رجع عاصم من مجلس رسول الله - ﷺ - إلى منزله (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) هو عويمر كما تقدّم، ولا يمكن تفسيره بهلال بن أُميّة؛ لأنه لا قرابة بينه وبين عاصم؛ لأنه هلال بن أمية بن عامر بن عبد قيس من بني واقف، وهو مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس، فلا يجتمع مع بني عمرو بن عوف الذي ينتمي عاصم إلى حلفهم، إلا في مالك بن الأوس؛ لأن عمرو بن عوف هو ابن مالك، قاله في «الفتح» (يَشْكُو إِلَيْهِ؛ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا) ببناء الفعل للمجهول؛ أي: ما ابتُليت بوقوع هذه الفاحشة في قومي إلا بسؤالي عما لم يقع، وإنما أسند الابتلاء إليه؛ لأن عويمرًا كانت تحته بنت عاصم، أو بنت أخيه، فما وقع منها فهو ابتلاء له. وقوله (إِلَّا بِقَوْلِي) أي: بسؤالي عما لم يقع، كأنه قال: فعوقبت بوقوع ذلك في آل بيتي. قال الحافظ: وزعم الداوديّ أن معناه أنه قال مثلًا: لو وجدت أحدًا يفعل ذلك لقتلته، أو عيّر أحدًا بذلك، فابتلي به، وكلامه أيضًا بمعزل عن الواقع، فقد وقع في مرسل مقاتل بن حيّان عن ابن أبي حاتم: «فقال عاصم: إنا لله، وإنا إليه راجعون، هذا والله بسؤالي عن هذا الأمر بين الناس، فابتليت به»، والذي كان قال: «لو رأيته لضربته بالسيف» هو سعد بن عبادة. وقد أورد الطبريّ من طريق أيوب، عن عكرمة، مرسلًا، ووصله ابن مردويه بذكر ابن عبّاس، قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قال سعد بن عبادة: «إن أنا رأيت لَكَاعِ يَفجُر بها رجل. . .» فذكر القصّة، وفيه: فوالله ما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أُميّة، فذكر قصّته، وهو عند أبي داود في رواية عبّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، فوضح أن قول عاصم كان في قصّة عويمر، وقول سعد بن عبادة كان في قصّة هلال، فالكلامان مختلفان، وهما مما يؤيّد تعدد القصّة، ويؤيّد التعذد أيضًا أنه وقع في آخر حديث ابن عباس عند الحاكم: «قال ابن عبّاس: فما كان بالمدينة أكثر غاشية منه»، وعند أبي داود وغيره: «قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وما يُدْعَى لأب»، فهذا يدلّ على أن ولد الملاعنة عاش بعد النبيّ - ﷺ - زمانًا. وقوله: «على مصر»؛ أي: من الأمصار، وظنّ بعض شيوخنا أنه أراد مصر البلد المشهور، فقال: فيه نظر؛ لأن أمراء مصر معروفون معدودون، ليس فيهم هذا. ووقع في حديث عبد الله بن جعفر، عند ابن سعد في «الطبقات» أن ولد الملاعنة عاش بعد ذلك سنتين، ومات، فهذا أيضًا مما يقوّي التعدد، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ . (فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَخْبَرَهُ، بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ) أي: الذي رَمَى امرأته (مُصْفَرًّا) - بضم أوله، وسكون الصاد المهملة، وفتح الفاء، وتشديد الراء - أي: قويّ الصفرة، وهذا لا يخالف قوله في حديث سهل - ﵁ -: «إنه أحمر، أو أشقر»؛ لأن ذاك لونه الأصليّ، والصفرة عارضة (قَلِيلَ اللَّحْمِ) أي: نحيف الجسم (سَبِطَ الشَّعْرِ) بفتح، فكسر، أو بفتحتين؛ أي: مسترسله، وهو ضدّ الجعودة (وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا) - بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الدال المهملة -: هو الممتلئ الساق الضخم؛ أي: ممتلئ الساقين، وقال أبو الحسين بن فارس: «ممتلئ الأعضاء»، وقال الطبريّ: لا يكون إلا مع غلظ العظم مع اللحم، وقال ابن التين: ضُبِط في بعض الكتب بكسر الدال، وتخفيف اللام، وفي بعضها بتشديد اللام، وفي بعضها بسكون الدال، وكذلك هو في كتب اللغة، وكذا ضُبِط في رواية أبي صالح، وابن يوسف. قاله العينيّ ﵀ . (آدَمَ) بالمدّ؛ أي: لونه قريبٌ من السواد (كَثِيرَ اللَّحْمِ) أي: في جميع جسده. قال في «الفتح»: يَحْتَمِل أن تكون صفة شارحة لقوله: «خَدْلًا»، بناءً على أن الخدْل: الممتلئ البدن، وأما على قول من قال: إنه الممتلئ الساق، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص، وزاد في روايةٍ للبخاريّ: «جَعْدًا قَطَطًا»، و«الجعد»: هو المتكسّر، ضدّ السبوطة، و«الْقَطَطُ» - بفتحتين، أو بفتح، فكسر -: هو المتفلفل الشعر، قال في «الفتح»، وهذه الصفة موافقة للتي في حديث سهل بن سعد حيث إن فيه: «عظيم الأَلْيَتين خَدَلّج الساقين إلخ». انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ بَيِّنْ») أي: بيّن لنا الحكم في هذه المسألة. قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: ظاهره أنه دعاءٌ في أن يبيّن له ممن الولد؟ فأجيب بأنه للذي رُمي به، وتبيّن له ذلك بأن الله تعالى خلقه يُشبه الذي رُميت به، وعلى الصفة التي قال النبيّ - ﷺ -، ولذلك نسّق قوله: «فوَضَعت» على الكلام المتقدّم بالفاء، وقيل: معناه: اللَّهمّ بيّن الحكم في هذه الواقعة، كما جاء في الرواية الأخرى: «اللَّهم افتح»؛ أي: احكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ [سبأ: ٢٦] أي: يحكم. انتهى. وقال البدر العينيّ ﵀: قوله: «اللَّهم بيّن» أي: حكم المسألة، ويقال: معناه الحرص على أن يعلم من باطن المسألة ما يَقِف به على حقيقتها، وإن كانت شريعته قد أحكمها الله في القضاء بالظاهر، وإنما صارت شرائع الأنبياء ﵇ يُقضَى فيها بالظاهر؛ لأنها تكون سببًا لمن بعدهم من أممهم، ممن لا سبيل له إلى وحي يعلم به بواطن الأمور. (فَوَضَعَتْ) أي: ولدت تلك المرأة ولدًا (شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا؛ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ) أي: أمر باللعان (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَهُمَا) هذا ظاهره أن الملاعنة بينهما تأخّرت حتى وضعت، فيُحمَل على أن قوله: «فلاعن» معقّب بقوله: فذهب به إلى النبيّ - ﷺ -، فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، واعترض قوله: «وكان ذلك الرجل إلخ»، والحامل على ذلك ما قدّمناه من الأدلّة على أن رواية القاسم هذه موافقة لحديث سهل بن سعد. وَيَحْتَمِل على بُعْد أن تكون الملاعنة وقعت مرّة بسبب القذف، وأخرى بسبب الانتفاء. قاله في «الفتح». (فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (فِي الْمَجْلِسِ) متعلّق بـ «قال»، وهذا السائل هو عبد الله بن شدّاد بن الهاد، وهو ابن خالة ابن عبّاس، سمّاه أبو الزناد عن القاسم بن محمد في الرواية التالية (أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، رَجَمْتُ هَذهِ؟»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ، كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ الشَّرَّ) وفي رواية: «كانت تظهر في الإسلام السوء» أي: كانت تُعلن بالفاحشة، ولكن لم يثبت عليها ذلك ببيّنة، ولا اعتراف. قال الداوديّ: فيه جواز عيب من يسلك مسالك السوء. وتُعُقّب بأن ابن عبّاس لم يسمها، فإن أراد إظهار العيب على الإبهام فمُحْتَمِلٌ. وقال القرطبيّ: قوله: «تلك امرأة كانت تُظهِر في الإسلام السوء» أي: تَظهَر عليها قرائنُ، تدلّ على أنها بَغِيّ، تتعاطى الفاحشة، فقد وقع في طريق عروة - ﵁ - عن ابن عبّاس - ﵄ - عند ابن ماجه: «لو كنت راجمًا أحدًا لغير بيّنة لرجمت فلانة، فقد ظهر فيها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها»، ولكن لم يثبت عليها سببٌ شرعيّ، يتعلّق به الرجم، لا إقرارٌ، ولا حملٌ، ولا بيّنةٌ، فلم يُقَم عليها حدٌّ لتلك الأسباب المحصورة، وفيه أنه لا يقام الحدّ بمجرّد الشياع، والقرائن، بل لا بدّ من بيّنة، أو اعتراف. انتهى بزيادة ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٥٣ و٣٧٥٤ و٣٧٥٥] (١٤٩٧)، و(البخاريّ) في «الطلاق» (٥٣١٠ و٥٣١٦)، و«الحدود» (٦٨٥٥ و٦٨٥٦)، و«التمنّي» (٧٢٣٨)، و(النسائيّ) في «الطلاق» (٣٤٩٤ و٣٤٩٧ و٣٤٩٨)، و«الكبرى» (٥٦٦٤)، و(ابن ماجه) في «الحدود» (٢٥٦٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢١١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٤٠٦)، وأما فوائد الحديث، وسائر متعلّقاته، فقد تقدّمت في شرح حديث سهل بن سعد - ﵄ -، وما بعده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال: [٣٧٥٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَني سُلَيْمَانُ، يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِم، عَن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْث، وَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: كَثِيرَ اللَّحْم، قَالَ: جَعْدًا قَطَطًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٦٤) وله (٨٠) سنةً (م دس ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٠. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُويْسٍ) هو: إسماعيل بن عبد الله بن أُويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ، أخطأ في أحاديث من حفظه [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م دت ق) تقدم في «الحج» ١٧/ ٢٩٢١. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد هذه، ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٥٠١٠) - حدّثنا إسماعيل، قال: حدّثني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس؛ أنه قال: ذُكِر المتلاعنان عند رسول الله - ﷺ -، فقال عاصم بن عديّ في ذلك قولًا، ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه، فذَكَر له أنه وَجَد مع امرأته رجلًا، فقال عاصم: ما ابتُليت بهذا الأمر إلا لقولي، فذهب به إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبره بالذي وَجَد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مُصْفَرًّا، قليل اللحم، سَبْطَ الشعر، وكان الذي وَجَد عند أهله آدم خَدْلًا، كثير اللحم، جَعْدًا قَطَطًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «اللهم بَيِّنْ»، فوضعت شبيهًا بالرجل الذي ذَكَر زوجُها أنه وجد عندها، فلاعن رسول الله - ﷺ - بينهما، فقال رجل لابن عباس في المجلس: هي التي قال رسول الله - ﷺ -: «لو رجمت أحدًا بغير بينة لرجمت هذه؟»، فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت تُظْهِر السُّوء في الإسلام. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال: [٣٧٥٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ: وَذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ شَدَّادٍ: أَهُمَا اللَّذَانِ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَوْ كنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةً لَرَجَمْتُهَا؟»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ. قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: عَن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان القُرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدني، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. والباقون ذُكروا في الباب، و«ابن أبي عمر» هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ. [تنبيه]: رواية أبي الزناد، عن القاسم بن محمد هذه ساقها أبو يعلى في «مسنده» (٤/ ٣١٢) مطوّلةً، فقال: (٢٤٢٤) - حدّثنا محمد بن بكّار، حدّثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن
مصادر المؤلف (٦)

١. بفتح، فسكون: العظمة.

٢. «الفتح» ١٢/ ١٨١.

٣. «الفتح» ١٢/ ١٨٢.

٤. «عمدة القاري» ١٧/ ٨٥.

٥. «الفتح» ١٢/ ١٨٢ - ١٨٣.

٦. «المفهم» ٤/ ٣٠٣، و«تكملة فتح الملهم» ١/ ٢٥٤.