HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥١٠

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بن حرب. قالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ». وَفِي رواية ابن أبي شيبة«ولد والده».
ج ٢ ص ١١٤٨

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٦ ص٥٨٨
إذا سمعوا قول رسول الله - ﷺ -، وما كان عليه عليّ بن الحسين: من حبّه للخير، حيث بادر في عتق عبده الذي أعطي به ثمنًا غاليًا، فاختار ما عند الله على متعة الدنيا الفانية، فرحمه الله ما أشدّ حرصه على الجنّة، وأقوى زهده، في الدنيا، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٧) - (بَابُ فَضْلِ عِتْقِ الْوَالِدِ) وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أول الكتاب قال: [٣٧٩٤] (١٥١٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا، فَيَشْتَرِيَهُ، فَيُعْتِقَهُ»، وَهي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: «وَلَدٌ وَالِدَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والبابين قبله. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَجْزِي) بفتح أوله، من الجزاء الذي هو بمعنى المجازاة؛ أي: لا يكافئ (وَلَدٌ وَالِدًا) أي: إحسان والد، يعني أنه لا يقوم بما له عليه من الحقوق حتى يفعل معه ذلك (إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ) أي: يصادفه (مَمْلُوكًا) منصوب على الحال من المفعول (فَيَشْتَرِيَهُ، فَيُعْتِقَهُ») بضمّ أوله، من الإعتاق رباعيًّا، وظاهره أنه لا يَعتِق عليه بمجرد الملك، بل حتى يعتقه هو، وإليه ذهب أهل الظاهر، وقالوا: لا يَعتق أحدٌ من القرابة بنفس الملك، ولا يلزم ذلك فيهم، بل إن أراد أن يُعتق فحسن، وخالفهم في ذلك جمهور علماء الأمصار، غير أنهم في تفصيل ذلك مختلفون، وسيأتي تفصيل مذاهبهم في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. وقال في «المرقاة»: قال القاضي - ﵀ -: ذهب بعض أهل الظاهر إلى أن الأب لا يَعتق على ولده إذا تملّكه، وإلا لم يصح ترتيب الإعتاق على الشراء، والجمهور على أنه يَعتق بمجرد التملك من غير أن يُنشئ فيه عتقًا، وأن قوله: «فيُعتقه» معناه: فيعتقه بالشراء، لا بإنشاء عتق، والترتيب باعتبار الحكم دون الإنشاء، وفي «شرح السنة» قالوا: إذا اشترى الرجل أحدًا من آبائه، وأمهاته، أو أحدًا من أولاده، وأولاد أولاده، أو ملكه بسبب آخر يَعتِق عليه، من غير أن ينشئ فيه عتقًا. قال المظهر: فعلى هذا الفاء في «فيُعتقه» للسببية، يعني فيعتقه بسبب شرائه، ولا يحتاج إلى قوله: أعتقتك بعد الشراء، بل عَتَق بنفس الشراء، ومن ذهب أنه لا يَعتق بسبب الشراء، يجعل الفاء في «فيعتقه» للتعقيب، لا للسببية، وإذا صحّ الشراء أثبت الملك، والملك يفيد التصرف. قال الطيبيّ - ﵀ -: هذا وأمثاله مما لا يَشفي الغليل؛ لأن الأبوة تقتضي المالكية، كما سبق في حديث عمرو بن شعيب: «أنت ومالك لوالدك»، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والشراء من مقدمات الملك، والعتق من مقتضياته، كما تقرر في علم الأصول أن من قال: أعتق عبدك عني يقتضي تمليكه إياه، ثم إعتاقه عنه، فالجمع بينهما جمع بين المتنافيين، فالحديث من باب التعليق بالمحال؛ للمبالغة، والمعنى لا يَجزي ولد والده، إلا أن يملكه، فيُعتقه، وهو محال، فالمجازاة محال، كما في قوله تعالى - ﷻ -: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه، وسدّ الطريق إلى إباحته، كما يُعَلَّق بالمحال، ويجوز أن تكون الفاء كما في قوله تعالى جل شانه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] إذا جُعِلت التوبةُ نفسَ القتل. انتهى . وقوله: (وَفي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: «وَلَدٌ وَالِدَهُ») أشار به إلى بيان اختلاف شيخيه: ابن أبي شيبة، وزهير، فقال زهير: «لا يَجزي ولدٌ والدًا»، وقال ابن أبي شيبة: «لا يجزي ولدٌ والده»، بضمير الوليد، ولا فرق بينهما من حيث المعنى، وإنما هذا من ورع المصنّف - ﵀ - وشدة احتياطه في مراعاة ألفاظ شيوخه، والعناية بأدائها، كما سمعها؛ أداء للأمانة العلميّة، وإحرازًا لفضل ما ورد عن النبيّ - ﷺ -: «نضّر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فحفظه حتى يبلّغه غيره …» الحديث، وهو حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ، وغيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٣٧٩٤ و٣٧٩٥] (١٥١٠)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (١٠)، و(أبو داود) في «الأدب» (٥١٣٧)، و(الترمذيّ) في «البرّ» (١٩٠٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٣/ ١٧٣)، و(ابن ماجه) في «الأَدب» (٣٦٥٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٤٠٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٥٣٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٠ و٢٦٣ و٣٧٦ و٤٤٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٢٩٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٢٤)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٤٤)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ٢٨١ و٦/ ٢٧٢ و٨/ ٢٦٠ و٢٨٤)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٠٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٢٨٩) و«الصغرى» (٩/ ٢٩٥) و«المعرفة» (٧/ ٥٠٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٤٢٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم من ملك والديه، أو أقاربه: قال النوويّ - ﵀ -: اختلفوا في عتق الأقارب إذا مُلِكوا، فقال أهل الظاهر: لا يَعتق أحدٌ منهم بمجرد الملك، سواء الوالد والولد، وغيرهما، بل لا بدّ من إنشاء عتق، واحتجوا بمفهوم هذا الحديث، وقال جماهير العلماء: يَحصل العتق في الآباء، والأمهات، والأجداد، والجدات، وإن عَلَوا، وعَلَوْنَ، وفي الأبناء، والبنات، وأولادهم، الذكور، والإناث، وإن سَفَلُوا، بمجرد الملك، سواء المسلم والكافر، والقريب والبعيد، والوارث وغيره، ومختصره أنه يَعتق عمود النسب بكل حال، واختلفوا فيما وراء عمودي النسب، فقال الشافعيّ وأصحابه: لا يَعتق غيرهما بالملك، لا الإخوة، ولا غيرهم. وقال مالك: يَعتق الإخوة أيضًا، وعنه رواية: أنه يَعتق جميع ذوي الأرحام المحرّمة، ورواية ثالثة كمذهب الشافعيّ. وقال أبو حنيفة: يعتق جميع ذوي الأرحام المحرّمة. وتأويل الجمهور الحديث المذكور على أنه لما تسبب في شراء الذي يترتب عليه عتقه أضيف العتق إليه، والله أعلم. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: ذهب مالك فيما حكاه ابن خوازمنداد إلى أن الذي يَعتق بالملك عمودا النسب علوًّا وسفلًا خاصة، وبه قال الشافعيّ، ومشهور مذهب مالك عمودا النسب، والجناحان، وهما الإخوة، وذكر ابن القصَّار عن مالك: ذوو الأرحام المحرمة، وبه قال أبو حنيفة. ومتعلق الظاهرية من الحديث ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قد أوجب علينا الإحسان للأبوين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فقد سوَّى بين عبادته وبين الإحسان للأبوين في الوجوب، وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه، فإذًا يجب عتقه، إما لأجل الملك؛ عملًا بالحديث، أو لأجل الإحسان؛ عملًا بالآية، والظاهرية لجهلهم بمقاصد الشرع تركوا العمل بكل واحد منهما للتمسك بظاهرٍ لم يحيطوا بمعناه. ومعنى الحديث عند الجمهور: أنَّ الولد لَمَّا تسبب إلى عتق أبيه باشترائه إيَّاه: نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه، ودل على صحة هذا التأويل فهم معنى الحديث والتنزيل. وأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك، فوجه القول الأول والثاني: إلحاق القرابة القريبة المحرمة بالأب المنصوص عليه في الحديث، ولا أقرب للرجل من أبيه؛ فيحمل على الأب، والأخ يقاربه في ذلك؛ لأنه يُدْلِي بالأبوَّة، فإنه يقول: أنا ابن أبيه. وأما القول الثالث: فمتعلقه الحديث الثابت في ذلك؛ الذي خرَّجه أبو داود، والترمذيّ من طرق متعددة، وأحسن طرقه: ما خرَّجه النسائيّ في كتابه من حديث ضمرة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن مَلَك ذا رَحِم محرم، فقد عتق». قال القرطبيّ: وهذا الحديث ثابت بنقل العدل عن العدل، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة توجب تركه، غير أن بعضهم قال: تفرد به ضمرة، وهذا لا يُلتفت إليه؛ لأن ضمرة عدل، ثقة، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره على ما مهَّدناه في الأصول، فلا ينبني أن يعدل عن هذا الحديث، بل: يجب العمل به لصحته سندًا، ولشهادة الكتاب له معنى، وذلك: أن الله - ﷿ - قد قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وليس من الإحسان إلى الأبوين، ولا للقرابة استرقاقهم، فإن نفس الاسترقاق، وبقاء اليد على المسترق إذلال له وإهانة، ولذلك فسخنا على النصرانيّ شراءه للمسلم على رواية، ولم نُبق ملكه عليه في الأخرى، وإذا ثبت أن بقاء الملك إذلال، وإهانة؛ وجبت إزالته ورفعه عن الآباء والقرابة؛ لأنه نقيض الإحسان؛ الذي أمر الله به. فإن قيل: فهذا يلزم في القرابات كلّهم وإن بَعُدوا؛ قلنا: هذا يلزم من مطلق القرآن، لكن النبيّ - ﷺ - قد خصَّ بعض القرابات بقوله: «من ملك ذا رحم محرم»، فوصفه بالمحرمية، فمن ليس كذلك لا تتضمنه الآية، ولا الحديث، والله أعلم. قال: ثم حيث قلنا بوجوب العتق، فهل بنفس الملك، أو يوقف ذلك على حكم الحاكم؟ قولان عندنا، والأول أولى؛ لظاهر الحديث، ولأنه قد جاء من حديث الحسن عن سمرة: «من ملك ذا رحم محرم فهو حر»، وهذا اللفظ يكاد أن يكون نصًّا في الفرض، ولأن بقاء الأب تحت يد الملك إلى أن ينظر الحاكم؛ فيه إذلال يناقض الإحسان المأمور به، فيجب وقوع العتق مقارنًا للملك، وإنما صار إلى إبقائه على الحكم في القول الثاني للاختلاف الذي في أصل المسألة. قال بعض الأصحاب: فإذا حكم الحاكم بذلك وجب التنفيذ، وارتفع الخلاف. وهذا ليس بشيء؛ لأنه يلزم منه إيقاف مقتضيات الأدلة على نظر الحكَّام وحكمهم، وهذا باطل بالإجماع، ولأنه ترك للدليل لما ليس بدليل، فإن حكم الحاكم ليس بدليل، بل الذي يستند إليه حكمه هو الدليل، فإن اقتضى دليله وجوب العتق بنفس الملك؛ فقد حصل المطلوب، وإن اقتضى دليله إيقاف العتق على الحكم؛ فإما إلى حكمه، وهو دَوْرٌ، وإمَّا إلى حكم غيره ويتسلسل. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح هو ما ذهب إليه القائلون بوقوع العتق بنفس الملك، ولا يحتاج إلى أن يُعتق باللفظ؛ لصحّة حديث: «من ملك ذا رحم محرم فهو حرّ»، وفي لفظ: «فقد عتق»، رواه أحمد، وأصحاب السنن، وهو حديث صحيح. والحاصل أن الحقّ أن من ملك والديه، أو ذوي أرحامه المحرّمة يَعتقون عليه بنفس ملكه، ولا يحتاج إلى إنشاء العتق باللفظ؛ لما ذُكر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٧٩٥] (…) - (وَحَدثنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالُوا: «وَلَدُ وَالِدَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أبُو أَحْمَدَ الزبَيْرِيُّ) محمد بن عبد الله بن الزبير الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٤. والباقون تقدّموا قريبًا، و«سفيان» هو: الثوريّ. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن سهيل هذه ساقها أبو عوانة في «مسنده» ٣/ ٢٤٤ فقال: (٤٨٣٢) - حدّثنا الحسن بن أبي الربيع، قثنا عبد الرزاق، قال: أنبا الثوري (ح) وحدّثنا أبو العباس الغزيّ، قثنا الفريابي (ح) وحدّثنا أبو أمية، قثنا يعلى بن عبيد قالا: ثنا سفيان الثوريّ، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يَجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكًا، فيشتريه، فيعتقه». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. * * * ٢١ - (كتاب البيوع) (اعلم): أنه جرت عادة أكثر المؤلّفين في الفقه والحديث أنهم يذكرون البيوع بعد النكاح وتوابعه، وذلك لأنهم يبدأون بالعبادات المحضة، فيذكرون الصلاة، والصوم، والزكاة، والحجّ، ثم يأتون بما فيه شأن من العبادة، وشأن من المعاملة، وذلك هو النكاح، ثم يذكرون ما يتعلّق به من الطلاق، واللعان، وما يشابهه من العتق، ثم يذكرون المعاملات المحضة، ويبدأونها بالبيوع؛ لأنها أكثر المعاملات وقوعًا، وأعظمها فائدةً ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في بيان معنى البيع لغةً، وشرعًا: (اعلم): أن «البيع» لغةً: مقابلة شيء بشيء، قال الشاعر [من البسيط]: مَا بِعْتُكُمْ مُهْجَتِي إِلَّا بِوَصْلِكُمُ … وَلَا أُسَلِّهَا إِلَّا يَدًا بِيَدِ فَإنْ وَفَيْتُمْ بِمَا قُلْتُمْ وَفَيْتُ أَنَا … وإنْ غَدَرْتُمْ فَإِنَّ الرَّهْنَ تَحْتَ يَدِي وشرعًا: مقابلة مال بمال على وجه مخصوص، قاله في «الإقناع» . و«البيوع»: جمع بيع، وإنما جُمع، وإن كان المصدر لا يُجمع، ولا يُثنّى؛ نظرًا إلى أنواعه، و«البيع» في الأصل مصدر باعه يبيعه بيعًا، ومَبِيعًا، فهو بائعٌ، وبَيّعٌ، وأباعه بالألف لغة، قاله ابن القطّاع، والبيع من الأضداد، مثل الشراء، يقال كلّ منهما لكلّ منهما، فمن استعمال البيع بمعنى الشراء، قول الشاعر [من الكامل]: إِنَّ الشَّبَابَ لَرَابِحٌ مَنْ بَاعَهُ … وَالشَّيْبُ لَيْس لِبَائِعِهِ تِجَارُ يعني من اشتراه، ومن استعمال الشراء بمعنى البيع قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ الآية [يوسف: ٢٠]؛ أي: باعوه، ويُطلق على كلّ من المتعاقدين أنه بائعٌ، ولكن إذا أطلق البائع، فالمتبادر إلى الذهن باذل السلعة، ويطلق البيع أيضًا على المبيع، فيقال: بيعٌ جيّد، وبعت زيدًا الدارَ، يتعدّى إلى مفعولين، وكثر الاقتصار على الثاني؛ لأنه المقصود بالإسناد، ولهذا تتمّ به الفائدة، نحو بعت الدار، ويجوز الاقتصار على الأول، عند عدم اللبس، نحو بعت الأميرَ؛ لأن الأمير لا يكون مملوكًا يُباع، وقد تدخل «من» على المفعول الأول على وجه التأكيد، فيقال: بعت من زيد الدارَ، كما يقال: كتمته الحديثَ، وكتمتُ منه الحديث، وربّما دخلت اللام مكان «من»، فيقال: بعتك الشيء، وبعته لك، فاللام زائدة زيادتَها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآية [الحج: ٢٦]، والأصل بوّأنا إبراهيم، وابتاع زيد الدار بمعنى اشتراها، وابتاعها لغيره: اشتراها له، وباع عليه القاضي؛ أي: من غير رضاه، والمبتاعُ مَبِيعٌ على النقص، ومبيُوعٌ على التمام، مثلُ مَخِيط، ومَخْيُوط. والأصل في البيع مبادلة مال بمال؛ لقولهم: بيْعٌ رابحٌ، وبيعٌ خاسرٌ، وذلك حقيقة في وصف الأعيان، لكنه أُطلق على العقد مجازًا؛ لأنه سبب التمليك، والتملّك، وقولهم: صحّ البيع، أو بطل، ونحوُهُ؛ أي: صيغة البيع، لكن لَمّا حُذف المضاف، واقيم المضاف إليه مُقامه، وهو مذكرٌ أُسند الفعل إليه بلفظ التذكير. والْبَيْعة: الصَّفْقة على إيجاب البيع، وجمعها بَيْعَات بالسكون، وتُحرّك في لغة هُذيل، كما بيضة وبيْضَات، وتُطلق أيضًا على المبايعة والطاعة، ومنه «أيمان البيعة»، وهي التي رتّبها الحجّاج، مشتملةً على أمور مغلّظة، من طلاق، وعتق، وصوم، ونحو ذلك، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . وقال النوويّ - ﵀ -: قال الأزهريّ: تقول العرب: بِعْتُ بمعنى بِعْتُ ما كنت ملكته، وبِعْتُ بمعنى اشتريته، قال: وكذلك شريت بالمعنيين، قال: وكل واحد بيع، وبائعٌ؛ لأن الثمن والمثمَن كل منهما مبيع، وكذا قال ابن قُتيبة: يقال: بعت الشيءَ: بمعنى بعته، وبمعنى اشتريته، وشَرَيتُ الشيءَ: بمعنى اشتريته، وبمعنى بعته، وكذا قاله آخرون، من أهل اللغة، ويقال: بعته، وابتعته، فهو مَبِيع، ومَبْيُوعٌ، قال الجوهريّ: كما يقال: مَخِيط ومَخْيُوطٌ، قال الخليل: المحذوف من مَبِيع واو مفعول؛ لأنها زائدة، فهي أولى بالحذف، وقال الأخفش: المحذوف عين الكلمة، قال المازريّ: كلاهما حسن، وقول الأخفش أقيس، والابتياع: الاشتراء، وتبايعا، وبايعته، ويقال: استبعته؛ أي: سألته البيع، وأبعت الشيءَ؛ أي: عَرَضته للبيع، وبِيعَ الشيءُ بكسر الباء، وضمها، وبُوع لغة فيه، وكذلك القول في قِيلَ، وكِيلَ. انتهى . وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: البيع في اللغة مصدر باع كذا بكذا؛ أي: دفع مُعَوَّضًا، وأخذ عِوَضًا منه، وهو يقتضي بائعًا، وهو المالك، أو من يتنزّل منزلته، ومُبتاعًا، وهو الذي يبذل الثمن، ومَبِيعًا، وهو الْمُثْمَن، وهو الذي يُبذل في مقابلة الثمن، وعلى هذا فأركان البيع أربعة: البائع، والمبتاع، والثمن، والْمُثْمَن، وكلّ واحد من هذه يتعلّق النظر فيها بشروط، ومسائل، ستراها إن شاء الله تعالى. والمعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يُضاف إليه، فإن كان أحد العوضين في مقابلة الرقبة سُمّي بيعًا، وإن كان في مقابلة منفعة رقبة، فإن كانت منفعة بُضع سُمّي نكاحًا، وإن كانت منفعة غيرها سُمّي إجارة. انتهى . وقال في «الفتح»: والبيوع جمع بيع، وجُمِع لاختلاف أنواعه، والبيع: نقل ملك إلى الغير بثمن، والشراء قبوله، ويطلق كل منهما على الآخر، وأجمع المسلمون على جواز البيع، والحكمةُ تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبًا، وصاحبه قد لا يبذله له، ففي تشريع البيع، وسيلة إلى بلوغ الغرض، من غير حرج. قال: والأصل في جواز البيع قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]، وللعلماء في هذه الآية أقوال: أصحها أنه عامّ مخصوص، فإن اللفظ لفظ عموم، يتناول كل بيع، فيقتضي إباحة الجميع، لكن قد مَنَع الشارع بيوعًا أخرى، وحرّمها، فهو عام في الإباحة، مخصوص بما لا يدل الدليل على منعه، وقيل: عام أريد به الخصوص، وقيل: مجملٌ، بَيّنَتْه السنة، وكل هذه الأقوال تقتضي أن المفرد المحلى بالألف واللام يعمّ، والقول الرابع: أن اللام في ﴿الْبَيْعَ﴾ للعهد، وإنها نزلت بعد أن أباح الشرع بيوعًا، وحرم بيوعًا، فأريد بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ أي: الذي أحله الشرع من قبلُ، ومباحث الشافعيّ وغيره، تدلّ على أن البيوع الفاسدة، تسمى بيعًا، وإن كانت لا يقع بها الحنث؛ لبناء الأيمان على العرف، قال: وقوله - ﷿ -: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢] تدلّ على إباحة التجارة في البيوع الحالّة، ويدلّ أول الآية - يعني آية المداينة - في البيوع المؤجلة. انتهى من «الفتح» بتصرّف . وقال الإمام ابن قُدامة - ﵀ -: البيع مبادلة المال بالمال، تمليكًا وتملُّكًا، واشتقاقه من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يَمُدّ باعه للأخذ والإعطاء، ويَحْتَمِل أن كل واحد منهما كان يبايع صاحبه؛ أي: يصافحه عند البيع، ولذلك سُمّي البيع صفقة، وقال بعض أصحابنا: هو الإيجاب والقبول، إذ تضمَّن عينين للتمليك، وهو حدّ قاصر؛ لخروج بيع المعاطاة منه، ودخول عقوب سوى البيع فيه. والبيع جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]،، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، وروى البخاري، عن ابن عباس - ﵄ -، قال: كانت عُكاظ، ومَجَنَّةُ، وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثموا فيه، فأُنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، يعني في مواسم الحج، وعن الزبير نحوه. وأما السنة فقول النبيّ - ﷺ -: «البَيِّعَان بالخيار، ما لم يتفرقا»، متفق عليه، وروى رِفاعة - ﵁ -، أنه خرج مع النبيّ - ﷺ - إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: «يا معشر التجار»، فاستجابوا لرسول الله - ﷺ -، ورفعوا أعناقهم، وأبصارهم إليه، فقال: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فُجّارًا، إلا من بَرّ، وصَدَقَ»، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيحٌ. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل ابن قُدامة تصحيح الترمذي، وأقرّه، وليس الأمر كذلك، بل الحديث ضعيف؛ لأن في سنده إسماعيل بن عبيد بن رفاعة: لم يرو عنه غير عبد الله بن عثمان بن خُثيم، فهو مجهول عين، وقال في «التقريب»: مقبول من السادسة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وروى أبو سعيد، عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال: «التاجر الصدوق الأمين، مع النبيين، والصديقين، والشهداء»، قال الترمذي: هذا حديث حسن ، في أحاديث كثيرة سوى هذه. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل ابن قُدامة تحسين الترمذيّ، وأقرّه، وليس الأمر كذلك، بل الحديث ضعيف؛ لأن فيه انقطاعًا؛ لأن الحسن البصريّ لم يسمع من أبي سعيد الخدريّ، كما في ترجمته من «تهذيب التهذيب» ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة، «والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي شرع البيع، وتجويزه شرع طريق إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه، ودفع حاجته. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - . وقال البدر العينيّ - ﵀ -: ثم للبيع تفسيرٌ لغةً، وشرعًا، وركنٌ، وشرطٌ، ومحلٌّ، وحُكْمٌ، وحِكْمة، أما تفسيره لغة، فمطلق المبادلة، وهو ضدّ الشراء، والبيع الشراء أيضًا، باعه الشيء، وباعه منه جميعًا فيهما، وابتاع الشيء: اشتراه، وأباعه: عرّضه للبيع، وأما تفسيره شرعًا، فهو مبادلة المال بالمال على سبيل التراضي، وأما ركنه، فالإيجاب والقبول. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون الإيجاب والقبول ركنًا للبيع فيه نظر، والصحيح أنهما ليسا ركنًا له، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. قال: وأما شرطه، فأهليّة المتعاقدين، وأما محلّه فهو المال؛ لأنه يُنبئ عنه شرعًا، وأما حُكمه، فهو ثبوت الملك للمشتري في المبيع، وللبائع في الثمن، إذا كان تامًّا، وعند الإجازة إذا كان موقوفًا، وأما حِكمته، فهي كثيرةٌ: (منها): اتساع أمور المعاش والبقاء. (ومنها): إطفاء نار المنازعات، والنهب، والسرقة، والطرّ، والخيانات، والحيل المكروهة. (ومنها): بقاء نظام المعاش، وبقاء العالم؛ لأن المحتاج يميل إلى ما في يد غيره، فبغير المعاملة، يفضي إلى التقاتل، والتنازع، وفناء العالم، واختلال نظام المعاش، وغير ذلك. وثبوته بالكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والسنّة، وهي أن النبيّ - ﷺ - بُعث والناس يتعاملون، فأقرّهم عليه، والإجماع منعقد على شرعيّته. انتهى كلام العينيّ - ﵀ - باختصار ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): قال ابن قُدامة - ﵀ -: البيع على ضربين: (أحدهما): الإيجاب والقبول، فالإيجاب أن يقول: بعتك، أو ملّكتك، أو لفظ يدل عليهما، والقبول أن يقول، اشتريت، أو قبلت، ونحوهما، فإن تقدم القبول على الإيجاب، بلفظ الماضي، فقال: ابتعت منك، فقال: بعتك صح؛ لأن لفظ الإيجاب والقبول وُجد منهما، على وجه تحصل منه الدلالة، على تراضيهما به، فصح كما لو تقدم الإيجاب، وإن تقدم بلفظ الطلب، فقال: بعني ثوبك، فقال: بعتك، ففيه روايتان: إحداهما: يصح كذلك، وهو قول مالك، والشافعيّ، والثانية: لا يصح، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه لو تأخر عن الإيجاب، لم يصح به البيع، فلم يصح إذا تقدم، كلفظ الاستفهام، ولأنه عَقْدٌ عَرِيَ عن القبول، فلم ينعقد، كما لو لم يطلب، وحَكَى أبو الخطاب، فيما إذا تقدم بلفظ الماضي روايتين أيضًا، فأما إن تقدم بلفظ الاستفهام، مثل أن يقول: أتبيعني ثوبك بكذا؟ فيقول: بعتك لم يصح بحال، نص عليه أحمد، وبه يقول أبو حنيفة، والشافعيّ، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم؛ لأن ذلك ليس بقبول، ولا استدعاء. (الضرب الثاني): المعاطاة، مثل أن يقول: أعطني بهذا الدينار خبزًا، فيعطيه ما يرضيه، أو يقول: خذ هذا الثوب بدينار، فيأخذه، فهذا بيع صحيح، نصّ عليه أحمد، فيمن قال لخباز: كيف تبيع الخبز؟ قال: كذا بدرهم، قال: زنه، وتصدق به، فإذا وزنه، فهو عليه، وقول مالك نحوٌ من هذا، فإنه قال: يقع البيع بما يعتقده الناس بيعًا، وقال بعض الحنفية: يصح في خسائس الأشياء، وحُكي عن القاضي مثل هذا، قال: يصح في الأشياء اليسيرة، دون الكبيرة، ومذهب الشافعيّ - ﵀ -، أن البيع لا يصح إلا بالإيجاب والقبول، وذهب بعض أصحابه إلى مثل قولنا، ولنا أن الله أحل البيع، ولم يبيّن كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق، والمسلمون في أسواقهم، وبياعاتهم على ذلك، ولأن البيع كان موجودًا بينهم، معلومًا عندهم، وإنما عَلّق الشرع عليه أحكامًا، وأبقاه على ما كان، فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم، ولم يُنقَل عن النبيّ - ﷺ -، ولا عن أصحابه، مع كثرة وقوع البيع بينهم، استعمال الإيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم، لنُقل نقلًا شائعًا، ولو كان ذلك شرطًا، لوجب نقله، ولم يتصور منهم إهماله، والغفلة عن نقله، ولأن البيع مما تعم به البلوى، فلو اشترط له الإيجاب والقبول، لبيّنه - ﷺ -، بيانًا عامًّا، ولم يُخْفِ حكمه؛ لأنه يفضي إلى وقوع النقود الفاسدة كثيرًا، وأكلهم المال بالباطل، ولم يُنقل ذلك عن النبيّ - ﷺ -، ولا عن أحد من أصحابه فيما علمناه، ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة، في كل عصر، ولم يُنقل إنكاره قَبْلَ مخالفينا، فكان ذلك إجماعًا، وكذلك الحكم في الإيجاب والقبول في الهبة، والهدية، والصدقة، ولم يُنقل عن النبيّ - ﷺ -، ولا عن أحد من أصحابه، استعمال ذلك فيه، وقد أُهدي إلى رسول الله - ﷺ -
مصادر المؤلف (١٣)

١. «مرقاة المفاتيح» ٦/ ٥١٠.

٢. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٥٣.

٣. «المفهم» ٤/ ٣٤٤ - ٣٤٦.

٤. راجع: «تكملة فتح الملهم» ١/ ٣٠٠.

٥. راجع: «الإقناع في حلّ أبي شُجاع» للشيخ محمد الشربيني الخطيب ٣/ ٣ - ٤ مع الحاشية «تحفة الحبيب على شرح الخطيب» للبجيرميّ.

٦. «المصباح المنير» ١/ ٦٩.

٧. اسم مفعول من أثمن الشيءَ: إذا باعه بثمن، فهو مُثْمَن بالفتح، راجع: «المصباح المنير» ١/ ٨٤.

٨. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٥٣ - ١٥٤.

٩. «المفهم» ٤/ ٣٦٠.

١٠. راجع: «الفتح» ٥/ ٤٩٩.

١١. بل هو ضعيف.

١٢. «المغني» لابن قُدامة ٤/ ٣.

١٣. راجع: «عمدة القاري» ٩/ ٢٣٧ - ٢٣٨.