HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥١٦

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عن النجش.
ج ٣ ص ١١٥٦

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٦ ص٦٥٠
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٨١٣] (١٥١٦) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ النَّجْشِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد تقدّم السند نفسه أول الباب، وهو من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٤٤) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ النَّجْشِ) قال النوويّ - ﵀ -: - بنون مفتوحة، ثم جيم ساكنة، ثم شين معجمة -: هو أن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدَع غيره، وَيغُرَّه ليزيد، ويشتريها. وأصل النجش: الاستثارة، ومنه نَجَشت الصيد أَنجُشُه بضم الجيم، نَجْشًا: إذا استثرته، سُمِّي الناجش في السلعة ناجشًا؛ لأنه يُثير الرغبة فيها، ويرفع ثمنها. وقال ابن قتيبة: أصل النجش: الْخَتْلُ، وهو الخداع، ومنه قيل للصائد: ناجش؛ لأنه يَختِل الصيد، ويختال له، وكلُّ من استثار شيئًا، فهو ناجش. وقال الهروي: قال أبو بكر: النجش المدح، والإطراء، وعلى هذا معنى الحديث: لا يمدح أحدكم السلعة، ويزيد في ثمنها بلا رغبة، والصحيح الأول. انتهى . وقال في «الفتح» بعد ذكر ما تقدّم، ما نصّه: ويقع ذلك بمواطأة البائع، فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع، فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع، كمن يخبِر بأنه اشترى سلعة بأكثر، مما اشتراها به؛ ليغر غيره بذلك. انتهى . وقال وليّ الدين - ﵀ -: فسّره أصحابنا الشافعيّة بأن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره، ويغرّه؛ ليزيد، ويشتريها، وكذا فسّره به الحنفيّة، والمالكيّة، والحنابلة، كما رأيته في «الهداية»، وكتاب ابن الحاجب، و«المحرّر» لابن تيميّة، وعبارة «الهداية»: هو أن يزيد في الثمن، ولا يريد الشراء، ليرغّب غيره، وعبارة ابن الحاجب: هو أن يزيد ليغُرّ، وعبارة صاحب «المحرّر»: إن النجش مزايدة من لا يريد الشراء، تغريرًا له، وقيّد الترمذيّ ذلك في «جامعه» بأن تكون الزيادة بأكثر مما يسوى، وكذا قيّده ابن عبد البرّ، وابن العربيّ بأن تكون الزيادة فوق ثمنها، وقال ابن العربيّ: إنه لو زاد فيها حتى ينتهي إلى قيمتها، فهو مأجور بذلك، وكذا ذكر هذا التقييد ابن الرفعة من متأخري الشافعيّة. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٣٨١٣] (١٥١٦)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢١٤٢) و«الحيل» (٦٩٦٣)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٥٨) و«الكبرى» (٤/ ١٣)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢١٧٣)، و(مالك) في «الموطّإ» (٢/ ٦٨٤)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ١٤٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٦٣ و١٠٨ و١٥٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٩٦٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ١٧١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٢٧٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٤٣) و«الصغرى» (٥/ ١٧٧) و«المعرفة» (٤/ ٣٨٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٠٩٧)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال وليّ الدين - ﵀ -: هذا الحديث اتّفق عليه الشيخان، والنسائيّ، وابن ماجه من طريق مالك، ورواه النسائيّ أيضًا من رواية كثير بن فَرْقد، كلاهما عن نافع، وقال ابن عبد البرّ: هكذا رواه جماعة أصحاب مالك، وزاد فيه القعنبيّ: قال: وأحسبه قال: «وأن تُتلقّى السِّلَعُ حتى يُهبط بها الأسواق»، ولم يذكر غيره هذه الزيادة، ورواه يعقوب بن إسماعيل بن محمد، قاضي المدائن، قال: أنا يحيى بن موسى، أنا عبد الله بن نافع، حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر: «أن رسول الله - ﷺ - نهى عن التحبير، قال: والتحبير أن يمدح الرجل سلعته بما ليس فيها»، قال ابن عبد البرّ: هكذا قال: التحبير، وفسّره، ولم يتابع على هذا اللفظ، وإنما المعروف: «النجش». انتهى . (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم النَّجْش: قال النوويّ - ﵀ -: النجش حرام بالإجماع، والبيع صحيح، والإثم مختص بالناجش، إن لم يعلم به البائع، فإن واطأه على ذلك، أثما جميعًا، ولا خيار للمشتري، إن لم يكن من البائع مواطأة، وكذا إن كانت في الأصح؛ لأنه قصّر في الاغترار، وعن مالك رواية: أن البيع باطل، وجعل النهي عنه مقتضيًا للفساد. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الإمام مالك: من بطلان البيع هو الأرجح عندي؛ لظهور حجته، فتأمله، والله تعالى أعلم. وقال الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب النَّجْش، ومن قال: لا يجوز ذلك البيع، وقال ابن أبي أوفى - ﵁ -:«الناجش آكل ربًا، خائنٌ»، وهو خِداع باطلٌ، لا يحلّ، قال النبيّ - ﷺ -:«الخديعة في النار»، و«من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردّ»، ثم أورد حديث ابن عمر - ﵄ - المذكور هنا. قال في«الفتح»: قوله:«ومن قال: لا يجوز ذلك البيع»: كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق، من طريق عمر بن عبد العزيز، أن عاملًا له، باع سبيًا، فقال له: لولا أني كنت أزيد، فأنفقه لكان كاسدًا، فقال له عمر: هذا نجش، لا يحل، فبعث مناديًا ينادي أن البيع مردود، وأن البيع لا يحل. قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في البيع، إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر، عن طائفة من أهل الحديث، فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة، إذا كان ذلك بمواطأة البائع، أو صنعه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك، ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية، قياسًا على المصرّاة، والأصح عندهم صحة البيع، مع الإثم، وهو قول الحنفية. وقال الرافعي: أطلق الشافعيّ في المختصر تعصية الناجش، وشَرَط في تعصية من باع على بيع أخيه، أن يكون عالمًا بالنهي، وأجاب الشارحون، بأن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد، وإن لم يعلم هذا الحديث بخصوصه، بخلاف البيع على بيع أخيه، فقد لا يشترك فيه كل أحد. واستَشْكَل الرافعي الفرق بأن البيع على بيع أخيه إضرار، والإضرار يشترك في عِلم تحريمه كل أحد، قال: فالوجه تخصيص المعصية في الموضعين بمن علم التحريم. انتهى. وقد حكى البيهقيّ في «المعرفة»، و«السنن» عن الشافعي تخصيص المعصية في النجش أيضًا بمن أُعلم النهي، فظهر أن ما قاله الرافعي بحثًا منصوص، ولفظ الشافعيّ: النجشُ أن يَحضُر الرجلُ السلعةَ، تُباع، فيُعطِي بها الشيءَ، وهو لا يريد شراءها؛ ليقتدي به السُّوّام، فيعطون بها أكثر مما كانوا يُعْطُون، لو لم يسمعوا سومه، فمن نجش فهو عاص بالنجش، إن كان عالِمًا بالنهي، والبيع جائز لا يفسده معصية رجل نَجَش عليه. انتهى. قال: وقد اتفق أكثر العلماء، على تفسير النجش في الشرع بما تقدم، وقيّد ابن عبد البر، وابن العربيّ، وابن حزم التحريم، بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل، قال ابن العربيّ: فلو أن رجلًا رأى سلعة رجل، تباع بدون قيمتها، فزاد فيها؛ لتنتهي إلى قيمتها، لم يكن ناجشًا عاصيًا، بل يؤجر على ذلك بنيّته، وقد وافقه على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية، وفيه نظر؛ إذ لم تتعيّن النصيحة في أن يُوهم أنه يريد الشراء، وليس من غرضه، بل غرضه أن يزيد على من يريد الشراء، أكثر مما يريد أن يشتري به، فللذي يريد النصيحة مندوحة عن ذلك، بأن يُعلم البائع بأن قيمة سلعتك أكثر من ذلك، ثم هو باختياره بعد ذلك. ويَحْتَمِل أن لا يتعين عليه إعلامه بذلك حتى يسأله؛ لحديث: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استَنصَحَ أحدكم أخاه، فلينصحه»، رواه مسلم، والله أعلم. انتهى ، وهو بحثٌ نفيسٌ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول ببطلان البيع بالنجش كما هو ظاهر مذهب البخاريّ، وجماعة من أهل الحديث، وأهل الظاهر، هو الأظهر؛ لظاهر النهي؛ إذ هو يقتضي الفساد، إلا لصارف، كما في بيع المصرّاة، وتلقّي الجلب، ولم يوجد في نهي النجش صارف، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ تَحْرِيمِ تَلَقِّي الْجَلَبِ) بفتحتين فَعَلٌ، بمعنى مفعول: وهو ما يُجلَب من بلد إلى بلد آخر، أفاده الفيّوميّ . وقال المجد - ﵀ -: جَلَبَه يَجْلُبه، من بابي ضرب، ونصر، جَلْبًا - بالسكون -، وجَلَبًا - بفتحتين - واجتلبه: ساقه من موضع إلى آخر، فجَلَبَ هو، وانجلب، واستجلبه: طَلَب أن يُجلَبَ له، و«الْجَلَبُ» محرّكةً: ما جُلِب من خيل، أو غيرها؛ كالْجَلِيبة، والْجَلُوبة، جمعه أجلابٌ. انتهى ببعض إيضاح . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من أن الجلب هنا بفتحتين، فقول بعضهم: هو بفتح اللام، وسكونها، لا وجه له؛ لأن جواز الوجهين في المصدر، لا في الجلَب بمعنى المجلوب، فتنبّه. وَيحْتَمل أن يكون الْجَلَب بفتحتين بمعنى القوم الجالبين للسِّلَع، فقد قال في «اللسان»: والْجَلَب - أي: بفتحتين - والأجلاب - أي: بالفتح -: الذين يَجلُبون الإبل، والغنم للبيع، والْجَلَبُ: ما جُلِب من خيل، وإبل، ومتاع. انتهى ، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (٩)

١. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٥٩.

٢. «الفتح» ٥/ ٦٠٧.

٣. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٦/ ٦١.

٤. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٦/ ٦١.

٥. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٥٩.

٦. «الفتح» ٥/ ٦٠٧ - ٦٠٨.

٧. «المصباح المنير» ١/ ١٠٤.

٨. «القاموس المحيط» ١/ ٤٧.

٩. «لسان العرب» ١/ ٢٦٨.