HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٣٤

حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يحيى. قال: قرأت على مالك بن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا. نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص11
ج ٣ ص ١١٦٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٣١
[٢٩٨] فيه حديث ابن عمر ﵁ : في هذه الأحاديث: بيان أن بيع الثمار لا يجوز إذا لم تكن مدركة أو مُزهِية، وفيها: أنه إذا باعها على أن يقطعها من ساعته؛ أن البيع جائز لأن النهي عما يستبقى إلى وقت الإدراك، بدليل قوله: (أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ) ، فإذا قطعه من وقته أمن من الآفة.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٨٦
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن عبد الله بن دينار، ساقها الإمام أحمد في «مسنده»، (٢/ ٦١) فقال: (٥٢٧١) - حدّثنا عبد الله ، ثنا أبي، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله إني أُخْدَع في البيع، فقال: «إذا بعت فقل: لا خلابة». انتهى. وأما رواية شعبة، عن عبد الله بن دينار، فساقها الإمام أحمد أيضًا في «مسنده» (٢/ ٤٤) فقال: (٥٠٣٦) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، سمعت ابن عمر قال: كان رجل من قريش يُغْبَن في البيع، فذَكَرَ ذلك للنبيّ - ﷺ -، فقال له النبيّ - ﷺ -: «قل: لا خِلابة». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٣) - (بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا) وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٨٥٦] (١٥٣٤) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ»). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد بعينه قبل بابين، وهو من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٥٣) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى) ذكر الإمام البخاريّ - ﵀ - سبب هذا النهي، فقال في «صحيحه»: وقال الليث، عن أبي الزناد: كان عروة بن الزبير، يحدِّث عن سهل بن أبي حثمة الأنصاريّ، من بني حارثة؛ أنه حدّثه عن زيد بن ثابت - ﵁ -، قال: كان الناس في عهد رسول الله - ﷺ -، يتبايعون الثمار، فإذا جَدَّ الناسُ وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: إنه أصاب الثمرَ الدُّمَان ، أصابه مِرَاضٌ، أصابه قُشَام - عاهات، يحتجّون بها - فقال رسول الله - ﷺ -، لَمّا كثرت عنده الخصومة في ذلك: «فإِمَّا لا، فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر»، كالمشُورة ، يشير بها؛ لكثرة خصومتهم. انتهى. قال في «الفتح»: قال الداوديّ الشارح: قول زيد بن ثابت: «كالمشُورة يشير بها عليهم»، تأويل من بعض نقلة الحديث، وعلى تقدير أن يكون من قول زيد بن ثابت، فلعل ذلك كان في أول الأمر، ثم ورد الجزم بالنهي، كما بيّنه حديث ابن عمر وغيره. انتهى . (عَنْ بَيْعِ الثمَرِ) - بفتحتين -، والثَّمَرَةُ مثله، فالأول مذكّرٌ، ويُجمع على ثِمار، مثلُ جَبَل وجِبال، ثم يُجمع الثمارُ على ثُمُر مثلُ كتاب وكُتُب، ثم يُجمع على أثمار، مثلُ عُنُق وأَعناق، والثاني مؤنّث، والجمع ثَمَرَات، مثلُ قَصَبَة وقَصَبَات، والثمر: هو الْحَمْلُ الذي تُخرجه الشجرة، سواء أُكل، أو لا، فيقال: ثَمَر الأَراك، وثمر الْعَوْسَج، وثمرُ الدَّوْم، وهو الْمُقْلُ، كما يُقال: ثمر النخل، وثمر العِنَب. قال الأزهريّ: وأثمر الشجرُ: أطلع ثمره أوّلَ ما يُخرجه، فهو مُثْمِرٌ، ومن هنا قيل لِمَا لا نفع فيه: ليس له ثَمَرَة، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . (حَتَّى يَبْدُوَ)؛ أي: يَظهَر، وهو بلا همز، قال النوويّ - ﵀ -: ومما ينبغي أن يُنبّه عليه ما يقع في كثير من كتب المحدّثين، وغيرهم «حتى يبدوا» بالألف في الخطّ، وهو خطأ، والصواب حذفها من مثل هذا للناصب، وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصبٌ، مثل زيدٌ يبدو، والاختيار حذفها أيضًا، ويقع مثله في «حتّى يزهو»، وصوابه حذف الألف كما ذُكر. انتهى . (صَلَاحُهَا) سيأتي أن ابن عمر - ﵄ - قيل له: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته، و«العاهة»: الآفة، وقال أيضًا: «يبدو صلاحه: حمرته، وصفرته»، والمراد به أن تُؤمن فيها العاهة، وتغلب السلامة، فَيَثِقَ المشتري بحصولها، بخلاف ما قبل بدوّ الصلاح، فإنه بصدد الغرر. وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: قال أصحابنا: بدوّ الصلاح بظهور النّضج، ومبادئ الحلاوة، وزوال العُفُوصة، أو الحموضة المفرطتين، وذلك فيما لا يتلوّن بأن يتموّه، ويَلين، وفيما يتلوّن بأن يَحمرّ، أو يصفرّ، أو يسودّ، قالوا: وهذه الأوصاف، وإن عُرف بها بدوّ الصلاح، فليس واحد منها شرطًا فيه؛ لأن القثّاء لا يُتصوّر فيه شيء منها، بل يُستطاب أكله صغيرًا وكبيرًا، وإنما بدوّ صلاحه أن يكبر، بحيث يُجنى في الغالب، ويؤكل، وإنما يؤكل الصغير على الندور، وكذا الزرع لا يُتصوّر فيه شيء منها باشتداد الحبّ. وقال البغويّ: بيع أوراق التوت قبل تناهيها لا يجوز إلا بشرط القطع، وبعده يجوز مطلقًا، وبشرط القطع. والعبارة الشاملة أن يُقال: بدوّ الصلاح في هذه الأشياء صيرورتها إلى الصفة التي تُطلب غالبًا لكونها على تلك الصفة. انتهى . وقوله: (نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ)؛ أي: المشتري، قال ولي الدين - ﵀ -: تأكيد لما فيه من بيان أن البيع، وإن كان فيه مصلحة الإنسان، فليس له أن يرتكب المنهيّ عنه فيه، ويقول: أسقطتُ حقّي من اعتبار المصلحة، فإن المنع لمصلحة المشتري؛ لأن الثمار قبل بُدُوّ الصلاح مُعَرَّضةٌ لطوارئ العاهات عليها، فإذا طرأ عليها شيء منها حصل الإجحاف للمشتري في الثمن الذي بذله، فنهى الشرع المشتري، كما نهى البائع، وكانه قطع بذلك النزاع، والتخاصم. انتهى. «طرح التثريب» ببعض تصرّف. وقال في «الفتح»: أما البائع؛ فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما المشتري؛ فلئلا يَضِيع ماله، وشماعد البائع على الباطل، وفيه أيضًا قطع النزاع والتخاصم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٣٨٥٦ و٣٨٥٧ و٣٨٥٨ و٣٨٥٩ و٣٨٦٠ و٣٨٦١ و٣٨٦٢ و٣٨٦٣ و٣٨٦٤] (١٥٣٤ و١٥٣٥)، و(البخاريّ) في «الزكاة» (١٤٨٦) و«البيوع» (٢١٧١ و٢١٧٣ و٢١٨٤ و٢١٨٨ و٢١٩٣ و٢١٩٤ و٢٢٠٥) و«المساقاة» (٢٣٨٠)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٣٦٧ و٣٣٦٨)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (١٢٢٦ و١٢٢٧)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٦٢) و«الكبرى» (٤/ ١٧)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢٢١٤)، و(مالك) في «الموطّإ» (١٣٠٣)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ١٤٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٤٣١٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٤٣١ و٤٣٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٧ و٥٦ و٦٣ و٧٧ و١٢٣)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٤٤٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٩٨٩ و٤٩٩١)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (٢/ ٢٢ و٢٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٢٨٧ و٢٨٨ و٢٨٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣/ ٤٠٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٩٩ و٣٠٠) و«الصغرى» (٥/ ٨٨) و«المعرفة» (٤/ ٣٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في هذا الحديث النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وهذا يشتمل ثلاثة أوجه: [أحدها]: بيعها بشرط القطع، وهذا صحيح، وقد حكى غير واحد الإجماع عليه، منهم النوويّ، فخصّ النهي بالإجماع، لكن ذهب ابن حزم إلى منع البيع في هذه الصورة أيضًا، قال: وممن منع بيع الثمرة مطلقًا، لا بشرط القطع، ولا بغيره: سفيان الثوريّ، وابن أبي ليلى. انتهى، وهذا يقدح في دعوى الإجماع. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجّح النسائيّ القول بجواز البيع بشرط القطع، حيث قال: «شراء الثمار قبل أن يبدو صلاحها، على أن يقطعها، ولا يتركها إلى أوان إدراكها»، والله تعالى أعلم. قال وليّ الدين: قال أصحابنا: فلو شَرَط القطع، ثم لم يقطع، فالبيع باق على صحّته، ويُلزمه البائع بالقطع، فإن تراضيا على إبقائه جاز، قالوا: وإنما يجوز البيع بشرط القطع، إذا كان المقطوع منتفعًا به، فإن لم تكن فيه منفعة؛ كالجوز، والكُمثرى، لم يصحّ بيعه بشرط القطع. [الحالة الثانية]: بيعها بشرط التبقية، وهذا باطل بالإجماع؛ لأنه ربّما تَلِفت الثمرة قبل إدراكها، فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل، كما جاءت به الأحاديث، فإذا شُرط القطع، فقد انتفى هذا الضرر، وعلّله الحنفيّة بأنه شرط لا يقتضيه العقد، وهو شُغل ملك الغير، وبأنه جمع بين صفقتين، وهو إعارة، أو إجارة في بيع. [الحالة الثالثة]: بيعها مطلقًا، من غير شرط قطع، ولا تبقية، ومقتضى الحديث في هذه الحالة البطلان، وبه قال الشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، من السلف، والخلف، وذهب أبو حنيفة إلى الصحّة، وعن مالك قولان، كالمذهبين. وأجاب الحنفيّة عن هذا الحديث بجوابين: (أحدهما): أن المراد به بيع الثمار قبل أن توجد، وتُخلق، فهو كالحديث الوارد في النهي عن بيع السنين. وردّ عليهم بأن هذا مخالف لتفسير الصحابي بدوّ الصلاح في الحديث بأنه صفرته، وحمرته، وبأنه صلاحه للأكل منه، وبأنه ذهاب عاهته، وبان ذلك عند طلوع الثُّريَّا؛ أي: مقارنته للفجر. ورُوي عن عطاء، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «إذا طلع النجم صباحًا رُفعت العاهات عن أهل البلد، والنجم: الثريّا»، والمراد - كما قال بعضهم -: في الحجاز خاصّة؛ لشدّة حرّه. قال البيهقيّ - ﵀ - في «المعرفة»: وقد حمل بعض من يدّعي تسوية الأخبار على مذهبه هذه الأخبار على بيع الثمار قبل أن تكون، واستدلّ عليه بما رَوَينا عن نهيه عن بيع السنين، وما ورد في معناه، وقد عرفنا بتلك الأخبار نهيه عن بيع الثمار قبل أن تكون، وعرفنا بهذه الأخبار نهيه عن بيعها مطلقًا، إذا كانت ما لم يبدُ فيها الصلاح، ألا تراه علّق المنع بغاية توجد بعد أن تكون الثمار بمدّة، فقال: «حتى تزهو»، وقال في حديث جابر - ﵁ -: «حتى تُشْقِح، قيل: وما تُشقح؟ قال: تحمارّ، أو تصفارّ، ويؤكل منها»، وقال في رواية أخرى، عن جابر: «حتى تَطِيب». وفي ذلك دلالة على أن حكم الثمار بعد بُدُوّ الصلاح فيها في البيع خلاف حكمها قبل أن يبدو الصلاح فيها، فيجوز بيعها بعد بُدُوّ الصلاح فيها مطلقًا، ولا يجوز قبله إلا بشرط القطع. انتهى . (الجواب الثاني): أن النهي فيها ليس للتحريم، وإنما هو على سبيل التنزيه، والأدب، والمشُورة عليهم؛ لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه. وهذا مردود عليهم بأن الأصل في النهي التحريم، حتى يصرفه عن ذلك صارفٌ. وقد وافق بعضُ الحنفيّة الجمهور على بطلان البيع قبل بدوّ الصلاح من غير شرط؛ اتّباعًا للحديث، وإليه ذهب قاضي خان، أفاده وليّ الدين - ﵀ - . وقال القرطبي - ﵀ -: وهل ذلك النهي محمول على ظاهره من التحريم، وهو مذهب الجمهور، أو على الكراهة، وهو مذهب أبي حنيفة؟ وعليه فلو وقع بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، فسخه الجمهور، وصححه أبو حنيفة، إذا ظهرت الثمرة، وبناه على أصله في ردّ أخبار الآحاد للقياس، والصحيح مذهب الجمهور؛ للتمسّك بظاهر النهي، ولقوله - ﷺ -: «أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يأكل أحدكم مالَ أخيه بغير حقّ؟»، وهذا يدل على أن بيعها قبل بدوّ صلاحها من أكل المال بالباطل؛ ولأنه غرر، وبيع الغرر مُحرّم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه - ﵀ - هذا الذي قاله القرطبي: من ترجيح مذهب الجمهور في تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وبطلان البيع فيه، هو الحقّ الذي يجب التمسّك به، ورفض ما عداه مما يعارض النصوص الصحيحة الصريحة لمخالفتها القياس؛ لأن القياس في مقابلة النصّ باطلٌ، ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الوافر]: إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال وليّ الدين - ﵀ -: حمل الفقهاء من المذاهب الأربعة المنع من بيع الثمرة قبل بدوّ الصلاح على ما إذا باعها مفردة عن الأشجار، فإن باعها مع الأشجار صحّ مطلقًا، من غير شرط القطع، بل قال أصحابنا: لا يجوز شرط القطع في هذه الصورة، وأنكر ذلك ابن حزم، وأبشع في إنكاره، وهو مردود، والحق ما قاله الجمهور، وأيّ معنى للقطع، والأشجار ليست باقية للبائع، بل هي مبيعة للمشتري؟ انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): مقتضى قوله: «حتى يبدو صلاحها»: جواز بيعها بعد بُدُوّ الصلاح مطلقًا، سواء اشترط الإبقاء، أم لم يشترط؛ لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، وقد جعل النهي ممتدًا إلى غاية بدوّ الصلاح. وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح، وبعده، ذهب الجمهور، وعن أبي حنيفة: إنما يصح بيعها في هذه الحالة، حيث لا يشترط الإبقاء، فإن شرطه لم يصح البيع، وحَكَى النوويّ عنه أنه أوجب شرط القطع، في هذه الصورة. وتُعُقّب بأن الذي صرح به أصحاب أبي حنيفة، أنه صحح البيع حالة الإطلاق، قبل بدو الصلاح وبعده، وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده، وأهل مذهبه أعرف به من غيرهم، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): اختلف السلف في قوله: «حتى يبدو صلاحها»، هل المراد به جنس الثمار، حتى لو بدا الصلاح في بستان، من البلد مثلًا، جاز بيع ثمرة جميع البساتين، وإن لم يبد الصلاح فيها، أو لا بدّ من بدوّ الصلاح في كل بستان، على حِدَةٍ، أو لا بُدّ من بدو الصلاح في كل جنس على حدة، أو في كل شجرة على حدة؟ على أقوال: [الأول]: قول الليث، وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح متلاحقًا. [والثاني]: قول أحمد، وعنه رواية كالرابع. [والثالث]: قول الشافعية، ويمكن أن يؤخذ ذلك من التعبير ببدوّ الصلاح؛ لأنه دالّ على الاكتفاء بمسمى الإزهاء، من غير اشتراط تكامله، فيؤخذ منه الاكتفاء، بزَهْو بعض الثمرة، وبزَهْو بعض الشجرة، مع حصول المعنى، وهو الأمن من العاهة، ولولا حصول المعنى، لكان تسميتها مُزهية بإزهاء بعضها، قد لا يكتفي به؛ لكونه على خلاف الحقيقة، وأيضًا فلو قيل بإزهاء الجميع؛ لأدّى إلى فساد الحائط، أو أكثره، وقد مَنّ الله تعالى بكون الثمار، لا تطيب دفعة واحدة؛ ليطول زمن التفكه بها، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال ما ذهب إليه أحمد - ﵀ -، وهو أنه لا بدّ من بُدُوِّ الصلاح في كل بستان على حِدَةٍ؛ لكونه أقرب لظاهر النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل الى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٨٥٧] (…) - (حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ). تقدّم هذا الإسناد أيضًا قبل بابين.
مصادر المؤلف (١٣)

١. هو ابن الإمام أحمد، راوي «المسند» عنه.

٢. هكذا ترجم القرطبيّ - ﵀ -، وهو الأنسب بظاهر أحاديث الباب، وأما ما ترجم به النوويّ وغيره بـ «باب النهي عن بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها بغير شرط القطع»، ففيه نظر؛ لأنه يكون تقييدًا للحديث بالمذهب، وهذا لا يليق بمن يشرح كتب الأحاديث، فالأولى أن تطلق التراجم إلا إذا جاء نصّ من الحديث يقتضي التقييد، فتنبّه.

٣. «الدُّمان» بفتح الدال، وضمّها: فساد الطلع، وتعفّنه، و«المِراض»: بكسر الميم، وضمها: داء يقع في الثمرة، فتهلك، و«الْقُشام» بضمّ القاف، ومعجمة مخفّفة: أن يقص ثمر النخل قبل أن يصير بَلْحًا، وقيل: هو أكّالٌ يقع في الثمر.

٤. «المشورة» بضمّ الشين المعجمة، وسكون الواو، أو بسكون الشين، وفتح الواو، لغتان، فعلى الأول فهي فَعُولة، وعلى الثاني، فهي مَفْعَلَةٌ، وزعم الحريريّ أن الإسكان من لحن العامّة، وليس كذلك، فقد أثبتها في «الجامع»، و«الصحاح»، و«المحكم»، وغيرها. أفاده في «الفتح» ٥/ ٦٧٠.

٥. «الفتح» ٥/ ٦٧٢ - ٦٧٣.

٦. «المصباح المنير» ١/ ٨٤.

٧. «شرح النوويّ» ١٠/ ١٧٨.

٨. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٦/ ١٢٩.

٩. «المعرفة» ٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤.

١٠. «طرح التثريب» ٦/ ١٢٥ - ١٢٧.

١١. «المفهم» ٤/ ٣٨٨.

١٢. «الفتح» ٥/ ٦٧١.

١٣. «الفتح» ٥/ ٦٧١ - ٦٧٢.