HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٥٤

حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا). ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا. بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أخيك بغير حق؟).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص29
ج ٣ ص ١١٩٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٣٢٩
أبي عُبيد: الجائحة: المصيبة تحُلّ بالرجل في ماله، فتجتاحه كلَّه، قال: والجائحة تكون بالبَرَد يقع من السماء، إذا عظُم حَجمه، فكثر ضرره، وتكون بالْبَرْد المحرِق، أو الحرّ المفرط، حتى يَبطُل الثمر. انتهى. باختصار. [٣٩٦٨] (١٥٥٤) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ أَن أبا الزُّبَيْرِ أخْبَرَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا» (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ؛ أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِل لَكَ أَنْ تَأخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟»). رجال هذا الإسنادين: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٢ - (أَبُو ضَمْرَةَ) أنس بن عياض الليثيّ المدنيّ، ثقة [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. والباقون كلّهم تقدّموا في البابين الماضيين. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵁ - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَوْ بعْتَ) وفي رواية ابن وهب السابقة:»إن بعت«، وقوله: (مِنْ أَخِيكَ) مفعولٌ أولُ لـ»بعتَ«، دخلت عليه»من«توكيدًا؛ لأنه يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وبعتُ زيدًا الدار يتعدّى إلى مفعولين، قال: وقد تدخل»من«على المفعول الأول على وجه التوكيد، فيقال: بِعْتُ من زيد الدارَ، كما يقال: كتمته الحديثَ، وكتمت منه الحديثَ، وربّما دخلت اللام مكان»من«، فيقال: بعتك الشيءَ، وبعته لك، فاللام زائدة، زيادتها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآية [الحج: ٢٦]، والأصل بوّأنا إبراهيمَ. انتهى . وقوله: (ثَمَرًا) هو المفعول الثاني لـ«بعتُ» (فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) أي: أصابت ذلك الثمرَ آفةٌ، قال القرطبيّ - ﵀ -: الجائحة ما اجتاحت المالَ، وأتلفته إتلافًا ظاهرًا؛ كالسيل، والمطر، والحرق، والسرق، وغلبة العدوّ، وغير ذلك، مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا. وقال أيضًا في موضع آخر: واختلف أصحابنا - يعني المالكيّة - في حدّها، فرُوي عن ابن القاسم أنها ما لا يمكن دفعه، وعلى هذا الخلاف، فلا يكون السارق جائحة، وكذا في كتاب محمد، وفي الكتاب: إنه جائحة، وقال مطرّفٌ، وابن الماجشون: الجائحة: ما أصاب الثمرة من السماء، من عَفَنٍ، أو برد، أو عطش، أو حرّ، أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدميّ، والجيش ليس بجائحة، وفي رواية ابن القاسم: إنه جائحة. انتهى . وقال ابن قُدامة - ﵀ -: الجائحة كل آفة، لا صُنع للآدمي فيها، كالريح، والبرد، والجراد، والعطش؛ لما روى الساجي بإسناده، عن جابر: أن النبيّ - ﷺ -، قضى في الجائحة، والجائحة تكون في البرد، والجراد، وفي الحبق، والسيل، وفي الريح. وهذا تفسير من الراوي لكلام النبيّ - ﷺ -، فيجب الرجوع إليه. وأما ما كان بفعل آدمي، فقال القاضي: المشتري بالخيار، بين فسخ العقد، ومطالبة البائع بالثمن، وبين البقاء عليه، ومطالبة الجاني بالقيمة؛ لأنه أمكن الرجوع ببدله، بخلاف التالف بالجائحة. انتهى . (فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأخُذَ مِنْهُ) أي: من أخيك (شَيْئًا) هذا صريح في تحريم أخذه، فهو دليل واضح في وجوب وضع الجائحة، كما سيأتي تحقيقه قريبًا (بِمَ تَأخُذُ مَالَ أَخِيكَ) أي: في مقابلة الثمر الذي أصابته الجائحة. وقوله: (بِغَيْرِ حَقٍّ؟ «) تأكيد للإنكار في أخذه، وذلك أن أخذه للثمن في مقابلة الثمر الهالك يكون أخذًا بغير حقّ؛ إذ لم يأخذ هو مقابله. وظاهره حرمة الأخذ، ووجوب وضع الجائحة، وبه يقول أحمد، وأصحاب الحديث، قالوا: وضع الجائحة لازم بقدر ما هلك. وقال الخطّابيّ: هي لندب الوضع من طريق المعروف، والإحسان عند الفقهاء. وقيل: هو محمول على ما هلك قبل تسليم المبيع إلى المشتري، فإنه في ضمان البائع، بخلاف ما هلك بعد التسليم؛ لأن المبيع قد خرج عن عُهْدة البائع بالتسليم إلى المشتري، فلا يلزمه ضمان ما يَعتريه بعده، واستُدلّ على ذلك بحديث أبي سعيد - ﵁ - الآتي في الباب التالي؛ لأنه لو كانت الجوائح موضوعةً، لم يصر مديونًا بسببها، وسيأتي تمام البحث في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٢٥/ ٣٩٦٨ و٣٩٦٩] (١٥٥٤)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٣٧٤ و٣٤٧٠)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٦٤ و٢٦٥) و«الكبرى» (٤/ ١٩)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢٢١٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١٣٩٠٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٥٢)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٦٣٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٠٣٤ و٥٠٣٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٣٣)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ٣٠ و٣١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٠٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن أخذ شيء في مقابل ما أصابه الجوائح، من الثمار؛ لقوله - ﷺ -: «فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا». ٢ - (ومنها): بيان وجوب وضع الجائحة، وبه يقول بعض أهل العلم، وهو الراجح، كما سيأتي بيانه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): جواز بيع الثمار، ولا خلاف فيه في الجملة، وإنما الخلاف فيما إذا كان قبل بدوّ الصلاح، وقد تقدّم بيان ذلك مستوفًى قريبًا. ٤ - (ومنها): تحريم أخذ مال المسلم بغير حقّ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم وضع الجائحة: قال في «الفتح»: استُدِلّ بهذا الحديث على وضع الجوائح في الثمر يُشتَرى بعد بُدُوّ صلاحه، ثم تصيبه جائحة، فقال مالك: يضع عنه الثلث، وقال أحمد، وأبو عبيد: يضع الجميع، وقال الشافعي، والليث، والكوفيون: لا يرجع على البائع بشيء، وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة، فيما إذا بيعت الثمرة، قبل بُدُوّ صلاحها بغير شرط القطع، فيُحمَل مطلق الحديث، في رواية جابر، على ما قُيِّد به في حديث أنس، والله أعلم. واستدلّ الطحاويّ، بحديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - الآتي في الباب التالي، قال: فلما لم يبطل دينُ الغرماء بذهاب الثمار، وفيهم باعتها، ولم يؤخذ الثمن منهم، دَلَّ على أن الأمر بوضع الجوائح، ليس على عمومه، والله تعالى أعلم. انتهى. وقال ابن قُدامة - ﵀ -: ما تهلكه الجائحة من الثمار، من ضمان البائع، وبهذا قال أكثر أهل المدينة، منهم: يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالك، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الحديث، وبه قال الشافعيّ في القديم. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ في الجديد: هو من ضمان المشتري؛ لما رُوي؛ أن امرأة أتت النبيّ - ﷺ -، فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان، فأذهبتها الجائحة، فسأله أن يضع عنه، فتألى أن لا يفعل، فقال النبيّ - ﷺ -: «تألّى فلان أن لا يفعل خيرًا؟»، ولو كان واجبًا لأجبره عليه، ولأن التخلية يتعلق بها جواز التصرف، فتعلّق بها الضمان؛ كالنقل، والتحويل، ولأنه لا يضمنه إذا أتلفه آدمي، كذلك لا يضمنه بإتلاف غيره. ولنا ما رَوَى مسلم في «صحيحه» عن جابر - ﵁ -؛ أن النبيّ - ﷺ - أمر بوضع الجوائح، وعنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك، بغير حق؟»، رواه مسلم، وأبو داود، ولفظه: «من باع ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يأخذ من مال أخيه شيئًا، علام يأخذ أحدكم، من مال أخيه المسلم؟»، وهذا صريح في الحكم، فلا يعدل عنه. قال الشافعي: لم يثبت عندي أن رسول الله - ﷺ - أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت لم أَعْدُهُ، ولو كنت قائلًا بوضعها، لوضعتها في القليل والكثير. قلنا: الحديث ثابت، رواه الأئمة، منهم الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وعليّ بن حرب، وغيرهم، عن ابن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر، ورواه مسلم في «صحيحه» وأبو داود في «سننه»، وابن ماجه، والنسائيّ، وغيرهم، ولا حجة لهم في حديثهم، فإن فعل الواجب خير، فإذا تألى أن لا يفعل الواجب، فقد تألى ألا يفعل خيرًا، فأما الإجبار فلا يفعله النبيّ - ﷺ -، بمجرد قول المدَّعي، من غير إقرار من البائع، ولا حضور، ولأن التخلية ليست بقبض تام، بدليل ما لو تلفت بعطش، عند بعضهم، ولا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض، بدليل المنافع في الإجارة، يباح التصرف فيها، ولو تلفت كانت من ضمان المؤجر، كذلك الثمرة، فإنها في شجرها كالمنافع قبل استيفائها، توجد حالًا فحالًا، وقياسهم يبطل بالتخلية في الإجارة. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - . وقد حقّق المسألة العلامة ابن القيّم - ﵀ - في كتابه «إعلام الموقّعين»، فقال: [المثال الرابع والأربعون]: ردّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وضع الجوائح بأنها خلاف الأصول، كما في «صحيح مسلم» عن جابر - ﵁ - يرفعه: «لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حقّ؟»، ورَوَى سفيان بن عيينة، عن حميد، عن سليمان، عن جابر - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح»، فقالوا: هذه خلاف الأصول، فإن المشتري قد ملك الثمرة، وملك التصرف فيها، وتَمّ نقل الملك إليه، ولو ربح فيها كان الربح له، فكيف تكون من ضمان البائع؟ وفي «صحيح مسلم» عن أبي سعيد - ﵁ - قال: أصيب رجل في عهد رسول الله - ﷺ - في ثمار ابتاعها، فكثُر دينه … الحديث. وروى مالك عن أبي الرجال، عن أمه عمرة؛ أنه سمعها تقول: ابتاع رجل ثمر حائط في زمن رسول الله - ﷺ - … الحديث. قال: والجواب أن وضع الجوائح لا يخالف شيئًا من الأصول الصحيحة، بل هو مقتضى أصول الشريعة، ونحن - بحمد الله - نُبَيِّن هذا بمقامين: أما الأول فحديث وضع الجوائح لا يخالف كتابًا، ولا سنةً، ولا إجماعًا، وهو أصل بنفسه، فيجب قبوله، وأما ما ذكرتم من القياس فيكفي في فساده شهادة النصّ له بالإهدار، كيف وهو فاسد في نفسه؟ وهذا يتبين بالمقام الثاني، وهو أن وضع الجوائح كما هو موافق للسنة الصحيحة الصريحة، فهو مقتضى القياس الصحيح، فإن المشتري لم يتسلم الثمرة، ولم يقبضها القبض التامّ الذي يوجب نقل الضمان إليه، فإن قبض كل شيء بحسبه، وقبض الثمار إنما يكون عند كمال إدراكها شيئًا فشيئًا، فهو كقبض المنافع في الإجارة، وتسليم الشجرة إليه كتسليم العين المؤجرة من الأرض والعقار والحيوان، وعُلَقُ البائع لم تنقطع عن المبيع، فإن له سقي الأصل، وتعاهده، كما لم تنقطع عُلَق المؤجر عن العين المستاجرة، والمشتري لم يتسلم التسليم التائم كما لم يتسلم المستأجر التسليم التامّ، فإذا جاء أمر غالب اجتاح الثمرة من غير تفريط من المشتري، لم يحلّ للبائع إلزامه بثمن ما أتلفه الله - ﷺ - منها قبل تمكنه من قبضها القبض المعتاد، وهذا معنى قول النبيّ - ﷺ -: «أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حقّ؟»، فذكر الحكم، وهو قوله: «فلا يحل له أن يأخذ منه شيئًا»، وعلة الحكم وهو قوله: «أرأيت إن منع الله الثمرة …» إلى آخره، وهذا الحكم نصّ لا يَحْتمل التأويل، والتعليل وصف مناسب لا يقبل الإلغاء، ولا المعارضة، وقياس الأصول لا يقتضي غير ذلك، ولهذا لو تمكن من القبض المعتاد في وقته، ثم أخّره لتفريط منه، أو لانتظار غلاء السعر، كان التلف من ضمانه، ولم توضع عنه الجائحة. وأما معارضة هذه السنة بحديث الذي أصيب في ثمار ابتاعها، فمن باب رَدّ المحكم بالمتشابه، فإنه ليس فيه أنه أصيب فيها بجائحة، فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامّة، بل لعله أصيب فيها بانحطاط سعرها، وإن قُدِّر أن المصيبة كانت جائحة، فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامّة، بل لعلها جائحة خاصة؛ كسرقة اللصوص التي يمكن الاحتراز منها، ومثل هذا لا يكون جائحة تُسقط الثمنَ عن المشتري، بخلاف نَهْب الجيوش، والتلف بآفة سماوية، وإن قُدِّر أن الجائحة عامة، فليس في الحديث ما يبين أن التلف لم يكن بتفريطه في التأخير، ولو قُدِّر أن التلف لم يكن بتفريطه، فليس فيه أنه طلب الفسخ، وأن توضع عنه الجائحة، بل لعله رضي بالمبيع، ولم يطلب الوضع، والحقّ في ذلك له، إن شاء طلبه، وإن شاء تركه، فأين في الحديث أنه طلب ذلك، وأن النبيّ - ﷺ - منع منه، ولا يتم الدليل إلا بثبوت المقدمتين، فكيف يعارض نصّ قوله الصحيح الصريح المحكم الذي لا يَحتَمِل غير معنى واحد، وهو نصّ فيه بهذا الحديث المتشابه. ثم قوله فيه: «ليس لكم فيه إلا ذلك» دليل على أنه لم يبق لبائعي الثمار في ذمة المشتري غير ما أخذه، وعندكم المال كله في ذمته، فالحديث حجة عليكم. وأما المعارضة بخبر مالك، فمن أبطل المعارضات، وأفسدها، فأين فيه أنه أصابته جائحة بوجه ما؟ وإنما فيه أنه عالجه، وأقام عليه حتى تبيّن له النقصان، ومثل هذا لا يكون سببًا لوضع الثمن، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد حقّق العلامة ابن القيّم - ﵀ - هذا الموضوع، وبيّنه أتمّ بيان. والحاصل أن أحاديث وضع الجائحة صحيحة واضحة الدلالة، فالأرجح القول بوجوب وضع الجائحة، وأما الاحتجاج بحديث أبي سعيد - ﵁ - الآتي في الرجل الذي أصيب في الثمار التي ابتاعها، فيجاب عنه بجوابين: [أحدهما]: أن أحاديث وضع الجائحة ذُكرت لبيان القاعدة، وحكمِها، وهذا الحديث واقعة عين، فتكون هي أولى منه. [الثاني]: أنه يَحْتَمِل أن يكون اشتراؤه تلك الثمرة بعد تناهي طيبها، ودخول أوان جذاذها، فلا تحتاج إلى تبقية، ولا إلى سقي، فيكون المشتري مفرّطًا في تركها بعد ذلك على الشجر، فتكون من ضمانه، لا من ضمان البائع، ولهذا قال - ﷺ - في آخر الحديث: «ليس لكم إلا ذلك» فلو كانت الجوائح لا توضع، لكان لهم طلب بقيّة الدَّين، وجوابهم عن هذا بأن معناه: ليس لكم الآن إلا هذا، ولا يحلّ لكم مطالبته ما دام معسرًا، بل ينظر إلى ميسرة، خلاف الظاهر. والحاصل أن وجوب وضع الجوائح هو الحقّ؛ لما ذكر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مقدار الجوائح التي توضع: قال ابن قُدامة - ﵀ -: إنّ ظاهر المذهب؛ أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أنّ ما جرت العادة بتلف مثله؛ كالشيء اليسير، الذي لا ينضبط، فلا يلتفت إليه، قال أحمد: إني لا أقول في عشر ثمرات، ولا عشرين ثمرة، ولا أدري ما الثلث؟ ولكن إذا كانت جائحةً تُعرَفُ، الثلث، أو الربع، أو الخمس توضع. وفيه رواية أخرى: أن ما كان دون الثلث، فهو من ضمان المشتري، وهو مذهب مالك، والشافعيّ في القديم؛ لأنه لا بُدَّ أن يأكل الطير منها، وتَنْثُرَ الريحُ، ويسقط منها، فلم يكن بدّ من ضابط واحد، فاصل بين ذلك، وبين الجائحة، والثلث قد رأينا الشرع اعتبره في مواضع، منها: الوصية، وعطايا المريض، وتساوي جراح المرأة وجراح الرجل إلى الثلث. قال الأثرم: قال أحمد: إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة، ولأن الثلث في حد الكثرة، وما دونه في حد القلة، بدليل قول النبيّ - ﷺ - في الوصية: «الثلث، والثلث كثير»، متّفقٌ عليه، فيدل هذا على أنه آخِرُ حدّ الكثرة، فلهذا قدّر به. ووجه الأول عموم الأحاديث، فإن النبيّ - ﷺ - أمر بوضع الجوائح، وما دون الثلث داخل فيه، فيجب وضعه، ولأن هذه الثمرة لم يتم قبضها، فكان ما تَلِف منها من مال البائع، وإن كان قليلًا؛ كالتي على وجه الأرض، وما أكله، أو سقط، لا يؤثر في العادة، ولا يسمى جائحة، فلا يدخل في الخبر، ولا يمكن التحرز منه، فهو معلوم الوجود بحكم العادة، فكأنه مشروط. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بوضع الجائحة مطلقًا، سواء كان قليلًا، أو كثيرًا، إلا ما جرى العرف بالتسامح في تلف مثله، هو الأرجح؛ عملًا بإطلاق النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال ابن قُدامة: إذا ثبت هذا، فإنه إذا تلف شيء، له قدر خارج عن العادة، وُضِع من الثمن بقدر الذاهب، فإن تلف الجميع بطل العقد، ويرجع المشتري بجميع الثمن، وأما على الرواية الأخرى، فإنه يعتبر ثلث المبلغ، وقيل: ثلث القيمة، فإن تلف الجميع، أو أكثر من الثلث رجع بقيمة التالف كله من الثمن، وإذا اختلفا في الجائحة، أو قدر ما أُتْلِف، فالقول قول البائع؛ لأن الأصل السلامة، ولأنه غارم، والقول في الأصول قول الغارم ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٩٦٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا حَسَن الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الخلّال، أبو عليّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (أَبُو عَاصِم) الضحّاك بن مَخْلَد الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. و«ابن جريج» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن ابن جريج هذه ساقها أبو عوانة في «مسنده» ٣/ ٣٣٣ فقال:
مصادر المؤلف (٦)

١. «المصباح المنير»١/ ٦٩.

٢. «المفهم»٤/ ٤٢٦.

٣. «المغني» ٦/ ١٧٩.

٤. «المغني» ٦/ ١٧٧ - ١٧٩.

٥. «إعلام الموقّعين» ٢/ ٣٨١ - ٣٨٤.

٦. «المغني» ٦/ ١٧٩ - ١٨٠.