HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٦٧

حَدَّثَنَا يَحْيَى بن يحيى. قرأت على مالك عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ البغي، وحلوان الكاهن.
ج ٣ ص ١١٩٨

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٤٤٨
٤ - (هِلَالُ بْنُ أُسَامَةَ) هو: هلال بن عليّ بن أُسامة العامريّ المدنيّ، نُسب لجدّه، ثقةٌ [٥] مات سنة بضع و(١١٠) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٧/ ١٢٠٤. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٣١) - (بَابُ تَحْرِيمِ ثَمَنِ الْكَلْب، وَحُلْوَانِ الْكَاهِن، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَالنَّهْي عَنْ بَيْعِ السِّنَّوْرِ) وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٠٠٢] (١٥٦٧) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنصَارِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْب، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام المخزوميّ المدنيّ تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (أَبُو مَسْعُودٍ الأنصَارِيُّ) عقبة بن عمرو البدريّ الصحابيّ الشهير - ﵁ -، تقدّم قبل بابين. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو بكر بن عبد الرحمن اسمه كنيته، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه أن صحابيّه يقال له: البدريّ؛ لسُكناه بدرًا، لا لشهوده غزوة بدر، وهذا هو المشهور، وقال البخاريّ: إنه شهد بدرًا، وهو الأصحّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة - ﵁ - (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ) قال في»الفتح«: ظاهر النهي تحريم بيعه، وهو عامّ في كل كلب، مُعَلَّمًا كان أو غيره، مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومِن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه، وبذلك قال الجمهور، وهو الصحيح، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. (وَمَهْرِ الْبَغِيِّ) هو ما تأخذه الزانية على الزنا، سماه مهرًا مجازًا، و«الْبَغِيّ»- بفتح الموحدة، وكسر الغين المعجمة، وتشديد التحتانية - وهو فَعِيلٌ بمعنى فاعلة، وجمع البغيّ بَغَايا، والْبِغاء - بكسر أوله -: الزنا والفجور، وأصل البِغاء الطلب، غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد، واستُدِلّ به على أن الأمة إذا أُكرهت على الزنا فلا مهر لها، وفي وجه للشافعية: يجب للسيد. وأخرج البخاري في«صحيحه»من حديث أبي هريرة - ﵁ -:«نَهَى رسول الله - ﷺ - عن كسب الإماء»، زاد في رواية أبي داود، من حديث رافع بن خَدِيج - ﵁ -:«نَهَى عن كسب الأمة، حتى يُعْلَم من أين هو؟ »، فعُرِف بذلك النهي، والمراد به كسبها بالزنا، لا بالعمل المباح. وقد رَوَى أبو داود أيضًا من حديث رِفاعة بن رافع، مرفوعًا:«نَهَى عن كسب الأمة، إلا ما عَمِلت بيدها، وقال هكذا بيده، نحو الغَزْل، والنَّفْش»، وهو بالفاء؛ أي: نتف الصوف، وقيل: المراد بكسب الأمة جميع كسبها، وهو من باب سدّ الذرائع؛ لأنها لا تؤمَن إذا الزمت بالكسب أن تكسب بفرجها، فالمعنى أن لا يُجَعل عليها خراج معلوم، تؤديه كلَّ يوم، أفاده في«الفتح». (وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ») «الْحُلْوان» مصدر حَلَوته حُلْوانًا: إذا أعطيته، وأصله من الحلاوة، شُبّه بالشيء الحلو، من حيث إنه يأخذه سَهْلًا بلا كلفة، ولا مشقة، يقال: حلوته: إذا أطعمته الحلو، والحلوان أيضًا: الرِّشوة، والحلوان أيضًا: أخذ الرجل مهر ابنته لنفسه، وحلوان الكاهن حرام بالإجماع؛ لِمَا فيه من أخذ العوض على أمر باطل، وفي معناه التنجيم، والضرب بالحصى، وغير ذلك، مما يتعاناه العَرّافون من استطلاع الغيب . وقال النوويّ - ﵀ -: وأما حلوان الكاهن: فهو ما يعطاه على كِهانته، يقال منه: حَلَوته حُلوانًا: إذا أعطيته، قال الهرويّ وغيره: أصله من الحلاوة، شُبِّه بالشيء الحلو، من حيث إنه يأخذه سهلًا بلا كُلْفة، ولا في مقابلة مشقّة، يقال: حَلَوته: إذا أطعمته الحلو، كما يقال: عَسَلته: إذا أطعمته العسل. قال أبو عبيد: ويُطلَق الحلوان أيضًا على غير هذا، وهو أن يأخذ الرجل مهر ابنته لنفسه، وذلك عيب عند النساء، قالت امرأه تمدح زوجها: لا يأخذ الحلوان عن بناتنا ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود الأنصاريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣/ ٤٠٠٢ و٤٠٠٣] (١٥٦٧)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢٢٣٧) و«الإجارة» (٢٢٨٢) و«الطلاق» (٥٣٤٦) و«الطبّ» (٥٧٦١)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٤٨١)، و(الترمذيّ) في «النكاح» (١١٣٣) و«البيوع» (١٢٧٦) و«الطبّ» (٢٠٧١)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٣٠٩) و«الكبرى» (٤٨٠٣ و٦٢٦٢)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢١٥٩)، و(مالك) في «الموطّإ» (٢/ ٦٥٦)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ١٣٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٢٤٣)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٤٥٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ١١٨ و١١٩ و١٢٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٥٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥١٥٧)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٧/ ٧٢٦ و٧٢٧ و٧٢٨ و٧٢٩ و٧٣٠ و٧٣١ و٧٣٢)، و(الدولابيّ) في «الكبرى» (١/ ٥٤ و٥٥)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٥١ و٥٢)، و(البيهقيّ) في «الطبري» (٦/ ٥ و٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٠٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع الكلب: قال النوويّ - ﵀ -: وأما النهي عن ثمن الكلب، وكونه من شرّ الكسب، وكونه خبيثًا، فيدلّ على تحريم بيعه، وأنه لا يصح بيعه، ولا يحل ثمنه، ولا قيمةَ على مُتْلِفه، سواءٌ كان مُعَلَّمًا أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أم لا، وبهذا قال جماهير العلماء، منهم: أبو هريرة، والحسن البصريّ، وربيعة، والأوزاعيّ، والْحَكَم، وحماد، والشافعيّ، وأحمد، وداود، وابن المنذر، وغيرهم. وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة، وتجب القيمة على مُتلفها، وحَكَى ابن المنذر عن جابر، وعطاء، والنخعيّ جواز بيع كلب الصيد دون غيره، وعن مالك روايات: إحداها: لا يجوز بيعه، ولكن تجب القيمة على متلفه، والثانية: يصح بيعه، وتجب القيمة، والثالثة: لا يصحّ، ولا تجب القيمة على مُتْلِفه. ودليل الجمهور هذه الأحاديث، وأما الأحاديث الواردة في النهي عن ثمن الكلب، إلا كلب صيد، وفي رواية إلا كلبًا ضاريًا، وأن عثمان غَرَّم إنسانًا ثمن كلب قتله عشرين بعيرًا، وعن ابن عمرو بن العاص التغريم في إتلافه، فكلها ضعيفة باتفاق أئمة الحديث، وقد أوضحتها في «شرح المهذب» في باب ما يجوز بيعه. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال في «الفتح» ما حاصله: ذهب الجمهور إلى تحريم بيع الكلب، وهو عامّ في كل كلب، مُعَلَّمًا كان أو غيره، مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومن لازم ذلك أن لا قيمة على مُتْلِفه. وقال مالك: لا يجوز بيعه، وتجب القيمة على مُتلِفِه، وعنه كالجمهور، وعنه كقول أبي حنيفة: يجوز، وتجب القيمة، وقال عطاء، والنخعيّ: يجوز بيعِ كلب الصيد دون غيره، ورَوَى أبو داود من حديث ابن عباس - ﵁ - مرفوعًا: «نهَى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الكلب، وقال: إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا»، وإسناده صحيح، ورَوَى أيضًا بإسناد حسن، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا:«لا يحل ثمن الكلب، ولا حُلوان الكاهن، ولا مَهْرُ البَغِيِّ»، والعلة في تحريم بيعه عند الشافعيّ نجاسته مطلقًا، وهي قائمة في المعَلَّم وغيره، وعلة المنع عند من لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه، والأمر بقتله، ولذلك خُصّ منه ما أذن في اتخاذه، ويدلّ عليه حديث جابر - ﵁ - قال:«نَهَى رسولُ الله - ﷺ - عن ثمن الكلب، إلا كلب صيد»، أخرجه النسائيّ بإسناد رجاله ثقات، إلا أنه طُعِن في صحته، وقد وقع في حديث ابن عمر - ﵄ - عند ابن أبي حاتم، بلفظ:«نَهَى عن ثمن الكلب، دوان كان ضاريًا»، يعني مما يصيد، وسنده ضعيف، قال أبو حاتم: هو منكر، وفي رواية لأحمد:«نَهَى عن ثمن الكلب، وقال: طُعْمة جاهلية»، ونحوه للطبرانيّ من حديث ميمونة بنت سعد. وقال القرطبيّ: مشهور مذهب مالك جواز اتخاذ الكلب، وكراهيةُ بيعه، ولا يُفسَخ إن وقع، وكأنه لما لم يكن عنده نَجِسًا، وأُذِن في اتخاذه لمنافعه الجائزة، كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكن الشرع نَهَى عن بيعه تنزيهًا؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق، قال: وأما تسويته في النهي بينه وبين مهر البغيّ، وحُلوان الكاهن، فمحمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه، وعلى تقدير العموم في كل كلب، فالنهي في هذه الثلاثة في القدر المشترك من الكراهة أعمّ من التنزيه والتحريم؛ إذ كل واحد منهما منهيّ عنه، ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر، فإنّا عرفنا تحريم مهر البغيّ، وحُلوان الكاهن من الإجماع، لا من مجرد النهي، ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه؛ إذ قد يُعْطَف الأمر على النهي، والإيجاب على النفي. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل الذي ذكره القرطبي محلّ نظر، بل الذي يترجّح عندي هو الذي عليه الجمهور، من تحريم بيع الكلب مطلقًا؛ لعموم النصّ، وعدم صحّة الاستثناء الذي في حديث جابر - ﵁ - الذي أخرجه النسائيّ، ولفظه: «أنّ رسول الله - ﷺ - نَهَى عن ثمن السنّور، والكلب إلا كلب صيد»، فإنه حديث ضعيف، كما بيّنته في «شرح النسائيّ» . والحاصل أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأصحّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان ما جاء عن أهل العلم في الكاهن والعرّاف: قال النوويّ - ﵀ -: وقال البغويّ من أصحابنا - الشافعيّة - والقاضي عياض: أجمع المسلمون على تحريم حلوان الكاهن؛ لأنه عوض عن مُحَرَّم، ولأنه أكلُ المال بالباطل، وكذلك أجمعوا على تحريم اجرة المغنّية للغناء، والنائحة للنوح، وأما الذي جاء في غير «صحيح مسلم» من النهي عن كسب الإماء، فالمراد به كسبهنّ بالزنى وشبهه، لا بالغزل، والخياطة، ونحوهما. وقال الخطابى: قال ابن الأعرابي: ويقال: حلوان الكاهن الشنع، والصهميم، قال الخطابيّ: وحلوان العرّاف أيضًا حرام، قال: والفرق بين الكاهن والعراف؛ أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويَدَّعِي معرفة الأسرار، والعرّاف هو الذي يَدّعِي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة، ونحوهما من الأمور، هكذا ذكره الخطابيّ في «معالم السنن» في «كتاب البيوع»، ثم ذكره في آخر الكتاب أبسط من هذا، فقال: إن الكاهن هو الذي يدّعي مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن، قال: وكان في العرب كهنة يَدَّعون أنهم يَعرفون كثيرًا من الأمور. فمنهم من يزعم أن له رُفقاء من الجنّ، وتابعةً تُلْقِي إليه الأخبار، ومنهم من كان يَدَّعِي أنه يستدرك الأمور بفهم أُعطيه، وكان منهم من يُسَمَّى عَرّافًا، وهو الذي يزعم أنه يَعرف الأمور بمقدمات أسباب، يَستَدِلّ بها على مواقعها، كالشيء يُسْرَق، فيعرف المظنون به السرقةُ، وتُتَّهم المرأه بالريبة، فيَعْرِف مَن صاحبها؛ ونحو ذلك من الأمور، ومنهم من كان يُسَمِّي المنجِّم كاهنًا، قال: وحديث النهي عن إتيان الكهان يشتمل على النهي عن هؤلاء كلهم، وعلى النهي عن تصديقهم، والرجوع إلى قولهم. ومنهم من كان يدعو الطبيب كاهنًا، وربما سَمَّوه عَرّافًا، فهذا غير داخل في النهي، هذا آخر كلام الخطابيّ. وقال الإمام أبو الحسن الماورديّ من أصحابنا - الشافعيّة - في آخر كتابه «الأحكام السلطانية»: وَيمنع المحتَسِب من يكتسب بالكهانة، واللهو، ويؤدِّب عليه الآخذَ والمعطيَ. انتهى . وقال في «الفتح»: و«الكِهانة» بفتح الكاف، ويجوز كسرها: ادّعاءُ علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض، مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيه استراق الجنيّ السمع من كلام الملائكة، فيُلقيه في أُذُن الكاهن، والكاهنُ لفظ يُطلق على العَرّاف، والذي يضرب بالحصى، والمنَجِّم، ويُطلق على من يقوم بأمر آخر، ويسعى في قضاء حوائجه، وقال في «المحكم»: الكاهن: القاضي بالغيب، وقال في «الجامع»: العرب تسمي كل من آذن بشيء قبل وقوعه كاهنًا. وقال الخطابيّ: الكَهَنَةُ قوم لهم أذهان حادّة، ونفوس شريرة، وطباع ناريّة، فألِفتهم الشياطين؛ لما بينهم من التناسب في هذه الأمور، ومساعدتهم بكل ما تَصِل قدرتهم إليه، وكانت الكهانة في الجاهلية فاشيةَ خصوصًا في العرب؛ لانقطاع النبوة فيهم، وهي على أصناف: [منها]: ما يتلقونه من الجنّ، فإن الجنّ كانوا يصعدون إلى جهة السماء، فيركب بعضهم بعضًا إلى أن يدنو الأعلى بحيث يسمع الكلام، فيلقيه إلى الذي يليه، إلى أن يتلقاه من يُلقيه في أذن الكاهن، فيزيد فيه، فلما جاء الإسلام، ونزل القرآن حُرِست السماء من الشياطين، وأُرسلت عليهم الشهب، فبقي من استراقهم ما يتخطفه الأعلى، فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ [الصافات: ١٠]، وكانت إصابة الكهان قبل الإسلام كثيرة جدًّا، كما جاء في أخبار شِقٍّ، وسَطِيح، ونحوهما، وأما في الإسلام فقد نَدَر ذلك جدًّا، حتى كاد يَضْمَحِل، ولله الحمد. [ثانيها]: ما يُخبر الجنيّ به من يواليه بما غاب عن غيره، مما لا يطلع عليه الإنسان غالبًا، أو يطلع عليه مَن قَرُب منه، لا مَنْ بَعُد. [ثالثها]: ما يستند إلى ظنّ، وتخمين، وحَدْس، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوّة مع كثرة الكذب فيه. [رابعها]: ما يستند إلى التجربة والعادة، فيستدلّ على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر، وقد يَعتضِد بعضهم في ذلك بالزجر، والطَّرْق، والنجوم، وكل ذلك مذموم شرعًا، وورد في ذم الكهانة ما أخرجه أصحاب «السنن»، وصححه الحاكم، من حديث أبي هريرة - ﵁ - رفعه: «من أتى كاهنًا، أو عَرّافًا، فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد - ﷺ -»، وله شاهد من حديث جابر، وعمران بن حُصين، أخرجهما البزار بسندين جيدين، ولفظهما: «من أتى كاهنًا»، وأخرجه مسلم من حديث امرأة من أزواج النبيّ - ﷺ -، ومن الرواة من سماها حفصة، بلفظ: «من أتى عَرّافًا»، وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن مسعود، بسند جيِّد، لكن لم يصرح برفعه، ومثله لا يقال بالرأي، ولفظه: «من أتى عَرّافًا، أو ساحرًا، أو كاهنًا»، واتفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة، إلا حديث مسلم، فقال فيه: «لم يقبل لهما صلاة أربعين يومًا»، ووقع عند الطبرانيّ من حديث أنس بسند لَيِّن مرفوعًا، بلفظ: «من أتى كاهنًا فصدّقه بما يقول، فقد برئ مما أُنزل على محمد - ﷺ -، ومن أتاه غير مصدِّق له، لم تُقبل صلاته أربعين يومًا». والأحاديث الأوَلُ مع صحتها، وكثرتها أولى من هذا، والوعيد جاء تارة بعدم قبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فيُحْمَل على حالين من الآتي أشار إلى ذلك القرطبيّ - ﵀ -. و«الْعَرّاف» - بفتح المهملة، وتشديد الراء -: من يستخرج الوقوف على الْمُغَيَّبات بضرب من فعل، أو قول. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٠٠٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزهْرِيّ، بِهَذَا الإِسنادِ مِثْلَهُ، وَفي حَدِيثِ اللَّيْثِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ؛ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ).
مصادر المؤلف (٨)

١. «الفتح» ٦/ ٧٢١ «كتاب البيوع» رقم (٢٢٣٧).

٢. «الفتح» ٦/ ٧٢١.

٣. «شرح النووي» ١٠/ ٢٣١ - ٢٣٢.

٤. «شرح النوويّ - ﵀ - ١٠/ ٢٣٢ - ٢٣٣.

٥. «المفهم» ٤/ ٤٤٤، و«الفتح» ٦/ ٧١٩ - ٧٢٠.

٦. راجع: «ذخيرة العقبى» ٣٥/ ١٤٠ - ١٤١.

٧. «شرح النوويّ» ١٠/ ٢٣١ - ٢٣٢.

٨. «الفتح» ١٣/ ١٨٩ - ١٩١ «كتاب الطبّ» رقم (٥٧٦٢).