HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٧٠

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قال: قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص35
ج ٣ ص ١٢٠٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٤٦٣
(٣٢) - (بَابُ الأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَاب، وَبَيَانِ نَسْخِه، وَبَيَانِ تَحْرِيمِ إقْتِنَائِهَا، إِلَّا لِصَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٠٠٩] (١٥٧٠) - (حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ يَحْيى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيى بْنُ يَحْيى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قريبًا. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب - ﵄ -، تقدّم أيضًا قريبًا. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٦٧) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوري، وهو أصح الأسانيد مطلقًا، كما نُقل عن الإمام البخاريّ - ﵀ -، وفيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵁ - (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) وفي رواية عبيد الله، عن نافع التالية: «أَمَر بقتل الكلاب، فأرسل في أقطار المدينة أن تُقْتَل»، وفي رواية إسماعيل بن أميّة، عن نافع: «كان رسول الله - ﷺ - يأمر بقتل الكلاب، فننبَعِثُ في المدينة وأطرافها، فلا نَدَعُ كلبًا إلا قتلناه، حتى إنا لنقتل كلب الْمُرَيَّة من أهل البادية يتبعها»، وفي رواية عمرو بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ -: «أن رسول الله - ﷺ - أَمَرَ بقتل الكلاب، إلا كلبَ صيد، أو كلب غنم، أو ماشية، فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، فقال ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعًا». وفي حديث جابر - ﵁ -: «أمرنا رسول الله - ﷺ - بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تَقْدَم من البادية بكلبها، فتقتله، ثم نَهَى رسول الله - ﷺ - عن قتلها، وقال: عليكم بالأسود البهيم، ذي النقطتين، فإنه شيطان». وفي حديث عبد الله بن المغَفَّل - ﵁ -: «قال: أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالُهُمْ وبالُ الكلاب؟ ثم رَخَّص في كلب الصيد، وكلب الغنم»، وفي رواية له: «في كلب الغنم، والصيد، والزرع». وفي حديث ابن عمر - ﵄ -: «من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية، أو ضارٍ، نَقَصَ من عمله كلَّ يوم قيراطان»، وفي رواية: «ينقص من أجره كل يوم قيراط». وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -: «من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد، ولا ماشية، ولا أرض، فإنه يَنْقُصُ من أجره قيراطان كلَّ يوم»، وفي رواية له: «انتقص من أجره كلَّ يوم قيراط». وفي حديث سفيان بن أبي زُهير: «من اقتنى كلبًا لا يُغني عنه زرعًا، ولا ضرعًا نَقَصَ من عمله كلَّ يوم قيراط». [تنبيه]: سبب أمره - ﷺ - بقتل الكلاب هو ما سيأتي للمصنّف في «كتاب اللباس» من حديث عائشة - ﵂ - أنها قالت: واعد رسول الله - ﷺ - جبريل في ساعة يأتيه فيها، فجاءت تلك الساعة، ولم يأته، وفي يده عصًا، فألقاها من يده، وقال: «ما يُخلف الله وعده، ولا رُسُله»، ثم التفت، فإذا جِرْوُ كلب تحت سريره، فقال: «يا عائشة متى دخل هذا الكلب ها هنا؟»، فقالت: والله ما دَرَيت، فأمَر به، فأُخرج، فجاء جبريل، فقال رسول الله - ﷺ -: «واعدتني، فجلستُ لك، فلم تأت»، فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك، إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب، ولا صورة». وعن ميمونة - ﵂ -: أن رسول الله - ﷺ - أصبح يومًا واجمًا، فقالت ميمونة: يا رسول الله لقد استنكرتُ هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله - ﷺ -: إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلةَ، فلم يلقني، أَمَ والله ما أخلفني، قال: فظلَّ رسول الله - ﷺ - يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جِرْوُ كلب تحت فسطاط لنا، فأَمر به، فأُخرج، ثم أخذ بيده ماءً، فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة، قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب، ولا صورةٌ، فأصبح رسول الله - ﷺ - يومئذ، فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير. انتهى. [تنبيه آخر]: قال القرطبيّ - ﵀ -:: حديث ابن عمر - ﵄ - رُوي مطلقًا من غير استثناء، كما قال في رواية مالك ، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتل الكلاب، وروي مقيَّدًا بالاستثناء المتَصل، كرواية عمرو بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ -؛ أن النبيّ - ﷺ - ﷺ - أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد، أو كلب غنم، أو ماشية، فيجب على هذا ردّ مطلق إحدى الروايتين إلى مقيَّدهما، فإن القضية واحدة، والرَّاوي لهما واحد، وما كان كذلك وجب فيه ذلك بالإجماع، كما بيَّنَّاه في أصول الفقه، وهذا واضح في حديث ابن عمر - ﵄ -. وعليه: فكلب الصيد، والماشية، لم يتناولهما قط عموم الأمر بقتل الكلاب؛ لاقتران استثنائهما من ذلك العموم. وإلى الأخذ بهذا الحديث ذهب مالك، وأصحابه، وكثير من العلماء، فقالوا: بقتل الكلاب إلا ما استُثني منها، ولم يروا الأمر بقتل ما عدا المستثنى منسوخًا، بل محكمًا، وأما حديث عبد الله بن مغفل - ﵁ - فمقتضاه غير هذا، وذلك: أنَّه قال فيه: أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الكلاب، ثم قال: «ما بالهم وبال الكلاب»، ثم رَخَّص في كلب الصيد، وكلب الغنم، والزرع، ومقتضى هذا: أنَّه أمرهم بقتل جميع الكلاب من غير استثناء شيء منها، فبادروا، وقتلوا كل ما وجدوا منها، ثم بعد ذلك رخص فيما ذكر، فيكون هذا الترخيص من باب النسخ؛ لأن العموم قد استقرَّ، وبردَ، وعُمِل عليه، فرفعُ الحكم عن شيء مما تناوله نسخ لا تخصيص، وقد ذهب إلى هذا في هذا الحديث بعض العلماء، ونحو من حديث عبد الله بن المغفل حديث جابر بن عبد الله، قال: قد أمرنا رسول الله - ﷺ - بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تَقْدَم من البادية بكلبها، فنقتله، ثم نهى رسول الله - ﷺ - عن قتلها فقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين؛ فإنه شيطان»، فمقتضاه: أن الأمر كان بقتل الكلاب عامًّا لجميعها، وأنه نُسخ عن في جميعها إلا الأسود، وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء. ولَمَّا اضطربت هذه الأحاديث المروية وجب عرضها على القواعد الأصولية، فنقول: إن حديث ابن عمر - ﵄ - ليس فيه أكثر من تخصيص عموم باستثناءٍ مقترنٍ به، وهو أكثر في تصرفات الشرع من نسخ العموم بكليته، وأيضًا: فإن هذه الكلاب المستثنيات الحاجةُ إليها شديدة، والمنفعة بها عامَّة وَكِيدة، فكيف يأمر بقتلها؟ هذا بعيد من مقاصد الشرع، فحديث ابن عمر - ﵄ - أولى، والله أعلم. قال: والحاصل من هذه الأحاديث: أن قتل الكلاب غير المستثنيات مأمور به إذا أضرَّت بالمسلمين، فإن كثر ضررها وغلب، كان الأمر على الوجوب، وإن قل وندر، فأيُّ كلب أضرَّ وجب قتله، وما عداه جائز قتله؛ لأنه سَبُعٌ لا منفعة فيه، وأقل درجاته توقع الترويع، وأنه يُنقص من أجر مقتنيه كل يوم قيراطين، فأمَّا المرَوِّع منهن غير المؤذي، فقتله مندوب إليه، وأما الكلب الأسود ذو النقطتين: فلا بُدَّ من قتله للحديث المتقدِّم، وقلّما يُنتفَع بمثل تلك الصفة؛ لأنه إن كان شيطانًا على الحقيقة فهو ضرر محض، لا نفع فيه، وإن كان على التشبيه به، فإنما شبِّه به للمفسدة الحاصلة منه، فكيف يكون فيه منفعة؟! ولو قَدَّرنا فيه أنه ضارٍ، أو للماشية، لقُتِل؛ لنصّ النبيّ - ﷺ - ﷺ - على قتله. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣٢/ ٤٠٠٩ و٤٠١٠ و٤٠١١ و٤٠١٢] (١٥٧٠ و١٥٧١)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣٣٢٣)، و(أبو داود) في «الطهارة» (١/ ١٩)، و(الترمذيّ) في «الأحكام» (١٤٨٨)، و(النسائيّ) في «الصيد والذبائح» (٧/ ١٨٤ و١٨٥) وفي «الكبرى» (١/ ٧٨ و٣/ ١٤٧ و١٤٨)، و(ابن ماجه) في «الصيد» (٣٢٠٢)، و(مالك) في «الموطّإ» (٢/ ٩٦٩)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٤٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٦١٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ٤٠٥ و٤٠٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٢ و٢٣ و١٠١ و١١٣ و١١٦ و١١٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٩٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٦٠ و٣٦٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٤٧٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٦٤٨)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٦٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٨ و٩) و«المعرفة» (٤/ ٣٩٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٧٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في قتل الكلاب: قال النوويّ - ﵀ -: أجمع العلماء على قتل الكَلْب الكَلِب، والكَلْب العَقُور، واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيه، فقال إمام الحرمين من أصحابنا: أمر النبيّ - ﷺ - أولًا بقتلها كلها، ثم نَسَخَ ذلك، ونَهَى عن قتلها إلا الأسود البهيم، ثم استقرّ الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب التي لا ضرر فيها، سواء الأسود وغيره، ويُستدلّ لما ذكره بحديث ابن المغفل - ﵁ -. وقال القاضي عياض: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في قتل الكلاب، إلا ما استُثْنِي من كلب الصيد وغيره، قال: وهذا مذهب مالك، وأصحابه، قال: واختلف القائلون بهذا، هل كلب الصيد ونحوه منسوخ من العموم الأول في الحكم بقتل الكلاب، وأن القتل كان عامًّا في الجميع، أم كان مخصوصًا بما سوى ذلك؟ قال: وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها، ونسخ الأمر بقتلها، والنهي عن اقتنائها، إلا الأسود البهيم، قال القاضي: وعندي أن النهي أوّلًا كان نهيًا عامًّا عن اقتناء جميعها، وأمر بقتل جميعها، ثم نَهَى عن قتلها، ما سوى الأسود، ومنع الاقتناء في جميعها إلا كلب صيد، أو زرع، أو ماشية. قال النوويّ: وهذا الذي قاله القاضي هو ظاهر الأحاديث، ويكون حديث ابن المغفَّل مخصوصًا بما سوى الأسود؛ لأنه عامّ، فيخص منه الأسود بالحديث الآخر، وأما اقتناء الكلاب فمذهبنا أنه يحرم اقتناء الكلب بغير حاجة، ويجوز اقتناؤه للصيد، وللزرع، وللماشية، وهل يجوز لحفظ الدُّور، والدُّرُوب، ونحوها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لظواهر الأحاديث، فإنها مصرِّحة بالنهي، إلا لزرع، أو صيد، أو ماشية، وأصحها: يجوز قياسًا على الثلاثة؛ عملًا بالعلة المفهومة من الأحاديث، وهي الحاجة، وهل يجوز اقتناء الْجِرو، وتربيته للصيد أو الزرع أو الماشية؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما جوازه. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال ابن عبد البرّ - ﵀ - في كتابه «التمهيد»: اختَلَفت الآثار في قتل الكلاب، واختَلَف العلماء في ذلك أيضًا: فذهب جماعة من أهل العلم إلى الأمر بقتل الكلاب كلها، إلا ما ورد الحديث بإباحة اتخاذه منها للصيد، والماشية، وللزرع أيضًا، وقالوا: واجب قتل الكلاب كلها، إلا ما كان منها مخصوصًا بالحديث؛ امتثالًا لأمره - ﷺ -، واحتجوا بحديث ابن عمر - ﵄ - المذكور في الباب، وبحديث جابر أيضًا. قال: ورُوي عن عبد الله بن جعفر أن أبا بكر - ﵁ - أمر بقتل الكلاب، قال عبد الله: وكانت أمي تحته، وكان جِرْوٌ لي تحت السرير، فقلت له: يا أبي وكلبي أيضًا؟ فقال: لا تقتلوا كلب ابني، ثم أشار بإصبعه أن خذوه من تحت السرير، فأُخذ وأنا لا أدري، فقُتل. ورَوَى حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع؛ أن ابن عمر - ﵄ - دخل أرضًا له، فرأى كلبًا، فَهَمّ أن يقع بِقَيِّم أرضه، فقال: إنه والله كلبٌ عابرٌ دخل الآن، قال: فأخذ الْمِسْحاة، وقال: حَرِّشوه عليّ، قال: فشحطه. قوله: «فشحطه»؛ أي: قتله في أعجل شيء. فهذا أبو بكر الصديق، وابن عمر - ﵄ - قد عَمِلا بقتل الكلاب بعد رسول الله - ﷺ -، وجاء نحو ذلك عن عمر، وعثمان، فصار ذلك سنةً معمولًا بها عند الخلفاء، لم يَنسخها عند مَن عَمِل بها شيء. وإلى هذا ذهب مالك بن أنس، قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول في قتل الكلاب: لا أرى بأسًا أن يأمر الوالي بقتلها. قال أبو عمر: ظاهر حديث ابن عمر - ﵄ -، وحديث جابر يدلّ على قتل جميع الكلاب، ولكن الحديث في ذلك ليس على عمومه؛ لمَا قد بان في حديث ابن شهاب، عن مالك، عن سالم، عن ابن عمر - ﵄ - قال: فكانت الكلاب تُقْتَل، إلا كلب صيد، أو ماشية، ومثله حديث عبد الله بن مغفل: أن رسول الله - ﷺ - أَمَر بقتل الكلاب، ورَخَّص في كلب الزرع، والصيد. وقال آخرون: أمْره - ﷺ - بقتل الكلاب منسوخ بإباحته اتخاذ ما كان منها للماشية، والصيد، والزرع، واحتجّ قائلو هذه المقالة بحديث عبد الله بن الْمُغَفَّل - ﵁ - قال: أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الكلاب، ثم قال: ما لي وللكلاب؟ ثم رَخَّص في كلب الصيد. قالوا: ففي هذا الخبر أن كلب الصيد قد كان أَمَر بقتله، ثم أباح الانتفاع به، فارتفع القتل عنه، قالوا: ومعلوم أن كل ما يُنتفَع به جائزٌ اتخاذُهُ، ولا يجوز قتله إلا ما يؤكل، فَيُذَكَّى، ولا يُقتَل. واحتجّوا أيضًا بحديث جابر رضي الله تعالى عنه: «أمرنا رسول الله - ﷺ - صلّى الله تعالى عليه وسلم بقتل الكلاب، قال: فكنّا نقتلها حتّى قال: إنها أمّة من الأمم، ثم نهى عن قتلها، وقال: عليكم بالأسود …» الحديث. قال أبو عمر: حديث جابر لا حجّة فيه لمن أمر بقتل الكلاب، بل الحجة فيه لمن لم ير قتلها. قالوا: فهذا يدلّ على أن الإباحة في اتّخاذها وحبّه أن لا يُفنيها، كان بعد الأمر بقتلها. قالوا: وقد رخّص في كلب الصيد، ولم يخصّ أسود بهيمًا من غيره. وقد قالوا: إن الأسود البهيم من الكلاب أكثرها أذًى، وأبعدها من تعليم ما ينفع، ولذلك رُوي أن الكلب الأسود شيطان؛ أي: بعيد من المنافع، قريبٌ من المضرّة والأذى، وهذه أمورٌ لا تُدرك بنظر، ولا يوصل إليها بقياس، وإنما يُنتهى فيها إلى ما جاء عنه صلّى الله تعالى عليه وسلم. قال أبو عمر: قد اضطربت ألفاظ الأحاديث في هذا المعنى، فمنها ما يدلّ على النسخ، ومنها ما يدلّ على الأمر بالقتل فيما عدا المستثنى. قال: وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز قتل شيء من الكلاب، إلا الكلب العقور، وقالوا: الأمر بقتل الكلاب منسوخ بنهيه صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يُتّخذ شيء فيه الروح غَرَضًا، وبقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: خمس من الدوابّ يُقتلن في الحلّ والحرم، فذكر منهن الكلب العقور، فخصّ العقور، دون غيره؛ لأن كلّ ما يَعقر المؤمن، ويؤذيه، ويُقدر عليه، فواجب قتله، وقد قيل: العقور ههنا الأسد، وما أشبهه من عقّارة سباع الوحش. واحتجّوا أيضًا بما أخرجه الشيخان من قصّة الرجل الذي سقى كلبًا يلهث من العطش، فشكر الله له ذلك، فغفر له، وبما أخرجاه أيضًا من قصّة المرأة البغيّة، نزعت موقها، فسقت كلبًا في يوم حارّ، يُطيف بركيّة، قد أدلع لسانه من العطش، فغُفر لها. قال أبو عمر: والذي أختاره أن لا يُقتل شيء من الكلاب، إذا لم تضرّ بأحد، ولم تعقر أحدًا لنهيه صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يُتّخذ شيء فيه الروح غرضًا، ولِمَا ذكرنا له من حجة من اخترنا قوله. قال: ومن الحجة أيضًا لِمَا ذهبنا إليه في أن الأمر بقتل الكلاب منسوخٌ، ترك قتلها في كلّ الأمصار، على اختلاف الأعصار بعد مالك - ﵀ -، وفيهم العلماء، والفضلاء إلى آخر كلامه. انتهى المقصود من كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي هو ما رجّحه الْقَاضِي عياض - ﵀ -، من أَنَّ النَّهْي أَوَّلًا كَانَ نَهْيًا عَامًّا، عَن اقْتِنَاء جَمِيعهَا، وَأَمَرَ بِقَتْلِ جَمِيعهَا، ثُمَّ نَهَى عَن قَتْلهَا مَا سِوَى الْأَسْوَد، وَمَنَعَ الاقْتِنَاء فِي جَمِيعهَا، إِلَّا كَلْب صَيْد، أَوْ زَرْع، أَوْ مَاشِيَة، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيث، وَيَكُون حَدِيث ابْن الْمُغَفَّل - ﵁ - مَخْصُوصًا بِمَا سِوَى الْأَسْوَد؛ لِأَنَّهُ عَامّ، فَيَخُصّ مِنْهُ الْأَسْوَد بِالْحَدِيثِ الْآخَر. والحاصل أن الأمر بقتل الكلاب منسوخٌ، وأن اقتناءها لا يجوز، إلا ما استثناه الشارع الحكيم، وهو ما تدعو إليه الحاجة، من الصيد، والماشية، والزرع، وهل يُلحق حفظ الدور ونحوها مما تشتدّ الحاجة إليه؟ الظاهر نعم، كما صححه النوويّ - ﵀ - في كلامه السابق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٠١٠] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِقَتْلِ الْكِلَاب، فَأَرْسَلَ في أقطَارِ الْمَدِينَةِ أَنْ تُقْتَلَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم قريبًا . والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَأَرْسَلَ فِي أَقْطَارِ الْمَدِينَةِ) بالفتح: جمع قُطر، بضمّ، فسكون، كقُفْل وأَقْقال: الجانب، والناحية . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٠١١] (…) - (وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ أميَّةَ - عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَاب، فَنَنْبَعِثُ فِي الْمَدِينَةِ وأَطْرَافِهَا، فَلَا نَدَعُ كَلْبًا إِلَّا قتَلْنَاهُ، حَتى إِنَّا لنَقْتُلُ كَلْبَ الْمُرَيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَتبعُهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ) بن المبارك الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في «الجمعة» ٦/ ١٩٧٢. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرّقاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبت، عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أُميّة الأمويّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَتَنْبَعِثُ فِي الْمَدِينَةِ إلخ) أي: نثور، فننتشر، يقال: انبعث فلان لشأنه: إذا ثار، ومضى ذاهبًا لقضاء حاجته، قاله ابن الأثير - ﵀ - . وقوله: (كَلْبَ الْمُرَيَّةِ) بضمّ الميم، وفتح الراء، وتشديد الياء التحتيّة: تصغير المرأة، والأصل: الْمُرَيْأة، وسيأتي في حديث جابر - ﵁ - بلفظ: «حتى إن المرأة تَقْدَم من البادية بكلبها …» الحديث. وقوله: (يَتبعُهَا) جملة حاليّة من «المريّة». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٨)

١. تصغير المرأة.

٢. قال الجامع: هذا بالنسبة لرواية مالك عند الشيخين، وإلا فقد أخرجه النسائيّ عن طريقه بلفظ: «أمر بقتل الكلاب، غيرَ ما استَثْنَى منها»، فتنبّه.

٣. «المفهم» ٤/ ٤٤٨ - ٤٥٠.

٤. «شرح النوويّ» ١٠/ ٢٣٥ - ٢٣٦.

٥. «التمهيد» ١٤/ ٢٢٤ - ٢٣٥.

٦. [تنبيه]: وقع في برنامج الحديث للكتب التسعة غلط في هذه الترجمة، فقد ترجموا لعبيد الله بن عمر بن الخطّاب، شقيق سالم بدل عبيد الله بن عمر العمريّ، وهو غلط فاحش، والصواب هنا عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، كما في «تحفة الأشراف» ٥/ ٤٥٤، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٧. راجع: «المصباح» ٢/ ٥٠٨.

٨. «النهاية» ١/ ١٣٩.