HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٧١

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أن رسول الله ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ. إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ. فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زرعا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص36
ج ٣ ص ١٢٠٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٤٧٣
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٠١٢] (١٥٧١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَاب، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبّا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كلْبَ زَرْعٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَمْرُو بْنُ دينَارٍ) تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٦٨) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلَابِ) قال وليّ الدّين - ﵀ -: فيه الأمر بقتل الكلاب، وهي على ثلاثة أقسام: أحدها: الكلب العقور، والكَلِبُ قد أجمع العلماء على قتله. الثاني: ما يباح اقتناؤه؛ للمنافع المتقدم ذكرها، وقد أجمعوا على منع قتله. والثالث: ما عدا هذين القسمين، وقد اختلفوا فيه على أقوال: أحدها: قتلها مطلقًا؛ تمسكًا بهذا الحديث، وهو مذهب مالك، وأصحابه، قال ابن عبد البرّ: قد عَمِل أبو بكر، وابن عمر - ﵄ - بقتل الكلاب بعد رسول الله - ﷺ -، وجاء نحو ذلك عن عمر، وعثمان، فصار ذلك سنةً معمولًا بها عند الخلفاء، لم ينسخها عند من عَمِل بها خبر. القول الثاني: المنع من قتلها، وأنه منسوخ، ودلّ على ذلك إباحة اتخاذها؛ لمنافع، وفي «صحيح مسلم» وغيره عن عبد الله بن مُغَفَّل - ﵁ - قال: أمر النبيّ - ﷺ - بقتل الكلاب، ثم قال: «ما بالهم، وبال الكلاب؟» ثم رَخَّص في كلب الصيد، وكلب الغنم، وفي رواية له: ورَخَّص في كلب الغنم، والصيد، والزرع، وهذا مذهب الشافعيّ، كما جزم به الرافعيّ في «الأطعمة»، والنوويّ في «البيع» من «شرح المهذَّب»، وزاد أنه لا خلاف فيه بين أصحابنا، قال: وممن صرّح به القاضي حسين، وإمام الحرمين، قال إمام الحرمين: الأمر بقتل الكلب الأسود وغيره كله منسوخ، فلا يحل قتل شيء منها اليوم، لا الأسود، ولا غيره، إلا الكَلْب العقور، لكن قال الرافعيّ في «الحج»: إنَّ قتلها مكروه، وذكر النوويّ أن مراده كراهة التنزيه، وذكر الرافعيّ في «الغصب»، والنوويّ في «التيمم» أنها غير محترمة، وزعم شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ أن مذهب الشافعيّ جواز قتلها، فالله أعلم. واختار ابنُ عبد البرّ المنعَ من قتلها. القول الثالث: أنها ممنوع من قتلها، إلا الأسود البهيم، واختار النوويّ في «شرح مسلم» هذا، ويدلّ له ما في «صحيح مسلم» عن جابر - ﵁ - قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تَقْدَم من البادية بكلبها، فنقتله، ثم نَهَى رسول الله - ﷺ - عن قتلها، وقال: «عليكم بالأسود البهيم، ذي الطفيتين، فإنه شيطان»، وقيل في معنى كونه شيطانًا: إنه بعيد من المنافع، قريب من المضرّة.، والأذى. قال: واختُلِف في الأمر بقتل الكلاب المذكور في هذا الحديث، هل كان قبل نسخه عامًّا، أو مخصوصًا بما عدا المنتفَع به للصيد ونحوه، حكاه القاضي عياض، وقال: عندي أن النهي أوّلًا كان عامًّا عن اقتناء جميعها، وأمر بقتل جميعها، ثم نَهَى عن قتل ما سوى الأسود، ومنع الاقتناء في جميعها، إلا كلب صيد، أو زرع، أو ماشية، قال النوويّ: وهذا الذي قاله القاضي هو ظاهر الأحاديث، ويكون حديث ابن مُغَفَّل - ﵁ - مخصوصًا بما عدا الأسود؛ لأنه عامّ، فيُخَصّ منه الأسود بالحديث الآخر. وقال أيضًا: استُدِلّ بالأمر بقتل الكلاب على تحريم أكلها؛ لأن مباح الأكل لا يجوز قتله عند القدرة عليه، وهذا هو المعروف من مذاهب العلماء. انتهى كلام وليّ الدين - ﵀ - . وقوله: (إِلَّا كَلْبَ صيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ) وقال وليّ الدين - ﵀ -: فيه تكرار، وهو من ذكر العامّ بعد الخاصّ؛ لأن الماشية أعمّ من الغنم، وإن كان الأكثر استعمالها في الغنم، وقد اقتصر الترمذيّ، والنسائيّ في روايتهما على الماشية. انتهى . والمعنى: إلا كلبًا يصطاد به الإنسان الصيد، أو كلبًا يحرُس له غنمه، أو دوابّه؛ لئلا يأكلها ذئبٌ، أو نحوه. قال في «المنتقى شرح الموطّأ»: قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: يُرِيدُ: كُل كَلْبٍ، اتُّخِذَ لِغَيْرِ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، قَالَ مَالِكٌ: تُقْتَلُ الْكِلَابُ، مَا يُؤذِي مِنْهَا، وَمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا، كَالْفُسْطَاط، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الْإحْسَانَ إلَيْهَا، حَالَ حَيَاتِهَا، وَأَنْ يُحْسِنَ قَتْلَتَهَا، وَلَا تُتَّخَذُ غَرَضًا، وَلَا تُقْتَلُ جُوعًا، وَلَا عَطَشًا. انتهى. وقوله: (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا) وقال سالم في الرواية الأخرى: «وكان أبو هريرة - ﵁ - يقول: أو كلب حَرْث، وكان صاحب حرث»، قال العلماء: ليس هذا توهينًا لرواية أبي هريرة - ﵁ -، ولا شكًّا فيها، بل معناه: أنه لما كان صاحبَ زرع، وحرث اعتنى بذلك، وحفظه، وأتقنه، والعادة أن المبتلى بشيء يتقنه ما لا يتقنه غيره، وَيتَعَرَّف من أحكامه ما لا يعرفه غيره، وقد ذكر مسلم هذه الزيادة، وهي اتخاذه للزرع من رواية عبد الله بن المغفَّل - ﵁ -، ومن رواية سفيان بن أبي زهير - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، وذكرها أيضًا مسلم من رواية ابن الحكم، واسمه عبد الرحمن بن أبي نُعْم البجليّ ، عن ابن عمر - ﵄ -، فَيُحْتَمل أن ابن عمر - ﵄ - لَمّا سَمِعها من أبي هريرة - ﵁ -، وتحققها عن النبيّ - ﷺ - رواها عنه بعد ذلك، وزادها في حديثه الذي كان يرويه بدونها. ويَحْتَمِل أنه تذكر في وقت أنه سمعها من النبيّ - ﷺ -، فرواها، ونسيها في وقت، فتركها. والحاصل أن أبا هريرة - ﵁ - ليس منفردًا بهذه الزيادة، بل وافقه جماعة من الصحابة في روايتها، عن النبيّ - ﷺ -، ولو انفرد بها لكانت مقبولة، مرضيّة، مُكَرَّمَة، قاله النوويّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا. [تنبيه]: مما يُتعجّب منه أن الحافظ - ﵁ - ذكر في «الفتح» أن ابن عمر - ﵄ - ينكر على أبي هريرة - ﵁ - في زيادة: «أَوْ كَلْبَ زَرْع»، واستند في ذلك إلى قول ابن عمر في رواية مسلم هذه: «إن لأبي هريرة - ﵁ - زرعًا»، والغريب منه أنه كيف استدلّ بهذا، مع أنه لا يدلّ على الإنكار أصلًا، بل إنما يدلّ على التثبيت، كما ذكر الحافظ نفسه بعدُ بقوله: «ويقال: إن ابن عمر - ﵄ - أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت رواية أبي هريرة - ﵁ -»، إلى آخر كلامه. وإنما قلت: بل يدلّ على التثبيت؛ لأن مسلمًا أخرج بعد هذا من طريق أبي الحكم، عن ابن عمر - ﵄ - بزيادة كلب الزرع، فهذا دليل واضحٌ على أن قول ابن عمر - ﵄ -: «إن لأبي هريرة زرعًا»، تثبيتٌ لحفظه، وليس إنكارًا، ولا طعنًا فيه، وقد أجاد النوويّ - ﵀ - في كلامه السابق حيث حقّق وبيّن هذا، وعزاه إلى العلماء. وممن أيّد هذا البيهقيّ - ﵀ - حيث قال: وكأن ابن عمر - ﵄ - أخذه عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - في الزرع، وعن النبيّ - ﷺ - نفسه في كلب الماشية والصيد. انتهى . وممن أيّده أيضًا أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ - في «المفهم» حيث قال: وقول ابن عمر - ﵄ -: «كان لأبي هريرة زرع» لا يَفْهَم منه أحد من العقلاء تُهْمَةً في حق أبي هريرة - ﵁ -، وإنما أراد ابن عمر - ﵄ - أن أبا هريرة - ﵁ - لما كان صاحب زرع، وكان محتاجًا لِمَا يحفظ به زرعه سأل النبيّ - ﷺ - عن ذلك، فأجابه بالاستثناء، فحصل له علم لم يكن عند ابن عمر، ولا عند غيره ممن لم يكن له اعتناء بذلك، ولا تهمهم. انتهى. والحاصل أن زيادة «أو كلب زرع» زيادة صحيحة عن أبي هريرة - ﵁ -، وعبد الله بن المغفّل، وسفيان بن أبي زُهير الشنئيّ، وعن ابن عمر - ﵄ - نفسه - ﵃ -، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال القرطبيّ - ﵀ -: وكلبُ الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو: الذي يَسْرَحُ معها، لا الذي يحفظها في الدَّار من السُّرَّاق. وكلبُ الزرع هو: الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار، لا من السُّراق، وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسُّرَّاق الماشية والزرع. والكلب الضاري هو: المعلَّم للصيد؛ الذي قد ضَرِيَ به . انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمل كلب الماشية على إطلاقه، فيعمّ الحافظ عن السُرّاق وغيرهم - كما قاله العلماء غير مالك - هو الحقّ؛ لإطلاق الحديث في ذلك، فتأمل، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال صاحب «تكملة فتح الملهم»: تمسّك بقول ابن عمر - ﵄ - هذا في أبي هريرة - ﵁ - بعض ملاحدة عصرنا، وقالوا: إن الصحابة - ﵃ - كانوا يشكون في رواية غيرهم عن رسول الله - ﷺ -، ويتّهمونهم - والعياذ بالله - بوضع الحديث وفق ما يحبّون، فلا حجّة في الأحاديث رأسًا، وقد اغترّ بهم بعض المنتمين إلى الإسلام أيضًا، فذكروا هذه الوقائع في كتبهم؛ طعنًا منهم في الأحاديث، وتعريضًا على الصحابة. والحقّ أن قول ابن عمر - ﵄ - هذا ليس من الطعن في أبي هريرة - ﵁ - في شيء ، وقد عرفت وجه صوابه في كلام النوويّ، والقرطبيّ المذكور آنفًا، فلا حاجة إلى تكراره، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر باتباع ذوي الاعتساف. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. والحديث متّفق عليه دون ذكر الاستثناء، والقصّة، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٨)

١. «طرح التثريب» ٦/ ٣١ - ٣٣.

٢. «طرح التثريب» ٦/ ٣٣.

٣. سيأتي الكلام عليه قريبًا.

٤. «شرح النوويّ»١٠/ ٢٣٦.

٥. «سنن البيهقي الكبرى» ٦/ ٩.

٦. أي اعتاده، واجترأ عليه.

٧. «المفهم» ٤/ ٤٥٠ - ٤٥١.

٨. راجع: «تكملة فتح الملهم» ١/ ٥٣٦ - ٥٣٧.