HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٧٩

حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابن وَعْلَةَ (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ)؛ أَنَّهُ جَاءَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَإِيِّ (مِنْ أَهْلِ مِصْرَ)؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟) قَالَ: لَا. فَسَارَّ إِنْسَانًا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (بِمَ سَارَرْتَهُ؟) فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا. فَقَالَ (إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حرم بيعها). ففتح المزاد حتى ذهب ما فيها.
ج ٣ ص ١٢٠٦

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٥٢٤
الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها، فإنها ليست محرَّمة، بلا خلاف إلا على قول من يُجَوِّزتكليف ما لا يطاق. ٣ - (ومنها): أن فيه أيضًا بذلَ النصيحة للمسلمين في دينهم، ودنياهم؛ لأنه -ﷺ- نصحهم في تعجيل الانتفاع بها ما دامت حلالًا. ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: هذا الحديث دليل على تحريم تخليل الخمر، ووجوب المبادرة بإراقتها، وتحريم إمساكها، ولو جاز التخليل لبيّنه النبيّ -ﷺ- لهم، ونهاهم عن إضاعتها، كما نصحهم وحثّهم على الانتفاع بها قبل تحريمها، حين توقّع نزول تحريمها، وكما نَبَّه أهلَ الشاة الميتة على دباغ جلدها، والانتفاع به. قال: وممن قال بتحريم تخليلها، وأنها لا تَطْهُر بذلك: الشافعيّ، وأحمد، والثوريّ، ومالك في أصح الروايتين عنه، وجوّزه الأوزاعيّ، والليث، وأبو حنيفة، ومالك في رواية عنه. وأما إذا انقلبت بنفسها خَلًّا فتطهُر عند جميعهم، إلا ما حُكي عن سحنون المالكيّ أنه قال: لا تَطهر. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٣٧] (١٥٧٩) - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ-؛ أَنَّهُ جَاءَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ-وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ -مِنْ أَهْلِ مِصْرَ-؛ أَنَّهُ سَأَل عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟»، قَالَ: لَا، فَسَارَّ إِنْسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟»، فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا»، قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدثانيّ، هَرويّ الأصل، أبو محمد، صدوق في نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن، من قدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٧. ٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ، أبو عُمر الصنعانيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦١. ٣ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السَّرْح المصريّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٥ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قبل باب. ٦ - (زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ) العدويّ مولى عمر بن الخطّاب، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، وكان يرسل [١] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٧ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَعْلَةَ) المصريّ، صدوق [٤] (م ٤) تقدم في «الحيض» ٢٦/ ٨١٨. ٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) -﵄-، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ) بفتح الواو، وإسكان العين المهملة (السَّبَئِيِّ) بفتح السين المهملة، والموحّدة، بعدها همزة: نسبة إلى سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان . (مِنْ أَهْلِ مِصْرَ) المدينة المعروفة، تذكّر، وتؤنّث، قاله الجوهريّ ، وقال الفيّومي: والمصر: كلُّ كُورة يُقسم فيها الفيءُ والصدقات، قاله ابن فارس، وهذه يجوز فيها التذكير، فتُصرف، والتأنيث، فتُمنع، والجمع أمصار. انتهى . (أَنَّهُ سَأَل عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَاسٍ) -﵄- (عَمَّا يُعْصَرُ) بالبناء للمفعول، وقوله: (مِنَ الْعِنَبِ؟) بيان لـ «ما»، يعني أنه سأله عن حكم الشراب الذي يُعصر من العنب، هل هو حلال، أم لا؟ وفي رواية الإمام أحمد ﵀ في «مسنده» ١/ ٢٤٤ - من طريق فُليح بن سُليمان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وَعْلَة، قال: سألت ابن عباس، فقلت: إنا بأرض لنا بها الكُرُوم، وإن أكثر غَلَّاتها الخمر، فقال: قَدِم رجل من دَوْس على رسول الله -ﷺ-، براوية خمر، أهداها له، فقال له رسول الله -ﷺ-: «هل علمت أن الله حرّمها بعدك؟»، فأقبل صاحب الراوية، على إنسان معه فأمره، فقال النبيّ -ﷺ-: «بماذا أمرته؟»، قال: ببيعها، قال: «هل علمت أن الذي حرّم شربها، حرّم بيعها، وأكْلَ ثمنها؟»، قال: فأمر بالمزادة، فأهريقت. و١/ ٢٣٠ - من طريق محمد بن إسحاق، عن القعقاع بن حكيم، عن عبد الرحمن بن وَعْلة، قال: سألت ابن عباس، عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله -ﷺ- صديق من ثقيف، أو من دوس، فلقيه بمكة عام الفتح براوية خمر، يُهدِيها إليه، فقال رسول الله -ﷺ-: «يا أبا فلان أما علمت أن الله حرمها؟» فأقبل الرجل على غلامه، فقال: اذهب فبعها، فقال رسول الله -ﷺ-: «يا أبا فلان، بماذا أمرته؟» قال: أمرته أن يبيعها، قال: «إن الذي حرَّم شربها حرم بيعها»، فأَمر بها، فأُفرغت في البطحاء. و١/ ٣٢٣ - ٣٢٤ - من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن زيد بن أسلم، عن ابن وعلة، عن ابن عباس؛ أن رجلًا خرج والخمر حلال، فأهدى لرسول الله -ﷺ- راوية خمر، فأقبل بها يقتادها على بعير، حتى وجد رسول الله -ﷺ- جالسًا، فقال: «ما هذا معك؟» قال: راوية خمر أهديتها لك، الحديث، وفيه قال: فأمر بعَزَالي المزادة ففُتحت، فخرجت في التراب، فنظرت إليها في البطحاء ما فيها شيء. وفي رواية أبي يعلى في «مسنده» ٤/ ٣٥٣ عن عبد الرحمن بن وَعْلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر من أهل الذمة؟ فقال: أهدى رجل من ثقيف، أو من دوس لرسول الله -ﷺ- راويةً عام الفتح، وكان رسول الله -ﷺ- يصادقه في الجاهلية، فقال له رسول الله -ﷺ-: «إن الله قد حرّمه»، فأصغى إلى غلام له معه، قال: اذهب بها إلى الْحَزَوَّرة قرية إلى جنب المدينة، فبعها، قال: فقال رسول الله -ﷺ-: «ما الذي أمرته؟» قال: أمرته أن يبيعها، قال: «يا فلان إن الذي حَرَّم شربها حرَّم ثمنها»، فأَمَر بها، فأهريقت. انتهى. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- (إِنَّ رَجُلًا) تقدّم في رواية أحمد المذكورة أنه رجل من دوس، وفي رواية: «كان لرسول الله -ﷺ- صديقٌ من ثقيف، أو من دوس»، وسيأتي في رواية أبي حنيفة أنه يكنى أبا عامر، وقال صاحب «التنبيه»: هو تميم الداريّ، وقيل: رجل من ثقيف يُكنى أبا تمّام، قاله الخطيب، وقال ابن بشكوال: إن اسمه كيسان أبو نافع الدمشقيّ، كما في «موطّإ ابن وهب»، وفي «الصحابة» لابن رِشدين، وقيل: أبو عامر الثقفيّ، ذكره ابن بشكوال. انتهى . (أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- رَاوِيَةَ خَمْرٍ) الراوية هنا معناها: الْمَزَادة، قال في «القاموس»: الراوية: المزادة فيها الماء، والبعير، والبغل، والحمار، يُستقى عليه. انتهى. وقال في «اللسان»: قال ابن سِيده: والراوية هو البعير، أو البغل، أو الحمار الذي يُستقَى عليه الماء، والرجل المستقِي أيضًا، قال: والعامة تسمّي المزادة: راويةً، وذلك جائز على الاستعارة، والأصل الأول، قال أبو النجم [من الرجز]: تَمْشِي مِنَ الرِّدَّةِ مَشْيَ الْحُفَّلِ … مَشْيَ الرَّوَايَا بِالْمَزَادِ الأَثْقَلِ قال ابن بَرّيّ: شاهد الراوية للبعيرِ قول أبي طالب [من الطويل]: وَيَنْهَضُ قَوْمٌ فِي الْحَدِيدِ إِلَيْكُمُ … نُهُوضَ الرَّوَايَا تَحْتَ ذَاتِ الصَّلَاصِلِ فالروايا جمع راوية للبعير، وشاهد الراوية للمزادة قول عَمرو بن مِلْقَط: ذَاكَ سِنَانٌ مُحْلِبٌ نَصْرُهُ … كَالْجَمَلِ الأَوْطَفِ بِالرَّاوِيَهْ انتهى. (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟»، قَالَ) الرجل: (لَا) أي: لم أعلم بذلك، قال النوويّ ﵀: لعلّ السؤال كان ليعرف حاله، فإن كان عالمًا بتحريمها، أنكر عليه هديّتها، وإمساكها، وحملها، وعزّره على ذلك، فلما أخبره أنه كان جاهلًا بذلك عَذَرَه، والظاهر أن هذه القضيّة كانت على قرب تحريم الخمر، قبل اشتهار ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يدلّ على ذلك ما تقدّم في رواية أحمد: «هل علمت أن الله حرمها بعدك؟»، وفي رواية: «أن رجلًا خرج والخمر حلال»، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: قوله -ﷺ- للمُهدِي راويةً: «هل عَلِمتَ أن الله حرّمها؟»، وقول الْمُهدِي: لا، يدلّ على قرب عهد التحريم من زمن الإهداء، ثم إنّ النبيّ -ﷺ- بَيَّن له الحكم، ولم يوبّخه، ولم يذمّه؛ لأن الرجل كان متمسّكًا بالإباحة المتقدّمة، ولم يبلغه الناسخ، فكان دليلًا على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ، بل ببلوغه، كما قرّرناه في الأصول. انتهى . (فَسَارَّ إِنْسَانًا) لم يُعرف اسم ذلك الإنسان ، و«سارّ» من السّرّ الذي هو بمعنى الكلام الخفيّ، قال النوويّ ﵀: المسارِرُ الذي خاطبه النبيّ -ﷺ- هو الرجل الذي أهدى الراوية، كذا جاء مبيّنًا في غير هذه الرواية، وأنه رجلٌ من دوس، قال القاضي: وغَلِط بعض الشارحين، فظنّ أنه رجلٌ آخر. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم في روايات أحمد «أنه أقبل على غلامه، فقال: اذهب بها، فبعها»، وفي رواية: «فأقبل صاحب الراوية، على إنسان معه، فأمره» الحديث، وفي رواية: «فدعا رجلًا، فسارّه» الحديث. فتبيّن بهذا كله أن الذي سارّ هو المهدي. لكن ذكر محمد مرتضى الزبيديّ في «عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة» ص ٢٢٥: عن أبي حنيفة، عن محمد بن قيس: أن رجلًا من ثقيف، يكنى أبا عامر، كان يُهدي إلى النبيّ -ﷺ- في كلّ عام راوية من خمر، فأهدى إليه في العام الذي حُرّمت الخمر راوية خمر، كما كان يُهديها، فقال رسول الله -ﷺ-: «يا أبا عامر إن الله تعالى حرّم الخمر، فلا حاجة لنا في خمرك»، فقال رجلٌ: خذها، وبعها، واستعن بثمنها على حاجتك، قال: «إن الله تعالى حرّم شربها، وحرّم بيعها، وأكل ثمنها»، كذا رواه الحسن ابن زياد عنه . انتهى. فإن صحّ هذا ، يَحْتَمِل أن يكون في واقعة أخرى، أو يُحمل على أن الرجل أمره ببيعها، ثم سارّ هو غلامه بذلك، فنهاه النبيّ -ﷺ- عنه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ لَهُ) أي: لصاحب الراوية (رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟») أي: بأيّ شيء تحدّثت معه سرًّا؟ (فَقَالَ) صاحب الراوية: (أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ) -ﷺ-: («إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا») قال القرطبيّ ﵀: «الذي» هنا كناية عن اسم الله تعالى، فكأنه قال: إن الله حرّم شربها، وحرّم بيعها، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: إن الذي اقتضى تحريم شربها، اقتضى تحريم بيعها؛ إذ لا تُراد إلا للشرب، فإذا حُرّم الشرب لم يجز البيع؛ لأنه يكون من أَكْل المال بالباطل، وقد دلّ على صحة هذا قوله -ﷺ-: «إن الله إذا حرّم على قوم شيئًا حرّم عليهم ثمنه»، يعني شيئًا يؤكل، أو يُشرب؛ لأن ذلك هو السبب الذي خرج عليه الحديث، ويُلحَق به كلّ محرّم نجس، لا منفعة فيه، واختُلف في جواز بيع ما فيه منفعة منها، كالأزبال، والعَذِرة، فحرّم ذلك الشافعيّ، ومالك، وجُلّ أصحابه، وأجاز ذلك الكوفيّون، والطبريّ، وذهب آخرون إلى إجازة ذلك للمشتري، دون البائع، ورأوا أن المشتري أعذر من البائع؛ لأنه مضطرّ إلى ذلك، رُوي ذلك عن بعض المالكيّة، وهي قولة عن الشافعيّ. انتهى . (قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ) وفي بعض النسخ: «ففتح المزاد» بدون هاء، قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في أكثر النسخ «المزاد» بحذف الهاء في آخرها، وفي بعضها «المزادة» بالهاء، وقال في أول الحديث: «أَهْدَى راويةً»، وهي هي، قال أبو عبيد: هما بمعنًى، وقال ابن السِّكيت: إنما يقال لها: مزادة، وأما الراوية فاسم للبعير خاصّةً، والمختار قول أبي عبيد، وهذا الحديث يدلّ لأبي عبيد، فإنه سماها راويةً، ومزادةً، قالوا: سُمِّيت راويةً؛ لأنها تُروي صاحبها ومن معه، ومزادةً؛ لأنه يُتَزَوَّد فيها الماء في السفر وغيره، وقيل: لأنه يزاد فيها جلد ليتّسع. انتهى . (حَتَى ذَهَبَ مَما فِيهَا) غاية للفتح؛ أي: ففتح، وصبّ حتى فرغ ما في المزادة من الخمر، قال القرطبيّ ﵀: فيه دليل على أن أواني الخمر إذا لم تكن مُضْراة بالخمر؛ أنه يجوز استعمالها في غير الخمر إذا غُسلت، ألا ترى أن النبيّ -ﷺ- لم ينكر عليه إبقاءها عنده، ولا أمره بشقها؟ ولو كانت نجسة لا يطهرها الغسل لأمَره بشقِّها؟ وتقطيعها، كما فعل أبو طلحة لَمَّا قال لأنس: قم إلى هذه الجرار فاكسرها. قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله حتى تكسرت. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ولا أمره بشقّها، كذلك لم يأمره بغسلها، فمن أين أخذ القرطبيّ الغسل؟ فقوله: يجوز استعمالها في غير الخمر إذا غُسلت، يحتاج إلى دليل، فإن الحديث ساكت عن الغسل، كما سكت عن الشقّ، والتقطيع. وقد أخرج الشيخان في «صحيحيهما» من حديث سلمة بن الأكوع -﵁-؛ أن النبيّ -ﷺ- لمّا رآهم أوقدوا نارًا كثيرة، قال: «ما هذه النار؟ على أي شيء توقدون؟»، قالوا: على حُمُر إنسية، فقال: «أهريقوا ما فيها، وكَسِّروها»، قال رجل: يا رسول الله، ألا نهريق ما فيها، ونغسلها؟ قال: «أو ذاك»، فقد أمر -ﷺ- هنا بكسر الإناء، ثم رخّص لهم في غسلها، واستعمالها، فقد جاء نصّ ظاهر يدلّ على نجاسة تلك الآنية بسبب نجاسة الحمر الإنسيّة، وأما في مسألة الخمر، فلم يرد إلا إهراقها، ثم استعمال الإناء دون شقّ، أو غسل، وهذا دليل واضح في الفرق بين المسألتين، فتأمله حقّ التامل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٤٠٣٧ و٤٠٣٨] (١٥٧٩)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٣٠٧ و٣٠٨) وفي «الكبرى» (٤/ ٥٢)، و(مالك) في «الموطإ» (١٥٩٨)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٤٠ و١٤١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٤٤٧)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٣٠ و٢٤٤ و٣٢٣ و٣٥٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٠١١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٩٤٢ و٤٩٤٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٥٩٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٦٩ و٥/ ١٠٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١١ و١٢) و«الصغرى» (٧/ ٣٤١) و«المعرفة» (٦/ ٤٣١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٠٤٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم بيع الخمر، وهو التحريم، وهو مجمع عليه. ٢ - (ومنها): أن الإنسان إذا رأى من يفعل المنكر ينبغي له أن يسأله قبل الإنكار عليه، هل هو يعلم حكمه، أم لا؟ ٣ - (ومنها): أن من ارتكب معصيةً جاهلًا تحريمها لا إثم عليه، ولا تعزير. ٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز سؤال الإنسان عن بعض أسرار الإنسان، فإن كان مما يجب كتمانه كتمه، وإلا فيذكره، قاله النوويّ ﵀، وقال القرطبيّ ﵀: فيه دليلٌ على أن العالم إذا خاف على أحد الوقوع فيما لا يجوز وجب عليه أن يستكشف عن ذلك الشيء حتى يتبيّن له وجهه، ولا يكون هذا من باب التجسّس، بل من باب النصيحة، والإرشاد. ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: إن فيه دليلًا لمذهب الشافعيّ، والجمهور أن أواني الخمر لا تُكسَر، ولا تُشقّ، بل يراق ما فيها، وعن مالك روايتان: [إحداهما]: كالجمهور. [والثانية]: يُكسر الإناء، ويُشقّ السقاء، وهذا ضعيفٌ، لا أصل له، وأما حديث أبي طلحة -﵁-؛ أنهم كسروا الدِّنَانَ، فإنما فعلوا ذلك بأنفسهم، من غير أمر النبيّ -ﷺ-. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ ﵀: في هذا الحديث من الفقه أن ما يُعْصَر من العنب يسمى خمرًا في لسان العرب، لكن الاسم الشرعيّ لا يقع عليها، إلا أن تَغْلي، وتَرْمِي بالزَّبَد، ويُسكر كثيرها أو قليلها، وفي اللغة قد يُسمَّى العنب خمرًا؛ لكن الحكم يتعلق بالاسم الشرعيّ دون اللغويّ. ٧ - (ومنها): ما قاله أيضًا: إن النهي من قِبَل الله إذا ورد فحكمه التحريم، إلا أن يزيحه عن ذلك دليل يبيّن المراد منه، ألا ترى إلى قول رسول الله -ﷺ-: «أما علمت أن الله حرّمها»، ثم قال: «إن الذي حرّم شربها حرّم بيعها»، فأطلق عن الله تحريمها، ولا خلاف بين علماء المسلمين أن تحريمها إنما ورد في سورة المائدة بلفظ النهي في قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ -إلى- ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ -وإلى- ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، وهذه الآية نسخت كلَّ لفظ ورد بإباحتها نصًّا، أو دليلًا، فنسخت ما جرى من ذكرها في سورة البقرة، وسورة النساء، وسورة النحل . ٨ - (ومنها): ما قاله أيضًا: في ذلك أيضًا دليل على تحريم بيع العذرات وسائر النجاسات، وما لا يحل أكله، ولهذا -والله أعلم- كره مالك بيع زِبْل الدوابّ، ورخص فيه ابن القاسم؛ لِمَا فيه من المنفعة، والقياس ما قاله مالك، وهو مذهب الشافعيّ، وظاهر هذا الحديث شاهد لصحة ذلك، قال: فلم أر وجهًا لذكر اختلاف الفقهاء في بيع السرجين والزَّبل ها هنا؛ لأن كل قول تعارضه السنة وتدفعه، ولا دليل عليه من مثلها، لا وجه له، قال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦]. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في كتاب الطهارة أن الأرجح من أقوال العلماء طهارة الزِّبل والسِرْجين، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٩ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الإثم مرفوع عمن لم يَعْلَم. قال الله ﷿ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ومن أمكنه التعلم ولم يتعلم أثم، والله أعلم. ١٠ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الخمر لا يجوز لأحد تخليلها، ولو جاز لأحد تخليلها ما كان رسول الله -ﷺ- لِيَدَع الرجل أن يفتح المزادتين حتى ذهب ما فيهما؛ لأن الخلّ مالٌ، وقد نَهَى رسول الله -ﷺ- عن إضاعة المال، بل كان رسول الله -ﷺ- يأمره أن يُخَلِّلها؛ لقوله -ﷺ-: «نِعْمَ الإدام الخلّ»، ولأنه -ﷺ- أنصح الناس للناس، وأدلهم على قليل الخير وكثيره . ١١ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: وقد فَهِمَ الجمهور من تحريم الخمر وبيعها، والمنع من الانتفاع بها، واستخباث الشرع لها، لإطلاق الرِّجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكمَ بنجاستها. وخالفهم في ذلك ربيعة وحده من السلف فرأى: أنها طاهرة، وأن المحرَّم إنما هو شربها، وهو قولٌ شاذ يردُّه ما تقدَّم، وما كان يليق بأصول ربيعة، فإنه قد علم أن الشرع قد بالغ في ذم الخمر حتى لعنها وعَشَرةً بسببها، وأمر باجتنابها، وبالغ في الوعيد عليها. فمن المناسب بتصرفات الشرع الحكم بتنجيسها مبالغة في المباعدة عنها، وحماية لقربها. فإن قيل: التنجيس حكم شرعي، ولا نصّ فيه، ولا يلزم من كون الشيء محرَّمًا أن يكون نجسًا؛ فكم من محرّم في الشرع ليس بنجس. فالجواب: أنها وإن لم يكن فيها لفظٌ نصٌّ بالوضع الْمُتَّحِد، لكن فيها ما يدلُّ دلالة النصوصية بمجموع قرائن الآية ومساقها، ويَعْرفُ ذلك من تصفَّح الآية وتفهَّمها. ثم ينضاف إلى الآية جملة ما ذكرناه، فيحصل اليقين بالحكم بتنجيسها. ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصًّا لتعطلت الشريعة، فإن النصوص فيها قليل. وأيُّ نص يوجد على تنجيس البول، والعذرة، والدَّم، والميتة، وغير ذلك، ولا يوجد نصٌّ تنجيس شيء مما هنالك. وإنما هي الظواهر، والعمومات، والأقيسة. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ولا يوجد نصّ على تنجيس شيء إلخ لا يخفى ما فيه من المجازفة، فقد جاءت نصوص كثيرة في نجاسة أشياء؛ كالبول، ودم الحيض والاستحاضة، والمذي، والميتة، وغير ذلك، فلتراجع النصوص الصحيحة الكثيرة لذلك. قال: وقوله: لا يلزم من الحكم بالتحريم الحكم بالتنجيس. قلنا: لم نستدل بمجرد التحريم، بل بتحريم مستخبث شرعيّ يحرم شربه، وإن شئت أن تحرر قياسًا؛ قلت: مستخبث شرعًا، يحرم شربه، فيكون نجسًا؛ كالبول، والدَّم، وهذا هو الأولى بربيعة، فإنه الملقَّب بـ «ربيعة الرأي»، والله تعالى أعلم. وقد استدل بعض من تابع ربيعة على عدم تنجيس الخمر، وهو سعيد بن الحداد القروي بسفك الخمر على طرق المدينة. قال: ولو كانت نجسة لما فعلوا ذلك، ولنهى رسول الله -ﷺ- عنه، كما نهى عن التخلَّي في الطرق. والجواب: أن الصحابة -﵃- فعلت ذلك لضرورة الحال؛ لأنهم لم يكن لهم سُروبٌ، ولا آبارٌ يريقونها فيها؛ إذ الغالب من حالهم: أنهم لم تكن لهم كُنُف في بيوتهم. وقالت عائشة -﵂-: إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت، ونَقْلها إلى خارج المدينة فيه كلفة، ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور، فالتحق صبّها في الطرق بالنجاسات التي لا تنفكُّ الطرق عنها، كأرواث الدواب، وأبوالها. وأيضًا، فإنها يمكن التحرُّز منها، فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة، بحيث تصير نهرًا يعمّ الطريق كلّها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرُّز عنها. هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها. ويتتابع الناس، ويتوافقوا على ذلك، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: وبعد هذه المصاولات والمجاولات من القرطبيّ لم يأتنا بشيء صريح من الأدلّة يُتمسّك به على نجاسة الخمر، لا من النصّ، ولا من الإجماع، فإن المسألة مختلف فيها، كما سبق في كلامه، ولم ينفرد ربيعة الرأي بالقول بطهارتها، فقد نُقِل عن الليث بن سعد، والمزنيّ من أصحاب الشافعيّ، ونقله القاضي عياض عن سعيد بن الحذّاء، والهرويّ ، فالحقّ أن القول بطهارتها هو الأشبه، كما مرّ قريبًا، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تخليل الخمر: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: قد اختَلَف الفقهاء في تخليل الخمر، فقال مالك فيما رَوَى عنه ابن القاسم، وابن وهب: لا يحلّ لمسلم أن يخلل الخمر، ولكن يهريقها، فإن صارت خلًّا بغير علاج فهو حلالٌ، لا بأس به، وهو قول الشافعيّ، وعبيد الله بن الحسن البصريّ، وأحمد بن حنبل. ورَوَى أشهب عن مالك قال: إذا خَلَّل النصرانيّ خمرًا، فلا بأس بأكله، وكذلك إن خللها مسلم، واستَغفَرَ الله، وهذه الرواية ذكرها ابن عبد الحكم في كتابه، وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول فيمن اشترى قِلالَ خَلّ، فوجد فيها قُلّة خمر، قال: لا يجعل فيها شيئًا يُخلِّلها، قال: ولا يحل للمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خلًّا، ولا يبيعها، ولكن يهرقها، فإن فات علاجها بعد أن وُجدت خمرًا من غير علاج، فإنها حلالٌ لا بأس بها، إن شاء الله. قال ابن وهب: وهو قول عمر بن الخطاب، والزهريّ، وربيعة. وكان أبو حنيفة، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والليث بن سعيد: لا يرون بأسًا بتخليل الخمر، وقال أبو حنيفة: إن طرح فيها السمك، والملح، فصارت مُرّيًّا ، وتحولت عن حال الخمر جاز، وخالفه محمد بن الحسن في المري، وقال: لا يعالج الخمر بغير تحويلها إلى الخلّ وحده. قال أبو عمر: الصحيح عندي في هذه المسألة ما قاله مالك في رواية ابن القاسم، وابن وهب عنه، والدليل على ذلك ما رواه الثوريّ، عن السّدّيّ، عن أبي هبيرة، عن أنس، قال: جاء رجل إلى النبيّ -ﷺ-، وفي حجره يتيم، وكان عنده خمر له حين حُرِّمت، فقال: يا رسول الله نصنعها خلًّا؟ قال: «لا»، فصَبَّها حتى سأل الوادي. وروى مُجالد، عن أبي الوَدَّاك، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: كان عندي خمر لأيتام، فلما نزل تحريم الخمر أمرنا رسول الله -ﷺ- أن نهريقها. ثم أخرج بسنده عن أنس بن مالك -﵁-؛ أن أبا طلحة سأل النبيّ -ﷺ- عن أيتام وَرِثُوا خمرًا، قال: «أهرقها»، قال: أفلا أجعلها خلًّا؟ قال: «لا» . ثم أخرج أيضًا عن أنس بن مالك، قال: سئل رسول الله -ﷺ- عن الخمر تُتخذ خلًّا؟ قال: «لا». وأخرج عن أبي سعيد -﵁- قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت الآية التي في سورة المائدة، سألنا رسول الله -ﷺ-، فقلنا: إنها ليتيم، فقال: «أهريقوها». ثم قال بعد أن ساق أحاديث في هذا المعنى: فهذه الآثار كلُّها تدل على أن من وَرِثَ خمرًا من المسلمين، وصارت بيده أهرقها، ولم يحبسها، ولا يخلّلها، وذلك دليل على فساد قول من قال: يخللها، فأما إذا تخللت من ذاتها بغير صنع آدميّ، فقد رُوي فيها عن عمر ما تَسْكُن النفس إليه، وقال به مالك، والشافعيّ، وأكثر فقهاء الحجاز. قال: واحتَجّ العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء، وهو حديث يُرْوَى عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي الدرداء، من وجه ليس بالقويّ أنه يأكل الْمُرّيّ الذي جُعِل فيه الخمر، ويقول: دبغته الخلّ والملح، وهذا ومثله لا حجة في شيء منه، إذا كان مخالفًا لما ثبت عن رسول الله -ﷺ-. وذَكَر ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب قال: لا خير في خَلّ من خمر أُفسدت حتى يكون الله الذي أفسدها، قال: وحديث ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب، عن عمر بن الخطاب قال: لا تؤكل خمر أُفسدت، ولا شيء منها، حتى يكون الله تولى إفسادها. ورَوَى الحسن بن أبي الحسن، عن عثمان بن أبي العاص أن تاجرًا اشترى خمرًا، فأمره أن يصبها في دجلة، فقالوا: ألا تأمره أن يجعلها خَلًّا؟ فنهاه عن ذلك. فهذا عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص يخالفان أبا الدرداء في تخليل الخمر، وليس في أحد حجة مع السنة، وبالله التوفيق. قال: وقد يَحْتَمِل أن يكون المنع من تخليلها كان في بدء الأمر عند نزول تحريمها؛ لئلا يُستدام حبسها بقرب العهد بشربها إرادة لقطع العادة في ذلك، وإذا كان هذا هكذا لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذ، والأمرِ بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا تخللت، ولم يُسئل عن خمر تخللت، فنَهَى عن ذلك، والله تعالى الموفِّق للصواب، لا شريك له. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال العلماء، وأدلّتهم في حكم تخليل الخمر؛ أن المذهب الصحيح هو ما ذهب إليه الجمهور من تحريم تخليلها؛ لوضوح حجته، واستنارة محجّته، وأما إذا تخلّلت بنفسها، فإنها حلال؛ لأنه -ﷺ- أكل الخلّ، وقال: «نعم الإدام الخلّ» ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٢٤)

١. «شرح النوويّ» ١١/ ٣.

٢. راجع: «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٤٢٦.

٣. «الصحاح» ص ٩٩٠.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٤.

٥. «تنبيه المعلم» ص (٢٦٣).

٦. »شرح النوويّ«١١/ ٤.

٧. »المفهم«٤/ ٤٥٧.

٨. »تنبيه المعلم«ص ٢٦٤.

٩. »شرح النوويّ«١١/ ٤.

١٠. الحسن بن زياد اللؤلؤيّ، صاحب الإمام أبي حنيفة رأس في الفقه، ولكن كذّبه ابن معين، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو داود، وقال الدارقطنيّ: متروك، وتكلم فيه غيرهم. راجع ترجمته في: «ميزان الاعتدال» ١/ ٤٩١.

١١. كيف يصحّ وراويه الحسن بن زياد، وقد عرفت حاله؟، هيهات هيهات.

١٢. »المفهم«٤/ ٤٥٧ - ٤٥٨.

١٣. »شرح النوويّ«١١/ ٤ - ٥.

١٤. الضاري من الآنية: الذي ضري بالخمر: أي اشتدّ، فإذا جعل فيه النبيذ صار مسكرًا.

١٥. »المفهم«٤/ ٤٦٠.

١٦. «التمهيد لابن عبد البرّ» ٤/ ١٤٥.

١٧. «التمهيد لابن عبد البرّ» ٤/ ١٤٦.

١٨. بل تابعه غيره، فقد حكي عن الليث بن سعد، والمزنيّ من أصحاب الشافعيّ، فتنبّه.

١٩. «المفهم» ٤/ ٤٥٨ - ٤٦٠.

٢٠. راجع: «إكمال المعلم» ٥/ ٢٥٢.

٢١. «الْمُرّيّ»: الذي يُؤتدم به، كأنه نسبة إلى الْمرّ، ويُسمّيه الناس الْكَامَخ، قاله في «المصباح» ٢/ ٥٦٨.

٢٢. حديث صحيح، أخرجه أبو داود في «سننه» ٣/ ٣٢٦.

٢٣. «التمهيد» ٤/ ١٤١ - ١٤٣.

٢٤. حديث صحيح، أخرجه مسلم، وأحمد، وأصحاب «السنن».