HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٨٧

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ. فَجَاءَ أَبُو الْأَشْعَثِ. قَالَ: قَالُوا: أَبُو الْأَشْعَثِ، أَبُو الْأَشْعَثِ. فَجَلَسَ فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ: نَعَمْ. غَزَوْنَا غَزَاةً. وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ. فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً. فَكَانَ، فِيمَا غَنِمْنَا، آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ. فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ. فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ. فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ. عَيْنًا بِعَيْنٍ. فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى. فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ. قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ. فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ. ثُمَّ قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ (أَوَ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ). مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ. قَالَ حماد: هذا أو نحوه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص43
ج ٣ ص ١٢١٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٦٠٤
رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا قبل باب، و«إسحاق» هو: ابن راهويه. [تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها النسائيّ في «المجتبى» ٧/ ٢٧٣ فقال: (٤٥٥٨) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن مالك بن أوس بن الْحَدَثان؛ أنه سَمِعَ عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «الذهب بالورق ربًا، إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا، إلا هاء وهاء، والبرّ بالبرّ ربًا، إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا، إلا هاء وهاء». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٤٠٥٤] (١٥٨٧) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ في حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، فَجَاءَ أَبُو الأَشْعَثِ، قَالَ: قَالُوا: أَبُو الأَشْعَثِ أَبُو الأَشْعَثِ، فَجَلَسَ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: نَعَمْ، غَزَوْنَا غَزَاةً، وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ، فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقَامَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَهَبِ، وَالْفِضةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى. فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِبَةَ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: ألَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ، وَنَصْحَبُهُ، فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ؟ فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَأَعَادَ الْقِصَّةَ، ثُمَّ قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ، أَوْ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ، مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ. قَالَ حَمَّادٌ هَذَا أَوْ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السّختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ فقيه عابد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥. ٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، فيه نصبٌ يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٥ - (أَبُو الأَشْعَثِ) شَرَاحيل بن آدة، ويقال: إن آدة جدّ أبيه، وهو شَرَاحيل بن شُرَحْبيل بن كُليب بن آدة، ويقال: شَرَاحيل بن كُليب، ويقال: شَراحيل بن شَراحيل، ويقال: شُرَحبيل بن شُرَحبيل الصنعانيّ، وهو من صنعاء الشام، وقيل: من صنعاء اليمن، شَهِدَ فتح دمشق، ثقةٌ [٢]. رَوَى عن شداد بن أوس، وثوبان، وأوس بن أوس الثقفيّ، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومرة بن كعب، أو كعب بن مرة، وأبي ثعلبة الْخُشَنيّ، وأبي أسماء الرَّحَبِيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو قلابة الْجَرْميّ، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ومسلم بن يسار المكيّ، وحسان بن عطية، وراشد بن داود، ويحيى بن الحارث الذِّمَاريّ، وغيرهم. قال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل اليمن، وقال: كان ينزل دمشق، قال: وتُوُفّي زمن معاوية، وقال دُحيم: شَهِد فتح دمشق، وقال ابن معين: كان من الأبناء، سَكَن دمشق، وذكره ابن حبان في «الثقات»، فقال: شَرَاحيل بن شُرَحبيل بن كُليب بن آدة، قال: ومن قال: شَرَاحيل بن آدة فقد نسبه إلى جدّه، وقال ابن الجوزيّ: روايته عن ثوبان منقطعة، كذا قال. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، برقم (١٥٨٧) وأعاده بعده، و(١٧٠٩)، و(١٩٥٥)، و(٢٥٦٨). ٦ - (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) بن قيس الأنصاريّ الْخَزْرجيّ، أبو الوليد المدنيّ، أحد النقباء، بدريّ مشهور، مات بالرملة سنة (٣٤)، وله (٧٢) سنةً، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية، قال سعيد بن عُفير: كان طوله عشرة أشبار (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سُداسيّات المصنف -﵀-، وأن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وأبي الأشعث، فأخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، وأنه مسلسل بالبصريين إلى أبي قلابة، وأن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد الْجَرْميّ؛ أنه (قَالَ: كُنْتُ بالشَّامِ) البلد المعروف، وهو بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها، والنسبة إليه شأميّ، ويجوز شآم، بالمدّ، من غير ياء، مثلُ يمنيّ، وَيمانِ . (فِي حَلْقَةٍ) بفتح الحاء المهَملة، وسكون اللام؛ أي: في جماعة اجتمعوا مستديرين (فِيهَا) أي: في تلك الحلقة (مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ) البصريّ، نزيل مكة، أبو عبد الله الفقيه، مولى بني أمية، وقيل: مولى طلحة، وقيل: مولى مُزَينة، ويقال له: مسلم سكرة، ومسلم المصبّح، ثقة عابد [٤]. رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الأشعث الصنعانيّ، وحمران بن أبان، وأرسل عن عبادة بن الصامت، وغيرهم، ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وثابت البنانيّ، ويعلى بن حكيم، ومحمد بن سيرين، وأيوب السختيانيّ، وأبو نضرة بن البختريّ، وقتادة، وصالح أبو الخليل، ومحمد بن واسع، وعمرو بن دينار، وأبان بن أبي عياش، وعدة. قال أبو طالب، عن أحمد: ثقة. وقال أبو داود، عن ابن معين: رجل صالح قديم. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان يقال له: مسلم الْمُصْبح؛ لأنه كان يُسْرِج المسجد، وقال: روى ابن سعد، عن ابن عون: كان مسلم بن يسار، لا يُفَضَّل عليه أحد في ذلك الزمان. وقال القطان: لم يسمع قتادة عنه، وقال ابن سعد: قالوا: كان ثقة فاضلًا عابدًا ورعًا، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، سنة مائة، أو إحدى ومائة، وقال خليفة ابن خياط: كان يُعَدُّ خامس خمسة، من فقهاء أهل البصرة، مات سنة مائة. أخرج له أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في «صحيح مسلم» ذكر هنا وفي «اللباس». (فَجَاءَ أَبُو الأَشْعَثِ) شراحيل بن آدة الصنعانيّ (قَالَ) أبو قلابة: (قَالُوا) أي: الناس الحاضرون في الحلقة (أَبُو الأَشْعَثِ أَبُو الأَشْعَثِ)؛ أي: جاء أبو الأشعث، وإنما كرّروه تنويهًا بشأنه، وتعظيمًا له (فَجَلَسَ) أبو الأشعث، قال أبو قلابة: (فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: لأبي الأشعث (حَدِّثْ) أمر من التحديث (أَخَانَا) يريد مسلم بن يسار (حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) -﵁- (قَالَ) أبو الأشعث: (نَعَمْ) بفتحتين: حرف جواب، معناها هنا الوعد، قال الفيّوميّ -﵀-: وقولهم في الجواب: «نَعَمْ» معناها: التَّصْدِيقُ، إن وقعت بعد الماضي، نحو هلِ قام زيد؟ والوَعْدُ إن وقعت بعد المستقبل، نحو هل تقوم؟ قال سيبويه: نعَمْ عِدَةٌ، وتصديق، قال ابن بَابِشَاذْ: يريد أنها عِدَةٌ في الاستفهام، وتصديق للإخبار، ولا يريد اجتماع الأمرين فيها في كلّ حال، قال النِّيليُّ: وهي تُبقي الكلام على ما هو عليه من إيجاب، أو نفي؛ لأنها وُضِعت لتصديق ما تقدَّم، من غير أن ترفع النَّفي وتبطله، فإذا قال القائل: ما جاء زيد، ولم يكن قد جاء، وقلت في جوابه: نَعَمْ كان التقدير: نعم ما جاء، فصدقت الكلام على نفيه، ولم تبطل النفي، كما تبطله «بَلَى»، وإن كان قد جاء، قلت في الجواب: بَلَى، والمعنى: قد جإء، فَنَعَمْ تُبقي النفي على حاله، ولا تبطله، وفي التنزيل: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ولو قالوا: نَعَمْ كان كفرًا؛ إذ معناه: نعم لست بربنا؛ لأنها لا تزيل النفي، بخلاف بَلَى، فإنها للإيجاب بعد النفي. انتهى كلام الفيّوميّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (غَزَوْنَا غَزَاة) بالفتح منصوب على المصدريّة، وأما بالضم فجمع غاز، ولا يناسب هنا (وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوَيةُ) أي: أميرًا، لا خليفةً؛ فإن زمان خلافته متأخّر عن ذلك بكثير، قاله القرطبيّ -﵀- . وهو: معاوية بن أبي سفيان الصحابيّ الشهير، توفّي -﵁- في رجب سنة ستّين، وقد تقدّمت ترجمته في «الصلاة» ٨/ ٨٥٨. (فَغَنِمْنَا) بكسر النون، من باب علم، يقال: غَنِمتُ الشيءَ أغنَمه غُنْمًا بالضمّ إذا أصبته غنيمةً (غَنَائِمَ) جمع غنيمة، وهي ما نِيل من أهل الشرك عَنْوةً، والحرب قائمة، أما ما نيل منهم بعد أن تضع الحرب أوزارها، فيُسمّى فيئًا . (كَثِيرَةً، فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ) بالرفع على أنه اسم «كان» وخبرها الجارّ والمجرور قبله، وقوله: (مِنْ فِضَّةٍ) بيان لـ «ما غَنِمنا» (فَأَمَرَ مُعَاوِيةُ) -﵁- (رَجُلًا) لم يُعرف اسمه . (أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ) بفتح الهمزة، جمع أعطية، قال المجد -﵀-: العطا، وقد يُمدّ: نولك السَّمْحَ، وما يُعطَى، كالعطيّة، جمعه أعطياة، وجمع جمعه أعطيات. انتهى . والمراد هنا ما يعطاه الجند من المال المرتّب لهم من الدولة شهريًّا، أو سنويًّا، يعني أنه أمر أن تباع آنية الفضة تلك بالدراهم نسيئة إلى أن يخرج عطاء المشتري، وفي رواية البيهقيّ من طريق خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن عبادة بن الصامت -﵁- أنه شَهِد الناس يتبايعون آنية الذهب والفضّة إلى الأعطية. قال القرطبيّ -﵀-: هذا البيع لهذه الآنية كان بالذراهم، ولذلك أنكره عبادة بن الصامت -﵁-، واستَدَلّ عليه بقوله: «الفضة بالفضة»، ولو كان بذهب أو عَرْض لَمَا كان للإنكار، ولا للاستدلال وجه. انتهى . (فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ) أي: في شراء تلك الآنية بالدَّراهم، قال القرطبيّ: وهو يدلُّ على أقلية العلماء، وأن الأكثر الجهال، ألا ترى أن معاوية -﵁- قد جَهِل ذلك مع صحبته، وكونه من كُتَّاب الوحي، ويَحْتَمِل أن يقال: إن معاوية كان لا يرى ربا الفضل كابن عباس وغيره، والأول أظهر من مساق هذا الخبر، فتأمل نصَّه؛ فإنَّه صريح: في أن معاوية لم يكن علم بشيء من ذلك. انتهى . (فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ) -﵁- (فَقَامَ) عبادة (فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ) قال القرطبيّ -﵀-: فيه دليل على أنهما نوعان مختلفان؛ كمخالفة التمر للبُرِّ؛ وهو قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، والثوريّ، وابن عُلّيَّة، وفقهاء أهل الحديث، وذهب مالك، والأوزاعيّ، والليث، ومعظم علماء المدينة، والشام إلى أنهما صنف واحد، وهو مرويّ عن عمر، وسعيد، وغيرهما من السَّلف متمسكين، بتقاربهما في المنبت، والمحصد، والمقصود؛ لأن كل واحد منهما في معنى الآخر، والاختلاف الذي بينهما إنما هو من باب مخالفة جيِّد الشيء لرديئه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الأولون من أن البرّ والشعير صنفان، لا صنف واحد هو الأرجح عندي؛ بدليل العيان والمشاهدة، والله تعالى أعلم. (وَالتَّمْرِ بالتمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ) بكسر، فسكون، يذكّر، ويؤنّث، قال الصغانيّ: والتأَنيث أكثر، واقتَصَر الزمخشريّ عليه، وقال ابن الأنباريّ: الملح مؤنّثةٌ، وتصغيرها مُليحة، والجمع: مِلاح بالكسر، مثلُ بِئر وبئار. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: لم يُختَلَف في جريان الربا في هذه الأصناف الستة، لكن هل تعلُّق حكم الرِّبا باسمائها أم بمعانيها؟ فأهل الظاهر قصروه على أسمائها، فلا يجري الرِّبا عندهم في غير هذه الأصناف الستة، وفقهاء الأمصار من الحجازيين وغيرهم رأوا: أن ذلك الحكم متعلق بمعانيها، وتمسَّكوا في ذلك بما تقدَّم، وبأن الدقيق يجري فيه حكم الرِّبا بالاتفاق، ولا يصدق عليه اسم شيء من تلك الأصناف المذكورة في الحديث. فإن قيل: دقيق كل صنف منها مردود إلى حَبِّه في حكمه. قلنا: فهذا اعتراف بأن الحكم لم يتعلَّق بأسمائها، بل بمعانيها، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: مذهب الجمهور في كون حكم الربا يتعلّق بالمعاني، لا بالأسماء لا يخفى رجحانه؛ إذ حكمة النهي عن الربا والمعاملة الباطلة هو المحافظة على أموال الناس؛ لئلا يأكل بعضهم مال بعض بالباطل، وهذا المعنى متحقّق في كلّ ما أشبه هذه الأصناف المنصوص عليها. والحاصل أن الله -سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ- ما حرّم الربا إلا لحفظ أموال الناس، فكل ما أدى إلى أكل أموالهم بالباطل يدخل في هذا المعنى، ولا يختصّ بالأصناف المنصوص عليها، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم. قال: قد اختلفوا في تعيين ذلك المعنى، فقال أبو حنيفة: إن علة ذلك كونه مكيلًا أو موزونًا جنسًا، وذهب الشافعيّ في القديم: إلى أن المعنى: هو أنه مأكول مكيل، أو موزون جنسًا. وفي الجديد هو أنَّه مطعوم جنس، وحُكي عن ربيعة: أن العلة هي: كونه جنسًا تجب فيه الزكاة، واختلفت عبارات أصحابنا -المالكيّة- وأحسن ما في ذلك أنه هو كونه مقتاتًا، مدخرًا للعيش غالبًا جنسًا. ولبيان الأرجح من هذه العلل والفروع المبنية عليها علم الخلاف، وكتب الفروع. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم تحقيق القول في علة الربا، وترجيح الراجح قريبًا، فلا تغفل. (إِلا سَوَاءً بِسَوَاءٍ) أي: إلا في حالة كونهما متساويين، ففيه النهي عن التفاضل (عَيْنًا بِعَيْنٍ) يعني معاينة، ومشاهدة، ففيه النهي عن بيع الغائب بالغائب، أو بالحاضر، وهذا معنى ما سبق بلفظ: «ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز». (فَمَنْ زَادَ) أي: أعطى الزيادة، وقدّمه لأن الأمر باختياره أوّلًا (أَوِ ازْدَادَ) أي: أخذ الزيادة، قال الفيّوميّ ﵀: زَادَ الشيء يَزِيدُ زَيْدًا، وزَيادَةً، فهو زَائِدٌ، وزِدْتُهُ أنا، يُسْتَعْمَل لازمًا ومتعديًا، ويقال: فَعَل ذلك زِيادَةً على المصدر، ولا يقال: زَائِدَةٌ، فإنها اسم فاعل من زَادَتْ، وليست بوصف في الفعل، وازْدَادَ الشيءُ، مثلُ زَادَ، وازْدَدْتُ مالًا زِدْتُهُ لنفسي زِيادَةً على ما كان، واسْتَزَادَ الرجل طلب الزيادة، ولا مُسْتَزَادَ على ما فعلتَ؛ أي: لا مَزِيدَ، وفي الحديث: «مَنْ زَادَ، أَوْ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى»، فقوله: «زَادَ»؛ أي: أَعْطَى الزيادةَ، أو ازْدَادَ؛ أي: أخذها، وفي حديثي أبي سعيد، وأبي هريرة -﵄- الآتيين بعده: «فمن زاد، أو اسْتَزَادَ»، والمعنى: أو سأل الزيادة، فأخذها، وعليه حديث عبد الله بن مسعود -﵁-: «وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَني». انتهى . (فَقَدْ أَرْبَى) يقال: أربى الرجل بالألف: إذا دخل في الربا، والمراد أنه أكل الربا، فيدخل تحت الوعيد الوارد في آكل الربا، يعني أن الربا لا يتوقّف على أخذ الزيادة فقط، بل يتحقّق بإعطاء الزيادة أيضًا، فكلّ من المعطي والآخذ عاصٍ، وقال النوويّ ﵀: معناه: فَعَل الربا المحرّم، فدافع الزيادة، وآخذها عاصيان مربيان. انتهى . وقال القاري: «فقد أربى؛ أي: أوقع نفسه في الربا، وقال التوربشتيّ ﵀؛ أي: أتى الربا وتعاطاه، ومعنى اللفظ: أخذ أكثر مما أعطاه، من ربا الشيءُ يربو: إذا زاد، قال الطيبيّ ﵀: لعل الوجه أن يقال: أتى الفعلَ المحرَّمَ؛ لأن من اشترى الفضة عشرة مثاقيل بمثقال من ذهب، فالمشتري آخذ للزيادة، وليس بربا. انتهى . (فَرَدَّ النَّاسُ مَا أخَذُوا) أي: ما أخذوه من آنية الفضّة بسبب الشراء بالأجل، قال النوويّ: هذا دليل على أن البيع المذكور باطل (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي: ردّ الناس بيعهم بسبب ما حدّث به عبادة -﵁- (مُعَاوِيةَ) -﵁- (فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: ألَا) أداة استفتاح وتنبيه (مَا) استفهاميّة (بَالُ) أي: حال (رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَحَادِيثَ قَدْ كنَّا نَشْهَدُهُ، وَنَصْحَبُهُ، فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ) قال السنديّ في «حاشية النسائيّ»: قوله: «فقال: ما بال رجال … إلخ» استدلال بالنفي على ردّ الحديث الصحيح بعد ثبوته، مع اتّفاق العقلاء على بطلان الاستدلال بالنفي، وظهور بطلانه بأدنى نظر، بل بديهة، فهذا جراءة عظيمة يغفر الله لنا وله. انتهى كلام السنديّ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأنا أقول: سامح الله السنديّ في هذه الجراءة العظيمة على هذا الصحابيّ الجليل -﵁-، ولو أن إمام مذهبه خالف الحديث الصحيح، لما استجاز أن يقول هذا الكلام في حقّه، بل يعتذر عنه باعذار، لا تُسْمِن، ولا تغني من جوع، فكيف استجاز هذا الكلام البَشِع على هذا الصحابيّ الجليل -﵁-؟ بل الصواب أن مثل هذا كثيرًا ما يصدر عن غيره من الصحابة -﵃-، إذا سمعوا بعض الأحاديث التي كانوا يظنون أن حكم الشرع بخلافها، ظنًّا منهم أن الذي حدّث بها ربما يَهِم، وربما يحذف نسيانًا بعض القيود، أو الشروط التي ذكرها النبيّ -ﷺ-، فتنبيهًا على هذا يصدر منهم إنكارٌ، لا لردّ ما ثبت عنه -ﷺ-، فحاشا معاوية -﵁- أن يُتّهم بمثل هذا، فقد أنكر عمر على عمّار -﵄- حديث التيمم للجنب، وأنكر على فاطمة بنت قيس -﵄- حديثها: ليس للمطلقة البائن نفقة، ولا سكنى، وأنكرت عائشة -﵂- على ابن عمر وغيره أحاديث كثيرة، فالواجب علينا إذا سمعنا مثل هذا صدر عن الصحابة -﵃- أن نعتذر عنهم، ولا نطوّل ألستنا، بل نقول: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، والله تعالى المستعان على من تطاول على الصحابة الكرام -﵃-، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم. وقال بعضهم: قوله: «فلم نسمعها منه» ظاهره أن معاوية -﵁- لم يسمع هذا الحديث، ولا علمه، كما لم يعلمه في البداية عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبّاس -﵃-، وقد أخرج مالك، وأحمد، والشافعيُّ، عن عطاء بن يسار: «أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب، أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله -ﷺ- ينهى عن مثل هذا إلا مثلًا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسًا، فقال أبو الدرداء: مَن يَعذِرني من معاوية؛ أنا أخبره عن رسول الله -ﷺ-، ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قَدِمَ أبو الدرداء على عمر بن الخطاب، فذكر ذلك له، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا تبيع ذلك، إلا مثلًا بمثل، وزنا بوزن». قال ابن عبد البرّ ﵀: كان معاوية -﵁- يذهب إلى أن النهي والتحريم إنما ورد من رسول الله -ﷺ- في الدينار المضروب، والدرهم المضروب، لا في التبر من الذهب والفضة بالمضروب، ولا في المصوغ بالمضروب، وقيل: إن ذلك إنما كان منه في المصوغ خاصّة، والله أعلم، حتى وقع له مع عبادة ما ذُكر في هذا الباب، وقد سأل عن ذلك أبا سعيد بعد حين، فأخبره عن النبيّ -ﷺ- بتحريم التفاضل في الفضة بالفضة، والذهب بالذهب تبرهما وعينهما، وتبر كل واحد منهما بعينه، وإنما كان سؤاله أبا سعيد استثباتًا؛ لأنه كان يعتقد أن النهي إنما ورد في العين، ولم يكن -والله أعلم- عَلِمَ بالنهي حتى أعلمه غيره، وخفاءُ مثل هذا على مثله غير مُنكر؛ لأنه من علم الخاصّة، وذلك موجود لغير واحد من الصحابة -﵃-. قال: ويَحْتَمِل أن يكون مذهبه كان كمذهب ابن عباس -﵃-، فقد كان ابن عباس، وهو بحر في العلم لا يرى بالدرهم بالدرهمين يدًا بيد بأسًا حتى صرفه عن ذلك أبو سعيد الخدريّ -﵁-، فلا ينكر أن يخفى على معاوية ما خفي على ابن عباس -﵃-. وقد روينا عن معاوية -﵁- أنه كان يذهب إلى أن الربا في المضروب دون غيره، وهو شيء لا وجه له عند أحد من أهل العلم، وإذا كان ابن عباس وعمر قبله، وأبو بكر قبلهما يخفى عليهم ما يوجد عند غيرهم، ممن هو دونهم، فمعاوية أحرى أن يوجد عليه مثل ذلك مع أبي الدرداء -﵄-. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ باختصار . وبمذهب معاوية -﵁- هذا يقول ابن القيّم ﵀، فإنه يقول: إن المصوغ من الذهب والفضّة سلعة غير ربويّة، فيجوز بيعه بالتبر متفاضلًا ونسيئةً؛ لأن عمل الصياغة قد أخرجه من الأثمان، وأدخله في السلع المستعملة، ولهذا لم تجب عليه الزكاة عنده، وعند الشافعيّ، والجمهور على أن المصوغ، والتبر، والمسكوك سواء في حرمة التفاضل والنسيئة؛ لأن أحاديث التحريم عامّة لكل ذهب، وعمل الصياغة لا يخرجه عن كونه ذهبًا، ولذا أنكر أمثال أبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، ثم مثل عمر بن الخطاب على معاوية -﵃- في هذا حتى كتب فيه عمر إلى معاوية، ونهاه عن مثل هذا البيع. وأجاب ابن القيم عن قصّة عبادة -﵁- بأن إنكاره على معاوية لم يكن بسبب أن بيع الآنية كان يستلزم الربا، وإنما كان من أجل أن استعمال آنية الفضة حرام، فبيعه لا يجوز من أجل حرمة استعمالها، لا بجنسه، ولا بغيره، ولا بالمساواة، ولا بالتفاضل. عبارة ابن القيّم -﵀- في كتابه «إعلام الموقعين» (٢/ ١٥٩): وأما ربا الفضل فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة، كالعرايا، فإن ما حُرِّم سدًّا للذريعة أخفّ مما حُرِّم تحريم المقاصد، وعلى هذا فالمصوغ، والحلية إن كانت صياغته محرَّمة، كالآنية حَرُم بيعه بجنسه، وغير جنسه، وبيع هذا هو الذي أنكره عبادة على معاوبة -﵄-، فانه يتضمن مقابلة الصياغة المحرَّمة بالأثمان، وهذا لا يجوز، كآلات الملاهي. انتهى. وتعقّبه بعضهم بأن تأويله هذا غير سائغ بالنظر إلى حديث الباب، فإن عبادة -﵁- لم يحتجّ على معاوية بحرمة استعمال الآنية، وإنما استدلّ بحديث حرمة الربا، فلولا أنه كان يقول بحرمة التفاضل والنسيئة في المصوغ؛ لَمَا ذكر هذا الحديث في هذا السياق، بل ذكر حديث تحريم استعمال الآنية من الفضة، وكذلك أبو الدرداء -﵁- احتجّ على معاوية بحديث وجوب التماثل في الربويّات، ولم يذكر مسألة استعمال الإناء، ثم إن عمر بن الخطّاب -﵁- كتب إلى معاوية «أن لا يبيع مثل ذلك إلا مثلًا بمثل»، كما ورد في حديث «الموطّإ»، مما يدل صريحًا على أن الحرمة عند هؤلاء الصحابة كانت من أجل فقدان التماثل، لا من جهة استعمال الإناء، فمذهب ابن القيّم -﵃- لا تساعده الأحاديث، ولا تعامل الصحابة، وتأويله بما ذكر تأويل تأباه ألفاظ الحديث، والنظر الصحيح جميعًا؛ لأن الإناء من الفضّة، وإن حرُم استعمالها، فلا يحرم بيعها وشراؤها بنيّة تخليص ما فيها من فضّة، واستعمالها في الحلي مثلًا. فالحقّ الصريح أن هؤلاء الصحابة -﵃- كانوا يقولون بالحرمة في كلّ ذهب وفضّة، سواء كانا مصوغين، أو مسكوكين، وخالفهم معاوية -﵁- باجتهاده، ولكن قضاء عمر -﵁- في الأخير كان بخلافه، والظاهر أن يكون معاوية رجع عن قوله بعد كتاب عمر -﵄-. انتهى ، وهو تحقيقٌ مفيد، والله تعالى أعلم. (فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) -﵁- (فَأَعَادَ الْقِصَّةَ، ثُمَّ قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيةُ، أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ) أي: ذَلّ، يقال: رَغِم، بكسر الغين المعجمة، وفتحها: بمعنى ذَلَّ، وصار كاللاصق بالرُّغام، وهو التراب، وفيه الاهتمام بتبليغ السنن، ونشر العلم، وإن كرهه من كَرِهه، وفيه القول بالحقّ، وإن كان المقول كبيرًا (مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَصْحَبَهُ) أي: في عدم مصاحبة معاوية (فِي جُنْدِهِ) أي: مع جنده (لَيْلَةً سَوْدَاءَ) أي: مظلمة. وكان عبادة بن الصامت -﵁- ممن بايع رسول الله -ﷺ- أن لا يخاف في الله لومة لائم، كما رواه قتادة في هذا الحديث عند النسائيّ في «سننه»، وكان عمر -﵁- بعث ثلاثة من فقهاء الصحابة إلى الشام بطلب من يزيد بن أبي سفيان ، فأقام أبو الدرداء بدمشق، ومعاذ بفلسطين، وعبادة بحمص، ثم لَمّا مات معاذ -﵁- انتقل عبادة إلى فلسطين، وأقام بها حتى تُوُفّي -﵁-، وكان عبادة -﵁- يبادر إلى الإنكار على المنكرات وفاء لبيعته، وكانت له مع معاوية -﵁- أخبار سردها ابن عساكر في «تاريخه»، ومن جملتها هذا الحديث، وقد أخرجه ابن عساكر عن الحسن مرسلًا، ولفظه: عن الحسن قال: كان عبادة بن الصامت بالشام، فرأى آنية من فضّة يباع الإناء بمثلي ما فيه، أو نحو ذلك، فمشى إليهم عبادة، فقال: أيها الناس من عَرَفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا عبادة بن الصامت، وإني سمعت رسول الله -ﷺ- في مجلس من مجالس الأنصار ليلة الخميس في رمضان، ولم يصم رمضان بعده، يقول: «الذهب بالذهب مثلًا بمثل، سواءً بسواء، وزنًا بوزن، يدًا بيد، فما زاد فهو ربا، والحنطة قفيز بقفيز، يدًا بيد، فما زاد فهو ربا، والتمر بالتمر، قفيز بقفيز، يدًا بيد، فما زاد فهو ربا»، قال: فتفرّق الناس عنه، فأتي معاوية، فأُخبر بذلك، فأرسل إلى عبادة، فأتاه، فقال له معاوية: لئن كنت صحبت النبيّ -ﷺ-، وسمعت منه، لقد صَحِبناه، وسمعنا منه، فقال له عبادة: لقد صَحِبته، وسمعت منه، فقال له معاوية: فما هذا الحديث الذي تذكره؟ فأخبره به، فقال له معاوية: اسكت عن هذا الحديث، ولا تذكره، فقال له: بلى، وإن رَغِم أنف معاوية، ثم قال: فقال له معاوية: ما نجد شيئًا أبلغ فيما بيني وبين أصحاب محمد -ﷺ- من الصفح عنهم. انتهى. وهذه القصّة تدلّ على أن حديث ربا الفضل تكلّم به النبيّ -ﷺ- في رمضان سنة عشر من الهجرة، والله أعلم . (قَالَ حَمَّادٌ) هو ابن زيد (هَذَا)؛ أي: هذا اللفظ الذي ساقه (أَوْ نَحْوَهُ)؛ أي: نحو هذا اللفظ، والقائل: «قال حمّاد … إلخ» هو عبيد الله بن عمر القواريريّ، شيخ المصنّف، وأشار بهذا إلى شكّه في نصّ حماد للحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت -﵁- هذا من أفواد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٤٠٥٤ و٤٠٥٥ و٤٠٥٦] (١٥٨٧)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٣٤٩ و٣٣٥٠)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (١٢٤٠)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٧٣ و٢٧٤ و٢٧٦ و٢٧٨) و«الكبرى» (٤/ ٢٥ و٢٦ و٢٧ و٢٨ و٢٩)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢٢٥٤)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٨٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٣٢٠ و٤٩٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ١٩٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣١٤ و٣٢٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٣٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٨٠ و٣٨١ و٣٨٢ و٣٩٠)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (٤/ ٦٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٠١٥)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ١٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٧٧ و٢٧٨ و٢٩١) و«الصغرى» (٥/ ٣٤) و«المعرفة» (٤/ ٢٨٨ و٢٨٩ و٢٩٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم بيع هذه الأشياء بجنسها، إلا بالمماثلة، والتقابض في المجلس. ٢ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃- من المحافظة على الوفاء بما بايعوا عليه رسول الله -ﷺ-، وإن أدّى ذلك إلى كراهة أميرهم، وذلك أن عبادة -﵁- كان ممن بايع النبيّ -ﷺ- أن لا ايخاف في الله لومة لائم، فلما أنكر عليه معاوية، لم يسكت، بل أعاد الحديث، وواجهه بما يكرهه، فقال: وإن رَغِم معاوية، قال القاضي عياض -﵀-: فيه ما يجب مما أخذ الله على العلماء ليبيّنُنّه للناس، ولا يكتمونه، وليكوننّ قوامين بالقسط، شهداء لله، وإغلاظه في اللفظ لمعاوية؛ لمقابلته له على إنكاره تحريمه، مع تحققه حلم معاوية، وصبره. انتهى . ٣ - (ومنها): الاهتمام بتبليغ السنن، ونشر العلم، وإن كرهه من كرهه. ٤ - (ومنها): القول بالحقّ، وإن كان المقول له كبيرًا. ٥ - (ومنها): جواز بيع هذه الأشياء بشرط المماثلة، والتقابض. ٦ - (ومنها): جواز التفاضل بينها إذا اختلفت الأجناس، بشرط التقابض في المجلس. ٧ - (ومنها): أن إعطاء الربا مثل أكله في الإثم. ٨ - (ومنها): أن فيه الردّ على من قال: إن البرّ والشعير جنس واحد؛ لأنه -ﷺ- نصّ على جواز بيع البرّ بالشعير كيف شاءوا، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وفقهاء المحدّثين، وآخرون، وقال مالك، والليث، والأوزاعيّ، ومعظم علماء المدينة، والشام من المتقدّمين: إنهما صنف واحد، قاله النوويّ -﵀- . ٩ - (ومنها): ما قاله في «الكاشف»: هذا الحديث هو العمدة في هذا الباب، عَدّ النبيّ -ﷺ- أصولأ، وصَرّح بأحكامها، وشروطها التي تُعتبر في بيع بعضها ببعض جنسًا واحدًا، أو أجناسًا، وبيّن ما هو العلّة في كلّ واحد منها؛ لِيَتَوصّل المجتهد بالشاهد إلى الغائب، فإنه -ﷺ- ذكر النقدين، والمطعومات الأربع؛ إيذانًا بأن علّة الربا هي النقديّة، أو الطعم، وإشعارًا بأن الربا إنما يكون في النوعين المذكورين، وهما النقد، أو المطعوم، وذكر من المطعومات الحبوب، وهي البرّ، والشعير، والتمر، والثمار، وهو الثمر، وما يُقصد مطعومًا لنفسه، وهو البرّ، والشعير، والتمر، أو لغيره، وهو الملح؛ ليُعلم أن الكلّ سواء في هذا الحكم. وقسم التعامل في أموال الربا على ثلاثة أقسام: [أحدها]: أن يباع شيء منها بجنسه المشارك له في علّة الربا؛ كبيع الحنطة بالحنطة، فشرط -ﷺ- في هذا القسم ثلاثة أشياء: الأول: التماثل في القدر بقوله: «مثلًا بمثل»، وأكّده بقوله: «سواءً بسواء»؛ لأن المماثلة أعمّ من أن تكون في القدر، بخلاف المساواة، والثاني، والثالث: الحلول والتقابض بقوله -ﷺ-: «يدًا بيد»، فإنه دالّ على الشرطين جميعًا. [وثانيها]: أن يُباع شيء منها بما ليس من جنسه، لكن يشاركه في العلّة؛ كبيع الحنطة بالشعير، فجوّز -ﷺ- في هذا القسم التفاضل بقوله: «فإذا اختلفت الأجناس، فبيعوا كيف شئتم»، وشرط في هذا النوع أيضًا الشرطين الآخرين بقوله: «إذا كان يدًا بيد». [وثالثها]: أن يباع شيء منها بما ليس من جنسه، ولا يشترك العوضان في علّة الربا، كبيع البرّ بالذهب، أو الفضّة، وصرّح -ﷺ- بالقسمين؛ لأنهما المقصود بالبيان؛ لمخالفتهما سائر العقود في الشروط الثلاثة المذكورة، وسكت -ﷺ- عن النوع الثالث؛ إما لأنه جارٍ على قياس سائر البياعات، فلا حاجة إلى البيان، وإما لأن أمره مدلول عليه على طريق المفهوم، فإن تقييد اعتبار الحلول والتقابض بالمشاركة في علّة الربا بين العوضين، وسواء كان مع اتّحاد الجنس، أو مع عدم اتّحاده بقوله: «إذا كان يدًا بيد»، وتقييد اعتبار المماثلة مع الشرطين المذكورين بالمشاركة في علّة الربا مع اتّحاد الجنس بقوله: «مثلًا بمثل، يدًا بيد» يدلّ على عدم اعتبار شيء من الشرائط الثلاثة فيما ليس كذلك. انتهى ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٤٠٥٥] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم تقدّموا في الباب، وفي الأبواب الثلاثة الماضية، و«إسحاق» هو: ابن راهويه، و«ابْنُ أَبِي عُمَرَ» هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ. [تنبيه]: رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب هذه ساقها أبو عوانة في «مسنده» (٣/ ٣٨١) فقال: (٥٣٩٥) - حدّثنا أبو زيد النميريّ عمر بن شبة، قثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفيّ، قثنا أيوب، يعني السختيانيّ، عن أبي قِلابة، عن أبي الأشعث، قال: كنا في غَزاة، فكان فيها معاوية، فأصبنا ذهبًا وفضةً، فأمر معاوية رجلًا أن يبيعها الناسَ بأعطياتهم، فسارع الناس فيها، فقام عُبادة بن الصامت، فنهاهم، فردّوها، فأتى الرجلُ معاوية، فشكا إليه عبادة، فقام معاوية خطيبًا، فقال: ما بال رجال يحدّثون عن رسول الله -ﷺ- أحاديث يَكْذِبون عليه فيها، لم نسمعها؟ فقام عبادة، فقال: والله لنحدّثن عن رسول الله -ﷺ-، وإن كَرِه معاوية، قال رسول الله -ﷺ-: «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة، ولا البرّ بالبرّ، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا مثلًا بمثل، سواءً بسواء، عينًا بعين». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٤٠٥٦] (…) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَ اهِيمَ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «الذهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بكير البغداديّ، نزيل الرقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ إمام حجة، من رؤوس [٧] (١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (خَالِدُ الْحَذَّاءِ) هو ابن مِهران، أبو المنازل البصريّ، ثقةٌ حافظ، يرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ) كلها منصوبة على الحال، والعامل متعلَّق قوله: «بالذهب»، وصاحبها الضمير المستكنّ فيه؛ أي: الذهب يباع بالذهب متماثلين مقبوضين يدًا بيد. وقوله: (فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ) قال القرطبيّ -﵀-: إشارة إلى ما ذكره في الحديث من الَأصناف، ويُلْحَق بها ما في معناها على ما ذكرناه آنفًا، وينضاف إلى كل نوع منها ما في معناه، وما يقاربه، وما بَعُدَ عن ذلك كان صنفًا منفردًا بنفسه، ولذلك لم يختلف قول مالك: في أن الدُّخْنَ صنف منفرد، وكذلك الأرز، وهو قول كافة العلماء، والعَدَس عند أكثر المالكية صنف منفرد، وقال الشافعي: هو صنف من أصناف الحنطة، وقاله بعض أصحابنا، واختلف قول مالك في القطانيّ ، هل هي صنف واحد، أو أصناف؟ وقد ضَمّ مالك السَّلت إلى البر والشعير، وقال الشافعي: هو صنف منفرد بنفسه، وقال الليث: السَّلت، والدُّخْن، والذرة، وقال في «المصباح» (٢/ ٥٠٩) ما حاصله: يقال لما يُدّخر في البيت، من الحبوب، ويُقيم زمانًا: قِطنيّةٌ بكسر القاف على النسبة، وضمُّ القاف لغةٌ، وفي «التهذيب»: الْقِطنيّةُ: اسم جامع للحبوب التي تُطبخ، وذلك مثلُ الْعَدَس، والباقلّاء، واللُّوبياء، والْحِمَّص، والأرز، والسِّمْسم، وليس الْقَمْح، والشعير من الْقَطانيّ. انتهى. صنف واحد، وقاله ابن وهب، وسبب هذا الاختلاف اختلاف الشهادة بالتقارب في المقصود، والمحصد، والمنبت، فمن شهدت له عادة استعمال صنف في معنى صنف، وشابهه في شيء مما ذكرنا ألحقه به، ومن لم يحصل له ذلك لم يلحق، والأصل: أن ما اختلفت أسماؤه، ومقاصده أن يعدَّ أصنافًا مختلفة بدليل ظاهر الحديث المتقدِّم، والله أعلم. انتهى . والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٤٠٥٧] (١٥٨٤) - (حَدثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيُّ، حَدثنَا أَبُو الْمُتَوَكلِ النَّاجِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ اسْتَزَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، الآخِدُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد البصريّ القاضي، ثقةٌ [٦] (م ت س) تقدم في «الطهارة» ١٥/ ٦٠٢. ٢ - (أَبُو الْمُتَوَكلِ النَّاجِيُّ) عليّ بن داود، ويقال: دؤاد البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٨) أو قبل ذلك (ع) تقدم في «الطهارة» ١٥/ ٦٠٢. ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك -﵄-، تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (مِثْلًا بمِثْلٍ) قال القرطبيّ -﵀-: هذا يدلّ على وجوب تحقيق المماثلة في بيع الرِّبَوِيّ بصنفه، وذلك لا يكون إلا بمعيار معلوم مقداره بالشَّرع، أو بالعادة وزنًا أو كيلًا، والأولى عند مالك: أن تجعل ذهبك في كفة، ويجعل ذهبه في كفة، فإذا استوى أخذ وأعطي، وكذلك يكون الكيل واحدًا، ويجوز بصنجة واحدة؛ معلومة المقدار بالعادة أو بالتحقيق، ولا يجوز عند مالك، والشافعيّ في الصرف ولا غيره من البيوع أن يتعاملا بمعيار مجهول، يتفقان عليه؛ لجهل كل واحد منهما بما يصير إليه. قال: وعلى هذا التعليل؛ فلا تجوز المراطلة المذكورة؛ لوجود الجهل المذكور. انتهى . وقوله: (فَمَنْ زَادَ، أَوِ اسْتَزَادَ، فَقَدْ أَرْبَى) أي: من بذل الزيادة، وطاع بها، ومن سألها، كل واحد منهما قد فعل الرِّبا، وهما سواء في الإثم؛ كما قال: (الآخد والمعطي فيه سواء)؛ أي: في فعل الْمُحَرَّم، وإثمه، وفي كتاب أبي داود: «أن رسول الله -ﷺ- لعن آكل الرِّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه»، وقال: «هم سواء»؛ أي: في استحقاق اللعنة والإثم . وقوله: (يَدًا بِيَدٍ) قال النوويّ -﵀-: فيه حجة للعلماء كافّةً في وجوب التقابض، وإن اختلف الجنسان، وجوّز إسماعيل ابن عُليّة التفرّق عند اختلاف الجنس، وهو محجوج بالأحاديث، والإجماع، ولعله لم يبلغه الحديث، فلو بلغه لَمَا خالفه. انتهى ، وهو تحقيق نفيسٌ. والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه واضح يُعلم مما مرّ، وقد تقدّم بيان مسائله في أول أحاديث الباب المذكور قبل باب، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٤٠٥٨] (…) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الرَّبَعِيُّ، حَدثنا أَبُو الْمُتَوَكلِ النَّاجِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ»، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٥.
مصادر المؤلف (٢٩)

١. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٨.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٤.

٣. «المفهم» ٤/ ٤٧٣.

٤. راجع: «المصباح» ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥.

٥. راجع: «تنبيه المعلم» (ص ٢٦٥).

٦. «القاموس المحيط» ص ٨٨٦.

٧. «المفهم» ٤/ ٤٧٣.

٨. «المفهم» ٤/ ٤٧٣.

٩. «المفهم» ٤/ ٤٧٤ - ٤٧٥.

١٠. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٨.

١١. «المفهم» ٤/ ٤٧٤.

١٢. «المفهم» ٤/ ٤٧٤.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٦١.

١٤. «شرح النوويّ» ١١/ ١٣.

١٥. «مرقاة المفاتيح» ٦/ ٤٥.

١٦. »حاشية السنديّ على النسائيّ«٧/ ٢٧٦.

١٧. راجع: «التمهيد لابن عبد البر» ٤/ ٧٣ - ٤/ ٧٥.

١٨. راجع: «تكملة فتح الملهم» ١/ ٥٩٥ - ٥٩٦.

١٩. يزيد بن أبي سفيان بن حرب الأمويّ، أخو معاوية صحابيّ مشهور، أمّره عمر -﵄- على دمشق حتى مات بها سنة تسع عشرة من الهجرة بالطاعون. انتهى. «التقريب» ص ٣٨٢.

٢٠. راجع: «تكملة فتح الملهم» ١/ ٥٩٦ - ٥٩٧.

٢١. «إكمال المعلم» ٥/ ٢٦٩.

٢٢. «شرح النوويّ» ١١/ ١٦.

٢٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٧/ ٢١٢٥ - ٢١٢٦.

٢٤. «قثنا» في الموضعين مختصر من «قال: حدّثنا».

٢٥. قال في «القاموس» (ص ١٠٧٢): الْقُطْنيّة بالضمّ، وبالكسر: الثياب، وحُبُوب الأرض، أو ما سوى الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر، أو هي الحبوب التي تُطبخ. الشافعيّ: العدسُ، والْخُلْز، والفُول، والدُّجْرُ، والْحِمَّصُ، جمعه: الْقَطانيّ. انتهى.

٢٦. «المفهم» ٤/ ٤٧٥.

٢٧. «المفهم» ٤/ ٤٧٥ - ٤٧٦.

٢٨. «المفهم» ٤/ ٤٧٥ - ٤٧٦.

٢٩. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤.