HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٠٢

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَابْنُ رُمْحٍ. قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وحَدَّثَنِيهِ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْهِجْرَةِ. وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ. فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ (بِعْنِيهِ). فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ. ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدُ. حَتَّى يَسْأَلَهُ (أَعَبْدٌ هُوَ؟).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص55
ج ٣ ص ١٢٢٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٥٢
[٣٣٧] حديث جابر ﵁: (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بِعِنِيهِ؛ فَاشتَرَاهُ بِعَبْدَينِ أَسْوَدَينِ) ، في هذا الحديث: جواز بيع عبد بعبدين. ومن باب ما جاء في الرهون
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٢٥
(٤٤) - (بَابُ جَوَازِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا) [٤١٠٦] (١٦٠٢) - (حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَابْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاء عَبْدٌ، فَبَايَعَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سيده يريده، فقال له النبي -ﷺ-: «بِعْنِيهِ»، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايعْ أَحَدًا بَعْدُ، حَتَّى يَسْأَلَهُ: أعَبْدٌ هُوَ؟). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمْح بن المهاجر التُّجيبيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل بابين. ٤ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم أيضًا قبل بابين. والباقيان تقدّما قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف ﵀، وهو (٢٧٤) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رواية أبي الزبير هنا من رواية الليث بن سعد، وهو لا يروي عنه إلا ما سمعه من جابر -﵁-، كما أن شعبة لا يروي عن أبي إسحاق السبيعيّ، وقتادة، والأعمش إلا ما صرّحوا بسماعه، وكذلك يحيى بن سعيد القطّان لا يروي عن شيوخه إلا ما صرّحوا بسماعه، وإلى هذا أشرت في «الفوائد السميّة» حيث قلت: شُعْبَةُ لَا يَرْوِي عَنِ الْمُدَلِّسِ … إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأْنِسِ لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعْمَشِ أَوْ … قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِي مَا رَوَوْا مُعَنْعَنًا لَا تَخْشَ تَدْلِيسًا فَقَدْ … كَفَاكَهُ هَذَا الإِمَامُ الْمُعْتَمَدْ كَذَلِكَ الْقَطَّانُ لَا يَرْوْي لِمَنْ … دَلَّسَ مَا لَيْسَ سَمَاعًا يُؤْتَمَنْ كَذَاكَ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ اللَّيْثُ إِنْ … رَوَى فَلَا تَدْلِيسَ يُخْشَى يَا فَطِنْ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ مَا … سَمِعَهُ مِنْ جَابرٍ فَاغْتَنِمَا هَذِي فَوَائِدُ عَزِيزَةُ الْمَنَالْ … يَصْبُو لَهَا مَنْ هَمُّهُ ضَبْطُ الْمَالْ ٣ - (ومنها): أن فيه جابرَ بنَ عبد الله -﵄- الصحابيّ ابن الصحابيّ، وهو من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) -﵁- أنه (قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرف هذا العبد، ولا سيّده، ولا العبدين الأسودين. انتهى . (فَبَايَعَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَلَى الْهِجْرَةِ)؛ أي: على أن يهاجر من بلده إلى المدينة (وَلَمْ يَشْعُرْ) بالبناء للفاعل، يقال: شَعَرْتُ بالشيء شُعُورًا، من باب قَعَدَ، وشِعْرًا، وشِعْرَةً بكسرهما: علِمت، قاله الفيّومي . وقال المجد ﵀: شَعَرَ به، كنصر، وكَرُمَ شِعْرًا -بالكسر- وشَعْرًا -بالفتح-، وشُعْرةً- مثلّثةً: عَلِمَ به، وفَطِنَ له، وعَقَلَه. انتهى باختصار . [تنبيه]: فاعل «يشعر» ضمير النبيّ -ﷺ-، كما بيّنته رواية النسائيّ، ولفظها: «ولا يشعر النبيّ -ﷺ- أنه عبد» (أَنَّهُ)؛ أي: أن ذلك العبد المبايَع (عَبْدٌ) إذ لو عَلِمَ لم يبايعه إلا بإذن سيّده (فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ)؛ أي: يريد أخذ ذلك العبد، ويطلب أن يذهب به إلى بلده (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «بِعْنِيهِ») إنما طلب -ﷺ- بيعه له؛ كراهة أن يرُدّ العبد خائبًا عما قصده من الهجرة، وملازمة الصحبة، فاشتراه ليتمّ له ما أراد (فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ) قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: هذا إنما فعله النبيّ -ﷺ- على مقتضى مكارم أخلاقه، ورغبةً في تحصيل ثواب العتق، وكراهية أن يفسخ له عقد الهجرة، فحصل له العتق، وثبت له الولاء، فهذا المُعتَقُ مولى للنبيّ -ﷺ- غير أنه لا يُعرف اسمه. انتهى . وقال النوويّ ﵀: هذا محمول على أن سيّده كان مسلمًا، ولهذا باعه بعبدين أسودين، والظاهر أنهما كانا مسلمين؛ إذ لا يجوز بيع العبد المسلم لكافر، وَيحْتَمِل أنه كان كافرًا، أو أنهما كانا كافرين، ولا بدّ من ثبوت ملكه للعبد الذي بايع على الهجرة، إما ببيّنة، وإما بتصديق العبد قبل إقراره بالحرّيّة. انتهى . وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: لم يرِد في شيء من طرقه أنه -ﷺ- طالب سيّده بإقامة بيّنة، فيحَتْمَل أن يكون النبيّ -ﷺ- علِم صحّة مُلكه له حين عرَف سيّده، ويَحْتَمِل أن يكون اكتَفَى بدعواه، وتصديق العبد له، فإن العبد بالغ عاقل، يُقبَل إقراره على نفسه، ولم يكن للسيّد من يُنازعه، ولا يُستَحلَف السيّد، كما إذا ادّعى اللقطة، وعرَف عفاصها، ووِكاءها، أخذها، ولم يُستَحلَف؛ لعدم المنازع فيها. انتهى . (ثُمَّ لَمْ يُبَايعْ) النبيّ -ﷺ- (أَحَدًا بَعْدُ)؛ أي: بعد مبايعته هذا العبد الذي طلبه سيّده، فاشتراه منه (حَتَّى يَسْأَلَهُ: أَعَبْدٌ هُوَ؟)؛ يعني: أنه لَمّا وقعت له هذه الواقعة أخذ بالحزم، والحذر، فكان يسأل من يرتاب فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ﵀ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف هنا [٤٤/ ٤١٠٦] (١٦٠٢)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٣٥٨)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (١٢٣٩)، و«السير» (١٥٩٦)، و(النسائيّ) في «البيعة» (٧/ ١٥٠) و«البيوع» (٢٩٦) و«الكبرى» (٤/ ٤١ و٤٢٩ و٥/ ٢١٩)، و(ابن ماجه) في «الجهاد» (٢٨٦٩)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٤٠) و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٤٩، ٣٥٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٥٥٠ و٥٠٢٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤١٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٨٦، ٢٨٧) و«المعرفة» (٤/ ٤٠٩ و٧/ ١٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز بيع الحيوان بالحيوان من جنسه متفاضلًا، كعبد بعبدين، سواء كانت القيمة متّفقةً، أو مختلفةً، وهذا مجمع عليه، إذا بيع نقدًا، فإن باع عبدًا بعبدين، أو بعيرًا ببعيرين إلى أجل، فمذهب الجمهور جوازه، وقال أبو حنيفة، والكوفيّون: لا يجوز، وفيه مذاهب لغيرهم، سيأتي تحقيقها، مع أدلّتها في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان حكم بيعة المماليك، وهو لا يجوز إلا أن يأذن له سيّده. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من مكارم الأخلاق، والإحسان العامّ، فإنه كَرِهَ أن يرُدّ العبد خائبًا عما قصده، من الهجرة، ومصاحبته -ﷺ-، فاشتراه ليُتمّ له غرضه. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: فيه دليلٌ على أن الأصل في الناس الحرّيّة، ولذلك لم يسأله النبيّ -ﷺ- إذ حمله على ذلك الأصل، حيث لم يَظهر له ما يُخرجه عن ذلك، ولو لم يكن الأمر كذلك لتعين أن يسأله، وهذا أصل مالك في الباب، فكلُّ من ادّعى مُلك أحد من بني آدم كان مدفوعًا إلى بيان ذلك، لكن إذا ناكره المدّعى رقّه، وادّعَى الحرّيّة، وسواء كان ذلك المدّعى رقّه ممن كثُر ملك نوعه، أو لم يكن، فإن كان في حوز المدّعِي لرقّه كان القول قولَه، إذا كان حَوْزَ رقّ، فإن لم يكن، فالقول قول المدّعَى عليه مع يمينه. انتهى . ٥ - (ومنها): بيان أنه -ﷺ- لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله تعالى، حيث إنه بايع هذا العبد، ولم يعلم بحاله. ٦ - (ومنها): الأخذ بالأحوط؛ لأنه -ﷺ- كان بعد ذلك لا يبايع أحدًا حتى يسأل أهو عبدٌ؟، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا، وكذا نسيئةً: قال الخطّابيّ ﵀: اختلف أهل العلم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً، فكَرِه ذلك عطاء بن أبي رَبَاح، ومنع منه سفيان الثوريّ، وهو مذهب أصحاب الرأي، ومنع منه أحمد، واحتجّ بحديث سمرة، وقال مالك: إذا اختلفت أجناسها جاز بيعها نسيئة، وإن تشابهت لم يَجُز، وجوّز الشافعيّ بيعها نسيئةً، كانت جنسًا واحدًا، أو أجناسًا مختلفةً، إذا كان أحد الحيوانين نقدًا. انتهى كلام الخطّابيّ ﵀ . وقال الإمام البخاريُّ ﵀ في «صحيحه»: «باب بيع العبيد، والحيوان بالحيوان نسيئة»، واشتَرَى ابن عمر راحلةً بأربعة أبعرة، مضمونة عليه، يُوفيها صاحِبَهَا بالرَّبَذَة، وقال ابن عباس: قد يكون البعير خيرًا من البعيرين، واشترى رافع بن خَدِيج بعيرًا ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غدًا، رَهْوًا، إن شاء الله، وقال ابن المسيِّب: لا ربا في الحيوان، البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل، وقال ابن سيرين: لا بأس بعير ببعيرين نسيئة. ثم أخرج بسنده عن أنس -﵁-، قال: «كان في السبي صفية، فصارت إلى دحية الكلبيّ، ثم صارت إلى النبيّ -ﷺ-». انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «باب بيع العبد، والحيوان بالحيوان نسيئة»: التقدير: بيع العبد بالعبد نسيئة، والحيوان بالحيوان نسيئة، وهو من عطف العام على الخاص، وكانه أراد بالعبد جنس من يُستعبد، فيدخل فيه الذكر والأنثى، ولذلك ذكر قصة صفية، أو أشار إلى إلحاق حكم الذَّكر بحكم الأنثى في ذلك؛ لعدم الفرق. قال ابن بطال ﵀: اختلفوا في ذلك، فذهب الجمهور إلى الجواز، لكن شَرَط مالك أن يختلف الجنس، ومنع الكوفيون، وأحمد مطلقًا؛ لحديث سمرة المخرَّج في «السنن»، ورجاله ثقات، إلا أنه اختُلِف في سماع الحسن من سمرة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث سمرة -﵁- المذكور ضعيف، وقد حقّقت ذلك بأدلته في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد . قال: وفي الباب: عن ابن عباس -﵄-، عند البزار، والطحاويّ، ورجاله ثقات أيضًا، إلا أنه اختُلف في وصله وإرساله، فرجّح البخاريُّ، وغير واحد إرساله، وعن جابر -﵁- عند الترمذيّ وغيره، وإسناده ليّن، وعن جابر بن سمرة -﵁- عند عبد الله بن أحمد في زيادات «المسند»، وعن ابن عمر عند الطحاويّ، والطبرانيّ. واحتُجّ للجمهور بحديث عبد الله بن عمرو: «أن النبي -ﷺ-، أمره أن يُجَهّز جيشًا، وفيه: فابتاع البعير بالبعيرين، بأمر رسول الله -ﷺ-»، أخرجه الدارقطنيّ وغيره، وإسناده قويّ، واحتَجّ البخاري هنا بقصة صفية، واستشهد بآثار الصحابة -﵃-. وقوله: «واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة» الحديث وصله مالك، والشافعيّ عنه، عن نافع، عن ابن عمر بهذا، ورواه ابن أبي شيبة من طريق أبي بشر، عن نافع: أن ابن عمر اشترى ناقة، بأربعة أبعرة بالرَّبَذَة، فقال لصاحب الناقة: اذهب، فانظر، فإن رضيت فقد وجب البيع. وقوله: «راحلة»؛ أي: ما أمكن ركوبه من الإبل، ذكرًا أو أنثى، وقوله: «مضمونة» صفة «راحلة»؛ أي: تكون في ضمان البائع حتى يوفيها؛ أي: يسلمها للمشتري، والربذة -بفتح الراء، والموحدة، والمعجمة-: مكان معروف بين مكة والمدينة. وقوله: وقال ابن عباس: «قد يكون البعير خيرًا من البعيرين»: وصله الشافعيّ، من طريق طاوس: أن ابن عباس سئل عن بعير ببعيرين؟ فقاله. قوله: «واشترى رافع بن خديج بعيرًا ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غدًا، رَهْوًا، إن شاء الله»: وصله عبد الرزاق، من طريق مُطَرّف بن عبد الله عنه. وقوله: «رَهْوًا» بفتح الراء، وسكون الهاء -أي: سهلًا-، والرهو السير السهل، والمراد به هنا أن يأتيه به سريعًا، من غير مَطْلٍ. وقوله: «وقال ابن المسيِّب: لا ربا في الحيوان: البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين، إلى أجل»: أما قول سعيد: فوصله مالك، عن ابن شهاب عنه، لا ربا في الحيوان، ووصله ابن أبي شيبة، من طريق أخرى، عن الزهري عنه: لا بأس بالبعير بالبعيرين نسيئة. وقوله: «وقال ابن سيرين: لا بأس ببعير ببعيرين، ودرهم بدرهم نسيئة»: وصله عبد الرزاق، من طريق أيوب عنه، بلفظ: «لا بأس بعير ببعيرين، ودرهم بدرهم نسيئة، فإن كان أحد البعيرين نسيئة، فهو مكروه»، وروى سعيد بن منصور، من طريق يونس عنه، أنه كان لا يرى بأسًا بالحيوان بالحيوان يدًا بيد، أو الدراهم نسيئةً، ويكره أن تكون الدراهم نقدًا، والحيوان نسيئة. انتهى . وقال الإمام ابن القيّم ﵀ في «تهذيب السنن» (٥/ ٢٩): اختَلَفَ أهلُ العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال، وهي أربع روايات عن أحمد: [إحداها]: أن ما سوى المكيل والموزون من الحيوان، والنبات، ونحوه يجوز سع بعضه ببعض متفاضلًا ومتساويًا، وحالًّا، ونَساء، وأنه لا يجري فيه الربا بحال، وهذا مذهب الشافعيّ، وأحمد في إحدى رواياته، واختارها القاضي، وأصحابه، وصاحب «المغني». [والرواية الثانية عن أحمد]: أنه يجوز التفاضل فيه يدًا بيد، ولا يجوز نسيئةً، وهي مذهب أبي حنيفة، كما دلّ عليه حديثا جابر، وابن عمر -﵃-. [والرواية الثالثة عنه]: أنه يجوز فيه النَّساء إذا كان متماثلًا، ويحرم مع التفاضل، وعلى هاتين الروايتين، فلا يجوز الجمع بين النسيئة والتفاضل، بل إن وُجد أحدهما حرم الآخر، وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وهو قول مالك، فيجوز عبد بعبدين حالًّا، وعبد بعبد نَساءً، إلا أن لمالك فيه تفصيلًا، والذي عقد عليه أصل قوله: أنه لا يجوز التفاضل والنَّساء معًا في جنس من الأجناس، والجنس عنده معتبر باتفاق الأغراض والمنافع، فيجوز بيع البعير البختيّ بالبعيرين من الحَمولة، ومن حاشية إبله إلى أجل؛ لاختلاف المنافع، وإن أشبه بعضها بعضًا، اختلفت أجناسها، أو لم تختلف، فلا يجوز منها اثنان بواحد إلى أجل. فسِرُّ مذهبه أنه لا يجتمع التفاضل والنَّساء في الجنس الواحد عنده، والجنس ما اتفقت منافعه، وأشبه بعضه بعضًا، وإن اختلفت حقيقته، فهذا تحقيق مذاهب الأئمة في هذه المسألة المعضلة، ومآخذهم. وحديث عبد الله بن عمرو -﵄- صريح في جواز المفاضلة والنَّساء، وهو حديث حسن، قال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: أبو سفيان الذي روى عنه محمد بن إسحاق -يعني هذا الحديث- ما حاله؟ قال: مشهور ثقة، قلت: عن مسلم بن كثير، عن عمرو بن حُريش الزبيديّ؟ قال: هو حديث مشهور، ولكن مالك يحمله على اختلاف المنافع والأغراض، فإن الذي كان يأخذه إنما هو للجهاد، والذي جعله عِوَضه هو من إبل الصدقة، قد يكون من بني المخاض، ومن حواشي الإبل، ونحوها. وأما الإمام أحمد ﵀ فإنه كان يُعلّل أحاديث المنع كلّها، قال: ليس فيها حديث يُعتمد عليه، ويُعجبني أن يتوقّاه، وذُكر له حديث ابن عباس، وابن عمر -﵃-، فقال: هما مرسلان، وحديث سمرة عن الحسن، قال الأثرم: قال أبو عبد الله: لا يصحّ سماع الحسن من سمرة. وأما حديث جابر -﵁-، من رواية حجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير، عنه، فقال الإمام أحمد: هذا حجاج زاد فيه: «نَساء»، والليث بن سعد سمعه من أبي الزبير، لا يذكر فيه: «نَساء» وهذه ليست بعلّة في الحقيقة، فإن قوله: «ولا بأس به يدًا بيد» يدلّ على أن قوله: «لا يصلح»؛ يعني: نَساء، فذكرُ هذه اللفظة زيادة إيضاح، لو سكت عنها لكانت مفهومة من الحديث، ولكنه معلّل بالحَجّاج، فقد أكثر الناس الكلام فيه، وبالغ الدارقطنيّ في «السنن» في تضعيفه، وتوهينه. وقد قال أبو داود: إذا اختلفت الأحاديث عن النبيّ -ﷺ- نظرنا إلى ما عَمِل به أصحابه من بعده. وقد ذكرنا الآثار عن الصحابة بجواز ذلك متفاضلًا ونسيئةً. وهذا كله مع اتحاد الجنس، وأما إذا اختلف الجنس، كالعبيد بالثياب، والشاء بالإبل، فإنه يجوز عند جمهور الأمة التفاضل فيه والنَّساء، إلا ما حُكي رواية عن أحمد: أنه لا يجوز بيعه متفاضلًا يدًا بيد، ولا يجوز نَساءً، وحَكَى هذا أصحابنا عن أحمد رواية رابعةً في المسألة، واحتجّوا لها بظاهر حديث جابر -﵁-: «الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نسيئةً، ولا بأس به يدًا بيد»، ولم يخصّ به الجنس المتّحد، وكما يجوز التفاضل في المكيل المختلف الجنس، دون النَّساء، فكذلك الحيوان وغيره، إذا قيل. إنه ربويّ، وهذه الرواية في غاية الضعف؛ لمخالفتها النصوص، وقياس الحيوان على المكيل فاسد؛ إذ في محلّ الحكم في الأصل أوصاف معتبرة، غير موجودة في الفرع، وهي مؤثّرةٌ في التحريم. وحديث جابر -﵁- لو صحّ، فإنما المراد به مع اتحاد الجنس، دون اختلافه، كما هو مذكورٌ في حديث ابن عمر - ﵄-. فهذه نُكَت في هذه المسألة المعضلة، لا تكاد توجد مجموعةً في كتاب، وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو المذهب الأول الذي قال به الشافعيّ، وأحمد في رواية، وهو جواز بيع الحيوان بعضه ببعض، متفاضلًا، ونَساءً؛ لصحة الأحاديث بذلك، كما أوضحت ذلك في «شرح النسائيّ»، ولصحة الآثار عن الصحابة -﵃-، كما أشار إليه البخاريّ ﵀ في كلامه المتقدّم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٥) - (بَابُ جَوَازِ الرَّهْنِ في الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ) «الرهن» -بفتح أوله وسكون الهاء- في اللغة: الاحتباس، من قولهم: رَهَنَ الشيءُ من باب قعد: إذا دام، وثبت، ومنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ الآية [المدثر: ٣٨]. وفي الشرع: جعلُ مال وثيقةً على دَين، ويُطْلَق أيضًا على العين المرهونة؛ تسميةً للمفعول باسم المصدر، وأما الرُّهُن بضمتين، فجمع رَهن، كفلس وفُلُوس، ويُجْمَع أيضًا على رِهان بكسر الراء، ككتب وكتاب، وقُرئ بهما، أفاده في «الفتح» . وقال ابن قُدامة ﵀ في «المغني»: «الرهن» في اللغة: الثبوت والدوام، يقال: ماءٌ راهن؛ أي: راكد، ونعمة راهنة؛ أي: ثابتة دائمة، وقيل: هو من الحبس، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، وقال الشاعر [من البسيط]: وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ … يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا شَبَّه لزوم قلبه لها، واحتباسه عندها لشدة وجْده بها، بالرهن الذي يلزمه المرتهن، فيُبقيه عنده، ولا يفارقه، وغَلَقُ الرهن: استحقاق المرتهن إياه؛ لعجز الراهن عن فكاكه. والرهن في الشرع: المال الذي يُجعَل وثيقة بالدَّين؛ ليُستَوفَى من ثمنه، إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه، وهو جائز بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع: أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وتُقرأ «فَرُهُن» والرِّهَان جمع رَهْن، والرُّهُن جمع الجمع، قاله الفراء، وقال الزجاج: يَحْتَمِل أن يكون جمع رَهْن، مثل سَقْف وسُقُف. وأما السُّنَّة: فروت عائشة -﵄-: «أن رسول الله -ﷺ-، اشترى من يهودي طعامًا، ورهنه درعه» متفق عليه، ورَوَى أبو هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الظهر يُركب بنفقته، إذا كان مرهونًا، ولبن الدرّ يُشْرَب بنفقته، إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب، ويشرب: النفقة»، رواه البخاريّ، وعن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا يَغلَقُ الرهنُ» . وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ .
مصادر المؤلف (١٤)

١. «تنبيه المعلم» ص ٢٦٩.

٢. «المصباح المنير» ١/ ٣١٥.

٣. راجع: «القاموس المحيط» ص ٦٨٩ - ٦٩٠.

٤. «المفهم» ٤/ ٥١١.

٥. «شرح النوويّ» ١١/ ٣٩.

٦. «المفهم» ٤/ ٥١١.

٧. «المفهم» ٤/ ٥١١.

٨. «معالم السنن» ٥/ ٢٩.

٩. راجع: «ذخيرة العقبى» ٣٥/ ١١١ - ١١٢.

١٠. «الفتح» ٥/ ٧٠٨ - ٧٠٩، كتاب «البيوع» رقم (٢٢٢٨).

١١. «تهذيب السنن» ٥/ ٣٠ - ٣١.

١٢. «الفتح» ٦/ ٣٢٥.

١٣. رواه ابن ماجه في «سننه» ٢/ ٨١٦، وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده محمد بن حُميد الرازيّ، ضعّفه الجمهور، وشيخه سيئ الحفظ.

١٤. «المغني» ٦/ ٤٤٣ - ٤٤٤.