HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٠٣

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الْآخَرَانِ: حدثنا أبو معاوية) عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عَائِشَةَ. قَالَتْ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ. فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ. رَهْنًا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص55
ج ٣ ص ١٢٢٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٥٢
[٣٣٨] حديث عائشة ﵂: (اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ) ، هذا الحديث يدل على جواز الرهن، قال الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، واختلفوا في الانتفاع بالرهن ، فقال الشافعي ﵀: يجوز للراهن أن ينتفع بالرهن ، وحجته ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: (الظَّهرُ يُرْكَبُ إِذَا كَانَ مَرهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشرَبُ إِذَا كَانَ مَرَهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَركَبُ وَيَشْرَبُ نَفَقَتُهُ) . وقال أهل الكوفة : لا ينتفع من الرهن بشيء، وإنه إذا تلف أو ضاع من غير تضييع، فإن كان مثل الحق أو أكثر منه فهو بما فيه، وإن كان أنقص؛ رد الراهن تمام الحق على المرتهن، وقال الشافعي: المرتهن مؤتمن؛ ولا ضمان عليه إلا أن يتعدى . ومن باب ما ورد في السلم
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٣٥
[٤١٠٧] (١٦٠٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ -وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ- عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ رَهْنًا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو مُعَاويَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل بابين. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (الأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مخضرم، ثقةٌ فقيه مكثر [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٤. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت قريبًا. والباقيان ذُكِرا في الباب الماضيين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، من شيخه محمد بن العلاء إلى آخره. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، من شيخه المذكور. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين الكوفيين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وأن الأسود خال لإبراهيم، فإن أمه هي مُليكة بنت يزيد أخت الأسود المذكور، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعيّ، وفي رواية للبخاريّ من طريق عبد الواحد عن الأعمش، قال: «ذكرنا عند إبراهيم الرَّهْن في السلم، فقال: حدّثني الأسود، عن عائشة -﵂-»، فذكره (عَنِ الْأَسْوَدِ) بن يزيد النخعيّ (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂-، أنها (قَالَت: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِنْ يَهُودِيٍّ) هذا اليهوديّ: هو أبو الشَّحْم، بَيّنه الشافعيّ، ثم البيهقيّ، من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه: «أن النبيّ -ﷺ-، رَهَنَ درعًا له، عند أبي الشحم اليهوديّ، رجل من بني ظَفَر في شعير». انتهى. و«أبو الشَّحْم» -بفتح المعجمة وسكون المهملة-: اسمه كنيته، و«ظَفَر» -بفتح الظاء والفاء- بطن من الأوس، وكان حليفًا لهم، وضبطه بعض المتأخرين بهمزة ممدودة، وموحّدة مكسورة، اسم فاعل من الإباء، وكأنه التبس عليه بـ «أبي اللحم» الصحابيّ المشهور. (طَعَامًا) المراد به هنا الشعير؛ لِمَا يأتي في رواية البخاريّ، من حديث أنس -﵁-: «ولقد رَهَنَ درعًا له، عند يهوديّ بالمدينة، وأخذ منه شعيرًا لأهله». وكان قدر الشعير المذكور ثلاثين صاعًا، كما هو عند البخاريّ من حديث عائشة -﵂- في «الجهاد»، وأواخر «المغازي»، وكذلك رواه أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، والطبرانيّ وغيرهم من طريق عكرمة، عن ابن عباس -﵄-، وأخرجه الترمذيّ، من هذا الوجه، فقال: «بعشرين». قال الحافظ ﵀: ولعلّه كان دون الثلاثين، فَجُبِر الكسر تارة، وأُلغي أخرى، ووقع لابن حبان من طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس -﵁-: أن قيمة الطعام كانت دينارًا، وزاد أحمد من طريق شيبان في آخره: «فما وَجَد ما يفتكّها به حتى مات». (بِنَسِيئَةٍ) وفي الرواية الآتية: «إلى أجل»، وقد تبيّن مدة الأجل عند ابن حبّان في «صحيحه» من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش: أنه سنة (فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ رَهْنًا) وفي الرواية التالية: «ورهنه درعًا له من حديد». وهو بكسر الدال المهملة، وسكون الراء، قال صاحب «التنبيه»: هي ذات الفضول ، قاله غير واحد. انتهى . وقال الفيّوميّ: دِرْعُ الحديد مؤنّثة في الأكثر، وتُصغّر على دُريع، بغير هاء على غير قياس، وجاز أن يكون التصغير على لغة من ذكّر، وربّما قيل: دُريعةٌ بالهاء، وجمعها أدرُع، ودُرُوعٌ، وأَدْراعٌ، قال ابن الأثير: وهي الزَّرَدِيَّةُ. انتهى . قال في «الفتح»: واستُدِلّ به على جواز بيع السلاح من الكافر، ووقع عند البخاريّ في أواخر «المغازي» من طريق الثوريّ، عن الأعمش، بلفظ: «تُوفّي رسول الله -ﷺ-، ودرعه مرهونة عند يهوديّ بثلاثين صاعًا من شعير»، وفي حديث أنس، عند أحمد: «فما وجد ما يَفتَكُّها به». وفيه دليل على أن المراد بقوله -ﷺ-، في حديث أبي هريرة -﵁-: «نَفْس المؤمن مُعَلَّقة بدَينه، حتى يُقضَى عنه»، وهو حديث صححه ابن حبان وغيره، محله في غير نَفْس الأنبياء، فإنها لا تكون معلقة بدَين، فهي خصوصية، أو لمن لم يَترك عند صاحب الدَّين ما يحصل له به الوفاء، واليه جنح الماورديّ. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن محمل حديث أبي هريرة -﵁- المذكور: «نفس المؤمن معلّقة إلخ …» أن يكون متساهلًا في الدَّين، بأن كان غير عازم على أدائه، أو ماطل صاحبه مع قدرته على الوفاء، والحجة في ذلك حديث الباب، وهو أصحّ منه، ودعوى الخصوصيّة غير مقبولة؛ لأنها لا تثبت بدليل. وأصرح من هذا ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أَدَّى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله»، فهذا نصّ صريح في أن من كانت نيّته صالحة في أداء دَينه، فإن الله ﷿ يؤدّي عنه إن مات قبل الأداء، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. قال: وذكر ابن الطلاع في «الأقضية النبوية»: أن أبا بكر افْتَكّ الدرع بعد النبيّ -ﷺ-، لكن رَوَى ابن سعد عن جابر -﵁- أن أبا بكر -﵁- قضى عِدَات النبيّ -ﷺ-، وأن عليًّا قَضَى ديونه، ورَوَى إسحاق بن راهويه في «مسنده» عن الشعبيّ، مرسلًا أن أبا بكر افْتَكّ الدرع، وسلّمها لعليّ بن أبي طالب. وأما من أجاب بأنه -ﷺ- افتكها قبل موته، فمعارَض بحديث عائشة -﵂- المذكور، أفاده في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ٤١٠٧ و٤١٠٨ و٤١٠٩ و٤١١٠] (١٦٠٣)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢٠٦٨ و٢٠٩٦ و٢٢٠٠) و«السلم» (٢٢٥١ و٢٢٥٢) و«الاستقراض» (٢٣٨٦) و«الرهن» (٢٥٠٩ و٢٥١٣) و«المغازي» (٢٤٦٧) و«الجهاد» (٢٩١٦)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٨٨) و«الكبرى» (٦٢٠٢ و٦٢٤٦)، و(ابن ماجه) في «الرهون» (٢٤٣٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٤٠٩٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ١٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٢ و١٦٠ و٢٣٠)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٣/ ٨٤٥ و٨٤٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٩٣٦ و٥٩٣٨)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٦٦٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٠٧) و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٩) و«الصغرى» (٥/ ٢٦٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢١٢٩ و٢١٣٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الرهن عند الشراء إلى أجل، قال القرطبيّ ﵀: فيه من الفقه جواز أخذ الدَّين عند الحاجة، وجواز الاستيثاق بالرهن، والكفالة في الدَّين والسَّلَم، وقد مَنَعَ الرهن في السلم زُفرُ، والأوزاعيّ، وحديث عائشة -﵂- هذا حجة عليهم؛ إذ لا فرق بين الدين والسَّلم، وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]. انتهى . ٢ - (ومنها): جواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمّة. ٣ - (ومنها): جواز الرهن في الحضر، وبه قال الشافعيّ، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والعلماء كافّة، إلا مجاهدًا، وداود، فقالا: لا يجوز إلا في السفر؛ تعلُّقًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، واحتَجَّ الجمهور بهذا الحديث، وهو مقدَّم على دليل خطاب الآية، قاله النوويّ ﵀ ، وسيأتي تمام البحث في هذا مستوفًى في المسألة السابعة -إن شاء الله تعالى-. ٤ - (ومنها): جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامَل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم، ومعاملاتهم فيما بينهم، قاله في «الفتح» . وقال القرطبيّ ﵀: فيه دليلٌ على جواز معاملة أهل الذمّة مع العلم بأنهم يبيعون الخمر، ويأكلون الربا؛ لأنا قد أقررناهم على ما بأيديهم من ذلك، وكذلك لو أسلموا لطاب لهم ذلك، وليس كذلك المسلم الذي يعمل بشيء من ذلك، لا يُقرّ على ذلك، ولا يُترك بيده، ولا يجوز أن يعامَل من كان كسبه من ذلك، وإذا تاب تصدّق بما بيده منه. وأما أهل الحرب، فيجوز أن يُعامَلوا، ويُشترى منهم كلّ ما يجوز لنا شراؤه، وتملّكه، ويباع لهم كلّ شيء من العروض، والحيوان، ما لم يكن ذلك مُضرًّا بالمسلمين، مما يحتاجون إليه، وما خلا آلة الحرب، وعُدّته، وما يُخاف أن يَتقَوّوا به على المسلمين، فلا يُباع منهم شيء منه، ولا يُباع منهم، ولا من أهل الذّمّة مسلم، ولا مصحف، وقال ابن حبيب: لا يُباع من أهل الحرب الحرير، ولا الكتّان، ولا البُسُط؛ لأنهم يتجمّلون بذلك في حروبهم، ولا الطعام، لعلهم أن يضعفوا. انتهى . وقال النوويّ ﵀: وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذمّة وغيرهم من الكفار إذا لم يُتَحَقَّق تحريم ما معه، لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب سلاحًا، وآلة حرب، ولا ما يستعينون به في إقامة دِينهم، ولا بيع مصحف، ولا العبد المسلم لكافر مطلقًا، والله أعلم. انتهى . ٥ - (ومنها): أنه استُنبِط منه جواز معاملة من أكثر ماله حرام. ٦ - (ومنها): جواز بيع السلاح، ورهنه، وإجارته، وغير ذلك من الكافر، ما لم يكن حربيًّا. ٧ - (ومنها): ثبوت أملاك أهل الذمّة في أيديهم. ٨ - (ومنها): جواز الشراء بالثمن المؤجل. ٩ - (ومنها): اتخاذ الدروع والْعُدَد، وغيرها من آلات الحرب، وأنه غير قادح في التوكل. ١٠ - (ومنها): أن قنية آلة الحرب لا تدل على تحبيسها قاله ابن المنير. ١١ - (ومنها): أن أكثر قوت ذلك العصر الشعير، قاله الداوديّ. ١٢ - (ومنها): أن القول قول المرتهن في قيمة المرهون مع يمينه، حكاه ابن التين. ١٣ - (ومنها): أن فيه بيانَ ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من التواضع، والزهد في الدنيا، والتقلل منها، مع قدرته عليها، والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادّخار، حتى احتاج إلى رهن درعه، والصبر على ضيق العيش، والقناعة باليسير. ١٤ - (ومنها): أنه فيه فضيلةَ أزواجه -ﷺ- لصبرهنّ معه على ذلك رضي الله تعالى عن جميعهنّ. [فائدة]: قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: الحكمة في عدوله -ﷺ- عن معاملة مياسير الصحابة، إلى معاملة اليهود، إما لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجة غيرهم، أو خَشِي أنهم لا يأخذون منه ثمنًا، أو عِوَضًا، فلم يُرِد التضييق عليهم؛ فإنه لا يبعد أن يكون فيهم إذ ذاك من يقدر على ذلك، وأكثر منه، فلعله -ﷺ- لم يُطلِعهم على ذلك، وإنما أطلع عليه من لم يكن موسرًا به ممن نقل ذلك، والله تعالى أعلم، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم في حكم الرهن: قال ابن قُدامة ﵀: الرهن غير واجب، لا نعلم فيه مخالفًا؛ لأنه وثيقة بالدَّين، فلم يجب، كالضمان، والكفالة، وقول الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] إرشاد لنا، لا إيجاب علينا، بدليل قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولأنه أمر به عند إعواز الكتابة، والكتابة غير واجبة، فكذلك بدلها. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀، وهو تحقيق حسن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في أحوال الرهن: قال ابن قُدامة ﵀ أيضًا: ولا يخلو الرهن من ثلاثة أحوال: [أحدها]: أن يقع بعد الحقّ، فيصح بالإجماع؛ لأنه دَين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها به، كالضمان، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فجعله بدلًا عن الكتابة، فيكون في محلها، ومحلها بعد وجوب الحقّ، وفي الآية ما يدل على ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فجعله جزاء للمداينة، مذكورًا بعدها بفاء التعقيب. [الحال الثاني]: أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدَّين، فيقول: بعتك ثوبي هذا بعشرة إلى شهر، ترهُنُني بها عبدك سعدًا، فيقول: قبلت ذلك، فيصح أيضًا، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي؛ لأن الحاجة داعية إلى ثبوته، فإنه لو لم يعقده مع ثيوت الحق، وَيشْتَرِطْ فيه لم يتمكن من إلزام المشتري عقده، وكانت الخيرة إلى المشتري، والظاهر أنه لا يبذله، فتفوت الوثيقة بالحق. [الحال الثالث]: أن يرهنه قبل الحقّ، فيقول: رهنتك عبدي هذا بعشرة تقرضنيها، فلا يصح في ظاهر المذهب، وهو اختيار أبي بكر، والقاضي، وذكر القاضي أن أحمد نصّ عليه في رواية ابن منصور، وهو مذهب الشافعيّ، واختار أبو الخطاب أنه يصح، فمتى قال: رهنتك ثوبي هذا بعشرة، تقرضنيها غدًا، وسلّمه إليه، ثم أقرضه الدراهم، لزم الرهن، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة؛ لأنه وثيقة بحقّ، فجاز عقدها قبل وجوبه، كالضمان، أو فجاز انعقادها على شيء، يحدث في المستقبل، كضمان الدِّرَك. قال: ولنا أنه وثيقة لحق لا يلزم قبله، فلم تصح قبله، كالشهادة، ولأن الرهن تابع للحق، فلا يسبقه كالشهادة، والثمن لا يتقدم البيع، وأما الضمان فيحتمل أن يمنع صحته، وإن سلّمنا فالفرق بينهما أن الضمان التزام مال، تبرعًا بالقول، فجاز من غير حق ثابت، كالنذر، بخلاف الرهن. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في الرهن في الحضر: ذهب الجمهور إلى مشروعيته في الحضر؛ لحديث الباب، واحتجوا له أيضًا من حيث المعنى، بأن الرهن شُرع توثقة على الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فإنه يشير إلى أن المراد بالرهن الاستيثاق، وإنما قيَّده بالسفر؛ لأنه مظنة فَقْد الكاتب، فأخرجه مخرج الغالب. وخالف في ذلك مجاهد، والضحاك، فيما نقله الطبريّ عنهما، فقالا: لا يُشرع إلا في السفر، حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظاهر، وقال ابن حزم: إن شَرَط المرتهن الرهن في الحضر، لم يكن له ذلك، وإن تبرع به الراهن جاز، وحُمل حديث الباب على ذلك. قاله في «الفتح» . وقال ابن قُدامة ﵀: ويجوز الرهن في الحضر، كما يجوز في السفر، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا خالف في ذلك، إلا مجاهدًا، قال: ليس الرهن إلا في السفر؛ لأن الله تعالى شرط السفر في الرهن بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. واحتَجّ الجمهور بأن النبيّ -ﷺ-، اشترى من يهودي طعامًا، ورهَنه درعه، وكانا بالمدينة، ولأنها وثيقة تجوز في السفر، فجازت في الحضر، كالضمان، فأما ذِكْر السفر، فإنه خرج مخرج الغالب؛ لكون الكاتب يُعدم في السفر غالبًا، ولهذا لم يُشترط عَدَمُ الكاتب، وهو مذكور معه أيضًا. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من مشروعيّة الرهن في الحضر، كما هو مشروع في السفر بلا خلاف؛ لقوّة أدلّتهم على ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٤١٠٨] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (مِنْ يَهُودِيٍّ) تقدّم أنه أبو الشحم من بني ظَفَر. وقوله: (طَعَامًا) تقدّم أنه كان شعيرًا، ثلاثون صاعًا. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٠٩] (…) - (حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا عبد الوَاحِدِ بْنُ زَيادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: ذَكَرْنَا الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْمَخْزُومِيُّ) هو: المغيرة بن سلمة، أبو هشام البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٢ - (عبدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِلَى أَجَلٍ) قد بيّن ابن حبّان في «صحيحه» من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش أن الأجل سنة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١١٠] (…) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَني الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «مِنْ حَدِيدٍ»). [تنبيه]: رواية حفص بن غياث، عن الأعمش هذه ساقها ابن ماجه في «سننه» بسند المصنّف (٢/ ٨١٥) فقال: (٢٤٣٦) حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، حدّثني الأسود، عن عائشة، أن النبيّ -ﷺ- اشتَرَى من يهوديّ طعامًا إلى أجل، ورهَنه درعه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٦) - (بَابُ السَّلَمِ) «السَّلَم» -بفتحتين-: كالسَّلَف وزنًا ومعنًى، وذكر الماوردي: أن السلف لغةُ أهل العراق، والسَّلَم لغة أهل الحجاز. وقيل: السلف تقديم رأس المال، والسلم تسليمه في المجلس، فالسلف أعم. والسلم شرعًا: بيع موصوف في الذمة، ومن قيّده بلفظ «السلم» زاده في الحدّ، ومن زاد فيه: «ببدل يُعطَى عاجلًا» فيه نظر؛ لأنه ليس داخلًا في حقيقته. واتفق العلماء على مشروعيته، إلا ما حُكي عن ابن المسيِّب، واختلفوا في بعض شروطه، واتفقوا على أنه يُشترط له ما يشترط للبيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس، واختلفوا هل هو عقد غرر، جُوّز للحاجة، أم لا؟، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ ﵀: قال أهل اللغة: يقال: السَّلَم والسَّلَف، وأسلم، وسَلَّم، وأسلف، وسَلَّف، ويكون السلف أيضًا قرضًا، ويقال: استَسْلَف، قال أصحابنا: وَيشَتَرِك السلم والقرض في أن كلًّا منهما إثبات مال في الذمة بمبذول في الحال، وذَكَروا في حدّ السلم عباراتٍ، أحسنُها أنه عقدٌ على موصوف في الذمة ببذل يُعْطَى عاجلًا، سُمِّي سَلَمًا؛ لتسليم رأس المال في المجلس، وسُمِّي سَلَفًا؛ لتقديم رأس المال، وأجمع المسلمون على جواز السلم. انتهى . وقال ابن قُدامة ﵀: «السلم»: هو أن يُسلم عِوَضًا حاضرًا، في عِوَض موصوف في الذمة، إلى أجل، ويُسَمَّى سَلَمًا، وسَلَفًا، يقال: أسلم، وأسلف، وسَلَّفَ، وهو نوع من البيع، ينعقد بما ينعقد به البيع، وبلفظ السلم، والسلف، ويُعتبر فيه من الشروط ما يعتبر في البيع، وهو جائز بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع: أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، ورَوَى سعيد بإسناده، عن ابن عباس -﵄- أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى، قد أحله الله في كتابه، وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية، ولأن هذا اللفظ يَصلح للسلم، ويشمله بعمومه. وأما السُّنَّة: فرَوَى ابنُ عباس -﵄-، عن رسول الله -ﷺ-، أنهم قَدِمُوا المدينة، وهم يُسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال: «من أسلف في شيء، فليُسلِف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم»، مُتّفق عليه، وروى البخاريّ عن محمد بن أبي المجالد، قال: أرسلني أبو بردة، وعبد الله بن شداد، إلى عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى، فسألتهما عن السلف، فقالا: كنا نُصيب المغانم مع رسول الله -ﷺ-، فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة، والشعير، والزبيب، فقلت: أكان لهم زرع، أم لم يكن لهم زرع؟، قال: ما كنا نسألهم عن ذلك. وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع كُلُّ من نَحفظ عنه من أهل العلم، على أن السلم جائز، ولأن الْمُثْمَنَ في البيع أحد عوضي العقد، فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن، ولأن بالناس حاجة إليه؛ لأن أرباب الزروع، والثمار، والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم، وعليها؛ لِتَكْمل، وقد تُعوزهم النفقة، فجُوّز لهم السلم؛ ليرتفقوا، وَيرتفق الْمُسلِم بالاسترخاص. انتهى . وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: السلم، والسلف عبارتان عن مُعَبَّر واحد، غير أن الاسم الخاصّ بهذا الباب: السلم؛ لأن السلف يُقال على القرض، والسلم في عرف الشرع: بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، غير أنه مختصّ بشروط، منها متّفقٌ عليها، ومنها مختلف فيها، وقد حدّه أصحابنا -يعني: المالكيّة- بأن قالوا: هو بيع معلوم في الذّمّة، محصور بالصفة، بعين حاضرة، أو ما في حكمها، إلى أجل معلوم. فتقييده بـ «معلوم في الذّمّة»: يفيد التحرّز من المجهول، ومن السَّلَم في الأعيان المعيّنة، مثل الذي كانوا يُسلفون في المدينة حين قدِم عليهم النبيّ -ﷺ-، فإفهم كانوا يُسلفون في ثمار بأعيانها، فنهاهم النبيّ -ﷺ- عن ذلك؛ لما فيه من الغرر؛ إذ قد تُخلف تلك النخيل، فلا تُثمر شيئًا. وقولنا: «محصور بالصفة»: تحرّز عن المعلوم على الجملة، دون
مصادر المؤلف (١٦)

١. اسم لدرع النبيّ -ﷺ-.

٢. «تنبيه المعلم» ص ٢٦٩.

٣. «المصباح المنير» ١/ ١٩٢.

٤. «الفتح» ٦/ ٣٢٨ - ٣٢٩.

٥. «المفهم» ٤/ ٥١٨.

٦. «شرح النوويّ» ١١/ ٤٠.

٧. «الفتح» ٦/ ٣٢٧.

٨. «المفهم» ٤/ ٥١٨.

٩. «شرح النوويّ» ١١/ ٤٠.

١٠. «الفتح» ٦/ ٣٢٨.

١١. «المغني» ٦/ ٤٤٤ - ٤٤٥.

١٢. «الفتح» ٦/ ٣٢٥.

١٣. «المغني» ٦/ ٤٤٤.

١٤. «الفتح» ٦/ ٥.

١٥. «شرح النوويّ» ١١/ ٤١.

١٦. «المغني» ٦/ ٣٨٤.