HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٠٥

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. ح حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ) عَنْ يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ) قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ مَعْمَرًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ). فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعْمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الحديث كان يحتكر.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص56
ج ٣ ص ١٢٢٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٧٠
محمد بن صالح بن هانئ، ثنا السريّ بن خزيمة، ثنا أبو نعيم، قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قَدِمَ رسول الله -ﷺ- المدينةَ، وهم يُسلِفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله -ﷺ-: «أَسلِفوا في الثمار، في كيل معلوم، إلى أجل معلوم»، لفظ حديث أبي نعيم، وحديث الفِرْيابيّ مثله، إلا أنه قال: «في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (٤٧) - (بَابُ تَحْرِيمِ الِاحْتِكَار) وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١١٥] (١٦٠٥) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْني: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُحَذَثُ أَنَّ مَعْمَرًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ»، فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إنَّ مَعْمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيبِ) تقدّم قريبًا. ٥ - (مَعْمَرُ) بن عبد الله بن نافع بن نَضْلَة العدويّ، وهو ابن أبي معمر صحابيّ كبير، من مهاجري الحبشة (م د ت ق) تقدم في «البيوع» ٣٩/ ٤٠٧٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد. أنه مسلسل بالمدنيين من أوله إلى آخره، والقعنبيّ، وإن كان بصريًّا، إلا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أن صحابيّه، وإن كان من أكابر الصحابة إلا أنه قليل الرواية، فليس له في الكتب إلا حديثان فقط، هذا عند المصنّف وأبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وحديث: «الطعامُ بالطعام مثلًا بمثل»، عند المصنّف وحده، وقد مضى في محلّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريّ المدنيّ، أنه (قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ أَن مَعْمَرًا) هو ابن عبد الله الْعَدَويّ -﵁- (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنِ») شرطيّة (احْتَكَرَ) بالبناء للفاعل، يقال: احتَكَر زيد الطعامَ: إذا حبسه إرادة الغلاء، والاسم: الْحُكْرة -بضمّ، فسكون- مثلُ الْفُرْقة، من الافتراق، والْحَكْرُ -بفتحتين، وإسكان الكاف- لغة بمعناه، قاله الفيّوميّ ﵀ . (فَهُوَ خَاطِئٌ») وفي رواية:«لا يَحتكر إلا خاطئ»، قال أهل اللغة: الخاطئ بالهمز: هو العاصي الآثم، قال القرطبيّ ﵀:«خاطئٌ»اسم فاعل من خَطِئَ -بكسر العين، وهمزة اللام -يَخطأ- بفتح العين- خِطْئًا في المصدر -بكسر الفاء، وسكون العين-: إذا أَثِمَ في فعله، على وزن عَلِمَ يَعْلَمُ عِلْمًا، والاسم منه: الْخَطَأُ -بفتح الخاء، والطاء- وأخطأ: إذا سلك سبيل الخطإ عامدًا، أو غير عامد، قاله أبو عبيد، وقال: سمِعتُ الأزهريّ يقول: خَطِئ: إذا تعمّد، وأخطأ: إذا لم يتعمّد، إخطاء، وخِطْئًا، والْخَطأُ الاسم. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀:«الخَطَأُ» مهموزٌ -بفتحتين-: ضدّ الصواب، ويُقْصَر، ويمدّ، وهو اسم من أَخْطَأَ فهو مُخْطِئٌ، قال أبو عبيدة: خَطِئَ خِطْئًا، من باب عَلِمَ، وأَخْطَأَ بمعنى واحدٍ لمن يُذنب على غير عمد، وقال غيره: خَطِئَ في الدين، وأَخْطَأَ في كلّ شيء، عامدًا كان، أو غير عامد، وقيل: خَطِئَ: إذا تعمد ما نُهِي عنه، فهو خَاطِئٌ، وأَخطَأَ: إذا أراد الصواب، فصار إلى غيره، فإن أراد غير الصواب، وفَعَلَهُ قيل: قَصَدَه، أو تَعَمَّده، والْخِطْءُ: الذنب؛ تسميةً بالمصدر. انتهى . وقال النوويّ ﵀: وهذا الحديث صريح في تحريمٍ الاحتكار، قال أصحابنا: الاحتكار المحرَّم هو الاحتكار في الأقوات خاصّةً، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحال، بل يَدَّخِره ليغلوَ ثمنه، فأما إذا جاء من قريته، أو اشتراه في وقت الرخص، وادَّخَره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته، فليس باحتكار، ولا تحريمَ فيه، وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال، قال: هذا تفصيل مذهبنا. قال العلماء: والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس، كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام، واضطر الناس إليه، ولم يجدوا غيره أُجبر على بيعه؛ دفعًا للضرر عن الناس. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: وهذا الحديث بحكم إطلاقه، أو عمومه يدل على منع الاحتكار في كل شيء، غير أن هذا الاطلاق قد تقيّد، أو العموم قد تخصص بما قد فعله النبيّ -ﷺ-، فإنَّه قد ادَّخَر لأهله قوت سنتهم، ولا خلاف في أن ما يدّخره الإنسان لنفسه وعياله من قوت، وما يحتاجون إليه جائز لا بأس به، فإذًا مقصود هذا منع التجار من الادخار، وإذا ظهر ذلك: فهل يُمنعون من ادِّخار كل شيء مطلقًا، أو إنما يُمنعون من ادّخار كل شيء من الأقوات، والحيوان، والعلوفة، والسَّمن، واللَّبن، والعسل، وغير ذلك- أضرّ بالناس أو لم يضر- إذا اشتري في أسواقهم، كما قاله ابن حبيب أخذًا بعموم الخبر أو بإطلاقه؟ أو إنما يمنعون من ادّخار ما يضر بالناس ادِّخاره عند الحاجة إليه من الأقوات؟ وهو قول أبي حنيفة والشافعيّ، وهو مشهور مذهب مالك، وحملوا النهي على ذلك. قال القرطبيّ: وهذا هو الصحيح -إن شاء الله تعالى- لأن ما لا يضر بالناس شراؤه، واحتكاره لا يُخَطَّأ مشتريه بالاتفاق، ثم إذا اشتراه وصار ملكه فله أن يحتكره، أو لا يحتكره، ثم قد يكون احتكار ذلك مصلحة ينتفع بها في وقت آخر، فلعل ذلك الشيء ينعدم، أو يقلّ، فتدعو الحاجة إليه، فيوجد، فترتفع المضرّة، والحاجة بوجوده، فيكون احتكاره مصلحة، وترك احتكاره مفسدة. وأما الذي ينبغي أن يُمنع: ما يكون احتكاره مضرة بالمسلمين، وأشدُّ ذلك في الأقوات؛ لعموم الحاجة، ودعاء الضرورة إليها؛ إذ لا يُتصور الاستغناء عنها، ولا يتنزل غيرها منزلتها، فإن أبيح للمحتكرين شراؤها ارتفعت أسعارها، وعزّ وجودها، وشَحَّت النفوس بها، وحَرَصت على تحصيلها، فظهرت الفاقات، والشدائد، وعمّت المضار، والمفاسد، فحينئذ يظهر أن الاحتكار من الذنوب الكبار. وكل هذا فيمن اشترى من الأسواق، فأمَّا من جلب طعامًا؛ فإن شاء باع، وإن شاء احتكر، ولا يُعْرَض له إلا إن نزلت حاجة فادحة، وأمر ضروريّ بالمسلمين، فيجب على من كان عنده ذلك أن يبيعه بسعر وقته، فإن لم يفعل أُجبر على ذلك، إحياءً لِلْمُهَج، وإبقاءً للرَّمق، وأما إن كان اشتراه من الأسواق، واحتكره، وأضرّ بالناس؛ فيشترك فيه الناس بالسعر الذي اشتراه به. انتهى . (فَقِيلَ لِسَعِيدِ) بن المسيِّب (فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟) أي: مع أنك تحدّث بهذا الحديث، قال القرطبيّ ﵀: يدلّ على أنهم كانوا لا يتسامحون في ترك العمل بما يروُونه من الحديث، وجواب سعيد أن معمرًا كان يحتكر دليل على أن العموم يخصَّص بمذهب الرَّاوي، وقد أوضحنا هذه الطريقة، في الأصول، وذلك منهم محمول على أنهم كانوا يحتكرون ما لا يضرّ بالناس؛ كالزيت، والأُدم، والثياب، ونحو ذلك. انتهى . (قَالَ سَعِيدٌ: إِن مَعْمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ)؛ يعني: أن الصحابيّ راوي هذا الحديث كان يحتكر مع كونه يُحدّث بهذا الحديث؛ لأنه حمل الاحتكار الممنوع على احتكار الأقوات، لا على احتكار غيره. قال النووي: وأما ما ذُكر في الكتاب عن سعيد بن المسيِّب، ومعمر راوي الحديث، أنهما كانا يحتكران، فقال ابن عبد البر وآخرون: إنما كان يحتكران الزيت، وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه والغلاء، وكذا حمله الشافعيّ، وأبو حنيفة، وآخرون، وهو الصحيح. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معمر بن عبد الله العدويّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٤١١٥ و٤١١٦ و٤١١٧] (١٦٠٥)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٤٤٧)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (١٢٦٧)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢١٥٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٨/ ٢٠٣، ٢٠٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ١٠٢) و«مسنده» (٢/ ١٦٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ١٦٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٤٥٣ و٤٥٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٤٨، ٢٤٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٩٣٦)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ١٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٠٣)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٤/ ١٩١ و٨/ ١٢٠) و«الكبير» (٢٠/ ٤٤٥ - ٤٤٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٢٩، ٣٠)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢١٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاحتكار: قال العلامة ابن قُدامة ﵀: والاحتكار المحرَّم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط: [أحدها]: أن يشتري، فلو جلب شيئًا، أو أدخل من غلته شيئًا، فادّخره لم يكن محتكرًا، روي عن الحسن، ومالك، وقال الأوزاعيّ: الجالب ليس بمحتكر؛ لقوله: «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون» ، ولأن الجالب لا يُضَيِّق على أحد، ولا يضر به، بل ينفع، فإن الناس إذا عَلِموا عنده طعامًا مُعَدًّا للبيع كان ذلك أطيب لقلوبهم. [الثاني]: أن يكون الْمُشْترَى قوتًا، فأما الإدام، والحلواء، والعسل، والزيت، وأعلاف البهائم فليس فيها احتكار محرَّم، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن أيّ شيء الاحتكار؟ قال: إذا كان من قوت الناس، فهو الذي يُكره، وهذا قول عبد الله بن عمرو، وكان سعيد بن المسيِّب، وهو راوي حديث الاحتكار يحتكر الزيت، قال أبو داود: وكان يحتكر النوى، والخبَط، والبزر، ولأن هذه الأشياء مما لا تعمّ الحاجة إليها، فأشبهت الثياب، والحيوانات. [الثالث]: أن يُضيِّق على الناس بشرائه، ولا يحصل ذلك إلا بأمرين: (أحدهما): أن يكون في بلد يَضِيق بأهله الاحتكار، كالحرمين، والثغور، قال أحمد: الاحتكار في مثل مكة، والمدينة، والثغور، فظاهر هذا أن البلاد الواسعة الكثيرة المرافق والجلب، كبغداد، والبصرة، ومصر لا يحرم فيها الاحتكار؛ لأن ذلك لا يؤثر فيها غالبًا. (الثاني): أن يكون في حال الضيق، بأن يدخل البلد قافلة فيتبادر ذوو الأموال فيشترونها، ويُضَيِّقون على الناس، فأما إن اشتراه في حال الاتساع والرخص، على وجه لا يُضَيِّق على أحد فليس بمحرّم. انتهى . وقال العلامة الشوكانيّ ﵀: وظاهر أحاديث الباب أن الاحتكار محرَّم من غير فرق بين قوت الآدميّ والدواب وبين غيره، والتصريح بلفظ الطعام في بعض الروايات لا يصلح لتقييد بقية الروايات المطلقة، بل هو من التنصيص على فرد من الأفراد التي يطلق عليها المطلق، وذلك لأن نفي الحكم عن غير الطعام إنما هو لمفهوم اللقب، وهو غير معمول به عند الجمهور، وما كان كذلك لا يصلح للتقييد على ما تقرر في الأصول. وذهبت الشافعية إلى أن المحرّم إنما هو احتكار الأقوات خاصة لا غيرها، ولا مقدار الكفاية منها، قال ابن رسلان في «شرح السنن»: ولا خلاف في أن ما يدّخره الإنسان من قوت، وما يحتاجون إليه من سَمْن، وعسل، وغير ذلك جائز لا بأس به. انتهى. ويدلّ على ذلك ما ثبتٌ أن النبيّ -ﷺ- كان يعطي كل واحدة من زوجاته مائة وسق من خيبر. قال ابن رسلان في «شرح السنن»: وقد كان رسول الله -ﷺ- يَدَّخر لأهله قوت سنتهم، من تمر وغيره. قال أبو داود: قيل لسعيد -يعني: ابن المسيِّب-: فإنك تحتكر، قال: ومعمر كان يحتكر، وكذا في «صحيح مسلم». قال ابن عبد البرّ وآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت، وحَمَلا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه، وكذلك حمله الشافعيّ، وأبو حنيفة، وآخرون. ويدلّ على اعتبار الحاجة، وقصد إغلاء السعر على المسلمين، قوله في حديث مَعْقِل: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم» ، وقوله في حديث أبي هريرة:«يريد أن يغلي بها على المسلمين» . قال أبو داود: سألت أحمد: ما الحكرة؟ قال: ما فيه عيش الناس؛ أي: حياتهم وقُوْتهم، وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- يُسأل عن أي شيء الاحتكار؟ فقال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يُكره، وهذا قول ابن عمر. وقال الأوزاعيّ: المحتكر من يعترض السوق؛ أي: ينصب نفسه للتردد إلى الأسواق؛ ليشتري منها الطعام الذي يحتاجون إليه؛ ليحتكره. قال السبكيّ: الذي ينبغي أن يقال في ذلك: أنه إن منع غيره من الشراء، وحصل به ضيق حَرُمَ، وإن كانت الأسعار رخيصة، وكان القَدْر الذي يشتريه لا حاجة بالناس إليه فليس لمنعه من شرائه وادخاره إلى وقت حاجة الناس إليه معنى، قال القاضي حسين، والرويانيّ: وربما يكون هذا حسنةً؛ لأنه ينفع به الناس، وقطع المحامليّ في «المقنع» باستحبابه، قال أصحاب الشافعيّ: الأولى بيع الفاضل عن الكفاية، قال السبكيّ: أما إمساكه حالة استغناء أهل البلد عنه رغبة في أن يبيعه إليهم وقت حاجتهم إليه، فينبغي أن لا يُكره، بل يستحب. والحاصل أن العلة إذا كانت هي الإضرار بالمسلمين لم يحرم الاحتكار إلا على وجه يضرّ بهم، ويستوي في ذلك القوت وغيره؛ لأنهم يتضررون بالجميع. = أسعار المسلمين؛ ليغليه عليهم كان حقًّا على الله أن يُقْعِده بعُظم من النار يوم القيامة»، أخرجه الطبرانيّ في«الكبير»، و«الأوسط»، وفي إسناده زيد بن مُرّة أبو الْمُعلَّى، قال في«مجمع الزوائد»: ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح. انتهى. وقد صحح الشيخ الألبانيّ ﵀ حديث أبي هريرة -﵁- هذا في«السلسلة الصحيحة»، فراجعها. وقال السبكيّ: إذا كان في وقت قحط، وكان في ادّخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها إضرارٌ، فينبغي أن يُقْضَى بتحريمه، وإذا لم يكن إضرار فلا يخلو احتكار الأقوات عن كراهة. وقال القاضي حسين: إذا كان الناس يحتاجون الثياب، ونحوها؛ لشدة البرد، أو لستر العورة فيُكره لمن عنده ذلك إمساكه، قال السبكيّ: إن أراد كراهة تحريم فظاهر، وإن أراد كراهة تنزيه فبعيد. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من استعراض أقوال أهل العلم واستدلالاتهم في حكم الاحتكار أن أرجح الأقوال، هو القول بتحريم احتكار ما يضرّ بالمسلمين مطلقًا، سواء كان قوتًا، أو لباسًا، أو غيرهما؛ لعموم حديث الباب، ولا يكون التنصيص في بعض الروايات بالطعام تقييدًا للحكم؛ لأن ذلك من باب التنصيص على بعض الأفراد؛ للأهميّة، لا للتقييد، كما سبق في تحقيق الشوكانيّ ﵀، وكذلك حَمْل معمر بن عبد الله -﵁-، وابن المسيّب الاحتكار على الطعام لا يكون مقيّدًا للعموم؛ لأنه رأي لهما، وإنما العبرة بعموم اللفظ المرويّ المعلّل بإدخال المضرّة على المسلمين، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١١٦] (…) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ) أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوق يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٦. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ) القرشيّ مولاهم، المدنيّ، صدوقٌ اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة -﵁-[٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٥٠. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ) القرشيّ العامريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) (ع) تقدم في «الحيض» ٢٣/ ٧٩٧. والباقيان ذُكرا قبله، والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١١٧] (…) - (قَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَالَ مُسْلِمٌ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِي مَعْمَرٍ، أَحَدِ بَني عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (بَعْضُ أَصحَابِ مسلم) قال الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ وغيره: هذا أحد الأحاديث الأربعة عشر المقطوعة في «صحيح مسلم»، قال القاضي: قد قدمنا أن هذا لا يُسمّى مقطوعًا، إنما هو من رواية المجهول، قال النوويّ: وهو كما قال القاضي، ولا يضرّ هذا الحديث؛ لأنه أتى به متابعةً، وقد ذكره مسلم من طرق متّصلة برواية من سمّاهم من الثقات، وأما المجهول، فقد جاء مسمّى في رواية أبي داود وغيره، فرواه أبو داود في «سننه» عن وهب بن بقيّة، عن خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى بإسناده. انتهى . وقال الحافظ الرشيد العطّار ﵀ في «غرر الفوائد» بعد أن أورد هذا الحديث ما نصّه: وهذا أيضًا حديث صحيح ثابتٌ من حديث سعيد بن الْمُسيّب، عن معمر بن أبي معمر، ويقال: معمر بن عبد الله، عن النبيّ -ﷺ-، أخرجه مسلم في «صحيحه» منفردًا به، فأورده من طريقين متّصلين، وهما: طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وطريق محمد بن عمرو بن عطاء، كلاهما عن سعيد بن المسيِّب، ثم أردف ذلك بقوله: وحدّثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن عون، أنا خالد بن عبد الله ....، فذكر الإسناد الذي ذكرناه، وقد تقدّم الجواب عن مثل هذا، ومع ذلك فإن حديث خالد بن عبد الله المذكور عن عمرو بن يحيى، قد أخرجه أبو داود في «سننه» (٣٤٤٧) فرواه عن وهب بن بقيّة الواسطيّ، وهو أحد الثقات الذين روى عنهم في «صحيحه»، عن خالد بن عبد الله، وهو الطحّان بإسناده المذكور متّصلًا، فثبت اتصاله من هذا الوجه الآخر، والحمد لله. انتهى كلام الرشيد العطّار ﵀. ٢ - (عَمْرُو بْنُ عَوْنِ) بن أوس البزّاز، أبو عثمان الواسطيّ، ثمّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٢٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٨/ ٤٦٥. ٣ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطحّان الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٧. ٤ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بن عمارة بن أبي حسن المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات بعد (١٣٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٨/ ٤٦٤. والباقون ذُكروا قبله، و«محمد بن عمرو» هو: ابن عطاء، و«معمر بن أبي معمر» هو: معمر بن عبد الله. [تنبيه]: رواية عمرو بن يحيى، عن محمد بن عمرو بن عطاء هذه ساقها أبو داود في «سننه» (٣/ ٢٧١) فقال: (٣٤٤٧) - حدّثنا وهب بن بقيّة، أخبرنا خالد، عن عمرو بن يحيى، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن المسيِّب، عن معمر بن أبي مَعْمَر أحد بني عديّ بن كعب، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يحتكر إلا خاطئ»، فقلت لسعيد: فإنك تحتكر؟ قال: ومعمر كان يحتكر. قال أبو داود: وسألت أحمد: ما الْحُكْرة؟ قال: ما فيه عيش الناس، قال أبو داود: قال الأوزاعيُّ: المحتكر مَن يعترض السوق. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٤)

١. ترجم النووي بقوله: «بابُ تحريم الاحتكار في الأقوات»، وقوله: «في الأقوات» فيه نظر لا يخفى؛ لأنه من تقييد الحديث بالمذهب، فإن حديث الباب مطلق، لم يُذكر فيه «الأقوات»، فلا ينبغي تقييده به، والمسألة فيها خلاف، كما سأبيّنه بعد. والمذهب الصحيح هو الذي أطلق التحريم على مقتضى ظاهر النصّ، وقد أطلق الترجمة القرطبيّ في «المفهم»، فقال: «باب النهي عن الْحُكرة»، فأجاد ﵀، وقد قدَّمت في أكثر من موضع أنه لا ينبغي تقييد إطلاق الأحاديث بالمذهب إلا إذا جاء دليل صريح يلجئ إلى التأويل، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٢. «المصباح المنير»١/ ١٤٥.

٣. «المفهم» ٤/ ٥٢٠.

٤. «المصباح المنير» ١/ ١٧٤.

٥. «شرح النوويّ» ١١/ ٤٣.

٦. «المفهم» ٤/ ٥٢٠ - ٥٢١.

٧. «المفهم» ٤/ ٥٢١ - ٥٢٢.

٨. «شرح النوويّ» ١١/ ٤٣.

٩. أخرجه ابن ماجه، وهو ضعيف؛ لأن في سنده علي بن سالم بن شوّال، ضعيف، وشيخه علي بن زيد بن جدعان، ضعيف أيضًا.

١٠. «الشرح الكبير» ٤/ ٤٧.

١١. الحديث عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من دخل في شيء من =

١٢. لفظه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-:«من احتكر حُكْرةً يريد أن يُغْلي بها على المسلمين، فهو خاطئ». رواه أحمد، وفي إسناده أبو معشر، وهو ضعيف، وقد وُثِّق. راجع:«نيل الأوطار»٥/ ٣٣٥.

١٣. «نيل الأوطار» ٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨.

١٤. «شرح النوويّ» ١١/ ٤٣ - ٤٤.