HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦١٠

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل (وَهُوَ ابن جَعْفَرٍ) عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ العباس بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بن زيد ابن عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ؛ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ القيامة من سبع أرضين).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص57
ج ٣ ص ١٢٣٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص١١٦
وقوله: (كلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ إلخ …)؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: سفيان بن عيينة، ويونس الأيليّ، ومعمر بن راشد رووه عن الزهريّ بسنده الماضي. [تنبيه]: رواية ابن عيينة عن الزهريّ هذه ساقها أبو داود في «سننه» (٣/ ٣١٤) فقال: (٣٦٣٤) - حدّثنا مسدّد، وابن أبي خلف، قالا: ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا استأذن أحدكم أخاه أن يَغرِز خشبةً في جداره، فلا يمنعه»، فنكسوا، فقال: ما لي أراكم قد أعرضتم؟ لأُلقينّها بين أكتافكم. انتهى. ورواية معمر، عن الزهريّ، ساقها الإمام أحمد في «مسنده» (٢/ ٢٧٤) فقال: (٧٦٨٨) - حدّثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يمنعنّ أحدكم جاره أن يضع خشبه على جداره»، ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم. انتهى. وأما رواية يونس، عن الزهريّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥١) - (بَابُ إِثْمِ مَنْ غَصَبَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٢٥] (١٦١٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْر) السَّعْديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٤ - (إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (- ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٥ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرحمن) بن يعقوب الْحُرَقيّ مولاهم، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع و١٣٠) (ز م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٦ - (عَبَّاسُ بْنُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات في حدود (١٢٠) وقيل: قبل ذلك (خ م د ت ق) تقدم في «الحج» ٩٠/ ٣٣٧٢. ٧ - (سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) بن عبد الْعُزَّى العَدَويّ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمه فاطمة بنت بَعْجَة بن مُلَيح الْخُزَاعية، كانت من السابقين إلى الإسلام، أسلم قبل دخول رسول الله -ﷺ- دار الأرقم، وهاجر، وشَهِد أُحدًا، والمشاهد بعدها، ولم يكن بالمدينة زمانَ بدر، فلذلك لم يشهدها. رَوَى عنه من الصحابة: ابنُ عمر، وعمرو بن حريث، وأبو الطفيل، ومن كبار التابعين: أبو عثمان النَّهْديّ، وابن المسيِّب، وقيس بن أبي حازم، وغيرهم. ذَكَرَ عروةُ وابن إسحاق وغيرهم في المغازي أن رسول الله -ﷺ- ضَرَبَ له بسهمه يوم بدر؛ لأنه كان غائبًا بالشام، وعن عروة أنه ممن ضرب رسول الله -ﷺ- سهمه وأجرَه في بدر هو وطلحة، وكان بَعَثَهما يتجسّسان له أمر عِير قريش، فلم يحضُرا بدرًا. وكان إسلامه قديمًا قبل عمر، وكان إسلام عمر عنده في بيته؛ لأنه كان زوج أخته فاطمة. ورَوَى البخاريّ من طريق قيس بن أبي حازم، عن سعيد بن زيد قال: لقد رأيتُني، وإن عمر لموثقي على الإسلام. وقد شَهِد سعيد بن زيد الْيَرْمُوك، وفتحَ دمشق، وقال سعيد بن حبيب: كان مقام أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وسعد وسعيد وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف مع النبي -ﷺ- واحدًا، كانوا أمامه في القتال، وخلفه في الصلاة. وكان سعيد من فضلاء الصحابة، وقصته مع أروى بنت أُويس مشهورة في إجابة دعائه عليها، أخرجها البخاري ومسلم وغيرهما. قال الواقدي: تُوُفّي بالعقيق، فحُمل إلى المدينة، وذلك سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين، وعاش بضعًا وسبعين سنة، وكان طوالًا آدمَ أشعَرَ، وهذا هو القول الأصحّ. وزعم الهيثم بن عدي أنه مات بالكوفة، وصلى عليه المغيرة بن شعبة، قال: وعاش ثلاثًا وسبعين سنة . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٦١٠) وكرّره أربع مرّات، و(٢٠٤٩): «الكمأة من المنّ، وماؤها شفاء للعين»، وكرّره ستّ مرّات، و(٢٧٤١): «ما تركت بعدي في الناس فتنةً أضرّ على الرجال من النساء». وشرح الحديث يأتي في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى- وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٢٦] (…) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنى عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ أَباهُ حَدَّثَهُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، أَنَّ أَرْوَى خَاصَمَتْهُ فِي بَعْضِ دَارِهِ، فَقَالَ: دَعُوهَا وَإِيَّاهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، طُوِّقَهُ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، فَأعْم بَصَرَهَا، وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا، قَالَ: فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ، تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدِ بْنِ زيدٍ، فَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشِي في الدَّارِ مَرَّتْ عَلَى بِئْرٍ فِي الدَّارِ، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، نزيل عسقلان، ثقة [٦] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣١/ ٢٣٣. ٢ - (أَبُوهُ) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٢. والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد. أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فمصريّان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أن صحابيّه أحد العشرة المبشّرين بالجنة -﵃-. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) -﵁- (أَنَّ أَرْوَى) بنت أويس، كما في الرواية التالية، ولم يذكرها الحافظ ابن عبد البرّ في «الاستيعاب»، وذكرها الحافظ ابن حجر في «الإصابة»؛ تبعًا لابن منده، ولا يُحفظ عنها غير قصّتها هذه مع سعيد بن زيد -﵄-، وقد ذكرها الترمذيّ في «باب الوضوء من مسّ الذكر»، وأخرج ابن السكن، والدارقطنيّ في «العلل» عنها الحديث الذي أشار إليه الترمذيّ، ولكن قال ابن السكن: لا يثبت، كذا في «الإصابة» . وقال في «الفتح»: أَرْوَى -بفتح الهمزة، وسكون الراء، والقصر- بِاسمِ الحيوان الوحشيّ المشهور، وفي المثل يقولون إذا دَعَوْا: كعَمَى الأَرْوَى، قال الزبير في روايته: كان أهل المدينة إذا دَعَوا قالوا: أعماه الله كَعَمَى أَرْوَى، يريدون هذه القصّة، قال: ثم طال العهد، فصار أهل الجهل يقولون: كعَمَى الأَرْوَى، يريدون الوحش الذي بالجبل، ويظنونه أعمى، شديد الْعَمَى، وليس كذلك. انتهى . (خَاصَمَتْهُ)؛ أي: خاصمت سعيدًا -﵁- (فِي بَعْضِ دَارِهِ) وفي الرواية التالية: «أن أروى بنت أويس ادّعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم»، وفي رواية أحمد، وأبي يعلى في «مسنديهما»، وصحيح ابن خزيمة، من طريق ابن إسحاق، حدّثني الزهريّ، عن طلحة بن عبد الله، قال: «أتتني أروى بنت أويس في نفر من قريش، فيهم عبد الرحمن بن سهل، فقالت: إن سعيدًا انتقص من أرضي إلى أرضه ما ليس له، وقد أحببت أن تأتوه فتكلموه، قال: فركبنا إليه، وهو بأرضه بالعقيق …» فذكر الحديث، وللزبير في «كتاب النسب» من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، والحسن بن سفيان، من طريق أبي بكر بن محمد بن حزم: «استَعْدَت أروى بنت أُويس مروان بن الحكم، وهو والي المدينة، على سعيد بن زيد، في أرضه بالشجرة، وقالت: إنه أخذ حقي، وأدخل ضفيرتي في أرضه»، فذكره، وفي رواية العلاء: «فترك سعيد ما ادَّعَت»، ولابن حبان، والحاكم، من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، في هذه القصّة، وزاد: «فقال لنا مروان: أصلحوا بينهما» . وأخرج أبو نعيم في «الحلية» في ترجمة سعيد بن زيد -﵁- من طريق أبي بكر بن حزم أن سعيدًا، قال: اللهم إنها قد زعمت أنها ظُلِمَت، فإن كانت كاذبة فأعمِ بصرها، وألقها في بئرها، وأظهر من حقي نورًا بين المسلمين أني لم أظلمها، قال: فبينما هم على ذلك إذ سال العقيقُ سيلًا لم يَسِلْ مثله قط، فكُشف عن الحد الذي كانا يختلفان فيه، فإذا سعيد بن زيد في ذلك قد كان صادقًا، ثم لم تَلْبَث إلا يسيرًا حتى عَمِيَتْ، فبينما هي تطوف في أرضها تلك سقطت في بئرها، قال: فكنا ونحن غلمان نسمع الإنسان يقول للآخر إذا تخاصما: أعماك الله عَمَى أروى، فكنا نظن أنه يريد الوحشية، وهو كان يريد ما أصاب أروى بدعوة سعيد بن زيد . وأخرج أبو نعيم أيضًا بسند فيه ابن لَهِيعة، عن محمد بن زيد بن مهاجر، أنه سمع أبا غطفان الْمُرّيّ يُخبر أن أروى بنت أويس أتت مروان بن الحكم، مستغيثةً من سعيد بن زيد، وقالت: ظلمني أرضي، وغلبني حقيّ، وكان جارها بالعقيق، فركب إليه عاصم بن عمر، فقال: أنا أظلم أروى حقّها، فوالله لقد ألقيت لها ستمائة ذراع من أرضي، من أجل حديث سمعته من رسول الله -ﷺ-، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من أخذ من حقّ امرئ من المسلمين شيئًا بغير حقّ طُوِّقه يوم القيامة، حتى سبع أرضين»، قومي يا أروى، فخذي الذي تزعمين أنه حقّك، فقامت، فتسحبت في حقّه، فقال: اللهم إن كانت ظالمةً، فَأعْم بصرها، واقتلها في بئرها، فعَمِيت، ووقعت في بئرها، فماتت . (فَقَالَ) سعيد بن زيد -﵁- (دَعُوهَا وَإِيَّاهَا)؛ أي: اتركوا المرأة مع أرضها التي تدّعي أني ظلمتها فيها (فَإِنِّي) الفاء للتعليل؛ أي: إنما قلت: دعوها؛ لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا)؛ أي: مقدار شبر، وهو بكسر الشين المعجمة، وسكون الموحّدة، والراء، قال الفيّوميّ ﵀:»الشِّبْرُ«-بالكسر-: ما بين طَرَفي الْخِنْصِرِ والإبهام بالتفريج المعتاد، والجمع أَشبار، مثل حِمْل وأَحْمال. و«البُصْمُ»-بضم الباء الموحدة، وسكون الصاد المهملة-: ما بين الخنصر والبنصر. و«الْعَتَبُ»-بعين مهملة، وتاء مثناة من فوقُ، ثم باء موحدةٌ، وزانُ سَبَبٍ-: ما بين الوُسْطَى والسبابة، ويقال: هو جعلك الأصابع الأربع مضمومةً. و«الفِتْرُ»: ما بين السبابة والإبهام. و«الفَوْتُ»: ما بين كلّ أصبعين طولًا. وشَبَرْتُ الشيءَ شَبْرًا، من باب قَتَلَ: قِسْتُهُ بِالشِّبْرِ، وكم شَبْرُ ثوبك؟ بالفتح، إذا سألت عن المصدر. انتهى. وفي حديث عائشة -﵂- الآتي آخر الباب:«من ظلم قِيد شبر من الأرض»، وهو -بكسر القاف، وسكون التحتانيّة-؛ أي: قَدْره، وكأنه ذَكر الشبرَ إشارةً إلى استواء القليل والكثير في الوعيد، قاله في«الفتح». وقوله: (مِنَ الأَرْضِ) بيان لـ«شِبْرًا»(بِغَيْرِ حَقِّهِ، طُوِّقَهُ) -بضم أوله- على البناء للمجهول، ونائب الفاعل ضمير راجع إلى آخذ الأرض، وضمير المفعول الثانى إلى ما أخذه. وفي رواية عروة:«فإنه يُطَوَّقه»، ولأبي عوانة، والجوزقيّ في حديث أبي هريرة:«جاء به مُقَلَّده»(فِي سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ«) هكذا النسخ بـ »في«، وهي بمعنى »من«، ووقع في بعض النسخ بلفظ: »من سبع أرضين«، و»أرَضون« بفتح الراء، ويجوز إسكانها، وقال النوويّ: قال أهل اللغة: الأرضون -بفتح الراء- وفيها لغة قليلةٌ بإسكانها، حكاها الجوهريّ وغيره. انتهى . وقال الفيّوميّ: الأرض مؤنّثةٌ، والجمع أَرَضُون -بفتح الراء. قال أبو زيد: وسَمِعتُ العرب تقول في جمع الأرض: الأَراضي، والأُرُوض، مثلُ فلس وفُلُوس، وجمعُ فَعْل فَعَالِي في أرؤض، وأراضي، وأهلٍ وأَهالي، وليلٍ ولَيالي، بزيادة الياء، على غير قياس، ورُبّما ذُكرت الأرض في الشعر على معنى البِساط. انتهى . قال القرطبيّ ﵀: اختُلِف في معنى: «طُوِّقه»، فقيل: معناه: كُلّف أن يطيق حمله، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦١]، وقد جاء في غير «صحيح مسلم»: «جاء يحمله يوم القيامة إلى سبع أرضين»، وفي أخرى: «كُلِّف أن يَحْمِل ترابها إلى المحشر»، وقيل: جُعِلت في عنقه كالطَّوق؛ كما قال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠]، وهو ظاهر حديث عائشة -﵂-: «طُوِّقه من سبع أرضين»، وقيل: خُسِف به في مثل الطوق منها، وهو ظاهر قوله: «طَوَّقه الله إلى سبع أرضين»، وفي «صحيح البخاري» نصًّا: «خُسِف به يوم القيامة إلى سبع أرضين»، وقيل: يُجْمَع ذلك كلّه عليه، وقد دلّ على ذلك ما رواه الطبريّ في هذا الحديث، وقال: «كَلَّفه الله حمله حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يُطَوَّقه يوم القيامة حتى يُقْضَى بين الناس»، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقال النوويّ ﵀: وأما التطويق المذكور في هذا الحديث فقالوا: يَحْتَمِل أن معناه أنه يَحْمِل مثله من سبع أرضين، ويُكَلَّف إطاقة ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون يُجْعَل له كالطَّوْق في عنقه، كما قال ﷾: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وقيل: معناه: أنه يُطَوَّق إثم ذلك، ويلزمه كلزوم الطَّوْق بعنقه، وعلى تقدير التطويق في عنقه يُطَوِّل الله تعالى عنقه، كما جاء في غِلَظ جلد الكافر، وعِظَم ضِرْسه. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح»: قال الخطابيّ: قوله: «طُوِّقَهُ» له وجهان: [أحدهما]: أن معناه أنه يُكَلَّف نقل ما ظَلَم منها في القيامة إلى المحشر، ويكون كالطَّوْق في عنقه، لا أنه طُوِّق حقيقةً. [الثاني]: معناه أنه يعاقب بالخسف إلي سبع أرضين؛ أي: فتكون كلُّ أرض في تلك الحالة طَوْقًا في عنقه. انتهى. وقال في «الفتح»: وهذا يؤيِّده حديث ابن عمر -﵄- عند البخاريّ بلفظ: «خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرضين». وقيل: معناه: كالأول، لكن بعد أن يُنقل جميعه يُجعل كله في عنقه طَوْقًا، وَيعْظُمُ قدرُ عنقه حتى يسع ذلك، كما ورد في غِلَظ جلد الكافر، ونحو ذلك. وقد رَوَى الطبريّ، وابن حبان، من حديث يعلى بن مُرّة مرفوعًا: «أَيُّما رجل ظَلَم شبرًا من الأرض، كَلَّفَهُ الله أن يَحفِره حتى يبلغ آخر سبع أرضين، ثم يُطَوَّقه يوم القيامة، حتى يُقْضَى بين الناس». ولأبي يعلى بإسناد حسن، عن الحكم بن الحارث السّلميّ مرفوعًا: «من أخذ من طريق المسلمين شبرًا، جاء يوم القيامة يَحمِله من سبع أرضين». ونظير ذلك ما تقدم في «كتاب الزكاة» في حديث أبي هريرة -﵁- في حَقِّ مَنْ غَلَّ بعيرًا: جاء يوم القيامة يحمله. وَيحْتَمِل -وهو الوجه الرابع- أن بكون المراد بقوله: «يُطَوَّقه» يُكَلَّف أن يَجعله له طَوْقًا، ولا يستطيع ذلك، فيعذب بذلك، كما جاء في حَقّ مَن كَذَب في منامه كُلِّف أن يَعْقِد شعيرة. وَيحْتَمِل -وهو الوجه الخامس- أن يكون التطويق تطويق الإثم، والمراد به أن الظلم المذكور لازم له في عنقه لزومَ الإثم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ الآية [الإسراء: ١٣]، وبالوجه الأول جزم أبو الفتح القشيريّ، وصححه البَغَويّ. ويحْتَمِل أن تتنوع هذه الصفات لصاحب هذه الجناية، أو تنقسم أصحاب هذه الجناية، فَيُعَذَّب بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا، بحسب قوّة المفسدة، وضعفها. وقد رَوَى ابن أبي شيبة بإسناد حسن، من حديث أبي مالك الأشعريّ -﵁-: «أعظم الغلول عند الله يوم القيامة ذراع أرض يَسْرِقه رجل، فَيُطَوَّقه من سبع أرضين». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب الاحتمالات أنه يُكَلَّف نقل ما ظَلَم منها في القيامة إلى المحشر، ويكون كالطَّوْق في عنقه، ثم بعد أن يُنقل جميعه يُجعل كله في عنقه طَوْقًا، ويَعْظُمُ قدرُ عنقه حتى يسع ذلك، كما ورد في غِلَظ جلد الكافر، ونحو ذلك. وأقوى هذه الاحتمالات هو الاحتمال الثاني، وهو أنه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين، ثم يُجعل في عنقه طَوْقًا يَحمِله حتى يُقضَى بين الناس؛ فهذا أقرب التأويل للتطويق المذكور في هذا الحديث؛ كما يؤيّده حديثا يعلى بن مرّة، والحكم بن الحارث -﵄- المذكوران آنفًا، فتأمله حقّ التأمل، والله تعالى وليّ التوفيق. (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً)؛ أي: في هذه الدعوى (فَأَعْمِ بَصَرَهَا) بقطع الهمزة، أمر من الإعماء، وفي الرواية التالية: «فَعَمِّ بصرها» بتشديد الميم، من التعمية، قال الفيّوميّ ﵀: عَمِيَ عَمًى: فَقَدَ بصرَهُ، فهو أَعْمَى، والمرأة عَمْيَاءُ، والجمع عُمْيٌ، من باب أَحْمَر، وعُمْيَانُ أيضًا، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: أَعْمَيْتُهُ، ولا يقع العَمَى إلا على العينين جميعًا، ويستعار العَمَى للقلب؛ كنايةً عن الضلالة، والعلاقة عدم الاهتداء، فهو عَمٍ، وأَعْمَى القَلْبِ، وعَمِيَ الخبرُ: خَفِي، ويُعَدَّى بالتضعيف، فيقال: عَمَّيْتُهُ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر عبارة الفيّوميّ أن تعدية عَمِيَ بمعنى فَقَدَ بصره بالهمزة، وأما التعدية بالتضعيف فهو لـ «عَمِيَ الخبرُ» بمعنى خَفِي، لكن أثبت المجد تعدية الأول بالتضعيف، وعبارته: عَمِيَ -كرَضِي- عَمًى: ذَهَبَ بصره كلُّهُ، قال: وعَمَاه تعميةً: صَيَّره أعمى. انتهى . فأدت عبارة المجد هذه أن الرواية هنا بلفظ: «فأعمِ بصرها»، و«عَمِّ بصرها» كلتاهما صحيحتان، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا) وفي الرواية التالية: «واقتلها في أرضها»، وقول سعيد هذا دليلٌ على أن سعيدًا استجاز الاعاء على الظالم بأكثر مما ظَلم فيه، وفيه إشكال مع قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ووجهُ الإشكال: أنه كما لا يجوز أن ياخذ من الظالم، أو الغاصب زيادةً على القصاص، أو على مقدار ما أَخَذ، كذلك لا يجوز أن يدعو عليه بزيادة على ذلك؟ لإمكان الإجابة، فتحصل الزيادة الممنوعة، ولو لم يُستَجب له؛ أليس قد أراد وتمنى شرًّا زائدًا على قدر الجناية للمسلم؟! وهو ممنوع منه، دمانما الذي يجوز أن يدعو به على الظالم أن يقول: اللهم خُذ لي حقي منه، اللهم افعل به مثل ما فعل، وما أشبه ذلك، ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣]. ويجاب عنه بالفرق بين الدُّعاء على الظالم بأكثر مما ظَلم فيه، وبين أن يُفْعَل به أكثر مما ظَلم فيه، فإن الدعاء ليس مقطوعًا بإجابته، فإذا صدر عن المظلوم بحكم حرقة مظلمته، وشدَّة مَوْجِدته لم نقل: إنه صدر عنه محرَّم، وغاية ذلك: أن يكون تَرَك الأولى؛ لأنه منتصر، ولأنه لم يصبر، ولذلك قال النبيّ -ﷺ-: «واتّق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، متّفقٌ عليه، ويدلّ على جواز ذلك ما رُوي: أن النبيّ -ﷺ- رأى رجلًا خَلَق الثياب، فأمره أن يلبس ثوبيه، فلمّا لبسهما قال: «ما له؟ -ضرب الله عنقه- أليس هذا خيرًا» ، وفي كتاب أبي داود: عن سعيد بن غزوان، عن أبيه أنه مرَّ بين يدي رسول الله -ﷺ- بتبوك، وهو يصلي، فقال: «قطع صلاتنا، قطع الله أثره»، قال: فما قمت عليهما إلى يومي هذا -يعني: رجليه-؛ فدلَّ هذا على أن الدَّعاء المذكور ليس محرَّمًا. قال الجامع عفا الله عنه: استدلال القرطبيّ على جواز الدعاء على الظالم بأكثر مما ظَلَم غير صحيح، أما الحديث الأول فليس فيه دعاء على الظالم، وإنما هو دعاء لرجل مسلم أن ينال الشهادة، وأما الحديث الثاني فضعيف؛ لأن في سنده سعيد بن غزوان، وأبوه مجهولان، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وأما قوله: إنه أراد الشرَّ للظالم وتمنَّاه، فنقول بجواز ذلك، ليرتدع الظالم عن شرّه، أو غيره ممن يريد الظلم والشر. ولو سلّمنا أن ذلك لا يجوز لأمكن أن يقال: إنه لا يلزم من الدُّعاء بالشر أن يكون ذلك الشر متمنَّى، ولا مرادًا للدَّاعي، فإن الإنسان قد يدعو على ولده وحبيبه بالشر؛ بحكم بادرة الغضب، ولا يريد وقوعه به، ولا يتمناه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما قاله القرطبيّ من جواز الدعاء على الظالم بأكثر مِن ظُلمه، فيه نظر لا يخفى؛ لمخالفته للأدلة الشرعية، كقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ الآية [النساء: ١٤٨]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]، وكذا استدلاله بالحديثين الماضيين فيه نظر لا يخفى، كما أوضحته آنفًا، وكذا دعاء سعيد بن زيد المذكور وإن كان صحابيًّا لا يكون حجة؛ لأنه يُحمل على أنه صدر منه في حال غضبه، فلا يُتَأَسَّى به. والحاصل أن الدعاء على المظلوم يجوز بمثل ظلمه، أو أن يأخذ الله له من ظالمه حقّه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (قَالَ) الراوي، وهو محمد بن زيد: (فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ)؛ أي: تطلب (الْجُدُرَ) بضمّتين: جمع جدار، وهو الحائط، مثلُ كتاب وكُتُب، وقوله: (تَقُولُ) جملة حاليّة (أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدِ بْنِ زيدٍ) -﵁- (فَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشِي فِي الدَّارِ)؛ أي: التي ادّعت على سعيد غصبها منها، فتركها لها (مَرَّتْ عَلَى بِئْرٍ فِي الدَّارِ، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا)؛ يعني: أنها دُفنت في تلك البئر، ولعلها كانت صالحة للدفن فيها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعيد بن زيد -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ٤١٢٥ و٤١٢٦ و٤١٢٧ و٤١٢٨] (١٦١٠)، و(البخاري) في «المظالم» (٢٤٥٢) و«بدء الخلق» (٣١٩٨)، و(الترمذيّ) في «جامعه» (١٤١٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٧٥٥)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ٤٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١٨٨ و١٨٩ و١٩٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٤٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤١٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩٥١ و٩٥٤ و٩٥٥ و٩٥٦ و٩٥٩ و٩٦٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣١٩٥ و٥١٦٣)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٣٥٢ و٣٥٣ و٣٥٤ و٣٥٥)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (١/ ٩٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٩٨) و«الصغرى» (٥/ ٣٧٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم الظلم، والغصب، وتغليظ عقوبته. ٢ - (ومنها): بيان إمكان غصب الأرض، خلافًا لمن قال: لا يمكن ذلك، قال النوويّ ﵀: وفيه إمكان غصب الأرض، وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة ﵀: لا يُتَصَوَّر. انتهى . ٣ - (ومنها): بيان أن غصب الأرض من الكبائر، قاله القرطبيّ ﵀، قال في «الفتح»: وكأنه فَرَّعه على أن الكبيرة ما وَرَد فيه وعيد شديد. ٤ - (ومنها): بيان أن من مَلك أرضًا مَلك أسفلها إلى منتهى الأرض، فله أن يمنع مَن حَفَرَ تحتها سَرَبًا أو بئرًا بغير رضاه. ٥ - (ومنها): أن مَن مَلَك ظاهر الأرض ملك باطنها بما فيه، من حجارة ثابتة، وأبنية، ومعادن، وغير ذلك، وأن له أن ينزل بالحفر ما شاء، ما لم يَضُرّ بمن يجاوره. وقال القرطبيّ ﵀: وقد استُدِلَّ على أن من مَلك شيئًا من الأرض مَلك ما تحته مما يقابله، فكل ما يوجد فيه من معدن، أو كنز فهو له، قال: وقد اختُلِف في ذلك في مذهب مالك، فقيل ذلك، وقيل: هو للمسلمين، وعلى ذلك فله أن يَنزِل بالحفر ما شاء ما لم يَضُرّ بمن يجاوره، وكذلك أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض، من البناء ما شاء، ما لم يَضُرَّ بأحد، فيُمْنَعُ. انتهى . ٦ - (ومنها): أن الأرضين السبع متراكمة، لم يُفْتَقْ بعضها من بعض؛ لأنها لو فُتِقت لاكتفِي في حقّ هذا الغاصب بتطويق التى غَصَبها؛ لانفصالها عما تحتها، أشار إلى ذلك الداوديّ ﵀. ٧ - (ومنها): فيه أن الأرضين السبع طباقٌ كالسموات، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١٢]، قال القرطبيّ ﵀: أي في العدد؛ لأن الكيفيّة والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار، فتعيّن العدد. انتهى. وقيل: إن المراد بقوله: «سبع أرضين» سبعة أقاليم، وتُعُقِّب بأنه لو كان كذلك لم يطَوَّق الغاصب شبرًا من إقليم آخر، قاله ابن التين ﵀، ذكره في «الفتح» . وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: هذا تصريح بأن الأرضين سبع طبقات، وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وأما تأويل المماثلة على الهيئة والشكل، فخلاف الظاهر، وكذا قول من قال: المراد بالحديث سبع أرضين من سبع أقاليم؛ لا أنّ الأرضين سبع طباق، وهذا تأويل باطل، أبطله العلماء بأنه لو كان كذلك لم يُطَوَّق الظالم بشبر من هذا الإقليم شيئًا من إقليم آخر، بخلاف طباق الأرض، فإنها تابعة لهذا الشبر في الفلك، فمن مَلك شيئًا من هذه الأرض مَلَكه، وما تحته من الطباق، قال القاضي عياض: وقد جاء في غِلَظ الأرضين وطباقهنّ، وما بينهنّ حديث ليس بثابت. انتهى . وقال في «الفتح» في «كتاب بدء الخلق» عند شرح قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١٢]: قال الداوديّ فيه دلالة على أن الأرضين بعضها فوق بعض، مثلُ السماوات، ونُقِلَ عن بعض المتكلمين أن المثلية في العدد خاصةً، وأن السبع متجاورة، وحَكَى ابن التين عن بعضهم أن الأرض واحدةٌ، قال: وهو مردود بالقرآن والسُّنَّة. قال الحافظ: لعله القول بالتجاور، وإلا فيصير صريحًا في المخالفة، ويدلّ للقول الظاهر ما رواه ابن جرير من طريق شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: في كل أرض مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق، هكذا أخرجه مختصرًا، وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم، والبيهقيّ من طريق عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، مُطَوَّلًا، وأوله: «أي: سبع أرضين، في كل أرض آدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيسى، ونبي كنبيكم»، قال البيهقيّ: إسناده صحيح، إلا أنه شاذّ بمرّة. وروى ابن أبي حاتم، من طريق مجاهد، عن ابن عباس، قال: لو حدثتكم بتفسير هذه الآية لكفرتم، وكَفَّركم تكذيبكم بها، ومن طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه، وزاد: وهنّ مكتوبات بعضهنّ على بعض. وظاهر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يرُدّ أيضًا على أهل الهيئة قولهم: أَنْ لا مسافة بين كلّ أرض وأرض، وإن كانت فوقها، وأن السابعة صماء، لا جوف لها، وفي وسطها المركز، وهي نقطة مقدَّرة متوهمة إلى غير ذلك من أقوالهم التي لا برهان عليها. وقد رَوَى أحمد، والترمذيّ من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «إن بين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وأن سَمْك كل سماء كذلك، وأن بين كل أرض وأرض خمسمائة عام»، وأخرجه إسحاق بن راهويه، والبزار، من حديث أبي ذرّ نحوه، ولأبي داود، والترمذيّ من حديث العباس بن عبد المطلب، مرفوعًا: «بين كل سماء وسماء إحدى، أو اثنتان وسبعون سنةً»، وجُمِع بين الحديثين بأن اختلاف المسافة بينهما باعتبار بطء السير وسرعته. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٢٧] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ، ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زيدٍ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ اَخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-؟ قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، طُوِّقَهُ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ»، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا، قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا، إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ، فَمَاتَتْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دَلَّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) وله (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. و«سعيد بن زيد» -﵁- ذُكر قبله. وقوله: (أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ) كذا وقع في نسخ «صحيح مسلم» المطبوعة، ومثله في «جامع الأصولَ» لابن الأثير، وكذلك ذَكَر أبو نعيم في «الحلية» اسمها في موضعين، ولكن المعروف «بنت أنيس»، ولم يذكر الحافظ في «الإصابة»، ولا ابن الأثير في «أُسْد الغابة» غير «بنت أنيس»، وجزم الأستاذ محمد ذهني في تعليقه بأنه خطأ من النساخ، والله أعلم . وقوله: (فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ) بن أبي العاص بن أُميّة، أبو عبد الملك، ليست له صحبة، توفّي سنة (٦٥) تقدّمت ترجمته في «الصيام» ١٣/ ٢٥٨٩. وقوله: (فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا؟) هذا قاله إنكارًا لما ادّعته أروى، وقد تقدّم من رواية أبي نعيم في «الحلية» أنه قال: «أنا أظلم أروى حقّها؟ فوالله لقد ألقيت لها ستمائة ذراع من أرضي، من أجل حديث سمعته من رسول الله -ﷺ- …» الحديث. وقوله: (فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا) قال القرطبيّ ﵀: «لا أسألك» قرأناه بفتح الكاف، على خطاب سعيد، وهو صحيحٌ، وفيه إشكال، وذلك أن الأرض كانت في يد سعيد، وادَّعَت المرأة أنَّه غصبها إيَّاها، ألا ترى قول عروة: إن أروى ادَّعَت على سعيد أنه أخذ لها شيئًا من أرضها، فهو المدَّعَى عليه، وكيف يُكَلَّف المدَّعَى عليه إقامة البينة على إبطال دعوى الْمُدَّعِي؟! وإنما القضاء كما قال النبيّ -ﷺ- للحضرميّ المدَّعِي: «شاهداك، أو يمينه» ، وإنما يصلح أن يخاطب بهذه الكاف المدَّعِية، وعلى هذا: فينبغي أن تكون مكسورة، ويكون مروان قال لها ذلك كفًّا لها عن تماديها على دعواها؛ لِعِلْمه بصدق سعيد من جهة قرائن أحواله، لا أن الخبر الذي ذكره يدلُّ على براءته من دعواها، لكن ما كان معلومًا من دِينِ سعيد، ومن ورعه، وفضله، وأنه مشهود له بالجنة، وعِظَم هذا الوعيد الشديد الذي سمعه من النبيّ -ﷺ- مشافهةً مع نزارة هذا القدر المدّعَى عليه به، فحصل عند مروان العلم بصدقه، فقال للمرأة: لا أسألكِ بينة؛ أي: لأنك لا تجدينها بوجه، ثم إنه لم يقض بينهما بشيء، ولم يُحوجه سعيدٌ إلى قضاء، بل بادر إلى أن سلّم لها ما ادَّعته، وزادها من أرضه، فقال: دعوها لها. قال القرطبيّ: فهذا الذي ظهر لي في هذا الخطاب، فإنه إن كان متوجهًا لسعيد لزم أن يكون مروان عَدَل عن جهة القضاء المنصوص عليها؛ التي لا اختلاف فيها، وأن سعيدًا أقرَّه عليها، وكل ذلك باطل، فتعيَّن ما اخترناه، والله أعلم.
مصادر المؤلف (٢٦)

١. هكذا ترجم القرطبيّ ﵀، وهو أنسب بحديث الباب، ولذا اخترته على ترجمة النوويّ وغيره بـ «باب تحريم الظلم، وغصب الأرض، وغيرها»، فتنبّه.

٢. راجع: «الإصابة» للحافظ ابن حجر ٢/ ٨٧ - ٨٨.

٣. وفي نسخة: «من سبع أرضين».

٤. راجع: «الإصابة في تمييز الصحابة» ٧/ ٤٧٨.

٥. «الفتح» ٦/ ٢٧٣ - ٢٧٨.

٦. راجع: «الفتح» ٦/ ٢٧٢، كتاب «المظالم» رقم (٢٤٥٢).

٧. راجع:«حلية الأولياء»لأبي نعيم ١/ ٩٧.

٨. «حلية الأولياء»١/ ٩٧.

٩. «الفتح»٦/ ٢٧٢.

١٠. «شرح النوويّ»١١/ ٤٨.

١١. «المصباح المنير»١/ ١٢.

١٢. «المفهم» ٤/ ٥٣٤ - ٥٣٥.

١٣. «شرح النوويّ» ١١/ ٤٨ - ٤٩.

١٤. «الفتح» ٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣.

١٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٣١.

١٦. «القاموس المحيط» ص ٩١٤.

١٧. حديث صحيح، أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (١٢/ ٢٣٦) فقال: (٥٤١٨) - أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاريّ، أخبرنا أحمد بن أبي بكر، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله -ﷺ- في غزوة أنمار، قال: فبينما أنا نازل تحت شجرة إذا رسول الله -ﷺ- قال فقلت: يا رسول الله هَلُمّ إلى الظل، قال: فنزل رسول الله -ﷺ-، قال جابر: فقمت إلى غِرَارة لنا، فالتمست فيها، فوجدت فيها جِرْوَ قِثَّاء، فكسرته، ثم قرّبته إلى رسول الله -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: «من أين لكم هذا؟»، فقلت: خرجنا به يا رسول الله من المدينة، قال جابر: وعندنا صاحب لنا نُجَهِّزه؛ ليذهب يرعى ظهرنا، قال: فجهزته، ثم أدبر يذهب في الظهر، وعليه بُردان له قد خَلُقَا، قال: فنظر إليه رسول الله -ﷺ-، فقال: «أما له ثوبان غير هذين؟» قال: فقلت: يا رسول الله له ثوبان في الْعَيبة، كسوته إياهما، قال: «فادعه، فمره، فليلبسهما»، قال: فدعوته، فلبسهما، ثم وَلَّى يذهب، فقال رسول الله -ﷺ-: «ما له ضرب الله عنقه؟ أليس هذا خيرًا؟» فسمعه الرجل، فقال: يا رسول الله في سبيل الله، فقال رسول الله -ﷺ-: «في سبيل الله»، فقُتِل الرجل في سبيل الله. انتهى.

١٨. «المفهم» ٤/ ٥٣٧ - ٥٣٨.

١٩. «شرح النوويّ» ١١/ ٤٩ - ٥٠.

٢٠. «السَّرَبُ» بفتحتين: بيت في الأرض لا منفذ له. قاله في «المصباح» ١/ ٢٧٢.

٢١. «المفهم» ٤/ ٥٣٥.

٢٢. «الفتح» ٦/ ٢٧٣.

٢٣. «شرح النوويّ» ١١/ ٤٨.

٢٤. «الفتح» ٧/ ٤٩٥ - ٤٩٦، كتاب «بدء الخلق» رقم (٣١٩٥).

٢٥. راجع: «تكملة فتح الملهم» ١/ ٦٧٧.

٢٦. رواه أحمد في «مسنده» (٥/ ٢١١)، والبخاريّ في «صحيحه» (٢٥١٥ و٢٥١٦).