HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦١٣

حَدَّثَنِي أبوكامل فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ، جُعِلَ عرضه سبعة أذرع).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص59
ج ٣ ص ١٢٣٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص١٣٨
(٥٢) - (بَابُ قَدْرِ الطَّرِيقِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٣٢] (١٦١٣) - (حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَ أَذْرُعٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنةَ (خت م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ) الدبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٤/ ١٦٧٤. ٣ - (خَالِدٌ الْحَذَّاءٌ) بن مِهْران، أبو الْمُنازل، ثقةٌ حافظ يرسل، تغيّر حفظه لَمّا قَدِم من الشام [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. ٤ - (يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن الحارث الأنصاريّ مولاهم، أبو الوليد البصريّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أبيه، وخاله محمد بن سيرين، وأنس بن مالك، وأبي العالية، والأحنف، وجماعة. ورَوَى عنه ابن عون، وخالد الحذّاء، ومَهْديّ بن ميمون، وعاصم الأحول، وحماد بن سلمة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم (١٦١٣)، و(٢١٩٦): «رَخَّص رسول الله -ﷺ- في الرقية من العين والْحُمَة»، وأعاده بعده و(٢٧٣٠) في دعاء الكرب. ٥ - (أَبُوهُ) عبد الله بن الحارث الأنصاريّ، أبو الوليد البصريّ، نَسِيب ابن سيرين، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٦/ ١٣٣٨. و«أبو هريرة» -﵁- ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالبصريين غير الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، ورواية الأَوَّلين من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الخامسة. شرح الحديث: (عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن الحارث الأنصاريّ (عَنْ أَبِي هريرةَ) -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا اخْتَلَفتُمْ) وفي رواية البخاريّ:«إذا تشاجروا في الطريق»، تفاعلوا من المشاجرة -بالمعجمة، والجيم-؛ أي: تنازعوا، وللإسماعيليّ:«إذا اختَلَف الناس في الطريق»، ولأبي عوانة في«صحيحه»، وأبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، من طريق بُشَير بن كعب -وهو بالتصغير والمعجمة- عن أبي هريرة -﵁- بلفظ:«إذا اختلفتم في الطريق، فاجعلوه سبعة أذرع»، ومثله لابن ماجه من حديث ابن عباس -﵄-. قوله: (في الطريق) زاد المستملي في روايته«الميتاء» ولم يتابَع عليه، وليست بمحفوظة في حديث أبي هريرة، وإنما ذكرها المؤلف في الترجمة مشيرًا بها إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته، وذلك فيما أخرجه عبد الرزاق، عن ابن عباس -﵄-، عن النبيّ -ﷺ-:«إذا اختلفتم في الطريق الْمِيتاء، فاجعلوها سبعة أذرع»، ورَوَى عبد الله بن أحمد في«زيادات المسند»، والطبريّ من حديث عبادة بن الصامت -﵁- قال:«قَضَى رسولُ الله -ﷺ- في الطريق الْمِيتاء … »، فذكره في أثناء حديث طويل، ولابن عديّ من حديث أنس -﵁-:«قَضَى رسول الله -ﷺ- في الطريق الميتاء التي تُؤْتَى من كل مكان … »، فذكره، وفي كلٍّ من الأسانيد الثلاثة مقال. انتهى . (جُعِلَ) بالبناء للمفعول (عَرْضُهُ) -بفتح، فسكون: خلاف الطول، يقال: عَرُضَ الشيءُ بضمّ الراء عِرَضًا، وزانُ عِنَبٍ، وعَرَاضَةً بالفتح: اتَّسَعَ عَرْضُهُ، وهو تباعد حاشيتيه، فهو عَرِيض، والجمع عِرَاضٌ، مثلُ كَرِيم وكِرَام، فالْعَرْض: خلاف الطول، قاله الفيّوميّ ﵀ . والمعنى هنا: أنه يُجعل سعة عرضه (سَبْعَ أَذْرُعٍ») قال النوويّ ﵀: هكذا هو في أكثر النسخ: «سبع أذرع»، وفي بعضها: «سبعة أذرع»، وهما صحيحان، والذراع يُذكَّر، ويؤنث، والتأنيث أفصح. انتهى. وقال الفيّوميّ ﵀: «الذِّرَاعُ»: اليدُ من كلّ حيوان، لكنها من الإنسان من الْمَرْفِق إلى أطراف الأصابع، وذِرَاعُ القياس: أنثى في الأكثر، ولفظ ابن السِّكِّيت: الذِّرَاعُ أنثى، وبعض العرب يُذَكّر، قال ابن الأنباريّ: وأنشدنا أبو العباس، عن سلمة، عن الفراء شاهدًا على التأنيث قولَ الشاعر [من الرجز]: أَرْمِي عَلَيْهَا وَهْيَ فَرْعٌ أَجْمَعُ … وَهْيَ ثَلاثُ أَذْرُعٍ وَإِصْبَعُ وعن الفراء أيضًا: الذِّرَاعُ: أنثى، وبعض عُكْلٍ يُذَكِّر، فيقول: خمسة أذرع، قال ابن الأنباريّ: ولم يَعرف الأصمعيّ التذكيرَ، وقال الزجاج: التذكير شاذّ غير مختار، وجَمْعُها: أَذْرُعٌ، وذُرْعَانٌ، حكاه في «الْعُباب»، وقال سيبويه: لا جمع لها غير أذرع، وذِرَاعُ القِيَاسِ: ستُّ قبضات معتدلات، ويُسَمَّى ذِرَاعَ العَامَّةِ، وإنما سُمِّي بذلك؛ لأنه نَقَصَ قبضةً عن ذِرَاعِ المَلِكِ، وهو بعض الأكاسرة، نقله المطرزيّ. انتهى . وقال في «الفتح»: الذي يظهر أن المراد بالذراع ذراع الآدميّ، فيُعْتَبر ذلك بالمعتدل، وقيل: المراد بالذراع ذراع البنيان المتعارَف، قال الطبريّ: معناه أن يُجعَل قدر الطريق المشتركة سبعة أذرع، ثم يبقى بعد ذلك لكل واحد من الشركاء في الأرض قَدْرُ ما يَنْتَفِع به، ولا يَضُرّ غيره، والحكمة في جعلها سبعة أذرع؛ لتسلكها الأحمال والأثقال دخولًا وخروجًا، ويسع لا بُدّ لهم من طرحه عند الأبواب، ويلتحق بأهل البنيان مَن قَعَد للبيع في حَافَة الطريق، فإن كانت الطريق أزيد من سبعة أذرع لم يمنع من القعود في الزائد، وإن كان أقلّ مُنِعَ؛ لئلا يُضَيِّق الطريقَ على غيره. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: هذا محمول على أمهات الطرق التي هي ممرّ عامة الخلق بأحمالهم، ومواشيهم، فإذا تشاحّ من له أرض تتصل بها مع من له فيها حقّ جُعِل بينهما سبع أذرع، بالذراع المتعارفة في ذلك طريقًا للناس، وخُلِّي بينهما وبين ما زاد على ذلك، وأما بنيّات الطُّرُق فبحسب ما تدلّ عليه العادة، وتدعو إليه الحاجة، وذلك يختلف بحسب اختلاف أحوال المتنازعين، فليست طريقُ مَن عادته استعمال الدوابّ والمواشي وأهل البادية، كعادة من لا يكون كذلك، من أهل الحاضرة، ولا مسكن الجماعة كمسكن الواحد والاثنين، وإنما ذلك بحسب مصلحتهم، وعلى هذا يَحتاج أهل البادية من توسيع الطريق إلى ما لا يحتاج إليه أهل الحاضرة، وتَحتاج طُرُق الفيافي والقفار من التوسيع أكثر من سبع أذرع؛ لأنها مجرُّ الجيوش والرِّفاق الكبار، وكل هذا تفصيل أصحابنا -يعني: المالكيّة- وصحيح مذهب مالك، ولو جُعل الطريق في كل محلٍّ سبع أذرع لأضرّ ذلك بأملاك كثير من الناس، ويلزم أن تُجعل بنيّات الطرق من الأزقّة وغيرها كالأمهات المسلوكة للناس، وكطرق الفيافي، وذلك مُحالٌ عاديّ، وفسادٌ ضروريٌّ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: وأما قَدْر الطريق، فإن جَعَل الرجل بعض أرضه المملوك طريقًا مُسَبَّلةً للمارّين، فقدْرها إلى خِيرته، والأفضل توسيعها، وليست هذه الصورة مرادةَ الحديث، وإن كان الطريق بين أرض لقوم، وأرادوا إحياءها، فإن اتَّفَقوا على شيء فذاك، وإن اختلفوا في قدره جُعِل سبع أذرع، وهذا مراد الحديث، أما إذا وجدنا طريقًا مسلوكًا، وهو أكثر من سبعة أذرع، فلا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه، وإن قلَّ، لكن له عِمارة ما حَوَاليه من الموات، ويملكه بالإحياء، بحيث لا يضرّ المارين. قال: قال أصحابنا -يعني: الشافعيّة-: ومتى وَجدنا جادّة مستطرقةً، ومسلكًا مشروعًا نافذًا حكمنا باستحقاق الاستطراق فيه بظاهر الحال، ولا يُعتبر مبتدأُ مصيره شارعًا، قال إمام الحرمين وغيره: ولا يحتاج ما يجعله شارعًا إلى لفظ في مصيره شارعًا ومُسَبَّلًا، هذا ما ذكره أصحابنا فيما يتعلق بهذا الحديث. وقال آخرون: هذا في الأفنية، إذا أراد أهلها البنيان، فيُجعَل طريقهم عرضه سبعة أذرع؛ لدخول الأحمال والأثقال، ومخرجها، وتلاقيها، قال القاضي عياض: هذا كله عند الاختلاف، كما نُصَّ عليه في الحديث، فأما إذا اتَّفَق أهل الأرض على قسمتها، وإخراج طريق منها كيف شاؤوا فلهم ذلك، ولا اعتراض عليهم؛ لأنها ملكهم. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»: «باب إذا اختلفوا في الطريق الْمِيتاء، وهي الرَّحْبة تكون بين الطريق، ثمّ يريد أهلها البنيان، فتُرك منها للطريق سبعة أذرُع». انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «وهي الرَّحْبَة تكون بين الطريقين، ثم يريد أهلها البنيان إلخ …» وهو مصير منه إلى اختصاص هذا الحكم بالصورة التي ذكرها، وقد وافقه الطحاويّ على ذلك، فقال: لم نجد لهذا الحديث معنى أولى من حمله على الطريق التي يُراد ابتداؤها، إذا اختَلَف من يبتدئها في قَدْرها، كبَلَد يفتحها المسلمون، وليس فيها طريق مسلوك، وكموات يعطيه الإمام لمن يحييها، إذا أراد أن يَجعل فيها طريقًا للمارّة، ونحو ذلك، وقال غيره: مراد الحديث أن أهل الطريق إذا تراضوا على شيء كان لهم ذلك، وإن اختلفوا جُعِل سبعة أذرع، وكذلك الأرض التي تُزْرَع مثلًا إذا جَعَل أصحابها فيها طريقًا كان باختيارهم، وكذلك الطريق التي لا تُسْلَك إلا في النادر يُرجع في أفنيتها إلى ما يتراضى عليه الجيران. انتهى . والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ٤١٣٢] (١٦١٣)، و(البخاريّ) في «المظالم» (٢٤٧٣)، و(أبو داود) في «الأقضية» (٣٦٣٣)، و(الترمذيّ) في «الأحكام» (١٣٥٥)، و(ابن ماجه) في «الأحكام» (٢٢٣٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٣٣٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٥٤٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٦٩ و١٥٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. * * * ٢٢ - (كِتَابُ الْفرائِضِ) مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في بيان وجه مناسبة هذا الكتاب للأبواب السابقة: لَمّا كانت الكتب السابقة، من البيع، والمزارعة، والمساقاة، والشفعة من وسائل اكتساب المال بالمال، أو بالجهد والعمل، أعقبه المصنّف ﵀ بذكر ما يحصل به المال بغير مال، ولا جهد، أو عمل، وهو الميراث، والهبة، والوصيّة. فلذا جاء بكتاب الفرائض بعد كتاب البيوع، ثم أعقبه بكتاب الهبة، ثم بكتاب الوصيّة. أفاده بعض المحقّقين . (المسألة الثانية): (اعلم): أن علم الفرائض من أهمّ العلوم الدينيّة، وأدلّ دليل على ذلك اهتمام الشارع به اهتمامًا زائدًا، فبينما نرى القرآن الكريم يكتفي في أكثر أبواب الأحكام ببيان أصول كليّة دون التعرّض للجزئيّات والتفاصيل في الغالب، نجده في باب الفرائض يهتمّ ببيان جزئيّاته وتفاصيله الدقيقة، ويصرّح بذكر السهام لكلّ واحد من الورثة في بسط واستقصاء، وهذا فيه دلالة واضحة على أهميّة علم الفرائض. وأما الأحاديث الواردة في فضل الفرائض وتعلّمها، فليست صحيحة، وإنما العمدة هو دلالة الكتاب، كما ذكرته آنفًا. (فمنها): حديث ابن مسعود -﵁- قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «تعلّموا العلم، وعلّموه الناس، تعلّموا الفرائض، وعلّموه الناس، تعلّموا القرآن، وعلّموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، والعلم سيقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف اثنان في فريضة، لا يجدان أحدًا يفصل بينهما»، أخرجه الدارميّ، وهو حديث ضعيف؛ للاضطراب فيه، ولأن في سنده سليمان بن جابر الهجريّ، وهو مجهول. (ومنها): حديث أبي بكرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «تعلّموا القرآن، وعلّموه الناس، وتعلّموا الفرائض، وعلّموها الناس، أوشك أن يأتي على الناس زمان، يختصم رجلان في الفريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما»، رواه الطبرانيّ في «الأوسط» . وهو أيضًا حديث ضعيف؛ لأن في إسناده راشد الحمانيّ، وهو مقبول، والراوي عنه مجهول. (ومنها): حديث أبي هريرة -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: «تعلّموا الفرائض، وعلّموه الناس، فإنه نصف العلم، وهو يُنْسَى، وهو أول شيء يُنزَع من أمتي»، أخرجه ابن ماجه، وهو ضعيف؛ لأن في إسناده حفص بن عمر بن أبي العطاف، وهو ضعيف، وصححه الحاكم، وتعقّبه الذهبيّ بأن حفص بن عمر وَاهٍ بمرّة. (ومنها): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سُنَّة قائمة، أو فريضة عادلة»، أخرجه أبو داود، والحاكم، وصححه، وتعقّبه الذهبيّ، وهو كما قال؛ لأن في سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقيّ، وهو ضعيف، وشيخه عبد الرحمن بن رافع التنوخيّ، قاضي إفريقية منكر الحديث، قاله الذهبيّ، وغيره. وبالجملة فالأحاديث الواردة في هذا الباب ضعيفة، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. (المسألة الثالثة): في تعريف «الفرائض»: الفرائض: جمع فَرِيضة، كحديقة وحدائق، والفريضة فَعِيلة بمعنى مفروضة، مأخوذة من الفَرْض، وهو القطع، يقال: فَرَضتُ لفلان كذا؛ أي: قطعت له شيئًا من المال، قاله الخطابيّ . وقيل: هو من فَرض القوس، وهو الحزّ الذي في طرفيه، حيث يوضع الْوَتَرُ ليثبت فيه، ويلزمه، ولا يزول، وقيل: الثاني خاصّ بفرائض الله، وهي ما أَلزَم به عباده، وقال الراغب: الفرض قطع الشيء الصَّلْب، والتأثير فيه، وخُصّت المواريث باسم الفرائض، من قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨]؛ أي: مُقَدَّرًا، أو معلومًا، أو مقطوعًا عن غيرهم، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ ﵀: الفرائض: هي جمع فريضة، من الْفَرْض، وهو التقدير؛ لأن سُهمان الفروض مقدَّرة، ويقال للعالم بالفرائض: فَرَضيٌّ؛ وفارض، وفَرِيضٌ، كعالم، وعَليم، حكاه المبرّد، وأما الإرث في الميراث، فقال المبرّد: أصله: العاقبة، ومعناه الانتقال من واحد إلى آخر. انتهى . وقال الفيوميّ ﵀: فُرْضَةُ القوس موضع حَزّها للوتر، والجمع: فُرَضٌ، وفِرَاضٌ، مثلُ بُرْمة وبُرَمٍ، وبِرَام، والفُرْضَةُ في الحائط ونحوه، كالفُرْجَة، وجمعها: فُرَضٌ، وفُرْضَةُ النهر الثُّلْمَة التي ينحدر منها الماء، وتصعد منها السفن، وفَرَضْتُ الخشبة فَرْضًا، من باب ضَرَبَ: حززتها، وفَرَضَ القاضي النَّفَقَةَ فَرْضًا أيضًا: قَدَّرها، وحَكَمَ بها، والفَرِيضَةُ: فَعِيلة بمعنى مفعولة، والجمع: فَرائضُ، قيل: اشتقاقها من الفَرْضِ الذي هو: التقدير؛ لأن الفَرَائِضَ مقدَّرات، وقيل: من فَرْضِ القوس، وقد اشتهر على ألسنة الناس: «تَعَلَّمُوا الفَرائِضَ، وعَلِّموُهَا النَّاسَ، فَإنَّها نِصْفُ العِلْمِ»، بتأنيث الضمير، وإعادته إلى الفرائض؛ لأنها جمع مؤنث، ونُقِلَ: «وعلّموه، فإنه نصف العلم» بالتذكير، بإعادته على محذوف؛ تنبيهًا على حذفه، والتقدير: تعلّموا علم الفَرَائِضِ، ومثله في التنزيل: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤)﴾ [الأعراف: ٤] والأصل: كم من أهل قرية، فأعاد الضمير في قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ على المضاف إليه، وفي قوله: ﴿هُمْ قَائِلُونَ﴾ على المضاف المحذوف، قيل: سَمّاه نصفَ العلم باعتبار قسمة الأحكام إلى متعلِّق بالحيّ، وإلى متعلِّق بالميت، وقيل: توسعًا، والمراد: الحثّ عليه، كما في قوله -ﷺ-: «الحجُّ عَرَفةُ». انتهى . (المسألة الرابعة): في بيان بعض أسرار التوارث: (اعلم): أن الشيخ وليّ الله الدهلويّ ﵀ تكلم في هذا الموضوع في كتابه النافع «حجة الله البالغة»، فأجاد، وأفاد، قال ﵀: ومسائل المواريث تبتنى على أصول: (منها): أن المعتبر في هذا الباب هو المصاحبة الطبيعية، والمناصرة، والموادة التي هي كمذهب جِبِلّيّ، دون الاتفاقات الطارئة، فإنها غير مضبوطة، ولا يمكن أن يبنى عليها النواميس الكلية، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فلذلك لم يُجعل الميراث إلا لأولي الأرحام غير الزوجين، فإنهما لاحقان بأولي الأرحام، داخلان في تضاعيفهم؛ لوجوه: منها: تأكيد التعاون في تدبير المنزل، والحث على أن يعرف كل واحد منهما ضرر الآخر ونفعه، راجعا إلى نفسه. ومنها: أن الزوج ينفق عليها، ويستودع منها ماله، ويأمنها على ذات يده حتى يتخيل أن جميع ما تركته أو بعض ذلك حقه في الحقيقة، وتلك خصومة لا تكاد تنصرم، فعالج الشرع هذا الداء بأن جعل له الربع، أو النصف؛ ليكون جابرًا لقلبه، وكاسرًا لسورة خصومته. ومنها: أن الزوجة ربما تَلِد من زوجها أولادًا هم من قوم الرجل، لا محالة، وأهل نسبه ومنصبه، واتصال الإنسان بأمه لا ينقطع أبدًا، فمن هذا الجهة تدخل الزوجة في تضاعيف من لا ينفك عن قومه، وتصير بمنزلة ذوي الأرحام. ومنها: أنه يجب عليها بعده أن تعتد في بيته لمصالح لا تخفى، ولا مُتَكَفِّل لمعيشتها من قومه، فوجب أن تُجعل كفايتها في مال الزوج، ولا يمكن أن يجعل قَدْرًا معلومًا؛ لأنه لا يُدرى كم يترك، فوجب جزء شائع؛ كالثُّمُن، والربع. ومنها: أن القرابة نوعان: أحدهما: ما يقتضي المشاركة في الحسب والمنصب، وأن يكونا من قوم واحد، وفي منزلة واحدة. وثانيهما: ما لا يقتضي المشاركة في الحسب والنسب والمنزلة، ولكنه مَظِنّة الودّ والرفق، وأنه لو كان أمر قسمة التركة إلى الميت لَمَا جاوز تلك القرابة، ويجب أن يُفَضَّل النوع الأول على الثاني؛ لأن الناس عربهم وعجمهم يرون إخراج منصب الرجل، وثروته من قومه إلى قوم آخرين جورًا وهضمًا، ويسخطون على ذلك، وإذا أُعطي مال الرجل ومنصبه لمن يقوم مقامه من قومه، رأوا ذلك عدلًا، ورضوا به، وذلك كالجبلّة التي لا تنفك منهم، إلا أن تقطع قلوبهم، اللهم إلا في زماننا حين اختلت الأنساب، ولم يكن تَناصُرهم بنسبهم، ولا يجوز أن يُهْمَل حق النوع الثاني أيضًا بعد ذلك، ولذلك كان نصيب الأم مع أن بِرّها أوجب، وصلتها أوكد أقل من نصيب البنت والأخت، فإنها ليست من قوم ابنها، ولا من أهل حسبه ونسبه ومنصبه وشرفه، ولا ممن يقوم مقامه، ألا ترى أن الابن ربما يكون هاشميًّا، والأم حبشية، والابن قرشيًّا، والأم عجمية، والابن من بيت الخلافة، والأم مغموصًا عليها بعهر ودناءة، أما البنت والأخت فهما من قوم المرء، وأهل منصبه، وكذلك أولاد الأم لم يرثوا حين ورثوا إلا ثلثًا، لا يزاد لهم عليه البتة، ألا ترى أن الرجل يكون من قريش، وأخوه لأمه من تميم، وقد يكون بين القبيلتين خصومة، فينصر كل رجل قومه على قوم الآخر، ولا يرى الناس قيامه مقام أخيه عدلًا، وكذلك الزوجة التي هي لاحقة بذوي الأرحام داخلة في تضاعيفها، لم تجد إلا أوكس الأنصباء، وإذا اجتمعت جماعة منهنّ اشتركن في ذلك النصيب، ولم يَرْزَأْنَ سائر الورثة البتة، ألا ترى أنها تتزوج بعد بعلها زوجًا غيره، فتنقطع العلاقة بالكلية. وبالجملة فالتوارث يدور على معان ثلاثة: القيام مقام الميت في شرفه ومنصبه، وما هو من هذا الباب، فإن الإنسان يسعى كل السعي ليبقى له خلف يقوم مقامه. والخدمة، والمواساة، والرفق، والحدب عليه من هذا الباب. الثالث: القرابة المتضمنة لهذين المعنيين جميعًا، والأقدم بالاعتبار هو الثالث، ومظنتها جميعًا على وجه الكمال من يدخل في عمود النسب، كالأب، والجدّ، والابن، وابن الابن، فهؤلاء أحقّ الورثة بالميراث، غير أن قيام الابن مقام أبيه، هو الوضع الطبيعيّ الذي عليه بناء العالم من انقراض قرن، وقيام القرن الثاني مقامهم، وهو الذي يرجونه، ويتوقعونه، ويحصلون الأولاد والأحفاد لأجله، أما قيام الأب بعد ابنه، فكأنه ليس بوضع طبيعيّ، ولا ما يطلبونه، ويتوقعونه، ولو أن الرجل خُيِّر في ماله لكانت مواساة ولده أملك لقلبه من مواساة والده، فلذلك كانت السُّنَّة الفاشية في طوائف الناس تقديم الأولاد على الآباء، أما القيام مقامه فمظنته بعدما ذكرنا الإخوة، ومن في معناهم ممن هم كالعضد، وكالصنو، ومن قوم المرء، وأهل نسبه وشرفه، وأما الخدمة والرفق فمظنة القرابة القريبة، فالأحقّ به الأم والبنت، ومن في معناهما، ممن يدخل في عمود النسب، ولا تخلو البنت من قيابم ما مقامه، ثم الأخت، ولا تخلو أيضًا من قيامٍ ما مقامه، ثم مَن به علاقة التزوج، ثم أولاد الأم، والنساء لا يوجد فيهنّ معنى الحماية، والقيام مقامه، كيف والنساء ربما تزوّجن في قوم آخرين، ويدخلن فيهم، اللهم إلا البنت والأخت على ضعف فيهما، ويوجد في النساء معنى الرفق والحدب كاملًا موفَّرًا، وإنما مظنة القرابة القريبة جدًّا؛ كالأم، والبنت، ثم الأخت؛ دون البعيدة؛ كالعمة، وعمة الأب، والباب الأول يوجد في الأب والابن كاملًا، ثم الإخوة، ثم الأعمام، والمعنى الثاني يوجد في الأب كاملًا، ثم الابن، ثم الأخ لأب وأم، أو لأم، وإنما مظنة القرابة القريبة دون البعيدة، فمن ثَمَّ لم يُجعل للعمة شيء مما للعمّ؛ لأنها لا تذُبّ عنه، كما يذُبّ العم، وليست كالأخت في القرب. ومنها: أن الذكر يُفَضَّل على الأنثى، إذا كانا في منزلة واحدة أبدًا؛ لاختصاص الذكور بحماية البيضة، والذبّ عن الذِّمار، ولأن الرجال عليهم إنفاقات كثيرة، فهم أحقّ ما يكون شبه الْمُجّان، بخلاف النساء، فإنهن كَلٌّ على أزواجهن، أو آبائهن، أو أبنائهن، وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ [النساء: ٣٤]، وقال ابن مسعود -﵁- في مسألة ثلث الباقي: ما كان الله لِيَريَنِّي أن أفضّل أمًّا على أب، غير أن الوالد لمّا اعتبر فَضَّله مرة بجمعه بين العصوبة والفرض، ولم يعتبر ثانيًا بتضاعف نصيبه أيضًا، فإنه غمط لحقّ سائر الورثة، وأولاد الأم ليس للذكر منهم حماية للبيضة، ولا ذبّ عن الذمار، فإنهم من قوم آخرين، فلم يُفَضَّل على الأنثى، وأيضًا فإن قرابتهم منشعبة من قرابة الأم، فكأنهم جميعًا إناث. ومنها: أنه إذا اجتمع جماعة من الورثة، فإن كانوا في مرتبة واحدة، وجب أن يوزع عليهم؛ لعدم تقدم واحد منهم على الآخر، وإن كانوا في منازل شتى، فذلك على وجهين، إما أن يعمهم اسم واحد، أو جهة واحدة، والأصل فيه أن الأقرب يحجب الأبعد حرمانًا؛ لأن التوارث إنما شرع حثًّا على التعاون، ولكل قرابة وتعاون، كالرفق فيمن يعمهم اسم الأم، والقيام مقام الرجل فيمن يعمهم اسم الابن، والذبّ عنه، فيمن يعمهم اسم العصوبة، ولا تتحقق هذه المصلحة إلا بأن يتعيّن من يؤاخذ نفسه بذلك، ويلام على تركه، ويتميز مِنْ سائر مَن هنالك بالنّبل، إما فضل سهم على سهم، فلا يجدون له كثير بال، أو تكون أسماؤهم وجهاتهم مختلفة، والأصل فيه أن الأقرب، والأنفع فيما عند الله مِنْ عِلْم المظانّ الغالبية، يحجب الأبعد نقصانًا. ومنها: أن السهام التي تعيّن بها الأنصباء يجب أن تكون أجزاؤها ظاهرة يتميزها بادئ الرأي المحاسب وغيره، وقد أشار النبيّ -ﷺ- في قوله: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» إلى أن الذي يليق أن يخاطب به جمهور المكلفين هو ما لا يحتاج إلى تعمق في الحساب، ويجب أن يكون بحيث يظهر فيها ترتيب الفضل والنقصان بادئ الرأي، فآثر الشرع من السهام فصلين: الأول الثلثان والثلث والسدس، والثاني النصف والربع والثمن، فإن مخرجهما الأصليّ أولًا الأعداد، ويتحقق فيهما ثلاث مراتب، بَيْن كل منها نسبة الشيء إلى ضعفه، ترفعًا، ونصفه تنزلًا، وذلك أدنى أن يظهر فيه الفضل والنقصان محسوسًا متبينًا، ثم إذا اعتُبر فضلٌ ظهرت نسب أخرى لا بد منها في الباب؛ كالشيء الذي زيد على النصف، فلا يبلغ التمام، وهو الثلثان، والشيء الذي ينقص عن النصف، ولا يبلغ الربع، وهو الثلث، ولم يعتبر الخمس والسبع؛ لأن تخريج مخرجهما أدقّ، والترفع والتنزل فيهما يحتاج إلى تعمق في الحساب، وقال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، أقول: يَضْعَف نصيب الذكر على الأنثى، وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، وللبنت المنفردة النصف؛ لأنه إن كان ابن واحد لأحاط المال، فمن حق البنت الواحدة أن تأخذ نصفه قضية للتضعيف، والبنتان حكمهما حكم الثلاث بالإجماع، وإنما أعطيتا الثلثين؛ لأنه لو كان مع البنت ابن لوجدت الثلث، فالبنت الأخرى أولى ألا ترزأ نصيبها من الثلث، وإنما أُفْضِل للعصبة الثلث؛ لأن للبنات معونةً، وللعصبات معونةً، فلم يُسقط إحداهما الأخرى، لكن كانت الحكمة أن يُفَضَّل من في عمود النسب على من يحيط به من جوانبه، وذلك نسبة الثلثين من الثلث، وكذلك حال الوالدين مع البنين والبنات، وقال الله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ الآية [النساء: ١١]. أقول: قد علمتَ أن الأولاد أحقّ بالميراث من الوالدين، وذلك بأن يكون لهم الثلثان، ولهما الثلث، وإنما لم يجعل نصيب الوالد أكثر من نصيب الأم؛ لأنه اعتبر فضله من جهة قيامه مقام الولد، وذبه عنه مرة واحدة بالعصوبة، فلا يعتبر ذلك الفضل بعينه في حقّ التضعيف أيضًا، وعند عدم الولد لا أحقّ من الوالدين، فأحاط تمام الميراث، وفُضِّل الأب على الأم، وقد علمت أن الفضل المعتبر في أكثر هذه المسائل فضل التضعيف، ثم إن كان الميراث للأم والإخوة، وهم أكثر من واحد، وجب أن ينقص سهمها إلى السدس؛ لأنه إن لم تكن الإخوة عصبة، وكانت العصبات أبعد من ذلك، فالعصوبة والرفق والمودة على السواء، فجُعل النصف لهؤلاء، والنصف لهؤلاء، ثم قسم النصف على الأم وأولادها، فجعل السدس لها البتة، لا ينقص سهمها منه، والباقي لهم جميعًا، وإن كانت الإخوة عصبات، فقد اجتمع فيهم القرابة القريبة، والحماية، وكثيرًا ما يكون مع ذلك ورثة آخرون، كالبنت، والبنين، والزوج، فلو لم يجعل لها السدس حصل التفسيق عليهم، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. أقول: الزوج يأخذ الميراث؛ لأنه ذو اليد عليها، وعلى مالها، فإخراج المال من يده يسوؤه، ولأنه يودعِّ منها، ويأمنها في ذات يده حتى يتخيل أن له حقًّا قويًّا فيما في يدها، أو الزوجة تأخذ حقّ الخدمة والمواساة والرفق، ففضل الزوج على الزوجة، وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، ثم اعتُبر ألا يضيّقا على الأولاد، وقد علمت أن الفضل المعتبر في أكثر المسائل فضل التضعيف، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. أقول: هذه الآية في أولاد الأمّ؛ للإجماع، ولمّا لم يكن له والد ولا ولد جُعِل لحقّ الرفق -إذا كانت فيهم الأمّ- النصف، ولحقّ النصرة والحماية النصف، فإن لم تكن أم جُعل لهم الثلثان، ولهؤلاء الثلث، قال الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية [النساء: ١٧٦]. أقول: هذه الآية في أولاد الأب بني الأعيان، وبني العّلات بالإجماع، والكلالة من لا والد له، ولا ولد، وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، كشف لبعض حقيقة الكلالة، والجملة في ذلك أنه إذا لم يوجد من يدخل في عمود النسب، حُمِل أقرب من يشبه الأولاد، وهم الإخوة والأخوات على الأولاد، قال رسول الله -ﷺ-: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر». أقول: قد علمت أن الأصل في التوارث معنيان، وقد ذكرناهما، وأن المودّة والرفق لا يُعتبر إلا في القرابة القريبة جدًّا كالأمّ، والإخوة، دون ما سوى ذلك، فإذا جاوزهم الأمر تعيَّن التوارث بمعنى القيام مقام الميت، والنصرة له، وذلك قوم الميت، وأهل نسبه، وشرفه الأقرب فالأقرب، قال -ﷺ-: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم». أقول: إنما شُرع ذلك؛ ليكون طريقًا إلى قطع المواساة بينهما، فإن اختلاط المسلم بالكافر يفسد عليه دينه، وهو قوله تعالى في حكم النكاح: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّار﴾ [البقرة: ٢٢١]. وقال -ﷺ-: «القاتل لا يرث»، أقول: إنما شُرع ذلك؛ لأن من الحوادث الكثيرة الوقوع أن يقتل الوارث مُوَرِّثه؛ ليحرز ماله، لا سيما في أبناء العم ونحوهم، فيجب أن تكون السُّنَّة بينهم تأييس مَن فَعَلَ ذلك عما أراده؛ لتقطع عنهم تلك المفسدة. وجرت السُّنَّة ألا يرث العبد، ولا يورَث، وذلك لأن ماله لسيده، والسيد أجنبيّ. وقال -ﷺ-: «إن أعيان بني الأم يتوارثون، دون بني العلات»، أقول: وذلك لِمَا ذكرنا من أن القيام مقام الميت مبناه على الاختصاص، وحجب الأقرب والأبعد بالحرمان، وأجمعت الصحابة -﵃- في زوج وأبوين، وامرأة وأبوين، أن للأم ثلث الباقي، وقد بَيَّن ابن مسعود زعبه ذلك بما لا مزيد عليه، حيث قال: ما كان الله ليريني أن أفضل أمًّا على أب. وقضى رسول الله -ﷺ- في بنت وابنة ابن، وأخت لأب وأم، للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت، أقول: وذلك لأن الأبعد لا يزاحم الأقرب فيما يجوزه، فما بقي، فإن الأبعد أحقّ به حتى يستوفي ما جعل الله لذلك النصف، فالابنة تأخذ النصف كاملًا، وابنة الابن في حكم البنات، فلم تزاحم البنت الحقيقية، واستوفت ما بقي من نصيب البنات، ثم كانت الأخت عصبةً؛ لأن فيها معنى من القيام مقام البنت، وهي من أهل شرفه. وقال عمر -﵁- في زوج وأم وإخوة لأب وأم وإخوة لأم: لم يزدهم الأب إلا قربًا، وتابع عليه ابن مسعود، وزيد، وشُريح -﵃- خلائق، وهذا القول أوفق الأقوال بقوانين الشرع، وقضى للجدة بالسدس إقامة لها مقام الأم عند عدمها. وكان أبو بكر، وعثمان، وابن عباس -﵃- يجعلون الجد أبًا، وهو أولى الأقوال عندي.
مصادر المؤلف (١٣)

١. «الميتاء»-بميم مكسورة، وتحتانية ساكنة، وبعدها فوقانية، ومدّ بوزن مِفْعال- من الإتيان، والميم زائدة، قال أبو عمرو الشيباني: الميتاء أعظم الطرُق، وهي التي يكثر مرور الناس فيها، وقال غيره: هي الطرق الواسعة، وقيل: العامرة. راجع:«الفتح»٦/ ٢٩٣.

٢. «الفتح»٦/ ٢٩٤.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٢.

٤. «المصباح المنير» ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨.

٥. «الفتح» ٦/ ٢٩٤.

٦. «المفهم» ٤/ ٥٣٣.

٧. «الفتح» ٦/ ٢٩٣ - ٢٩٤.

٨. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٢/ ٥.

٩. «المعجم الأوسط» ٤/ ٢٣٧.

١٠. «غريب الحديث» للخظابيّ ٢/ ٤٥ - ٤٦.

١١. «الفتح» ١٥/ ٤١٨ - ٤١٩ رقم (٦٧٢٣).

١٢. «شرح النوويّ» ١١/ ٥١ - ٥٢.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٨ - ٤٦٩.