HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦١٥

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ (وَهُوَ النَّرْسِيُّ). حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا. فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذكر).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص59
ج ٣ ص ١٢٣٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص١٦٣
(٢) - (بَابُ قوله -ﷺ-: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٣٤] (١٦١٥) - (حَدَّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ -وَهُوَ النَّرْسِيُّ- حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ) الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من كبار [١٠] (ت ٦ أو ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ٢ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، تغيّر قليلًا في الآخر [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣. ٣ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد الله، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان الْحِميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- تقدّم قريبًا. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄-، قال في «الفتح»: قيل: تفرّد وهيب بوصله، ورواه الثوريّ عن ابن طاوس، لم يذكر ابن عباس، بل أرسله، أخرجه النسائيّ، والطحاويّ، وأشار النسائيّ إلى ترجيح الإرسال، ورَجَحَ عند صاحبي «الصحيحين» الموصول؛ لمتابعة رَوْح بن القاسم وهيبًا عَندهما، ويحيى بن أيوب عند مسلم، وزياد بن سعد، وصالح، عند الدارقطنيّ، واختُلِف على معمر، فرواه عبد الرزاق عنه موصولًا، أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، ورواه عبد الله بن المبارك عن معمر، والثوريّ جميعًا مرسلًا، أخرجه الطحاويّ، ويَحْتَمِل أن يكون حَمَلَ رواية معمر على رواية الثوريّ، وإنما صححاه؛ لأن الثوريّ، وإن كان أحفظ منهم، لكن العدد الكثير يقاومه، وإذا تعارض الوصل والإرسال، ولم يرجح أحد الطريقين قُدِّم الوصل. انتهى . وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا) المراد بـ»الفرائض«هنا: الأنصباء المقدَّرة في كتاب الله تعالى، وهي النصف، ونصفه، ونصف نصفه، والثلثان، ونصفهما، ونصف نصفهما، والمراد بـ»أهلها«: من يستحقّها بنص القرآن، ووقع في رواية رَوْح بن القاسم، عن ابن طاوس:»اقسِمُوا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله«؛ أي: على وفق ما أَنزَلَ في كتابه، قاله في»الفتح«. وقال القرطبيّ ﵀:«الفرائض»: جمع فريضة، وأصل الفرض: القطع. والألف واللام في«الفرائض» للعهد؛ لأنَّه يعني بها: الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى، وهي ستة: النصف، والرُّبع، والثُّمن، والثلثان، والثلث، والسُّدس. فالنصف فرضُ خمسة: ابنة الصُّلب، وابنة الابن، والأخت الشقيقة، والأخت للأب، والزوج، وكل ذلك إذا انفردوا عمَّن يحجبهم عنه. والربع: فرض الزوج مع الحاجب، وفرض الزوجة، أو الزوجات مع عدمه. والثُّمن: فرض الزوجة، أو الزوجات مع الحاجب. والثلثان فرض أربع: الاثنتين فصاعدًا من بنات الصلب، أو بنات الابن، أو الأخوات الأشقاء، أو للأب. وكل هؤلاء إذا انفردن عمَّن يحجبهن عنه. والثلث فرض صنفين: الأُمُّ مع عدم الولد؛ وولد الابن؛ وعدم الاثنين فصاعدًا من الإخوة والأخوات. وفرض الاثنين فصاعدًا من ولد الأُمِّ، وهذا هو ثلث كل المال. فأما ثلث ما يبقى: فذلك للأُم في مسألة: زوج أو زوجة وأبوان؛ فللأم فيها ثلث ما يبقى، وفي مسائل الجدِّ مع الإخوة إذا كان معهم ذو سهم، وكان ثلث ما يبقى أحظى له. والسُّدس فرض سبعة: فرض كل واحد من الأبوين والجد مع الولد وولد الابن، وفرض الجدة والجدَّات إذا اجتمعن، وفرض بنات الابن مع بنت الصُّلب، وفرض الأخوات للأب مع الأخت الشقيقة، وفرض الواحد من ولد الأم ذكرًا كان أو أنثى. وهذه الفروض كلّها مأخوذةٌ من كتاب الله تعالى، إلا فرض الجدَّات فإنَّه مأخوذ من السُّنَّة، فهؤلاء أهل الفرائض الذين أمر النبيّ -ﷺ- أن يُقْسَم المال عليهم لَمَّا قال: «اقسموا المال بين أهل الفرائض»، وهو معنى قوله: «ألحقوا الفرائض بأهلها». انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو تحقيق مفيد، والله تعالى أعلم .. (فَمَا بَقِيَ) وفي رواية روح التالية: «فما تَرَكَتْ»؛ أي: أبقت (فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ«) وفي رواية روح التالية:»فلأولى رجل«، وهو -بفتح الهمزة، واللام، بينهما واو ساكنة- أفعل تفضيل من الْوَلْي -بسكون اللام- وهو القرب؛ أي: لمن يكون أقرب في النسب إلى الْمُوَرِّث، وليس المراد هنا الأحق. وقد حَكَى عياض أن في رواية ابن الحذّاء، عن ابن ماهان:«فهو لأدنى»بدال، ونون، وهي بمعنى الأقرب. وقال النوويّ: قال العلماء: المراد بـ«أولى رجل»أقرب رجل، مأخوذ من الْوَلْي بإسكان اللام، على وزن الرَّمْي، وهو القرب، وليس المراد بـ«أَوْلى»هنا أحقّ، بخلاف قولهم: الرجل أولى بماله؛ لأنه لو حُمِل هنا على أحقّ لَخَلا عن الفائدة؛ لأنا لا ندري من هو الأحقّ، وقوله -ﷺ-:«رجلٍ ذكرٍ»وَصَفَ الرجلَ بأنه ذكر؛ تنبيهًا على سبب استحقاقه، وهو الذكورة التي هي سبب العصوبة، وسبب الترجيح في الإرث، ولهذا جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وحكمته أن الرجال تَلْحَقهم مُؤَنٌ كثيرةٌ: بالقيام بالعيال، والضيفان، والأرقاء، والقاصدين، ومواساة السائلين، وتحمُّل الغرامات، وغير ذلك، والله أعلم. انتهى . وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وأما قوله -ﷺ-:«لأولى رجلٍ ذكرٍ» مع أنَّ الرجلَ لا يكونُ إلّا ذكرًا، فالجوابُ الصحيحُ عنه أنَّه قد يُطلَقُ الرجل، ويرادُ به الشخص، كقوله: مَن وَجَدَ ماله عند رجل قد أفلس، ولا فرقَ بينَ أنْ يجده عند رجلٍ أو امرأةٍ، فتقييدُه بالذَّكر ينفي هذا الاحتمال، ويُخلصه للذكر دونَ الأنثى وهو المقصودُ، وكذلك الابنُ: لمَّا كان قد يُطلق، ويُراد به أعمُّ من الذكر، كقوله: ابن السبيل، جاء تقييدُ ابنِ اللبون في نُصُب الزكاة بالذَّكر. انتهى . وقال في «الفتح»: قال الخطابيّ: المعنى: أقرب رجل من العصبة، وقال ابن بطال: المراد بأولى رجل أن الرجال من العصبة بعد أهل الفروض، إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميت استحقّ دون من هو أبعد، فإن استووا اشتركوا، قال: ولم يقصد في هذا الحديث من يدلي بالآباء والأمهات مثلًا؛ لأنه ليس فيهم من هو أولى من غيره، إذا استووا في المنزلة، كذا قال ابن الْمُنَيِّر، وقال ابن التين: إنما المراد به العمة مع العم، وبنت الأخ مع ابن الأخ، وبنت العم مع ابن العم، وخرج من ذلك الأخ والأخت لأبوين، أو لأب، فإنهم يرثون بنصّ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، ويستثنى من ذلك من يُحجب، كالأخ للأب مع البنت، والأخت الشقيقة، وكذا يخرج الأخ، والأخت لأمّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]، وقد نُقل الإجماع على أن المراد بها الإخوة من الأم. وقوله: (رَجُلٍ ذَكَرٍ) قال في «الفتح»: هكذا في جميع الروايات، ووقع في كتب الفقهاء، كصاحب «النهاية»، وتلميذه الغزاليّ: «فلأولى عصبة ذكر»، قال ابن الجوزيّ، والمنذريّ: هذه اللفظة ليست محفوظة، وقال ابن الصلاح: فيها بُعْدٌ عن الصحة من حيث اللغة، فضلًا عن الرواية، فإن العصبة في اللغة اسم للجمع، لا للواحد، كذا قال، قال الحافظ: والذي يظهر أنه اسم جنس، ويدلّ عليه ما وقع في بعض طرق حديث أبي هريرة -﵁- عند البخاريّ: «فليرثه عصبته من كانوا». قال ابن دقيق العيد: قد استُشكل بأن الأخوات عَصَّبت البنات، والحديث يقتضي اشتراط الذكورة في العصبة المستحقّ للباقي بعد الفروض. والجواب: أنه من طريق المفهوم، وقد اختُلِف هل له عموم، وعلى التنزل فيُخَصّ بالخبر الدال على أن الأخوات عصبت البنات. وقد استُشكل التعبير بِذَكَر بعد التعبير بِرَجُل، فقال الخطابيّ: إنما كُرِّر للبيان في نعته بالذكورة؛ ليعلم أن العصبة إذا كان عمًّا، أو ابن عَمّ مثلًا، وكان معه أخت له أن الأخت لا ترث، ولا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وتُعُقِّب بأن هذا ظاهر من التعبير بقوله: «رجل»، والإشكال باقٍ، إلا أن كلامه ينحلّ إلى أنه للتأكيد، وبه جزم غيره، كابن التين، قال: ومثله: «ابنُ لبون ذَكَرٍ»، وزَيَّفه القرطبيّ، فقال: قيل: إنه للتأكيد اللفظيّ، ورُدّ بأن العرب إنما تؤكد حيث يفيد فائدةً، إما تعيّن المعنى في النفس، وإما رفعُ توهّم المجاز، وليس ذلك موجودًا هنا. وقال غيره: هذا التوكيد لمتعلَّق الحكم، وهو الذكورة؛ لأن الرجل قد يراد به معنى النَّجْدة والقُوّة في الأمر، فقد حَكَى سيبويه: مررت برجل رجلٍ أبوه، فلهذا احتاج الكلام إلى زيادة التوكيد بِذَكَرٍ، حتى لا يُظَنّ أن المراد به خصوص البالغ، وقيل: خشية أن يُظَنّ بلفظ رجل الشخص، وهو أعم من الذكر والأنثى. وقال ابن العربيّ: في قوله: «ذَكَرٍ» الإحاطة بالميراث إنما تكون للذكر دون الأنثى، ولا يَرِدُ قول من قال: إن البنت تأخذ جميع المال؛ لأنها إنما تأخذه بسببين متغايرين، والإحاطة مختصة بالسبب الواحد، وليس إلا الذكر، فلهذا نَبَّهَ عليه بذِكْرٍ الذكورية، قال: وهذا لا يَتَفَطَّن له كلُّ مُدَّعٍ. وقيل: إنه احتراز عن الخنثى في الموضعين، فلا تُؤخذ الخنثى في الزكاة، ولا يحوز الخنثى المال إذا انفرد. وقيل: للاعتناء بالجنس، وقيل: للإشارة إلى الكمال في ذلك، كما يقال: امرأة أنثى، وقيل: لنفي توهم اشتراك الأنثى معه؛ لئلا يُحْمَل على التغليب، وقيل: ذُكِرَ تنبيهًا على سبب الاستحقاق بالعصوبة، وسبب الترجيح في الإرث، ولهذا جُعِل للذكر مثل حظ الأنثيين، وحكمته أن الرجال تلحقهم المؤن؛ كالقيام بالعيال، والضيفان، هارفاد القاصدين، ومواساة السائلين، وتحمّل الغرامات، وغير ذلك، هكذا قال النوويّ، وسبقه القاضي عياض، فقال: قيل: هو على معنى اختصاص الرجال بالتعصيب بالذكورية التي بها القيام على الإناث، وأصله للمازريّ، فإنه قال -بعد أن ذكر استشكال ما ورد في هذا، وهو رجل ذكر، وفي الزكاة ابن لبون ذكر- قال: والذي يظهر لي أن قاعدة الشرع في الزكاة الانتقال من سنّ إلى أعلى منها، ومن عدد إلى أكثر منه، وقد جُعِل في خمسة وعشرين بنت مخاض، وسنًّا أعلى منها، وهو ابن لبون، فقد يُتَخَيَّل أنه على خلاف القاعدة، وأن السنين كالسنّ الواحد؛ لأن ابن اللبون أعلى سنًّا، لكنه أدنى قدرًا، فنبّه بقوله: «ذَكَرٍ» على أن الذكورية تبخسه، حتى يصير مساويًا لبنت مخاض، مع كونها أصغر سنًّا منه، وأما في الفرائض، فَلِمَا عُلِم أن الرجال هم القائمون بالأمور، وفيهم معنى التعصيب، وترى لهم العرب ما لا ترى للنساء، فعَبَّر بلفظ «ذَكَرٍ» إشارةً إلى العلة التي لأجلها اختَصَّ بذلك، فهما وإن اشتركا في أن السبب في وصف كل منهما بذكر التنبيه على ذلك، لكن متعلَّق التنبيه فيهما مختلف، فإنه في ابن اللبون إشارةٌ إلى النقص، وفي الرجل إشارةٌ إلى الفضل، وهذا قد لخصه القرطبيّ، وارتضاه. وقيل: إنه وَصْفٌ لـ «أَوْلَى»، لا لـ «رجل»، قاله السهيليّ، وأطال في تقريره، وتبجح به، فقال: هذا الحديث أصل في الفرائض، وفيه إشكال، وقد تلقاه الناس، أو أكثرهم على وجه لا تصح إضافته إلى مَن أُوتي جوامع الكلم، واختُصِر له الكلام اختصارًا، فقالوا: هو نعت لرجل، وهذا لا يصحّ؛ لعدم الفائدة؛ لأنه لا يتصور أن يكون الرجل إلا ذكرًا، وكلامه أجلّ من أن يَشتَمِل على حشو لا فائدة فيه، ولا يتعلق به حكم، ولو كان كما زعموا لنقص فقه الحديث؛ لأنه لا يكون فيه بيان حكم الطفل الذي لم يبلغ سنّ الرجولية، وقد اتفقوا على أن الميراث يجب له، ولو كان ابن ساعة، فلا فائدة في تخصيصه بالبالغ دون الصغير، قال: والحديث إنما سيق لبيان من يستحق الميراث من القرابة بعد أصحاب السهام، ولو كان كما زعموا لم يكن فيه تفرقة بين قرابة الأب، وقرابة الأم، قال: فإذا ثبت هذا فقوله: «أَوْلَى رجل ذَكَرٍ» يريد القريب في النسب الذي قرابته من قِبَل رجل، وصُلْب، لا من قِبَل بطن ورحم، فالأولى هنا هو ولي الميت، فهو مضاف إليه في المعنى دون اللفظ، وهو في اللفظ مضاف إلى النسب، وهو الصُّلب، فعَبَّر عن الصُلب بقوله: «أولى رجل»؛ لأن الصلب لا يكون إلا رجلًا، فأفاد بقوله: «لأولى رجل» نفي الميراث عن الأولى الذي هو من قبل الأم، كالخال، وأفاد بقوله: «ذَكَرٍ» نفي الميراث عن النساء، وإن كنّ من المُدْلِين إلى الميت من قِبَل صلب؛ لأنهن إناث. قال: وسبب الإشكال من وجهين: أحدهما: أنه لما كان مخفوضًا ظُنَّ نعتًا لرجل، ولو كان مرفوعًا لم يُشكِل، كأن يقال: فوارثه أولى رجل ذكرٌ. والثاني: أنه جاء بلفظ أفعل، وهذا الوزن إذا أريد به التفضيل كان بعض ما يضاف إليه، كَفُلان أعلم إنسان، فمعناه أعلم الناس، فتوهّم أن المراد بقوله: «أولى رجل» أولى الرجال، وليس كذلك، وإنما هو أولى الميت بإضافة النسب، وأولى صُلب بإضافته، كما تقول: هو أخوك أخو الرخاء، لا أخو البلاء، قال: فالأَولى في الحديث كالولي. [فان قيل]: كيف يضاف للواحد، وليس بجزء منه؟. [فالجواب]: إذا كان معناه الأقرب في النسب جازت إضافته، وإن لم يكن جزءًا منه، كقوله -ﷺ- في البرّ: «برّ أمك، ثم أباك، ثم أدناك»، قال: وعلى هذا فيكون في هذا الكلام الموجز من المتانة، وكثرة المعاني، ما ليس في غيره، فالحمد لله الذي وَفَّقَ وأعان. انتهى كلامه. قال الحافظ: ولا يخلو من استغلاق، وقد لَخَّصَه الكرمانيّ، فقال: «ذَكَرٍ» صفة لـ «أَوْلَى»، لا لـ«رجل»، والأولى بمعنى القريب الأقرب، فكأنه قال: فهو لقريب الميت، ذكر، من جهة رجل، وصلب، لا من جهة بطن ورحم، فالأَوْلَى من حيث المعنى مضاف إلى الميت، وأشير بذكر الرجل إلى الأولوية، فأفاد بذلك نفي الميراث عن الأَولى الذي من جهة الأم، كالخال، وبقوله: «ذَكَرٍ» نفيه عن النساء بالعصوبة، وإن كنّ من المدلين للميت من جهة الصلب. انتهى. قال الحافظ: وقد أوردته كما وجدته، ولم أحذف منه إلا أمثلة أطال بها، وكلماتٍ طويلة تبجَّحَ بها بسبب ما ظهر له من ذلك، والعلم عند الله تعالى. انتهى كلام الحافظ ﵀ . وقد أشار الحافظ ابن رجب ﵀ إلى تزييف كلام السهيليّ السابق، فقال ما نصّه: وللسهيليّ كلام على هذا الحديث فيه تكفف وتعسّف شديد، ولا طائل تحته، وقد ردّه عليه جماعة ممن أدركناهم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٤١٣٤ و٤١٣٥ و٤١٣٦ و٤١٣٧] (١٦١٥)، و(البخاريّ) في «الفرائض» (٦٧٣٢ و٦٧٣٥ و٦٧٣٧ و٦٧٤٦)، و(أبو داود) في «سننه» (٢٨٩٨)، و(الترمذيّ) في «جامعه» (٢٠٩٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٧١)، و(ابن ماجه) في «سننه» (٢٧٤٠)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٠/ ٢٤٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٢٥٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٩٢ و٣١٣ و٣٢٥)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (١/ ١١٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده»، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٤٠ و٣/ ٤٣٧)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٣٧٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٣/ ٣٨٧ و٣٨٩ و٣٩٠)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٨/ ٢٣٧) و«الكبير» (١١/ ١٦ و٢٠)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٤/ ٧٠ و٧١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٢٣٨ و٢٣٩ و٢٥٨) و«المعرفة» (٥/ ٧٤) و«الصغرى» (٦/ ٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال النوويّ ﵀: أجمع المسلمون على أن ما بقي بعد الفروض، فهو للعصبات، يقدَّم الأقرب فالأقرب، فلا يرث عاصب بعيد مع وجود قريب، فإذا خلف بنتًا وأخًا، وعَمًّا، فللبنت النصف فرضًا، والباقي للأخ، ولا شيء للعمّ، قال أصحابنا: والعصبة ثلاثة أقسام: عصبة بنفسه، كالابن، وابنه، والأخ، وابنه، والعم، وابنه، وعمّ الأب، والجدّ، وابنهما، ونحوهم، وقد يكون الأب والجدّ عصبة، وقد يكون لهما فرض، فمتى كان للميت ابن، أو ابن ابن لم يرث الأب إلا السدس فرضًا، ومتى لم يكن ولد، ولا ولد ابن ورث بالتعصيب فقط، ومتى كانت بنت، أو بنت ابن، أو بنتان، أو بنتا ابن أَخَذَ البنات فرضهنّ، وللأب من الباقي السدس فرضًا، والباقي بالتعصيب، هذا أحد الأقسام، وهو العصبة بنفسه. والقسم الثاني: العصبة بغيره، وهنّ البنات بالبنين، وبناتُ الابن ببني الابن، والأخوات بالإخوة. والثالث: العصبة مع غيره، وهنّ الأخوات للأبوين، أو للأب مع البنات، وبنات الابن. فإذا خَلَّف بنتًا وأختًا لأبوين، أو لأب، فللبنت النصف فرضًا، والباقي للأخت بالتعصيب، وإن خلف بنتًا وبنت ابن وأختًا لأبوين، أو أختًا لأب، فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والباقي للأخت، وإن خلف بنتين، وبنتي ابن، وأختًا لأبوين، أو لأب، فللبنتين الثلثان، والباقي للأخت، ولا شيء لبنتي الابن؛ لأنه لم يبق شيء من فرض جنس البنات، وهو الثلثان، قال أصحابنا: وحيث أطلق العصبة فالمراد به العصبة بنفسه، وهو كلُّ ذَكَر يُدلي بنفسه بالقرابة، ليس بينه وبين الميت أنثى، ومتى انفرد العصبة أخذ جميع المال، ومتى كان مع أصحاب فروض مستغرِقة فلا شيء له، وإن لم يستغرقوا كان له الباقي بعد فروضهم، وأقرب العصبات البنون، ثم بنوهم، ثم الأب، ثم الجدّ إن لم يكن أخ، والأخ إن لم يكن جدّ، فإن كان جدّ وأخ، ففيها خلاف مشهور، ثم بنو الإخوة، ثم بنوهم، وإن سفلوا، ثم أعمام الأب، ثم بنوهم، وإن سفلوا، ثم أعمام الجدّ، ثم بنوهم، ثم أعمام جدّ الأب، ثم بنوهم، وهكذا، ومن أدلى بأبوين يقدَّم على من يُدلي بأب، فيقدّم أخ من أبوين على أخ من أب، ويقدّم عمّ لأبوين على عمّ لأب، وكذا الباقي، ويقدم الأخ من الأب، على ابن الأخ من الأبوين؛ لأن جهة الأخوة أقوى، وأقرب، ويقدَّم ابن أخ لأب على عمّ لأبوين، ويقدّم عم لأب على ابن عم لأبوين، وكذا الباقي، والله أعلم. ولو خلَّف بنتًا وأختًا لأبوين، وأخًا لأب، فمذهبنا ومذهب الجمهور أن للبنت النصفَ، والباقي للأخت، ولا شيء للأخ، وقال ابن عباس -﵄-: للبنت النصف، والباقي للأخ دون الأخت، وهذا الحديث المذكور في الباب ظاهر في الدلالة لمذهبه، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح»: قال القرطبيّ: وأما تسمية الفقهاء الأخت مع البنت عصبة، فعلى سبيل التجوّز؛ لأنها لما كانت في هذه المسألة تأخذ ما فَضَل عن البنت أشبهت العاصب، وقد ترجم البخاريّ في «صحيحه» بذلك. وقال الطحاويّ: استَدَلَّ قوم -يعني: ابن عباس ومن تبعه- بحديث ابن عباس على أن من خلَّف بنتًا وأخًا شقيقًا، وأختًا شقيقةً كان لابنته النصف، وما بقي لأخيه، ولا شيء لأخته، ولو كانت شقيقةً، وطردوا ذلك فيما لو كان مع الأخت الشقيقة عصبةٌ، فقالوا: لا شيء لها مع البنت، بل الذي يبقى بعد البنت للعصبة، ولو بَعُدوا، واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] قالوا: فمن أعطى الأخت مع البنت خالف ظاهر القرآن. قال: واستُدِلّ عليهم بالاتفاق على أن من ترك بنتًا وابن ابن، وبنت ابن متساويين أن للبنت النصف، وما بقي بين ابن الابن وبنت الابن، ولم يَخُصّوا ابن الابن بما بقي؛ لكونه ذَكَرًا، بل وَرَّثوا معه شقيقته، وهي أنثى، قال: فَعُلم بذلك أن حديث ابن عباس -﵄- ليس على عمومه، بل هو في شيء خاصّ، وهو ما إذا ترك بنتًا وعَمًّا وعمّةً، فإن للبنت النصفَ، وما بقي للعمّ دون العمة إجماعًا، قال فاقتضى النظر ترجيح إلحاق الأخت مع الأخ بالابن والبنت، لا بالعم والعمة؛ لأن الميت لو لم يترك إلا أخًا وأختًا شقيقتين، فالمال بينهما، فكذلك لو تَرَك ابن ابن وبنت ابن، بخلاف ما لو ترك عمًّا وعمّةً، فإن المال كله للعم دون العمة باتفاقهم. قال: وأما الجواب عما احتجوا به من الآية، فهو أنهم أجمعوا على أن الميت لو تَرَكَ بنتًا وأخًا لأب، كان للبنت النصف، وما بقي للأخ، وأن معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ إنما هو ولد يحوز المال كله، لا الولد الذي لا يحوز. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد شرح الحافظ ابن رجب ﵀ هذا الحديث شرحًا مطوّلًا، فأجاد وأفاد، أحببت إيراده هنا، وإن كان بعضه تقدّم، إلا أن فيه زوائد يستفاد منها. قال ﵀: وقد اختَلَف العلماء في معنى قوله -ﷺ-: «ألحقوا الفرائض بأهلها»: فقالت طائفة: المرادُ بالفرائض الفروضُ المقدرة في كتاب الله تعالى، والمراد: أعطوا الفروض المقدرة لمن سمَّاها الله لهم، فما بقي بعدَ هذه الفروض، فيستحقّه أولى الرجال، والمراد بالأوْلى: الأقربُ، كما يقال: هذا يلي هذا؛ أي: يَقرُبُ منه، فأقربُ الرجال هو أقربُ العصبات، فيستحقُّ الباقي بالتعصيب. وبهذا المعنى فسّرَ الحديثَ جماعةٌ من الأئمة، منهم الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، نقله عنهما إسحاق بن منصور، وعلى هذا، فإذا اجتمع بنت وأختٌ وعمٌّ أو ابنُ عم أو ابنُ أخ، فينبغي أنْ يأخذَ الباقي بعدَ نصف البنتِ العصبة، وهذا قولُ ابنِ عباس -﵄-، وكان يتمسَّكُ بهذا الحديث، ويُقرُّ بأنَّ الناسَ كلَّهم على خلافه، وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضًا. وقال إسحاق: إذا كان مع البنتِ والأختِ عصبة، فالعصبةُ أولى، وإنْ لم يكن معهما أحد، فالأخت لها الباقي، وحُكي عن ابن مسعود أنَّه قال: البنتُ عصبةُ من لا عصبة له، وردَّ بعضهم هذا، وقال: لا يصحُّ عن ابن مسعود. وكان ابنُ الزبير ومسروق يقولان بقول ابن عباس، ثم رجعا عنه. وذهب جمهورُ العلماء إلى أنَّ الأخت مع البنتِ عصبة لها ما فَضَلَ، منهم عمر، وعليٌّ، وعائشة، وزيد، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وتابعهم سائر العلماء. وروى عبدُ الرزاق: أخبرنا ابنُ جريج: سألتُ ابنَ طاووس عن ابنة وأخت، فقال: كان أبي يذكر عن ابن عباس، عن رجل عن النَّبيِّ -ﷺ- فيها شيئًا، وكان طاووس لا يرضى بذلك الرجل، قال: وكان أبي يشكُّ فيها، ولا يقول فيها شيئًا، وقد كان يُسأل عنها. والظاهر -والله أعلم- أنَّ مرادَ طاووس هو هذا الحديث، فإنَّ ابنَ عباس لم يكن عنده نصّ صريح عن النَّبيِّ -ﷺ- في ميراثِ الأخت مع البنت، إنَّما كان يتمسك بمثلِ عموم هذا الحديث. وما ذكر طاوس أنَّ ابنَ عباس رواه عن رجل وأنَّه لا يرضاه، فابنُ عباس أكثرُ رواياته للحديث عن الصحابة، والصحابة كلُّهم عدول قد ﵃، وأثنى عليهم، فلا عبرةَ بعد ذلك بعدم رضا طاووس. وفي «صحيح البخاري» عن أبي قيسٍ الأوديّ، عن هُزيلِ بنِ شُرحبيل، قال: جاء رجلٌ إلى أبي موسى، فسأله عن ابنةٍ وابنةِ ابنٍ، وأختٍ لأبٍ وأم، فقال: للابنة النصفُ، وللأخت ما بقي وائت ابنَ مسعود فسيُتابعني، فأتى ابنَ مسعود، فذكر ذلك له، فقال: لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بقضاء رسول الله -ﷺ-: للابنة النصفُ، ولابنةِ الابن السُّدس تكملة الثلثين، وما بقي، فللأخت، قال: فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبرُ فيكم. وفيه أيضًا عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: قضى فينا معاذُ بنُ جبل على عهد رسول الله -ﷺ-: النصف للابنة، والنصف للأخت، ثم ترك الأعمش ذكرَ عهدِ رسول الله -ﷺ-، فلم يذكره، وخرَّجه أبو داود من وجهٍ آخر عن الأسود، وزاد فيه: ونبيُّ الله -ﷺ- يومئذٍ حيٌّ. واستَدَلَّ ابنُ عباس لقوله بقول الله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، وكان يقول: أأنتم أعلم أم الله؟! يعني: أنَّ الله لم يجعل لها النصفَ إلا مع عدمِ الولد، وأنتم تجعلون لها النصف مع الولد، وهو البنت. والصوابُ قولُ عمر والجمهور، ولا دلالةَ في هذه الآية على خلاف ذلك، لأنَّ المراد بقوله: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ بالفرض، وهذا مشروطٌ بعدم الولد بالكلية، ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]؛ يعني بالفرض، والأخت الواحدة إنَّما تأخذ النصفَ مع عدمِ وجود الولد الذكر والأنثى، وكذلك الأُختان فصاعدًا إنَّما يستحقون الثُّلثين مع عدم وجودِ الولد الذكر والأنثى، فإنْ كان هناك ولد، فإنْ كان ذكرًا، فهو مقدَّمٌ على الإخوة مطلقًا ذكورهم وإناثهم، وإنْ لم يكن هناك ولدٌ ذكرٌ، بل أنثى، فالباقي بعد فرضها يستحقُّه الأخُ مع أخته بالاتفاق، فإذا كانتِ الأختُ لا يُسقِطُها أخوها؛ فكيف يُسقطها من هو أبعدُ منه من العصبات كالعمِّ وابنه؟ وإذا لم يكن العصبة الأبعد مسقطًا لها، فيتعيَّنُ تقديمُها عليه، لامتناع مشاركته لها، فمفهوم الآية أنَّ الولد يمنع أنْ يكونَ للأختِ النصفُ بالفرضِ، وهذا حقٌّ ليس مفهومها أنَّ الأخت تسقطُ بالبنت، ولا تأخذ ما فضل من ميراثها، يَدُلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقد أجمعتِ الأمة على أنَّ الولد الأنثى لا يمنع الأخ أنْ يرثَ من مال أخته ما فضلَ عن البنت أو البنات، وإنَّما وجودُ الولد الأنثى يمنع أنْ يَحُوزَ الأخُ ميراثَ أخته كلَّه، فكما أنَّ الولد إنْ كان ذكرًا، منع الأخ من الميراث، وإنْ كان أنثى، لم يمنعه الفاضل عن ميراثها، وإنْ منعه حيازة الميراثِ، فكذلك الولد إنْ كان ذكرًا مَنَع الأخت الميراثَ بالكليَّة، وإنْ كان أنثى، منعت الأخت أنْ يفرض لها النصف، ولم يمنعها أنْ تأخذ ما فَضَلَ عن فرضها، والله أعلم. وأما قوله -ﷺ-: «فما أبقتِ الفرائض، فلأولى رجُلٍ ذكر»، فقد قيل: إنَّ المرادَ به العصبةُ البعيدُ خاصَّة، كبني الإخوة والأعمام وبنيهم، دونَ العصبة القريب؛ بدليلِ أنَّ الباقي بعدَ الفروض يشترك فيه الذكر والأنثى إذا كان العصبةُ قريبًا، كالأولاد والإخوة بالاتفاق، فكذلك الأختُ مع البنت بالنص الدالِّ عليه. وأيضًا فإنَّه تُخَصّ منه هذه الصور بالاتفاق، وكذلك تُخصّ منه المعتِقَة مولاة النعمة بالاتفاق، فتُخَصَّ منه صورةُ الأخت مع البنت بالنصّ. وقالت طائفة آخرون: المرادُ بقوله: «ألحقوا الفرائضَ بأهلها» ما يستحقه ذوو الفروض في الجملة، سواءٌ أخذوه بفرض أو بتعصيب طرأ لهم، والمراد بقوله: «فما بقي، فلأولى رجل ذكر» العصبةُ الذي ليس له فرضٌ بحال، ويدلُّ عليه أنَّه قد رُوي الحديث بلفظ آخر، وهو: «اقسِموا المالَ بينَ أهلِ الفرائضِ على كتاب الله»، فدخل في ذلك كلُّ من كان مِنْ أهل الفروض بوجهٍ من الوجوه، وعلى هذا، فما تأخذه الأختُ مع أخيها، أو ابنِ عمها إذا عصبها هو داخلٌ في هذه القسمة؛ لأنها مِنْ أهل الفرائض في الجملة، فكذلك ما تأخذه الأخت مع البنت. وقالت فرقة أخرى: المرادُ بأهلِ الفرائض في قوله: «ألحقوا الفرائض بأهلها»، وقوله: «اقسموا المال بين أهل الفرائض» جملة من سمَّاه الله في كتابه من أهل المواريث من ذوي الفروض والعصبات كلِّهم، فإنَّ كلَّ ما يأخذه الورثة، فهو فرضٌ فرضه الله لهم، سواء كان مقدرًا أو غير مقدر، كما قال بعدَ ذكر ميراث الوالدين والأولاد: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، وفيهم ذو فرض وعصبة، وكما قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧]، وهذا يشملُ العَصَباتِ وذوي الفروض، فكذلك قولُه: «اقسِموا الفرائضَ بين أهلها على كتاب الله» يشمل قسمته بين ذوي الفروض والعصبات على ما في كتاب الله، فإنْ قسم على ذلك ثُمَّ فضَلَ منه شيء، فيختصُّ بالفاضل أقربُ الذكور مِنَ الورثة، وكذلك إنْ لم يُوجَد في كتاب الله تصريحٌ بقسمته بين من سماه الله من الورثة، فيكون حينئذٍ المال لأوْلَى رجلٍ ذكرٍ منهم. فهذا الحديث مبيِّنٌ لكيفية قسمةِ المواريث المذكورة في كتاب الله بين أهلها ومُبيِّنٌ لقسمة ما فضلَ من المال عن تلك القسمة ممَّا لم يُصرَّحْ به في القرآن مِنْ أحوال أولئك الورثة وأقسامهم، ومبيِّنٌ أيضًا لكيفية توريث بقية العصبات الذين لم يصرَّح بتسميتهم في القرآن، فإذا ضُمَّ هذا الحديثُ إلى آيات القرآن، انتظم ذلك كلُّه معرفةَ قسمةِ المواريث بين جميع ذوي الفروض والعصبات. ونحن نذكر حكمَ توريث الأولاد والوالدين كما ذكره الله في أوَّل سورة النساء، وحكم توريث الإخوة من الأبوين، أو من الأب، كما ذكره الله في آخر السورة المذكورة. فأما الأولاد، فقد قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فهذا حكم اجتماع ذكورهم وإناثهم أنّه يكونُ للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، ويدخل في ذلك الأولادُ، وأولادُ البنين باتّفاق العلماء، فمتى اجتمع الأولاد إخوةٌ وأخوات، اقتسموا الميراث على هذا الوجه عند الأكثرين، فلو كان هناك بنتٌ للصُّلب أو ابنتان، وكان هناك ابنُ ابنٍ مع أخته اقتسما الباقي أثلاثًا؛ لدخولهم في هذا العموم، هذا قولُ جمهور العلماء، منهم عمر وعليٌّ وزيدٌ وابنُ عباس، وذهب إليه عامَّة العلماء، والأئمة الأربعة. وذهب ابنُ مسعودٍ إلى أنَّ الباقي بعدَ استكمال بناتِ الصُّلب الثلثين، كلُّه لابن الابن، ولا يُعصِّبُ أخته، وهو قولُ علقمة وأبي ثور وأهل الظاهر، فلا يُعصِّبُ عندهم الولدُ أختَه إلّا أنْ يكونَ لها فريضةٌ لو انفردت عنه، فكذلك قالوا فيما إذا كان هناك بنتٌ وأولادُ ابنٍ ذكور وإناث: إنَّ الباقي لجميع ولد الابن، للذكر منهم مثلُ حظ الأنثيين. وقال ابنُ مسعود في بنت وبنات ابن وبني ابن: للبنتِ النصفُ، والباقي بين ولد الابن، للذكر مثلُ حظ الأُنثيين إلّا أنْ تزيدَ المقاسمةُ بنات الابن على السدس، فيفرض لهنَّ السدسُ، ويجعلُ الباقي لبني الابن، وهذا قول أبي ثور. وأمَّا الجمهور، فقالوا: النصفُ الباقي لولدِ الابنِ، للذكر مثلُ حظ الأنثيين عملًا بعموم الآية، وعندهم أنَّ الولد وإنْ نَزَلَ يُعصِّبُ من في درجته بكلِّ حال، سواء كان للأنثى فرض بدونه أو لم يكن، ولا يُعصِّبُ من أعلى منه من الإناث إلَّا بشرط أنْ لا يكون لها فرضٌ بدونه، ولا يُعصب من أسفلَ منه بكل حالٍ. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] فهذا حكمُ انفرادِ الإناث من الأولاد أنَّ للواحدة النصفَ، ولما فوقَ الاثنتين الثلثان، ويدخلُ في ذلك بناتُ الصلب وبناتُ الابن عند عدمهنّ، فإنِ اجتمعنَ، فإنِ استكملَ بناتُ الصلب الثلثين، فلا شيءَ لبنات الابن المنفردات، وإنْ لم يستكمل البناتُ الثُّلثين، بل كان ولدُ الصلب بنتًا واحدة، ومعها بناتُ ابنِ، فللبنتِ النّصفُ، ولبناتِ الابن السدسُ تكملةَ الثلثين؛ لئلا يزيدَ فرضُ البنات على الثلثين، وبهذا قضى النَّبيُّ -ﷺ- في حديث ابن مسعود الذي تقدم ذكرُه، وهو قولُ عامَّة العلماء، إلا ما رُوي عن ابن مسعود وسلمان بن ربيعة: أنَّه لا شيءَ لبناتِ الابن، وقد رجع أبو موسى إلى قول ابن مسعود لمَّا بلغه قولُه في ذلك. وإنَّما أشكل على العلماء حكمُ ميراث البنتين، فإنَّ لهما الثلثين بالإجماع كما حكاه ابنُ المنذر وغيره، وما حُكي فيه عن ابن عباس أنَّ لهما النِّصفَ، فقد قيل: إنَّ إسنادَه لا يَصِحُّ، والقرآن يدلُّ على خلافه، حيث قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، فكيف تُورث أكثر من واحدة النصف؟ وحديثُ ابن مسعود في توريث البنت النصف وبنت الابن السدس تكملة الثلثين يدلُّ على توريث البنتين الثلثين بطريق الأولى. وخرَّج الإمامُ أحمد، وأبو داود، والترمذيّ من حديث جابر أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- ورَّث ابنتي سعد بن الربيع الثلثين، ولكنْ أشكل فهمُ ذلك من القرآن لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، فلهذا اضطربَ الناسُ في هذا، وقال كثيرٌ من الناس فيه أقوالًا مستبعدةً. ومنهم من قال: استُفيد حكم ميراث الابنتين من ميراث الأختين، فإنَّه قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، واستُفيد حكمُ ميراث أكثر من الأختين من حكم ميراث ما فوق الاثنتين. ومنهم من قال: البنتُ مع أخيها لها الثلثُ بنصِّ القرآن، فلأَنْ يكونَ لها الثلثُ مع أختها أولى. وسلك بعضُهم مسلكًا آخر، وهو أنَّ الله تعالى ذكر حُكمَ توريث اجتماع الذكور والإناث من الأولاد، وذكر حُكمَ توريثِ الإناث إذا انفردنَ عن الذُّكور، ولم ينصَّ على حكم انفراد الذكور منهم عن الإناث، وجعل حُكمَ الاجتماع أنَّ الذكرَ له مثلُ حظِّ الأنثيين، فإنِ اجتمع مع الابن ابنتان فصاعدًا، فله مثلُ نصيب اثنتين منهن، وإنْ لم يكن معه إلا ابنة واحدة، فله الثلثان ولها الثلث، وقد سمَّى الله ما يستحقه الذكرُ حظَّ الأنثيين مطلقًا، وليس الثلثان حظّ الأنثيين في حال اجتماعهما مع الذكر؛ لأنَّ حظَّهما حينئذ النِّصفُ، فتعيَّن أنْ يكونَ الثُّلثان حظهما حالَ الانفراد. وبقي ها هنا قسمٌ ثالث لم يُصرِّح القرآنُ بذكره، وهو حكمُ انفراد الذكور من الولد، وهذا مما يُمكن إدخاله في حديث ابن عباس: «فما بقي فلأَوْلى رجلٍ ذكرٍ»، فإنَّ هذا القسم قد بقي ولم يُصرَّح بحكمه في القرآن، فيكون المالُ حينئذ لأقرب الذكور مِنَ الولد والأمرُ على هذا، فإنَّه لو اجتمع ابن وابنُ ابنٍ، لكان المال كُلُّه للابن، ولو كان ابنُ ابنٍ وابنُ ابنِ ابنٍ، لكان المال كلُّه لابنِ الابن على مقتضى حديث ابن عباس، والله أعلم. ثم ذكر تعالى حُكم ميراث الأبوين، فقال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾، فهذا حكم ميراث الأبوين إذا كان للولد المتوفَّى ولد، وسواءٌ في الولد الذكر والأنثى، وسواء فيه ولدُ الصُّلب وولدُ الابن، هذا كالإجماع من العلماء وقد حَكَى بعضهم عن مجاهدٍ فيه خلافًا، فمتى كان للميت ولدٌ، أو ولدُ ابن، وله أبوان، فلكلِّ واحدٍ من أبويه السدسُ فرضًا، ثم إنْ كان الولد ذكرًا، فالباقي بعد سدسي الأبوين له، وربما دخل هذا في قوله -ﷺ-: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي، فلأوْلَى رجل ذكر». وأقرب العصباتِ الابنُ، وإنْ كان الولد أنثى، فإن كانتا اثنتينِ فصاعدًا، فالثُّلثان لهنَّ، ولا يَفضُلُ من المال شيءٌ، وإنْ كانت بنتًا واحدةً، فلها النِّصفُ، ويفضلُ مِنَ المالِ سدسٌ آخر، فيأخذُه الأبُ بالتَّعصيب، عملًا بقوله -ﷺ-: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر»، فهو أولى رجل ذكر عندَ فقدِ الابن؛ إذ هو أقربُ من الأخ وابنه والعم وابنه. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾؛ يعني: أنه إذا لم يكن للميت ولد، وله أبوان يرثانه، فلأُمِّه الثلث، فيُفهم من ذلك أنَّ الباقي بعدَ الثلث للأب؛ لأنه أثبت ميراثه لأبويه، وخصَّ الأم من الميراث بالثلث، فعلم أنَّ الباقي للأب، ولم يقل: فللأب -مثلًا- ما للأم، لئلا يُوهم أنَّ اقتسامَهُما المالَ هو بالتَّعصيبِ كالأولاد والإخوة، إذا كان فيهم ذكورٌ وإناثٌ، وكان ابنُ عبّاس -﵄- يتمسَّك بهذه الآية بقوله في المسألتين الملقبتين بالعمريتين وهما: زوج وأبوان، وزوجة وأبوان، فإنَّ عمر -﵁- قضى أنَّ الزوجين يأخذان فرضَهُما من المال، وما بقي بعد فرضهما في المسألتين، فللأم ثلثُه، والباقي للأب، وتابعه على ذلك جمهور الأمة. وقال ابن عباس -﵄-: بل للأم الثلثُ كاملًا، تمسُّكًا بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. وقد قيل في جواب هذا: إنَّ الله إنَّما جعل للأم الثلث بشرطين: أحدُهما: أنْ لا يكونَ للولد المتوفَّى ولدٌ، والثاني: أنْ يرِثَه أبواه؛ أي: أنْ ينفرِدَ أبواه بميراثه، فما لم ينفرد أبواه بميراثه، فلا تستحقُّ الأمُّ الثلث، وإنْ لم يكن للمتوفَّى ولدٌ. وقد يقال -وهو أحسن-: إنَّ قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾؛ أي: ممَّا ورثه الأبوان، ولم يقل: فلأمه الثلث مما ترك كما قال في السُّدس، فالمعنى: أنَّه إذا لم يكن له وَلَدٌ، وكان لأبويه مِن ماله ميراثٌ، فللأُمِّ ثُلُثُ ذلك الميراثِ الذي يختصُّ به الأبوان، ويبقى الباقي للأب، ولهذا السرِّ -والله أعلم- حيث ذكر الله الفروض المقدَّرة لأهلها، قال فيها: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، أو ما يدل على ذلك، كقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ليبين أنَّ ذا الفرضِ حَقُّه ذلك الجزء المفروض المقدَّر له من جميع المال بعد الوصايا والديون، وحيث ذكر ميراثَ العصبات، أو ما يقتسِمُه الذُّكورُ والإناث على وجه التَّعصيب، كالأولاد والإخوة لم يقيِّده بشيء من ذلك، ليبيِّنَ أنَّ المالَ المقتسم بالتَّعصيب ليس هو المالَ كُلَّهُ، بل تارةً يكونُ جميع المال، وتارةً يكونُ هو الفاضلَ عن الفروض المفروضة المقدَّرة، وهُنا لمَّا ذكر ميراثَ الأبوين من ولدهما الذي لا ولدَ له، ولم يكن اقتسامهما للميراث بالفرض المحضِ، كما في ميراثهما مع الولد، ولا كان بالتَّعصيب المحض الذي يُعصب فيه الذَّكر الأنثى، ويأخذ مِثلَي ما تأخذُهُ الأنثى، بل كانت الأُمُّ تأخذُ ما تأخذُهُ بالفرض، والأب يأخذُ ما يأخذُهُ بالتَّعصيب، قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾؛ يعني: أنَّ القدر الذي يستحقُّه الأبوان من ميراثه تأخذُ الأُم ثلثه فرضًا، والباقي يأخذُه الأب بالتَّعصيب، وهذا ممَّا فتح الله به، ولا أعلم أحدًا سبق إليه، ولله الحمد والمنَّة. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾؛ يعني: أن للأمِّ السّدسَ مع الإخوة من جميع التركة الموروثة التي يقتسمها الورثة، ولم يذكر هنا ميراثَ الأب مع الأم، ولا شكَّ أنَّه إذا اجتمع أمٌّ وإخوةٌ ليس معهم أبٌ، فإنَّ للأمِّ السدسَ، والباقي للإخوة، ويحجبها الأخوانِ فصاعدًا عند الجمهور. وأما إن كان مع الأُمِّ والإخوة أبٌ، فقال الأكثرون: يحجب الإخوة الأم ولا يرثون، ورُوي عن ابن عباس أنهم يرثُون السُّدسَ الذي حجبوا عنه الأم بالفرض كما يَرِثُ ولدُ الأم مع الأم بالفرض. وقد قيل: إنَّ هذا مبنيٌّ على قوله: إنَّ الكلالةَ مَنْ لا ولدَ له خاصَّة، ولا يُشترط للكَلالةِ فَقْدُ الوالدِ، فيرثُ الإخوةُ مع الأب بالفرض. ومن العلماء المتأخِّرين من قال: إذا كان الإخوةُ محجوبينَ بالأب، فلا يَحجُبُون الأمَّ عن شيءٍ، بل لها حينئذٍ الثُّلثُ، ورجَّحه الإمام أبو العباس ابن تيمية ﵀، وقد يُؤخذ من عموم قولِ عمر وغيره من السَّلف: من لا يَرثُ لا يَحجُبُ، وقد قال نحوه أحمدُ، والخِرَقيّ، لكن أكثر العلماء يحملون ذلك على أنَّ المرادَ مَنْ ليس له أهليَّةُ الميراث بالكلِّيَّة، كالكافر والرقيق، دون من لا يرثُ، لانحجابه بمن هو أقرب منه، والله أعلم. وقد يَشهَدُ للقولِ بأنَّ الإخوة إذا كانوا محجوبين لا يَحجُبونَ الأمَّ أنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، ولم يذكر الأب، فدلَّ على أن ذلك حكمُ انفراد الأم مع الإخوة، فيكون الباقي بعد السدس كلّه لهم، وهذا ضعيفٌ، فإنَّ الإخوة قد يكونون من أمٍّ، فلا يكونُ لهم سوى الثلث، والله تعالى أعلم. واعلم: أنَّ الله تعالى ذكر حُكمَ ميراث الأبوين، ولم يذكر الجدَّ ولا الجدَّة، فأما الجدَّةُ، فقد قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب -﵄-: إنه ليس لهما في كتاب الله شيءٌ، وقد حَكَى بعض العلماء الإجماع على ذلك، وأنَّ فرضها إنَّما ثبت بالسُّنَّة، وقيل: إنَّ السُّدس طعمةٌ أطعمها رسول الله -ﷺ- وليس بفرضٍ، كذا رُوي عن ابن مسعود، وسعيد بن المسيِّب. وقد رُوي عن ابن عباس من وجوهٍ فيها ضعفٌ أنها بمنْزلة الأم عندَ فقد الأم ترث ميراثَ الأم، فترث الثلثَ تارةً، والسدس أخرى، وهذا شذوذ، ولا يصحُّ إلحاق الجدة بالجدِّ؛ لأنَّ الجدَّ عصبة يُدلي بعصبة، والجدَّة ذاتُ فرض تُدلي بذات فرض فضعفت، وقد قيل: إنَّه ليس لها فرض بالكلية، وإنما السدسُ طعمة أطعمها النَّبيُّ -ﷺ-، ولهذا قالت طائفة ممن يرى الردَّ على ذوي الفروض: إنَّه لا يُرَدُّ على الجدة، لضعف فرضها، وهو رواية عن أحمد. وأما الجدُّ، فاتَّفق العلماءُ على أنَّه يقوم مقامَ الأب في أحواله المذكورة من قبلُ، فيرثُ مع الولدِ السُّدُسَ بالفرض، ومع عدمِ الولد يرثُ بالتعصيب، وإن بقي شيء مع إناث الولد أخذه بالتعصيب أيضًا عملًا بقوله -ﷺ-: «فما أبقتِ الفرائضُ، فلأَولى رَجُلٍ ذكر». ولكنِ اختلفوا إذا اجتمع أمٌّ وجدٌّ مع أحد الزوجين، فرُوي عن طائفةٍ من الصَّحابة أنَّ للأم ثُلُثَ الباقي، كما لو كان معها الأبُ كما سبق، رُوي ذلك عن عمر، وابن مسعود كذا نقلهُ بعضُهم. ومنهم من قال: إنَّما رُوي عن عمر، وابن مسعود في زوج وأم وجدٍّ أنَّ للأمِّ ثلث الباقي. ورُوي عن ابن مسعود روايةٌ أخرى: أنَّ النَّصفَ الفاضلَ بين الجدِّ والأم نصفان، وأمَّا في زوجة وأمٍّ وجدٍّ، فرُوي عن ابن مسعود رواية شاذةٌ: أنَّ للأمِّ ثلثَ الباقي، والصَّحيحُ عنه، كقول الجمهور: إنَّ لها الثُّلثَ كاملًا، وهذا يشبه تفريقَ ابنِ سيرين في الأمِّ مع الأب أنَّه إنْ كان معهما زوج فللأمِّ ثلث الباقي، وإنْ كانَ معهما زوجة، فللأمِّ الثُّلْث. وجمهورُ العلماء على أنَّ الأم لها الثلثُ مع الجدِّ مطلقًا، وهو قولُ عليٍّ وزيدٍ، وابنِ عباس، والفرق بين الأم مع الأب ومع الجدِّ أنَّها مع الأب يشملُها اسمٌ واحدٌ، وهما في القُرب سواءٌ إلى الميت، فيأخذ الذكرُ منهما مثلَ حظِّ الأنثى مرتين كالأولاد والإخوة، وأما الأم مع الجد، فليس يشملها اسمُ واحد، والجدُّ أبعدُ من الأب، فلا يلزمُ مساواته به في ذلك. وأما إنِ اجتمع الجدُّ مع الإخوة، فإنْ كانوا لأُمٍّ سقطوا به؛ لأنَّهم إنَّما يرثون مِنَ الكَلالة، والكلالةُ: مَنْ لا وَلَدَ له ولا والد، إلا رواية شذَّتْ عن ابنِ عباسٍ. وأما إن كانوا لأبٍ أو لأبوين، فقد اختلفَ العلماءُ في حكم ميراثهم قديمًا وحديثًا، فمنهم من أسقط الإخوة بالجدِّ مطلقًا، كما يسقطون بالأب وهذا قولُ الصديق، ومعاذٍ، وابن عباس وغيرهم، واستدلُّوا بأنَّ الجدَّ أبٌ في كتاب الله ﷿، فيدخلُ في مسمَّى الأب في المواريث، كما أنَّ ولدَ الولدِ ولدٌ، ويدخُل في مسمّى الولد عندَ عدم الولد بالاتفاق، وبأنَّ الإخوةَ إنَّما يرثون مع الكَلالة، فيحجبُهُم الجدُّ كالإخوة من الأب، وبأنَّ الجدَّ أقوى من الإخوة، لاجتماعِ الفَرضِ والتَّعصيب له من جهةٍ واحدةٍ، فهو كالأب، وحينئذٍ، فيدخلُ في عمومِ قوله -ﷺ-: «فما بقي، فلأَوْلَى رجلٍ ذكرٍ». ومنهم من شرَّك بَينَ الإخوة والجدّ وهو قولُ كثيرٍ من الصحابة، وأكثرُ الفقهاء بعدهم على اختلاف طويل بينهم في كيفية التشريك بينهم في الميراث، وكان مِنَ السَّلف مَنْ يتوقَّف في حكمهم ولا يُجيب فيهم بشيءٍ؛ لاشتباه أمرهم وإشكاله، ولولا خشيةُ الإطالة لبسطنا القولَ في هذه المسألة، ولكن ذلك يؤدِّي إلى الإطالة جدًا. وأما حكمُ ميراث الإخوة للأبوين أو للأب، فقد ذكره الله تعالى في آخر «سورة النساء» في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] والكَلالةُ مأخوذة من تكلُّلِ النسب وإحاطته بالميت، وذلك يقتضي انتفاءَ الانتساب مطلقًا من العمودين الأعلى والأسفل، وتنصيصُه تعالى على انتفاء الولد تنبيهٌ على انتفاء الوالد بطريق الأولى؛ لأنَّ انتسابَ الولد إلى والده أظهرُ من انتسابه إلى ولده، فكان ذكرُ عدم الولد تنبيهًا على عدم الوالد بطريق الأولى، وقد قال أبو بكر الصديق: الكلالةُ: مَنْ لا وَلَدَ له ولا والد، وتابعه جمهورُ الصحابة والعلماء بعدهم، وقد رُوي ذلك مرفوعًا من مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النَّبيِّ -ﷺ-، خرَّجه أبو داود في «المراسيل»، وخرَّجه الحاكم من روايةٍ عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا، وصححه، ووصلُه بذكر أبي هريرة ضعيفٌ . فقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾؛ يعني: إذا لم يكن للميت ولدٌ بالكلِّيَّةِ لا ذكرٌ ولا أنثى، فللأخت -حينئذٍ- النِّصفُ مما ترك فرضًا، ومفهوم هذا أنَّه إذا كان له ولدٌ فليس للأخت النِّصفُ فرضًا، ثمَّ إنْ كان الولدُ ذكرًا، فهو أولى بالمالِ كلِّه لِما سبقَ تقريرُه في ميراث الأولاد الذُّكور إذا انفردوا، فإنَّهم أقربُ العصبات، وهم يُسقِطُون الإخوة، فكيف لا يُسقِطون الأخوات؟ وأيضًا، فقد قالَ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وهذا يدخلُ فيهِ ما إذا كانَ هناك ذو فرضٍ كالبنات وغيرهنَّ، فإذا استحقَّ الفاضلُ ذكورَ الإخوة مع الأخوات، فإذا انفردوا، فكذلك يستحقُّونه وأولى، وإنْ كانَ الولدُ أنثى، فليس للأختِ هنا النِّصفُ بالفرض، ولكن لها الباقي بالتَّعصيب عندَ جمهور العلماء، وقد سبق ذكرُ ذَلِكَ والاختلافُ فيهِ، فلو كانَ هناك ابنٌ لا يستوعِبُ المالَ وأختٌ، مثلُ ابنٍ نصفُه حر عندَ من يُوَرِّثه نصفَ الميراث، وهو مذهبُ الإمام أحمد وغيره من العلماء، فهل يقال: إنَّ الابن هنا يُسقِطُ نصفَ فرض الأخت، فَتَرِث معه الرُّبعَ فرضًا، أم يقال: إنَّه يصيرُ كالبنت، فتصير الأختُ معه عصبة، كما تصير مع الأخت ، لكنَّه يسقط نصفَ تعصيبها فتأخذ معه النِّصف الباقي بالتعصيب؟ هذا محتمل، وفي هذه المسألة لأصحابنا وجهان. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾؛ يعني: أنَّ الأخ يستقلُّ بميراث أخته إذا لم يكن لها ولدٌ ذكرٌ أو أنثى، فإنْ كان لها ولدٌ ذكرٌ، فهو أولى مِنَ الأخ بغير إشكالٍ، فإنَّه أولى رجل ذكرٍ، وإنْ كان أنثى، فالباقي بعد فرضها يكونُ للأخ؛ لأنّه أولى رجلٍ ذكرٍ، ولكن لا يستقلُّ بميراثها حينئذٍ، كما إذا لم يكن لها ولَدٌ. وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾؛ يعني: أنَّ فرضَ الثِّنتين الثلثان، كما أنّ فرض الواحدةِ النِّصفُ، فهذا كلُّه في حكم انفرادِ الإخوة والأخوات، وأما حكم اجتماعهم، فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فيدخلُ في ذلك ما إذا كانوا منفردين، وأما إذا كان هناك ذو فرضٍ مِنَ الأولاد أو غيرهم، كأحد الزوجين أو الأم أو الإخوة من الأم، فيكون الفاضلُ عن فروضهم للإخوة والأخوات بينهم للذَّكر مثلُ حظِّ الأنثيين. فقد تبيَّن بما ذكرناه أنَّ وجودَ الولد إنما يُسقط فرضَ الأخوات مِنَ الأبوين أو الأب، ولا يُسقط توريثَهُن بالتَّعصيب مع أخواتهنَّ بالإجماع، ولا تَعْصِيبُهُنَّ بانفرادهنَّ مع البناتِ عند الجمهور، فالكلالةُ شرطٌ لثبوت فرض الأخوات، لا لثبوت ميراثهنّ، كما أنَّه ليس بشرطٍ لميراثِ ذكورهم بالإجماع، وهذا بخلافِ ولدِ الأمِّ، فإنَّ انتفاءَ الكلالة أسقطت فروضَهم، وإذا أسقطت فروضَهم، سقطت مواريثُهُم؛ لأنَّه لا تعصيبَ لهم بحالٍ، لإدلائهم بأنثى، والأخوات للأبوين أو للأب يُدلون بذكرٍ، فيرثنَ بالتَّعصيبِ مع إخوتهن بالاتفاق، وبانفرادهن مع البنات عند الجمهور. وإذا كان الولد مسقطًا لفرض ولد الأبوين، أو الأب دونَ أصل توريثهم بغير الفرض، فقد يقال: إنَّ الله تعالى إنّما خصَّ انتفاءَ الولد في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ولم يذكر انتفاء الوالد، أو الأب؛ لأنَّه كان يدخلُ فيه الجدّ، والجدُّ لا يُسقط ميراث الإخوة بالكليَّة، وإنَّما يشتركون معه في ميراث، تارةً بالفرض، وتارةً بغيره، وهذا على قول من يقول: إنَّ الجدَّ لا يُسقِطُ الإخوة -وهُمُ الجمهورُ- ظاهرٌ، وهذا كلُّه في انفرادِ ولدِ الأبوين أو الأب، فإن اجتمعوا، فإنَّ العصبات مِنْ ولد الأبوين يُسقطون ولدَ الأب كلهم بغير خلافٍ، حتى في الأخت مِنَ الأبوين مع البنت عند من يجعلُها عصبةً يَسقط بها الأخ من الأبوين. وفي «المسند»، و«الترمذي»، و«ابن ماجه»، عن عليٍّ قال: قضى رسولُ الله -ﷺ- أنَّ أعيانَ بني الأم يرثُون دونَ بني العَلَّاتِ، يَرِثُ الرَّجُلُ أخاه لأبيه وأمه دونَ أخيه لأبيه . وقال عمرو بنُ شعيب: قضى رسولُ الله -ﷺ- أنَّ الأخ للأب والأم أولى بالكلالةِ بالميراث، ثم الأخ للأب، وهذا أيضًا مما يدخل في قوله -ﷺ-: «فما بقي فلأَوْلى رجلٍ ذكرٍ». والتحقيقُ في ذلك: أنَّ كلَّ ما دلَّ عليه القرآن، ولو بالتَّنبيه، فليس هو ممَّا أبقته الفرائض، بل هو من إلحاق الفرائض المذكورة في القرآن بأهلها، كتوريثِ الأولاد ذكورهم وإناثهم الفاضل عن الفُروض، للذّكر مثلُ حظّ الأنثيين، وتوريث الإخوة ذكورهم وإناثهم كذلك، ودلَّ ذلك بطريق التَّنبيه على أنَّ الباقي يأخذُه الذَّكرُ منهم عند الانفراد بطريق الأولى، ودلَّ أيضًا بالتَّنبيه على أنَّ الأخت تأخذُ الباقي مع البنت كما كانت تأخذُه مع أخيها، ولا يُقدَّمُ عليها من هو أبعدُ منها، كابن الأخ والعم وابنه، فإنَّ أخاها إذا لم يُسقطها فكيف يُسقِطها من هو أبعدُ منه؟ فهذا كلُّه من باب إلحاق الفرائض بأهلها، ومن باب قسمة المال بين أهلِ الفرائض على كتاب الله. وأمَّا مَنْ لم يُذكر باسمه مِنَ العصبات في القرآن؛ كابن الأخ، والعم، وابنه، وإنَّما دخل في عمومات مثل قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]، فهذا يحتاج في توريثهم إلى هذا الحديث؛ أعني: حديث ابن عباس، فإذا لم يُوجَدْ للمال وارثٌ غيرهم، انفردوا به، ويقدَّم منهمُ الأقربُ فالأقربُ؛ لأنَّه أولى رجلٍ ذكرٍ، وإنْ وُجِدَت فروضٌ لا تستغرقُ المالَ، كأحدِ الزوجين أو الأم، أو ولد الأمِّ، أو بناتٍ منفردات، أو أخوات منفردات، فالباقي كلُّه لأولى ذكر من هؤلاء، ولهذا لو كان هؤلاء إخوةً رجالًا ونساءً، لاختصَّ به رجالُهم دون نسائهم، بخلاف الأولاد والإخوة، فإنَّه يشترك في الباقي، أو في المال كلِّه ذكورهم وإناثهم بنص القرآن، والحديث إنَّما دلَّ على توريث العصبات الذين يختصّ ذكورهم دون إناثهم، وهم مَنْ عدا الأولاد = قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٢/ ١٩٩) بعد نقل كلام الترمذيّ هذا في الحارث: لكن كان حافظًا للفرائض، معتنيًا بها وبالحساب. انتهى. والإخوة، فهذا حكمُ العصبات، المذكورين في كتاب الله ﷿، وفي حديث ابن عباس -﵄-. وأما ذوو الفروضِ، فقد ذكرنا حكمَ مواريثهم، ولم يبقَ منهم إلَّا الزوجان والإخوة للأمِّ، فأمَّا الزوجان، فيرثان بسبب عقد النكاح، ولمَّا كان بين الزوجين من الألفة والمودَّة والتَّناصُر والتعاضُدِ ما بينَ الأقارب، جعل ميراثهما كميراث الأقارب، وجُعل للذَّكر منهما مِثْلا ما للأنثى؛ لامتياز الذكر على الأنثى بمزيد النَّفع بالإنفاق والنصرة. وأما ولدُ الأمِّ، فإنَّهم ليسوا من قبيلةِ الرَّجُلِ، ولا عشيرته، وإنَّما هم في المعنى من ذوي رحمِهِ، ففرضَ الله لواحدهم السُّدُسَ، ولجماعتهم الثُّلث صلةً، وسوَّى بين ذكورهم وإناثهم، حيث لم يكن لذكرهم زيادةً على أنثاهم في الحياة من المعاضدة والمناصرة، كما بين أهلِ القبيلة والعشيرة الواحدة، فسوَّى بينهم في الصِّلة، ولهذا لم تُشرع الوصيَّةُ للأجانب بزيادة على الثلث، بل كان الثُّلثُ كثيرًا في حقِّهم؛ لأنَّهم أبعدُ من ولدِ الأمِّ، فينبغي أنْ لا يُزادوا على ما يُوصل به ولدُ الأم، بل ينقصون منه. واستَدَلَّ بعضُهم بقوله: «فما بقي فلأولى رجلٍ ذكرٍ» على أنْ لا ميراثَ لذوي الأرحام؛ لأنَّه لم يُجعل حقُّ الميراثِ لمن لم يُذكر في القرآن إلا لأقربِ الذكور، وهذا الحكمُ يختصُّ بالعصبات دون ذوي الأرحام، فإنَّ مَنْ ورَّث ذوي الأرحام، ورَّث ذكورهم وإناثهم. وأجاب من يرى توريثَ ذوي الأرحام بأنَّ هذا الحديثَ دلَّ على توريث العصبات، لا على نفي توريث غيرهم، وتوريثُ ذوي الأرحام مأخوذٌ من أدلةٍ أخرى، فيكون ذلك زيادةً على ما دلَّ عليه حديثُ ابن عباس -﵄-. وأما قوله -ﷺ-: «لأولى، رجلٍ ذكرٍ» مع أنَّ الرجلَ لا يكونُ إلّا ذكرًا، فالجوابُ الصحيحُ عنه أنَّه قد يُطلَقُ الرجل، ويرادُ به الشخص، كقوله: مَن وَجَدَ ماله عند رجل قد أفلس، ولا فرقَ بينَ أنْ يجده عند رجلٍ أو امرأة، فتقييدُه بالذَّكر ينفي هذا الاحتمال، ويُخلصه للذكر دونَ الأنثى وهو المقصودُ، وكذلك الابنُ: لمَّا كان قد يُطلق، ويُراد به أعمُّ من الذكر، كقوله: ابن السبيل، جاء تقييدُ ابنِ اللبون في نُصُب الزكاة بالذِّكر، وللسهيلي كلامٌ على هذا الحديث فيه تكلُّفٌ وتَعسُّفٌ شديدٌ ولا طائلَ تحته ، وقد ردَّه عليه جماعة ممن أدركناهم، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ﵀: بطوله ، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٣٥] (…) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ الْعَنْبَريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) قال القرطبيّ ﵀: قوله: «فلأولى رجل ذكر»، وفي غير مسلم: «لأولى عصبة ذكر»، و«أوْلى» بفتح الهمزة، وواو ساكنة، بعدها ياءٌ: تأنيث «أوَّل»، وهذه الرواية المشهورة، وقد رواها ابن الحذَّاء عن ابن ماهان: «لأدنى» وهو تفسير لـ «أولى» ويعني به: الأقرب للميت. وقد اختلفوا في وصف الرَّجل بالذُّكوريَّة هنا؛ هل له فائدة، أو لا؟ فقال بعضهم: لا فائدة له غير التأكيد اللفظيِّ؛ فإن العرب قد تعيد اللفظ الأول بحاله، وقد تأتي في كلامها مُتْبِعة على جهة التأكيد، كما قالوا: حسن بَسَنٌ، وقبيح شقيحٌ. وكذلك قالوا هنا: رجل ذَكَر، وابن لبون ذَكَر، ويطير بجناحيه، وعشرة كاملةٌ، فهذا كلامُ العرب. وأجيبوا: بأن العرب لا تؤكد إلا حيث تفيدُ به فائدةً؛ إمَّا تمكين المعنى في النفس، أو رفع المجاز المتوهَّم، وكل ذلك معدومٌ فيما نحن فيه. وقيل: أفاد بقوله: «ذكر» هنا، وفي قوله: «ابن لَبُون ذكر» التحرز من الخناثى، فلا تُؤخذ الخنثى في فريضة الزَّكاة، ولا يحوز المال إذا انفرد، وإنَّما له نصف الميراثين. وقيل في اللَّبُون: إنَّما وصف بالذُّكوريَّة ليتحرز ممن يتوهم إطلاق «ابن» على الأنثى، كما قد أطلق «ولد» على الذكر والأنثى. وقيل: إنَّما نبَّه بالذكورية في المَحَلَّين لينبِّه على معنى مُشْعرٍ بتعليل، وذلك: أن ابن اللبون أفضل من بنت المخاض من حيث السِّن، وقد نزَّله الشارعُ بمنزلتها في الأخذ، فقد يخفى على من بَعُد فَهْمُه، ويقول: كيف يَجْعَلُهُ بدلها وهو أفضل؟ فوصفه بـ «ذكر»؛ ليشعر بنقصه عنها بالذكورية، وإن زاد عليها بالسِّن، وكذلك: وصفُ الرَّجل بالذُّكوريَّة مشعرٌ بأن الذي استحق به التعصيب هو كمال الذُّكوريَّة؛ التي بها قوام الأمور، ومقاومة الأعداء، والله أعلم. و«العصبة»: كل رجل بينه وبين الميت نسب يحوز المال إذا انفرد، فيرث ما فضل عن ذوي السِّهام. والعصبات ثلاثة أصناف: الأبناء وبنوهم، والآباء وبنوهم، والأجداد وبنوهم، وتفصيل هذه الجملة في كتب الفقه. ويُستفاد من هذا الحديث: أن النساء لا يكنَّ عصبةً، وقد أطلق الفقهاءُ على الأخت مع البنت أنَّها عصبة، وذلك تجوُّز؛ لأن الأخت لا تحوز المالَ إذا انفردت، لكنَّها لما كانت في هذه المسألة تأخذ ما فضل عن البنت أشبهت العاصب فأطلق عليها اسمه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٣٦] (…) - (حَدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. والباقون تقدموا في السند الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٣٧] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ وُهَيْبٍ، وَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ الْهَمْدَانِيُّ) أحد مشايخ الجماعة بل واسطة، تقدّم قريبًا.
مصادر المؤلف (١٦)

١. «النرسيّ» بفتح النون، وسكون الراء، آخره سين مهملة: نسبة إلى نهر بالكوفة، عليه عدّة قرى. كذا في حاشية التهذيب.

٢. «الفتح» ١٥/ ٤٣١.

٣. «الفتح» ١٥/ ٤٣١.

٤. «المفهم»٤/ ٥٦٤ - ٥٦٥.

٥. «شرح النوويّ» ١١/ ٥٣.

٦. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٤٣٧.

٧. «الفتح» ١٥/ ٤٣٣ - ٤٣٤، كتاب «الفرائض» رقم (٦٧٣٢).

٨. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٤٣٧.

٩. «شرح النوويّ» ١١/ ٥٣ - ٥٤.

١٠. «الفتح» ١٥/ ٤٣٥.

١١. رواه الحاكم في «المستدرك» (٤/ ٣٣٦) وصححه، وردّه الذهبيّ بقوله: الحمّاني -وهو: يحيى بن عبد الحميد- ضعيف.

١٢. كتب في الهامش ما نصه: الظاهر أنه مع البنت. انتهى.

١٣. رواه أحمد في «مسنده» ١/ ٧٩ و١٣١ و١٤٤، والترمذيّ (٢٠٩٥)، وابن ماجه (٢٧١) من طريق أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ -﵁-، قال الترمذيّ: وهذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ، وقد تكلّم بعض أهل العلم في الحارث، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم. انتهى. =

١٤. قد تقدّم ذكر ما قاله السهيليّ في عبارة «الفتح»، فلا تنس، وبالله تعالى التوفيق.

١٥. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٤١٩ - ٤٣٧.

١٦. «المفهم» ٤/ ٥٦٥ - ٥٦٦.