٢ - (أَزْهَرُ) بن سعد السّمّانُ الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٣) وهو (٩٤) سنةً (خ م د ت س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٦/ ١٣٤٤.
٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ مُحَمَّدًا)؛ يعني: ابن سيرين.
وقوله: (فَقَالَ)؛ أي: ابن سيرين.
وقوله: (إِنَّمَا تَحَدَّثْنَا)؛ أي: حدّثنا بعضنا بعضًا.
وقوله: (أَنَّهُ قَالَ: «قَارِبُوا)؛ أي: قال النبيّ -ﷺ-:»قاربوا بين أولادكم«، قال القاضي عياض ﵀: رويناه»قاربوا«بالباء، من المقاربة، و»قارنوا«بالنون، من المقارنة، قال: ومعناهما صحيح؛ أي: سوّوا بينهم في أصل العطاء، وفي قدره. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر قول ابن سيرين أن المأمور به المقاربة بين الأولاد، لا التسوية، لكن هذا اجتهاد منه، فإن الروايات المختلفة في حديث الباب صريحة في التسوية، لا المقاربة، فتأملها حقّ التأمّل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ) وفي نسخة:«بين أبنائكم».
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٤١٨٠] (١٦٢٤) - (حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ: انْحَلِ ابْنِى غُلَامَكَ، وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْني أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامِي، وَقَالَتْ: أَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: «أَلَهُ إِخْوَةٌ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أفَكُلَّهم أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا، وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣.
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٢.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩.
٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله -﵄-، تقدّم قريبًا.
وقوله: (فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا) «يَصلُح» بضمّ اللام، وكسرها، مضارع صَلُحَ بفتح اللام، وضمّها، وليس في هذا حجة لمن حمل النهي على التنزيه؛ لأن عدم الصلاحية يراد به البطلان، والفساد، كما في قوله تعالى لنوح ﵇: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]؛ أي: أن طلب نجاة ابنه الكافر ليس عملًا صالحًا، بل باطل، ومما يؤكّد هذا قوله في بعده: (لا أشهد إلا على حقّ)؛ أي: إن هذا باطل.
والحاصل أن روايات حديث الباب كلها لا اختلاف بينها، بل هي على معنى واحد، وهو أن التسوية بين الأولاد واجب، وأن التفضيل بينهم غير جائز، فتبصّر بالإنصاف، ولا تحاول بالتأويل المتكلّف لردّ الأحاديث الظاهرة الدلالة على ما ذكرنا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا من أفراد المصنف.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنف هنا [٣/ ٤١٨٠] (١٦٢٤)، و(أبو داود) في «سننه» (٣/ ٢٩٣)، و(النسائي) في «الكبرى» (٦/ ٦٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٦٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٢٦)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٣٨٦)، و(البيهقي) في «الكبرى» (٦/ ١٧٧)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤) - (بَابُ الْعُمْرَى)
قال في «الفتح»: «الْعُمْرَى»: -بضم العين المهملة، وسكون الميم، مع القصر، وحكي ضمّ الميم مع ضمّ أوله، وحُكي فتح أوله، مع السكون-
مأخوذ من العُمُر، سمّيت بذلك لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهليّة، فيُعطي الرجل الدارَ، ويقول له: أعمرتك إياها؛ أي: أبحتها لك مدّة عمرك، فقيل لها: عمرى لذلك، وكذا قيل لها: رقبى؛ لأن كلًّا منهما يَرْقُب متى يموت الآخر؛ لترجع إليه، وكذا ورثته، فيقومون مقامه في ذلك .
وقال ابن منظور ﵀: الْعُمْرَى: ما تجعله للرجل طولَ عُمُرِك، أَو عُمُرِه، وقال ثعلب: العُمْرَى أَن يدفع الرجل إِلى أَخيه دارًا، فيقولَ: هذه لك عُمُرَك، أَو عُمُرِي، أَيُّنا مات دُفِعَت الدار إلى أَهله، وكذلك كان فعلُهم في الجاهلية، وقد عَمَرْتُه إياه، وأَعْمَرْته: جعلتُه له عُمُرَه، أَو عُمُرِي، والعُمْرَى المصدرُ من كل ذلك كالرُّجْعَى، وفي الحديث: «لا تُعْمِرُوا، ولا تُرْقِبُوا، فمن أُعْمِرَ دارًا، أَو أُرْقِبَها، فهي له، ولورثته من بعده» ، وهي العُمْرَى، والرُّقْبَى، يقال: أَعْمَرْتُه الدارَ عمْرَى؛ أَي: جعلتها له يسكنها مدة عُمره، فإِذا مات عادت إِليَّ، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، فأَبطل ذلك، وأَعلمهم أَن من أُعْمِرَ شيئًا، أَو أُرْقِبَه في حياته، فهو لورثته مِن بعده، قال ابن الأَثير: وقد تعاضدت الروايات على ذلك، والفقهاءُ فيها مختلفون، فمنهم من يَعْمَل بظاهر الحديث، ويجعلها تمليكًا، ومنهم من يجعلها كالعارية، ويتأوّل الحديث، قال الأَزهريّ: والرُّقْبى أَن يقول للذي أُرْقِبَها: إِن مُتَّ قبلي رجعَتْ إِليَّ، وإِن مُتُّ قبلك فهي لك، وأَصل العُمْرَى مأَخوذ من العُمُر، وأَصل الرُّقْبَى من المُراقبة، فأَبطل النبيّ -ﷺ- هذه الشروط، وأَمْضَى الهبة، قال: وهذا الحديث أَصل لكل من وهب هِبَة، فشَرَط فيها شرطًا بعدما قبضها الموهوب له أَن الهبة جائزة، والشرط باطل، وفي «الصحاح»: أَعْمَرْتُه دارًا، أَو أَرضًا، أَو إبلًا، قال لبيد [من الطويل]:
وَمَا البِرُّ إِلَّا مُضْمَراتٌ من التُقَى … وما المالُ إِلا مُعْمَراتٌ وَدائِعُ
وما المالُ والأَهْلُون إِلا وَدائِعٌ … وَلَا بُدَّ يَوْمًا أَن تُرَدَّ الوَدائِعُ
أَي: ما البِرُّ إِلا ما تُضْمره وتخفيه في صدرك، ويقال: لك في هذه الدار عُمْرَى حتى تموت. انتهى .
وقال في «الفتح» بعد ذكر ما مضى من معنى العمرى والرقبى ما نصّه:
هذا أصلها لغةً، وأما شرعًا فالجمهور على أن العمرى إذا وقعت كانت ملكًا للآخذ، ولا ترجع إلى الأول إلا إن صَرَّح باشتراط ذلك، وذهب الجمهور إلى صحة العمرى، إلا ما حكاه أبو الطيب الطبريّ عن بعض الناس، والماورديّ عن داود وطائفة، لكن ابن حزم قال بصحتها، وهو شيخ الظاهرية.
ثم اختلفوا إلى ما يتوجه التمليك: فالجمهور أنه يتوجه إلى الرقبة، كسائر الهبات، حتى لو كان الْمُعْمَرُ عبدًا فأعتقه الموهوب له نفذ، بخلاف الواهب، وقيل: يتوجه إلى المنفعة دون الرقبة، وهو قول مالك، والشافعيّ في القديم، وهل يُسْلَك به مسلك العارية، أو الوقف؟ روايتان عند المالكية، وعن الحنفية التمليك في العمرى يتوجه إلى الرقبة، وفي الرُّقْبَى إلى المنفعة، وعنهم أنها باطلة. انتهى .
قال الجامع: عندي قول الجمهور هو الأرجح، فكلّ من العمرى والرُّقبى تمليك للمعمَر، وللمرقب -بالفتح- وهما صحيحتان، فلا يرجعان إلى المعمرِ والمرقِبِ -بالكسر-؛ كما سنبيّنه آخر المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى.
وقال في «الفتح» أيضًا عند قوله: «قضى النبيّ -ﷺ- بالعمرى أنها لمن وُهبت له»: هو بفتح «أنها»؛ أي: قضى بأنها، وفي رواية الزهريّ، عن أبي سلمة عند مسلم: «أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي أُعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء، وَقَعت فيه المواريث»، هذا لفظه من طريق مالك، عن الزهريّ، وله نحوه من طريق ابن جريج، عن الزهريّ، وله من طريق الليث عنه: «فقد قطع قوله حقّه فيها، وهي لمن أُعمر، ولعقبه»، ولم يذكر التعليل الذي في آخره، وله من طريق معمر، عنه: «إنما العمرى التي أجازها رسول الله -ﷺ- أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما الذي قال: هي لك ما عِشت، فإنها ترجع إلى صاحبها»، قال معمرٌ: كان الزهريّ يُفتي به، ولم يذكر
التعليل أيضًا، وبيّن من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهريّ أن التعليل من قول أبي سلمة.
وأخرجه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: «جعل الأنصار يُعمرون المهاجرين، فقال النبيّ -ﷺ-:»أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أَعمَر عمرى، فهي للذي أُعمرها حيًّا وميتًا، ولعقبه«.
فيجتمع من هذه الروايات ثلاثة أحوال:
[أحدها]: أن يقول: هي لك ولعقبك، فهذا صريحٌ في أنها للموهوب له ولعقبه.
[ثانيها]: أن يقول: هي لك ما عشتَ، فإذا متَّ رجعت إليّ، فهذه عاريةٌ مؤقّتة، وهي صحيحة، فإذا مات رجعت إلى الذي أَعطَى، وقد بيّنت هذه، والتي قبلها رواية الزهريّ. وبه قال أكثر العلماء، ورجّحه جماعة من الشافعيّة، والأصحّ عند أكثرهم لا ترجع إلى الواهب، واحتجّوا بأنه شرطٌ فاسد، فأُلغي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح ما قاله أكثر العلماء من أنها دائمة لا ترجع لصاحبها مطلقًا، سواء قال: «ولعقبك» أو لم يقل؛ لقوّة دليله.
[ثالثها]: أن يقول أعمرتكها، ويُطلق، فرواية أبي الزبير هذه تدلّ على أن حكمها حكم الأول، وأنها لا ترجع إلى الواهب، وهو قول الشافعيّ في الجديد، والجمهورِ، وقال في القديم: العقد باطلٌ من أصله، وعنه كقول مالك، وقيل: القديم عن الشافعيّ كالجديد.
وقد روى النسائيّ (٤/ ٣٧٨٢) أن قتادة حَكَى أن سليمان بن هشام بن عبد الملك سأل الفقهاء عن هذه المسألة -أعني: صورة الإطلاق- فذكر له قتادة، عن الحسن وغيره أنها جائزة، وذكر له حديث أبي هريرة -﵁- بذلك، قال: وذكر له عن عطاء، عن جابر، عن النبيّ -ﷺ- مثل ذلك، قال: فقال الزهريّ: إنما العمرى -أي: الجائزة- إذا أعمر له ولعقبه من بعده، فإذا لم يجعل عقبه من بعده كان للذي يجعل شرطه، قال قتادة: واحتجّ الزهريّ بأن الخلفاء لا يقضون بها، فقال عطاء: قضى بها عبد الملك بن مروان. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب.