HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٣١

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ) وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قَالَ (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ. أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ. أو ولد صالح يدعو له).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص73
ج ٣ ص ١٢٥٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٤١٢
عروة، فقد أسلفت في «كتاب الزكاة» من ساقهما، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقد أسلفت هناك أني لم أجد من ساق رواية عليّ بن مسهر، والآن -ولله الحمد- قد وجدته، فقد ساقها أبو الفضل الزهريّ ، فقال: نا جعفر، نا مِنجاب بن الحارث، أنا عليّ بن مُسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -﵄-، قالت: جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: يا رسول الله، إن أمي افتُلتت نفسها، وأظن أنها لو تكلمت لتصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٤) - (بَابُ مَا يَلْحَقُ الإنْسَانَ مِنَ الثَّوَابِ بَعْدَ وَفَاتِهِ) قوله: «يَلْحَقُ» بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ، يقال: لَحِقته، ولَحِقتُ به أَلْحَق، من باب تَعِبَ لَحَاقًا بالفتح: أدركته، وألحقته بالألف مثلُهُ، وألحقتُ زيدًا بعمرو: أتبعته إياه، فَلَحِقَ هو، وألحق أيضًا، وفي الدعاء: «إن عذابك بالكفار مُلْحَقٌ»، يجوز بالكسر اسم فاعل بمعنى لَاحِق، ويجوز بالفتح اسم مفعول؛ لأن الله تعالى أَلْحَقَهُ بالكفار؛ أي: ينزله بهم، وأَلْحَقَ القائف الولدَ بأبيه: أخبر بأنه ابنه؛ لِشَبَهٍ بينهما يظهر له، واسْتَلْحَقْتُ الشيءَ: ادَّعيته، ولَحِقَهُ الثمنُ لُحُوقًا: لزمه، فاللُّحوقُ: اللزوم، واللَّحاقُ: الإدراك، قاله الفيّوميّ ﵀ . وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢١٥] (١٦٣١) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقتيْبَةُ -يَعْني: ابْنَ سَعِيدٍ- وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ، إِلَّا مِنْ ثَلَاَثةٍ، إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد المذكور أول الباب الماضي، وقد مضى بيانه هناك. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ)، وفي رواية:»ابن آدم«(انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ)؛ أي: ثواب عمله، ولمّا كان بمنزلةٍ انقطع الثواب من كلّ أعماله، تعلّق به قوله: (إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ)؛ أي: ثلاثة أعمال. وقيل: بل الاستثناء متعلّقٌ بالمفهوم؛ أي: ينقطع ابن آدم من كلّ عمل إلا من ثلاثة أعمال، والحاصل أن الاستثناء في الظاهر مشكلٌ، وبأحد الوجهين المذكورين يندفع الإشكال، قاله السنديّ ﵀ في»شرح النسائيّ«. وقال القاضي عياضٌ ﵀: معناه أن عمل الميت منقطع بموته، لكن هذه الأشياء لمّا كان هو سببها، من اكتساب الولد، وبثّه للعلم عند من حَمَله عنه، أو إيداعه تأليفًا بقي بعده، وإيقافه هذه الصدقة، بقيت له أجورها ما بقيت، ووُجدت. انتهى . وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وتجدّد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة؛ لكونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلّفه، من تعليم، أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي الوقف. انتهى . وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: هذه الثلاث الخصال إنما جرى عملها بعد الموت على من نُسبت إليه؛ لأنه تسبّب في ذلك، وحَرَصَ عليه، ونواه، ثم إن فوائدها متجدّدة بعده دائمة، فصار كأنه باشرها بالفعل، وكذلك حكم كلّ ما سنّه الإنسان من الخير، فتكرّر بعده، بدليل قوله -ﷺ-: «من سنّ سُنّةً في الإسلام حسنة، كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، رواه مسلم. وإنما خصّ هذه الثلاثة بالذكر في هذا الحديث؛ لأنها أصول الخير، وأغلب ما يَقصد أهل الفضل بقاءه بعدهم، والصدقة الجارية بعد الموت هي: الْحُبُسُ، فكان حجةَ على من يُنكر الْحُبُس. وفيه ما يدلّ على الحضّ على تخليد العلوم الدينيّة بالتعليم، والتصنيف، وعلى الاجتهاد في حمل الأولاد على طريق الخير والصلاح، ووصيّتهم بالدعاء عند موته، وبعد الموت. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . (إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ) بدل تفصيل من مجمل «إِلَّا من ثلاثة»، ومعنى «جارية»؛ أي: غير منقطعة؛ كالوقف، أو ما يُديم الوليّ إجراءها عنه، وقيل: لبقاء ثمرات الأعمال بقي ثوابها (أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: يحصل نفعه للناس، كأن يعلّم شخصًا، فيقوم ذلك الشخص بنشر ذلك العلم بعد موته، أو يصنّف كتابًا، فينتفع به الناس بعد موته. وذكر القاضي تاج الدين السبكيّ ﵀: أن حمل العلم المذكور على التأليف أقوى؛ لأنه أطول مدّة، وأبقى على ممرّ الزمان، ورأيت من تكلّم على هذا الحديث في كرّاسة، قال الأخنائيّ في «كتاب البُشْرَى بما يَلحَق الميت من الثواب في الدار الأخرى»: قوله: «وعلم يُنتفع به» هو ما خلّفه من تعليم، أو تصنيف، وروايةٍ، وربّما دخل في ذلك نَسْخُ الكتاب، وتسطيرها، وضبطها، ومقابلتها، وتحريرها، والإتقان لها بالسماع، وكتابة الطبقات، وشراء الكتب المشتملة على ذلك، ولكن شرطه أن يكون منتفعًا به. انتهى . (أَوْ وَلَدٍ صَالِحِ يَدْعُو لَهُ») قال السنديّ ﵀: وفي عدّ الولد من الأعمال تجوّزٌ، لا يخفى. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: جعل الشارع الولد من جملة كسب الإنسان، فقد أخرج ابن ماجه بإسناد صحيح، من حديث عائشة -﵂-، مرفوعًا:«إن أطيب ما أكل الإنسان من كسب يده، وإن ولده من كسبه»، فسمّاه كسبًا، كما عدّه في هذا الحديث من أعماله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٤٢١٥] (١٦٣١)، و(أبو داود) في«الوصايا»(٢٨٨٠)، و(الترمذيّ) في«الأحكام»(١٣٧٢)، و(النسائيّ) في«الوصايا»(٦/ ٢٥١) و«الكبرى»(٤/ ١٠٩)، و(ابن ماجه) في«المقدّمة»(٢٤٢)، و(البخاريّ) في«الأدب المفرد»(٣٨)، و(أحمد) في«باقي مسنده»(٢/ ٣٧٢)، و(الدارميّ) في«سننه»(٥٥٩)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(١١/ ٣٤٣)، و(ابن خُزيمة) في«صحيحه»(٤/ ١٢٢)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٧/ ٢٨٦)، و(الطحاويّ) في«مشكل الآثار»(٢٤٦ و١٢٤٧)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٦/ ٢٧٨)، و«الصغرى»(٦/ ٦٢)، و«المعرفة»(٥/ ١٠٥)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (١٣٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما يلحق الإنسان بعد موته من الثواب، وهو ثواب الصدقة الجارية، وهو يعمّ ما فعله الإنسان قبل موته، مِنْ وَقْف، ونحوه، مما له البقاء بعد موته. ٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على صحّة الوقف، وعظيم ثوابه، والردّ على من أنكر ذلك. ٣ - (ومنها): أن فيه فضيلة العلم، والحثّ على الاستكثار منه، والترغيب في توريثه بالتعليم، والتصنيف، والإيضاح، وأنه يُختار من العلوم الأنفع، فالأنفع. ٤ - (ومنها): أن فيه فضيلة الزواج؛ لرجاء ولد صالح، وقد سبق في «كتاب النكاح» بيان اختلاف أحوال الناس فيه، وأوضحنا ذلك هناك، ولله الحمد والمنّة. ٥ - (ومنها): أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت، وكذلك الصدقة، وهما مجمعٌ عليهما، وكذلك قضاء الديون، وأما الحجّ فيجزي عن الميت عند الشافعيّ، وموافقيه، وهو الحقّ، كما تقدّمت أدلّته في «كتاب الحجّ»، قال النوويّ: وهذا داخل في قضاء الدَّين إن كان حجًّا واجبًا، وإن كان تطوّعًا وأوصى به، فهو من باب الوصايا، وأما إذا مات، وعليه صيامٌ، فالصحيح أن الوليّ يصوم عنه؛ لصحّة أمر النبيّ -ﷺ- بذلك، وأما قراءة القرآن، وجَعْل ثوابها للميت، والصلاة عنه، ونحوهما، فمذهب الشافعيّ، والجمهور أنها لا تَلْحَق الميت، وفيها خلاف. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الجمهور عندي هو الأرجح؛ لعدم دليل صحيح على وصول ثواب القرآن، ونحوه إلى الأموات، فمن جاءنا بنصّ صحيح صريح لذلك، فعلى الرأس والعين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ الْوَقْفِ) قال الفيّوميّ ﵀: وَقفَتِ الدابة تَقِفُ وَقْفًا، ووُقُوفًا: سكنت، ووَقَفْتُها أنا، يتعدَّى، ولا يتعدَّى، ووقَفْتُ الدارَ وَقْفًا: حبستها في سبيل الله، وشيءٌ مَوْقُوفٌ، ووَقْفٌ أيضًا؛ تسميةً بالمصدر، والجمع: أوْقَافٌ، مثلُ ثوب وأثواب، ووَقَفْتُ الرجلَ عن الشيء وَقْفًا: منعته عنه، وأوْقَفْتُ الدارَ والدابةَ، بالألف، لغةُ تميم، وأنكرها الأصمعيّ، وقال: الكلام: وَقَفْتُ، بغير ألف، وأوْقَفْتُ عن الكلام، بالألف: أقْلَعْتُ عنه، وكَلَّمني فلان، فَأَوْقَفْتُ؛ أي: أمسكت عن الحجة عِيًّا، وحَكَى بعضهم: ما يُمْسَك باليد يقال فيه: أوْقَفْتُهُ، بالألف، وما لا يُمْسَك باليد يقال: وقَفْتُهُ، بغير ألف، والفصيح: وقَفْتُ، بغير ألف في جميع الباب، إلا في قولك: ما أوْقَفَكَ ههنا؟، وأنت تريد: أي شأن حملك على الوقوف؟ فإن سألت عن شخص، قلتَ: من وقَفَك؟ بغير ألف، ووَقَفْتُ بعرفات وُقُوفًا: شَهِدت وقتها، وتَوَقَّفَ عن الأمر: أَمْسَك عنه، ووَقَفْتُ الأمرَ على حضور زيد: عَلَّقت الحكم فيه بحضوره، ووَقَفْتُ قسمةَ الميراث إلى الوضع : أخرته حتى تضع، والمَوقِفُ: موضع الوقوف. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ . قال العلامة ابن قُدامة ﵀، مفرّقًا بين الوقوف والعطايا: الوقوف: جمع وَقْف، يقال منه: وَقَفتُ وَقْفًا، ولا يقال: أوقفت، إلا في شاذّ اللغة، ويقال: حبستُ، وأحبست، وبه جاء الحديث: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها». والعطايا: جمع عطيّة، مثلُ خليّة وخَلايا، وبَليّة وبَلايا، والوقف مستحبّ، ومعناه: تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة، والأصل فيه ما رَوَى عبد الله بن عمر -﵁- قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر، فأتى النبيّ -ﷺ- يستأمره فيها، فساق حديث الباب. ثم ذكر حديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله» المذكور في الباب الماضي. ثم قال: وأكثر أهل العلم من السلف، ومن بعدهم على القول بصحة الوقف، قال جابر -﵁-: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ -ﷺ- ذو مقدرة إلا وَقَفَ، ولم يَرَ شُرَيح الوقف، وقال: لا حبس عن فرائض الله، قال أحمد: وهذا مذهب أهل الكوفة، وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده، وللواقف الرجوع فيه، إلا أن يوصي به بعد موته، فيلزم، أو يَحْكُم بلزومه حاكم، وحكاه بعضهم عن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس -﵃-، وخالفه صاحباه، فقالا كقول سائر أهل العلم. قال: واحتَجّ بعضهم بما رُوي أن عبد الله بن زيد صاحب الأذان -﵁- جَعَل حائطه صدقةً، وجعله إلى رسول الله -ﷺ-، فجاء أبواه إلى رسول الله -ﷺ-، فقالا: يا رسول الله لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط، فردّه رسول الله -ﷺ-، ثم ماتا، فورثهما، رواه المحامليّ في «أماليه». ولأنه أخرج ماله على وجه القربة من ملكه، فلا يلزم بمجرد القول؛ كالصدقة. قال: وهذا القول يخالف السُّنّة الثابتة عن رسول الله -ﷺ- وإجماع الصحابة -﵃-، فإن النبيّ -ﷺ- قال لعمر في وقفه: «لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يوهب، ولا يورث»، قال الترمذيّ ﵀: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم، من أصحاب النبيّ -ﷺ- وغيرهم، لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافًا. قال الحميديّ: تصدق أبو بكر -﵁- بداره على ولده، وعمر بربعه عند المروة على ولده، وعثمان برُومة، وتصدق عليّ بأرضه بينبع، وتصدق الزبير بداره بمكة، وداره بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده، وتصدق سعد بداره بالمدينة، وداره بمصر على ولده، وعمرو بن العاص بالوَهْط، وداره بمكة على ولده، وحكيم بن حزام بداره بمكة، والمدينة، على ولده، فذلك كله إلى اليوم. وقال جابر -﵁-: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ ذو مقدرة إلا وقف، وهذا إجماع منهم، فإن الذي قدر منهم على الوقف وَقَفَ، واشتَهَر ذلك، فلم ينكره أحدٌ، فكان إجماعًا. ولأنه إزالة ملك يلزم بالوصية، فإذا نَجَّزه حال الحياة لزم من غير حكم؛ كالعتق. وحديث عبد الله بن زيد إن ثبت فليس فيه ذكر الوقف، والظاهر أنه جعله صدقة غير موقوف، استناب فيها رسول الله -ﷺ-، فرأى والديه أحق الناس بصرفها إليهما، ولهذا لم يردّها عليه إنما دفعها إليهما. ويَحْتَمِل أن الحائط كان لهما، وكان هو يتصرف فيه بحكم النيابة عنهما، فتصرف بهذا التصرف بغير إذنهما، فلم ينفِّذاه، وأتيا النبيّ -ﷺ-، فردّه إليهما. والقياس على الصدقة لا يصحّ؛ لأنها تلزم في الحياة بغير حكم حاكم، وإنما تفتقر إلى القبض، والوقف لا يفتقر إليه، فافترقا. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١١)

١. هو: أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم الزهريّ (المتوفى: سنة ٣٨١ هـ).

٢. حديث أبي الفضل الزهري ١/ ٢١٧.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٠.

٤. «زهر الربى» ٦/ ٢٥١.

٥. «شرح النوويّ» ١١/ ٨٧ - ٨٨.

٦. «المفهم»٤/ ٥٥٤ - ٥٥٥.

٧. راجع:«زهر الرُّبَى في شرح المجتبى»للسيوطيّ ﵀ ٦/ ٢٥١ - ٢٥٢.

٨. «شرح النوويّ» ١١/ ٨٥.

٩. أي: حتى تضع الحامل ولدها الذي هو من جملة الورثة.

١٠. «المصباح المنير» ٢/ ٦٦٩.

١١. «المغني» ٦/ ٢٠٦.