HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٣٦

وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى). قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بن عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ. قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ؛ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا. فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ فَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي (أَوْ قَالَتْ حَجْرِي) فَدَعَا بِالطَّسْتِ. فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي. وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ مَاتَ. فَمَتَى أَوْصَى إليه؟
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص75
ج ٣ ص ١٢٥٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٤٥٠
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٤ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٥ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله. [تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش ساقها ابن راهويه في «مسنده»، فقال: (١٤١٩) - أخبرنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: تُوُفّي رسول الله -ﷺ-، ولم يترك دينارًا، ولا درهمًا، ولا شاةً، ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء. انتهى . وأما رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٢٣] (١٦٣٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ -وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ فَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي -أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي- فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ في حَجْرِي، وَمَا شَعَرْتُ أنَّهُ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بنُ يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل كثيرًا [٥] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٤ - (الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ فقيةٌ مكثرٌ مخضرم [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٤. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض، فإن ابن عون من الطبقة الخامسة على الصحيح؛ لأنه رأى أنسًا -﵁-؛ كالأعمش، وفيه رواية الراوي عن خاله، فإن الأسود خال لإبراهيم، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) النخعيّ، أنه (قَالَ: ذَكَرُوا)؛ أي: القوم الحاضرون (عِنْدَ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂- (أَنَّ عَلِيًّا)؛ أي: ابن أبي طالب -﵁- (كَانَ وَصِيًّا)، وفي رواية النسائيّ: «إن النبيّ -ﷺ- أوصى إلى عليّ»؛ أي: عَهِدَ إليه بالخلافة، يقال: أوصاه، ووَصّاه توصيةً: عَهِدَ إليه والاسم: الوَصَاة، والوصاية، والوَصيّةُ، وهو الموصى به أيضًا، والوَصِيّ: الموصِي والموصَى، وهي وصيّ أيضًا، جمعه أوصياء، ولا يثنى ولا يجمع، قاله المجد ﵀. والمعنى: أنه -ﷺ- جعل عليَّ بن أبي طالب -﵁- وَصِيّه، وأمره أن يكون خليفته من بعده. والحاصل: أنهم ذكروا عند عائشة -﵂- أنه -ﷺ- أوصى لعلي بالخلافة في مرض موته فأنكرت ذلك (فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟)؛ أي: في أي وقت من أوقات مرضه أوصى إليه؟ (فَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ) اسم فاعل، من أسند الشيءَ إلى الشيء، قال الفيّوميّ ﵀: سَنَدتُ إلى الشيء، من باب قَعَدَ، وسَنِدتُ أَسْنَدُ، من باب تَعِبَ لغةٌ، واستندت إليه بمعنًى، ويُعدَّى بالهمزة، فيقال: أسندته إلى الشيء، فسَنَدَ هو، وما يُسْتند إليه مِسْنَدٌ، بكسر الميم، ومُسْنَدٌ، بضمّها، والجمع مساند. انتهى . وقولها: (إِلَى صَدْرِي) متعلّق بـ «مسندته»، قال الجوهريّ ﵀: الصّدْر: واحد الصدور، وهو مذكّرٌ، وإنما قال الأعشى [من الطويل]: وَيَشْرَقُ بِالْقَوْلِ الذِّي قَدْ أَذَعْتَهُ … كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ فأنّثه على المعنى؛ لأن صدر القناة من القناة، وهذا كقولهم: ذهبت بعض أصابعه؛ لأنهم يؤنّثون الاسم المضاف إلى المؤنّث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في «الخلاصة» حيث قال: وَرُبَّمَ أَكْسَبَ ثَانٍ أَوَّلَا … تَأْنِيثًا إِنْ كَانَ لِحَذْفٍ مُوهَلَا (أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي) «أو» للشكّ من الراوي، هل قالت: «صدري»، أو قالت: «حجري»، و«الْحَجْر» بالفتح والكسر: حِضْنُ الإنسان ، أفاده المجد، وقال الفيّومي: وحِجْرُ الإنسان بالفتح، وقد يُكسر: حِضْنُهُ، وهو ما دون إبطه إلى الْكَشْح، وهو في حِجْره؛ أي: كَنَفه، وحِمايته، والجمع: حُجُور. انتهى . (فَدَعَا)؛ أي: طَلَب النبيّ -ﷺ- (بِالطَّسْتِ) قال في «اللسان»: الطَّسْتُ من آنية الصُّفْر أُنثى، وقد تُذَكَّر، قال الجوهريّ: الطَّسْتُ: الطَّسُّ بلغة طَيِّءٍ، أُبدل من إِحدى السينين تاءٌ؛ للاستثقال، فإِذا جَمَعْتَ، أَو صَغَّرْتَ، رددتَ السين؛ لأِنك فصَلْتَ بينهما بأَلف، أَو ياء، فقلت: طِساسٌ، وطُسَيْسٌ. انتهى . وقال الفيّوميّ: «الطَّسْتُ» قال ابن قتيبة: أصلها طَسٌّ، فأبدل من أحد المضعفين تاءٌ؛ لثقل اجتماع المثلين؛ لأنه يقال في الجمع: طِسَاسٌ، مثل سَهْمٍ وسَهِامٍ، وفي التصغير: طُسَيْسَةٌ، وجمعت أيضًا على طُسُوسٍ باعتبار الأصل، وعلى طُسُوتٍ باعتبار اللفظ، قال ابن الأنباريّ: قال الفراء: كلام العرب طَسَّةٌ، وقد يقال: طَسٌّ، بغير هاء، وهي مؤنثة، وطيّء تقول: طَسْتٌ، كما، قالوا في لُصّ: لُصْتٌ، ونُقِل عن بعضهم التذكير والتأنيث، فيقال: هو الطَّسَّةُ، والطَّسْتُ، وهي: الطَّسَّةُ، والطَّسْتُ، وقال الزجاج: التأنيث أكثر كلام العرب، وجمعها: طَسَّاتٌ على لفظها، وقال السجستانيّ: هي أعجمية مُعَرَّبةٌ، ولهذا قال الأزهريّ: هي دخيلة في كلام العرب؛ لأن التاء والطاء لا يجتمعان في كلمة عربية. انتهى . وإنما دعا -ﷺ- بالطست؛ ليبول فيه، ففي رواية النسائيّ: «لقد دعا بالطست؛ ليبول فيه»، وعند الإسماعيليّ إنما دعا «ليتفُل فيها»، قال في «الفتح»: ويمكن الجمع بينهما بأن النبيّ -ﷺ- دعا بالطست، ولم يُبيّن غرضه، فتردّدت عائشة -﵂- أنه -ﷺ- دعا ليبول فيها، أو ليتفُل فيها، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر. انتهى. قال الجامع: ويَحْتَمل أن يكون دعا للغرضين جميعًا؛ لأن تلك الحالة كثيرًا ما يصحبها هذان الأمران، فتأمل، والله تعالى أعلم. (فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي)؛ أي: مال -ﷺ- إلى حجري؛ لاسترخاء أعضائه، ولفظ النسائيّ: «فانخنث نفسه»؛ أي: مالت نفسه الشريفة، وقال ابن الأثير ﵀؛ أي: انْكَسر، وانْثَنَى؛ لاسْتِرخاء أعضائه -ﷺ- عند الموت. انتهى . وقال القرطبيّ: وقولها «انخنث»؛ أي: مال؛ تعني: حين مات، والمخنَّث من الرجال: هو الذي يميل، ويتثنى تشبُّهًا بالنساء، واختناث السقاء: هو إمالةُ فمه بعضه على بعض، وتليينه؛ ليُشربَ منه . قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الحديث بيان صريح أنه -ﷺ- مات في حجر عائشة -﵂-، وأما ما أورده الحاكم، وابن سعد من بعض الروايات أنه -ﷺ- توفّي في حجر عليّ بن أبي طالب، فإنها روايات ضعيفة لا تقوم بمثلها الحجة، ولا تخلو من راو ضعيف، أو شيعيّ، فلا يُعارَض بها ما ثبت في «الصحيحين»، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (وَمَا شَعَرْتُ) بفتح العين؛ أي: علمت، يقال: شعرتُ بالشيء أشعُر شُعُورًا، من باب قَعَد، وشِعْرًا، وشِعْرةً -بكسرهما-: عَلِمتُ ؛ أي: وما علمت (أَنَّهُ) -ﷺ- (مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟) إلى عليّ -﵁- كما يزعمون، فهذا استفهام إنكاريّ لزعمهم، ولفظ النسائيّ: «فإلى من أوصى؟»؛ أي: إلى أي شخص عَهِد النبيّ -ﷺ- بالخلافة؟ تريد بذلك الإنكار على من قالوا: إنه -ﷺ- أوصى إلى عليّ -﵁- بالخلافة في مرض موته، وقد استندت في نفي ذلك إلى ملازمتها له في مرض موته إلى أن مات في حجرها، ولم يقع منه شيء من ذلك، فساغ لها نفي ذلك؛ لكونه منحصرًا في مجالس معيّنة لم تغب عن شيء منها. وقال القرطبيّ ﵀: وقد أكثرَ الشِّيعةُ والرَّوافض من الأحاديث الباطلة الكاذبة، واخترعوا نصوصًا على استخلاف النبيّ -ﷺ- عليًّا، وادعوا أنَّها تواترت عندهم، وهذا كلُّه كذبٌ مركبٌ، ولو كان شيء من ذلك صحيحًا، أو معروفًا عند الصحابة -﵃- يوم السَّقيفة لذكروه، ولرجعوا إليه، ولذكره عليٌّ -﵁- مُحتجًّا لنفسه، ولَمَا حَلّ أن يسكت عن مثل ذلك بوجه، فإنَّه حقّ الله تعالى، وحق نبيِّه -ﷺ-، وحقّ المسلمين، ثم ما يُعْلَم من عظيم عِلْم عليٍّ -﵁-، وصلابته في الدين، وشجاعته يقتضي ألا يتَّقِي أحدًا في دين الله كما لم يتَّقِ معاويةَ، وأهل الشام حين خالفوه، ثم إنه لما قُتِل عثمان -﵁- ولَّى المسلمون باجتهادهم عليًّا، ولم يذكر هو، ولا أحدٌ منهم نصًّا في ذلك، فعُلم قطعًا كذب من ادّعاه، وما التوفيق إلا من عند الله. انتهى . وقال في «الفتح»: قال القرطبيّ : كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبيّ -ﷺ- أوصى بالخلافة لعليّ -﵁-، فرَدّ عليهم جماعة من الصحابة -﵃- ذلك، وكذا مَن بعدهم، فمن ذلك ما استَدَلّت به عائشة -﵂- في هذا الحديث، ومن ذلك أن عليًّا لم يَدَّعِ ذلك لنفسه، ولا بعد أن وَلِي الخلافة، ولا ذكره أحد من الصحابة يوم السقيفة، وهؤلاء تنقَّصُوا عليًّا من حيث قصدوا تعظيمه؛ لأنهم نسبوه مع شجاعته العظمى، وصلابته في الدين إلى المداهنة، والتَّقِيّة، والإعراض عن طلب حقّه، مع قدرته على ذلك. وقال غيره: الذي يظهر أنهم ذكروا عندها أنه أوصى له بالخلافة في مرض موته، فلذلك ساغ لها إنكار ذلك، واستندت إلى ملازمتها له في مرض موته إلى أن مات في حجرها، ولم يقع منه شيء من ذلك، فساغ لها نفي ذلك؛ لكونه منحصرًا في مجالس معيَّنة، لم تَغِبْ عن شيء منها. وقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند قويّ، وصححه، من رواية أرقم بن شُرَحبيل، عن ابن عباس -﵄-، في أثناء حديث، فيه أمر النبيّ -ﷺ- في مرضه أبا بكر، أن يصلي بالناس، قال في آخر الحديث: مات رسول الله -ﷺ-، ولم يوص. وسيأتي في الوفاة النبوية عن عمر -﵁-: مات رسول الله -ﷺ-، ولم يستخلف. وأخرج أحمد، والبيهقيّ في «الدلائل» من طريق الأسود بن قيس، عن عمرو بن أبي سفيان، عن عليّ أنه لما ظهر يوم الجمل قال: يا أيها الناس، إن رسول الله -ﷺ- لم يَعْهَد إلينا في هذه الإمارة شيئًا … الحديث. وأما الوصايا بغير الخلافة، فوردت في عدة أحاديث يجتمع منها أشياء، سنذكرها في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٤٢٢٣] (١٦٣٦)، و(البخاريّ) في «الوصايا» (٢٧٤١) و«المغازي» (٤٤٥٩)، و(الترمذيّ) في «الشمائل» (٣٨٦)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ٣٢) و«الوصايا» (٦/ ٢٤٠ و٢٤١)، و(ابن ماجه) في «الجنائز» (١٦٢٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٧٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): هذا الحديث صريح في كونه -ﷺ- مات في حجر عائشة -﵂-، وأما ما روي أنه -ﷺ- مات في حجر عليّ فليس بثابت، بل هو مما روّجه الرافضة، وأهل الباطل، ولقد أجاد الحافظ ﵀ في ردّه، حيث قال -بعد ذكر حديث عائشة المذكور هنا- ما نصّه: هذا الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم، وابن سعد من طُرُق أن النبيّ -ﷺ- مات ورأسه في حجر عليّ، وكل طريق منها لا يخلو من شِيعِيّ، فلا يلتفت إليهم، وقد رأيت بيان حال الأحاديث التي أشرت إليها؛ دفعًا لتوهّم التعصب. قال ابن سعد: «ذِكرُ من قال: تُوُفّي في حجر عليّ»، وساق من حديث جابر: سأل كعبُ الأحبار عليًّا: ما كان آخر ما تكلم به -ﷺ-؟ فقال: أسندته إلى صدري، فوضع رأسه على منكبي، فقال: «الصلاة الصلاة»، فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء. وفي سنده الواقديّ، وحَرَام بن عثمان، وهما متروكان. وعن الواقديّ عن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله -ﷺ- في مرضه: «ادعوا إليّ أخي»، فدعي له عليّ، فقال: «ادنُ مني»، قال: فلم يزل مستندًا إليّ، وإنه ليكلمني حتى نزل به، وثَقُل في حجري، فصِحْتُ: يا عباس أدركني، فإني هالك، فجاء العباس، فكان جهدهما جميعًا أن أضجعاه. فيه انقطاع، مع الواقديّ، وعبد الله فيه لين. وبه عن أبيه، عن عليّ بن الحسين: «قُبِض، ورأسه في حجر عليّ»، فيه انقطاع. وعن الواقديّ، عن أبي الحويرث، عن أبيه، عن الشعبيّ: «مات، ورأسه في حجر عليّ»، فيه الواقديّ والانقطاع، وأبو الحويرث اسمه عبد الرحمن بن معاوية بن الحارث المدنيّ، قال مالك: ليس بثقة، وأبوه لا يُعرف حاله. وعن الواقديّ، عن سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه، عن أبي غطفان: سألت ابن عباس، قال: تُوُفّي رسول الله -ﷺ-، وهو إلى صدر عليّ، قال: فقلت: فإن عروة حدّثني عن عائشة، قالت: تُوُفّي النبيّ -ﷺ- بين سَحْري، ونَحْري، فقال ابن عباس: لقد تُوُفّي، وإنه لمستند إلى صدر عليّ، وهو الذي غسَّله، وأخي الفضل، وأَبِي أَبَى أن يحضر. فيه الواقديّ، وسليمان لا يُعرف حاله، وأبو غطفان -بفتح المعجمة، ثم المهملة- اسمه سعد، وهو مشهور بكنيته، وثقه النسائيّ. وأخرج الحاكم في «الإكليل» من طريق حبة الْعَدنيّ، عن عليّ: أسندته إلى صدري، فسالت نفسه. وحبة ضعيف. ومن حديث أم سلمة، قالت: عليّ آخرهم عهدًا برسول الله -ﷺ-، والحديث عن عائشة أثبت من هذا، ولعلها أرادت آخر الرجال به عهدًا. قال: ويمكن الجمع بأن يكون عليّ آخرهم عهدًا به، وأنه لم يفارقه حتى مال، فلما مال ظنّ أنه مات، ثم أفاق بعد أن توجه، فأسندته عائشة بعده إلى صدرها، فقُبِض، ووقع عند أحمد من طريق يزيد بن بابنوس -بموحدتين، بينهما ألف غير مهموز، وبعد الثانية المفتوحة نون مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم سين مهملة- في أثناء حديث: فبينما رأسه ذات يوم على منكبي ، إذ مال رأسه نحو رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجت من فيه نقطة باردة، فوقعت على ثغرة نحري، فاقشعر لها جلدي، وظننت أنه غُشي عليه، فسجيته ثوبًا. انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قول الحافظ: «ويمكن الجمع بأن يكون عليّ آخرهم عهدًا به … إلخ» لا يخفى ضعف هذا الجمع، وكونه تكلّفًا باردًا، مع أنه لا حاجة إلى الجمع أصلًا، حيث تبيّن أن حديث عائشة -﵂- الذي اتفق الشيخان على إخراجه في «صحيحيهما»، هو المعوّل عليه، وأما الأحاديث الواردة في معارضته التي تقدّم بيانها فمما لا يُلتفت إليها؛ لأنها لا تثبت، كما علمت حقيقتها، فلا تلتفت إلى أهل الأهواء، فإنهم لا يقبلون الجمع المذكور، بل لا يلتفتون إلى حديث عائشة -﵂- أصلًا؛ لأن مبنى أدلّتهم هواهم، فما وافقه فهو الحقّ، وإن لم يثبت سنده، وما خالف فهو الباطل، وإن جاء بألف طريق صحاح. أيها العقلاء ألا تسمعون إلى ما قاله فرعون في حقّ موسى ﵇، وقومه؛ تمويهًا وتلبيسًا على قومه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]، زعم أن دينه هو الصلاح، وما جاء به موسى ﵇ هو الفساد، وقال أيضًا: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]، زعم أن ما عليه هو الرشاد، وما جاء به موسى ﵇ هو الضلال، ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الأعراف: ١٢٧]، زعموا أن ما أمرهم به فرعون هو الإصلاح، وما جاءهم به موسى ﵇ هو الإفساد في الأرض. تأملوا حقّ التأمل، كيف صوّر فرعون، والملأ من قومه موسى وأصحابه الذين جاءوا بالحقّ من عند الله تعالى مفسدين في الأرض، وأروا الناس، ولبّسوا عليهم أن الباطل الذي هم فيه هو الحقّ، وما أغنتهم التوراة بطولها، والآيات التسع ببيانها شيئًا، بل ازدادوا بها عتوًّا، وتجبّرًا في الأرض. وهكذا أهل الضلال في كل مكان وزمان يرون ضلالهم حقًّا، والحقّ ضلالًا، ويرون أهلَ الحقّ مبطلين ضالّين، يُكَذَّب أهل الحقّ، ويُصَدَّق أهل الباطل، مصيبة ما بعدها مصيبة، إنا لله، وإنا إليه راجعون، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. (المسألة الرابعة): أشارت عائشة -﵂- في حديث الباب إلى ردّ ما أشاعته الرافضة والشيعة من أن النبيّ -ﷺ- أوصى إلى عليّ بالخلافة، وأن يُوفي ديونه: فمن ذلك: ما أخرجه العُقيليّ وغيره في «الضعفاء» في ترجمة حكيم بن جُبير، من طريق عبد العزيز بن مروان، عن أبي هريرة، عن سلمان، أنه قال: قلت: يا رسول الله إن الله لم يبعث نبيًّا إلا بَيَّن له من يلي بعده، فهل بَيَّن لك؟ قال: «نعم، عليّ بن أبي طالب». ومن طريق جرير بن عبد الحميد، عن أشياخ من قومه، عن سلمان: قلت: يا رسول الله مَن وصيك؟ قال: «وصيي، وموضع سري، وخليفتي على أهلي، وخير من أخلفه بعدي عليّ بن أبي طالب». ومن طريق أبي ربيعة الإياديّ، عن ابن بريدة، عن أبيه، رفعه: «لكل نبيّ وصيّ، وإن عليًّا وصيي، وولدي». ومن طريق عبد الله بن السائب، عن أبي ذرّ، رفعه: «أنا خاتم النبيين، وعليّ خاتم الأوصياء»، أوردها وغيرها ابن الجوزيّ في «الموضوعات». ومن أكاذيب الرافضة أيضًا: ما رواه كثير بن يحيى، وهو من كبارهم، عن أبي عوانة، عن الأجلح، عن زيد بن عليّ بن الحسين، قال: لما كان اليوم الذي تُوُفّي فيه رسول الله -ﷺ-، فذكر قصةً طويلة، فيها: فدخل عليّ، فقامت عائشة، فأكبّ عليه، فأخبره بألف باب مما يكون قبل يوم القيامة، يفتح كل باب منها ألف باب. وهذا مرسل، أو معضل. وله طريق أخرى موصولة عند ابن عدي في «كتاب الضعفاء» من حديث عبد الله بن عمر، بسند وَاهٍ، ذكر هذا كله الحافظ في «الفتح» بعضه في «كتاب الوصايا» ، وبعضه في آخر «كتاب المغازي» «باب آخر ما تكلّم به النبيّ -ﷺ- »، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في وصيّة رسول الله -ﷺ- بغير الخلافة: قال الحافظ ﵀ في «الفتح»: وأما الوصايا بغير الخلافة فوردت في عدة أحاديث، يَجتمع منها أشياء: (منها): حديث أخرجه أحمد، وهناد بن السريّ في «الزهد»، وابن سعد في «الطبقات»، وابن خزيمة، كلهم من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة -﵂-: أن النبيّ -ﷺ- قال في وجعه الذي مات فيه: «ما فعلت الذُّهَيبة؟ » قلت: عندي، فقال: «أنفقيها …»، الحديث. وَاخْتِمْ بِتَا التَّأْنِيثِ مَا صَغَّرْتَ مِنْ … مُؤَنَّثٍ عَارٍ ثُلَاثِيٍّ كَـ «سنّ» وقيل: هو تصغير ذهبة، على نيّة القطعة من الذهب، فصغّرها على لفظها، والله تعالى أعلم. وأخرج ابن سعد من طريق أبي حازم، عن أبي سلمة، عن عائشة -﵂- نحوه، ومن وجه آخر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، وزاد فيه: «ابعثي بها إلى عليّ بن أبي طالب؛ ليتصدّق بها». وفي «المغازي» لابن إسحاق روايةِ يونس بن بكير عنه: حدّثني صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: لم يوص رسول الله -ﷺ- عند موته إلا بثلاث: لكلٍّ من الداريين، والرهاويين، والأشعريين، بجادّ مائة وسق من خيبر، وأن لا يترك في جزيرة العرب دينان، وأن يُنَفَّذ بعث أسامة. وأخرج مسلم في حديث ابن عباس -﵄- التالي: «وأوصى بثلاث: أن تجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم …» الحديث. وفي حديث ابن أبي أوفى الذي تقدّم أول الباب: «أوصى بكتاب الله». وفي حديث أنس -﵁- عند النسائيّ، وأحمد، وابن سعد، واللفظ له: «كانت عامّة وصية رسول الله -ﷺ- حين حضره الموت الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم»، وله شاهد من حديث عليّ -﵁- عند أبي داود، وابن ماجه، وآخر من رواية نعيم بن يزيد، عن عليّ: «وأدّوا الزكاة بعد الصلاة»، أخرجه أحمد. ولحديث أنس شاهدٌ آخر من حديث أم سلمة -﵂- عند النسائيّ، بسند جيّد. وأخرج سيف بن عمر في «الفتوح» من طريق ابن أبي مُليكة، عن عائشة -﵂-: أن النبيّ -ﷺ- حَذَّر من الفتن في مرض موته، ولزوم الجماعة والطاعة. وأخرج الواقديّ من مرسل العلاء بن عبد الرحمن: أنه -ﷺ- أوصى فاطمة، فقال: «قولي إذا مِتُّ: إنا لله، وإنا إليه راجعون».
مصادر المؤلف (١٩)

١. «مسند إسحاق بن راهويه» ٣/ ٧٨٩.

٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٩١.

٣. «الصحاح» ص ٥٨٢.

٤. «الْحِضنُ» بالكسر: ما دون الإبط إلى الْكَشْح، أو الصدرُ، والعضدان، وما بينهما، وجانب الشيء، وناحيته، جمعه: أحضان. انتهى. «القاموس المحيط» ص ٢٦٨.

٥. «المصباح المنير» ١/ ١٢١ - ١٢٢.

٦. «لسان العرب» ٢/ ٥٨.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٢.

٨. «النهاية في غريب الأثر» ٢/ ١٥٨.

٩. «المفهم» ٤/ ٥٥٧.

١٠. «المصباح» ١/ ٣١٥.

١١. «المفهم» ٤/ ٥٥٧.

١٢. قال الجامع: كلام القرطبيّ قد سبق نقله بنصّه، وأما ما ذكره في «الفتح»، فإنما تصرّف في كلامه، وصاغه بما فهمه منه، فتنبّه.

١٣. هذا القول لعائشة -﵂-، وليس من كلام عليّ، فالحديث متّصل بقصّة عائشة -﵂-، كما ساقه الإمام أحمد ﵀ في «مسنده» مطوّلًا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

١٤. «الفتح» ٩/ ٦٠١ - ٦٠٢.

١٥. «الفتح» ٦/ ٦٧٢ - ٦٧٣.

١٦. «الفتح» ٨/ ٦١٩ - ٦١٩.

١٧. «الذُّهَيبة»: تصغير الذهب، وأدخل الهاء فيها؛ لأن الذهب يؤنّث، والمؤنّث الثلاثيّ إذا صُغِّر أُلحق في تصغيره الهاء، نحو قُويسة، وشُمية، قال في «الخلاصة»:

١٨. «الجادّ» بالجيم، وتشديد الدال: بمعنى المجدود؛ أي: نخل يُجدّ منه ما يبلُغ مائة وسق، قاله في «النهاية» ١/ ٢٤٤.

١٩. هكذا نسخة «الفتح»، والعبارة ركيكة، ولعل الصواب: «وأمر بلزوم الجماعة»، أو نحو ذلك، فليُحرّر.