HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٤٢

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ. حَدَّثَنَا حميد. حدثني ثابت عن أنس؛ أنس النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ. فَقَالَ (مَا بَالُ هَذَا؟) قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَالَ (إِنَّ اللَّهَ عن تعذيب هذا لَغَنِيٌّ) وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص79
ج ٣ ص ١٢٦٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٥٤٨
قال: «هذه حاجتك»، ففداه رسول الله -ﷺ- الرجلين اللذين أسرتهما ثقيف، وأُخذت ناقته تلك، وسُبيت امرأة من الأنصار، فكانت الناقة قد أصيبت قبلها، فكانت تكون فيهم، فكانوا يجيئون بالنعم إليهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت كلما مَسَّت بعيرًا رغا، فتركته، حتى أتت تلك الناقة، فمَسّتها، فلم ترغ، وهي ناقة مُدَرَّبةٌ، فقعدت على عجزها، ثم صاحت بها، فانطلقت، فطُلِبت من ليلتها، فلم يقدر عليها، فجعلت لله إن أنجاها لتنحرنها، فلما قدمت عرفوا الناقة، وقالوا: ناقة رسول الله -ﷺ-، قالت: إنها قد جعلت لله عليها، إن أنجاها عليها لتنحرنها، قالوا: لا، والله لا نَدَعُك تنحريها حتى نُؤذن رسول الله -ﷺ-، فأتوه، فأخبروه -وقال الشافعيّ -ﷺ- فأخبروه بالقصّة أن فلانة قد جاءت على ناقتك، وإنها قد جعلت لله عليها إن أنجاها عليها لتنحرنها، فقال: «سبحان الله، بئس ما جزيتيها، إذ نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا وفاء لنذر فيما لا يملك العبد»، وقال ابن شَبَّةَ: «فيما لا يملك ابن آدم». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤) - (بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٣٩] (١٦٤٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنْسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَىَ شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، فَقَالَ: «مَا بَالُ هَذَا؟»، قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ»، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّاء النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٨. ٤ - (حُمَيْدُ) بن أبي حُميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ٢ أو ١٤٣) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٣/ ٦٣٩. ٥ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. ٦ - (أَنَسُ) بن مالك الصحابيّ الشهير -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. و«ابن أبي عمر» تقدم في الحديث الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أنس -﵁- المشهور بخدمة رسول الله -ﷺ-، خدمه عشر سنين، ونال دعوته المباركة، فعُمّر، وكثرت أولاده، وأمواله، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد جاوز عمره المائة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حُمَيْدٍ) الطويل (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيّ، وفي رواية مَرْوَان بْنِ مُعَاوِيةَ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنِي ثَابِثٌ) قال في «الفتح»: هكذا قال أكثر الرواة عن حميد، وهذا الحديث مما صرّح حميد فيه بالواسطة بينه وبين أنس، وقد حذفه في وقت آخر، فأخرجه النسائيّ من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، والترمذيّ من طريق ابن أبي عديّ، كلاهما عن حميد، عن أنس، وكذا أخرجه أحمد، عن ابن أبي عديّ، ويزيد بن هارون، جميعًا عن حميد بلا واسطة، ويقال: إن غالب رواية حميد عن أنس بواسطة، لكن أخرج البخاريّ من حديث حميد، عن أنس أشياء كثيرةً بغير واسطة، مع الاعتناء ببيان سماعه لها من أنس، وقد وافق عمران القطّان عن حميد الجماعة على إدخال ثابت بينه وبين أنس -﵁-، ولكن خالفهم في المتن، أخرجه الترمذيّ من طريقه، بلفظ: نذرت امرأةٌ أن تمشي إلى بيت الله، فسُئل نبيّ الله -ﷺ- عن ذلك؟، فقال: «إن الله لغنيّ عن مشيها، مروها فلتركب». انتهى . (عَنْ أَنَسٍ) -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَىَ شَيْخًا) رأى رجلًا (يُهَادَى) -بضمّ أوله- من المهاداة، وهو أن يمشي مُعتمِدًا على غيره؛ لضعفه عن المشي بنفسه، وللترمذيّ من طريق خالد بن الحارث، عن حميد: «يتهادى» بفتح أوله، ثم مثناة (بَيْنَ ابْنَيْهِ) وفي رواية للنسائيّ: «بين رجلين»، وفي حديث أبي هريرة التالي: «أدرك شيخًا يمشي بين ابنيه، يتوكَّأ عليهما»، ولفظ ابن حبّان: «بين اثنين». قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسم هذا الشيخ، ولا على اسم ابنيه، وقرأت بخطّ مغلطاي: الرجل الذي يُهادي، قال الخطيب: هو أبو إسرائيل، كذا قال، وتبعه ابن الملقّن، وليس ذلك في كتاب الخطيب، وإنما أورده من حديث مالك، عن حميد بن قيس وثور، أنهما أخبراه أن رسول الله -ﷺ- رأى رجلًا قائمًا في الشمس، فقال: «ما بال هذا؟»، قالوا: أبو إسرائيل نذر أن لا يستظل، ولا يتكلَّم، ويصوم … الحديث. قال الخطيب: هذا الرجل هو أبو إسرائيل، ثم ساق حديث عكرمة، عن ابن عبّاس -ﷺ- أن النبيّ -ﷺ- كان يخطب يوم الجمعة، فرأى رجلًا يقال له: أبو إسرائيل، فقال: «ما باله؟»، قالوا: نذر أن يصوم، ويقوم في الشمس، ولا يتكلّم … الحديث، وهذا الحديث أخرجه البخاريّ من حديث ابن عباس -﵄-، والمغايرة بينه وبين حديث أنس -﵁- ظاهرة من عدّة أوجه، فيحتاج من وحّد بين القصّتين إلى مُسْتنَد، والله المستعان. انتهى كلام الحافظ ﵀ ، وهو تحقيق حسن. (فَقَالَ: «مَا بَالُ هَذَا؟»)؛ أي: أيّ شيء شأنه، وحاله، وفي حديث أبي هريرة: «ما شأن هذا؟» (قَالُوا) في حديث أبي هريرة التالي بيان القائل، وهما ابناه، ولفظه: «قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر»، وقوله: (نَذَرَ) تقدّم أنه من بابي نصر، وضرب (أَنْ يَمْشِيَ)؛ أي: على قدميه بلا ركوب، يقال: مَشَى يمشي مَشْيًا، من باب رَمَى: إذا كان على رجليه سريعًا كان أو بطيئًا، فهو ماشٍ، والجمع مُشاةٌ، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، قاله الفيّوميّ ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «نَذَر أن يمشي» يعني به: إلى بيت الله تعالى؛ لأنَّه عرَّف نذر المشي، كما قال عقبة: إن أخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله تعالي، وقال الطحاويّ: إلى الكعبة، ولم يَرِد فيما صحَّ من الحديث أكثر من هذين اللفظين: بيت الله، والكعبة. والحق العلماء بهما ما في معناهما، مثل أن يقول: إلى مكة، أو ذكر جزءًا من البيت. وهذا قول مالك وأصحابه، واختلف أصحابه فيما إذا قال: إلى الحرم، أو مكانًا فيه، أو مكانًا من مدينة مكة، أو المسجد، هل يرجع إلى البيت أم لا؟ على قولين، وقال الشافعي: متى قال: عليَّ المشي إلى شيء مما يشتمل عليه الحرم؛ لزمه، وإن ذكر ما خرج عنه، لم يلزمه. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن حبيب من أصحابنا، إلَّا إذا ذكر عرفات؛ فيلزمه وإن كانت خارج الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في هذا مشي ولا مسير في القياس، لكن الاستحسان في قوله: إلى بيت الله، أو الكعبة، أو مكة فقط. وكل هذا إذا ذكر المشي، فلو قال: عليّ المسير إلى مكة، أو الانطلاق، أو الذهاب؛ فلا شيء عليه؛ إلَّا أن يقول: في حجِّ، أو عمرةٍ، أو ينويهما. وتردد قول مالك في الرُّكوب، وأوجب أشهب الحج والعمرة فيهما؛ كالمشي. وكل هذا: إذا ذكر مكة، أو موضعًا منها على ما فصّلناه، فلو قال: عليَّ المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة لم يلزمه المشي عند ابن القاسم، بل المضي إليها، وقال ابن وهب: يلزمه المشي. وهو القياس. ولو قال: إلى مسجد غير هذه الثلاثة، قال ابن الموَّاز: إن كان قريبًا كالأميال، لزمه المشي إليه، وإن كان بعيدًا لم يلزمه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن من نذر إلى أحد المساجد الثلاثة يلزمه الوفاء به، وأما ما عداها من المساجد، فلا يُشرع النذر بالمشي إليها؛ للحديث المتّفق عليه: «لا تشدّ الرحال، إلَّا إلى ثلاثة مساجد …» الحديث، كما تقدّم، فيكون النذر إلى غيرها غير طاعة، فلا يلزم الوفاء بنذره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (قَالَ) -ﷺ- («إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ)؛ أي: بالمشي مع العجز، والجارّ والمجرور متعلّق بـ»غنيّ«، و»تعذب«مصدر مضاف إلى اسم الإشارة، وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، و»نفسُهُ«مرفوع على الفاعليّة، كما قال في»الخلاصة«: وَبَعْدَ جَرِّهِ الَّذِي أُضيفَ لَهْ … كَمِّلْ بِنَصْبٍ أَوْ بِرَفْعٍ عَمَلَهْ وقوله: (لَغَنِيُّ) خبر«إنّ»، قال القرطبيّ ﵀: قوله:«إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغنيّ»؛ أي: لم يكلفه بذلك، ولم يُحْوِجه إليه؛ لأنه غير مستطيع، وفي اللفظ الآخر:«إن الله لغني عنك، وعن نذرك»؛ أي: عن مشيك الذي لا تستطيعه، لا أنَّ أصل النذر يسقط عنه؛ فإنَّه قد أمره بالرُّكوب، قال: وخرجت هذه العبارة على ما تعارفناه بيننا، من أنَّ من استغنى عن شيء لم يلتفت إليه، ولم يعبأ به، وكيف لا، والله تعالى هو الغني الحميد، وكل الموجودات مفتقرة إليه افتقار ضعفاء العبيد. انتهى . (وَأَمَرَهُ) -ﷺ- (أَنْ يَرْكَبَ)، وفي رواية للنسائيّ:«مُرْهُ، فَلْيَرْكَبْ»، زاد أحمد عن الأنصاريّ، عن حميد:«فركب»، قال في«الفتح»: وإنما لم يأمره -ﷺ- بالوفاء بالنذر، إما لأنَّ الحجِّ راكبًا أفضل من الحجِّ ماشيًا، فنذر المشي يقتضي التزام ترك الأفضل، فلا يجب الوفاء به، أو لكونه عجز عن الوفاء بنذره، وهذا هو الأظهر. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٤٢٣٩] (١٦٤٢)، و(البخاريّ) في«جزاء الصيد»(١٨٦٥) و«الأيمان والنذور»(٦٧٠١)، و(أبو داود) في«الإيمان والنذور»(٣٣٠١)، و(الترمذيّ) في«النذور والأيمان»(١٥٣٧)، و(النسائيّ) في«الأيمان والنذور»(٧/ ١٩ و٣٠) و«الكبرى»(٣/ ١٣٦)، و(عبد الرزّاق) في«مصنفه»(٨/ ٤٤٩ و٤٥٠ و٤٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٣/ ٩٢ و٩٣ و٩٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ١١٤ و١٨٣ و٢٣٥ و٢٧١)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٣٥٣٢ و٣٨٤٢ و٣٨٨١)، و(عبد بن حُميد) في«مسنده»(١/ ٣٦١)، و(الدارميّ) في«سننه»(٢/ ٢٤٠)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(٩٣٩)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤/ ١٣)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٣٠٤٤)، و(ابن حبَّان) في«صحيحه»(٤٣٨٢ و٤٣٨٣)، و(الطبرانيّ) في«الأوسط»(٩/ ٢٨)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(٣/ ١٢٨ - ١٢٩)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١٠/ ٧٨) و«المعرفة»(٧/ ٣٤١) و«الصغرى»(٨/ ٥٣٣)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (٢٤٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من عجز عن الوفاء بنذره لا يجب عليه الوفاء، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في وجوب الهدي عليه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): مشروعيّة النذر إلى بيت الله الحرام. ٣ - (ومنها): يُسر الدين وسهولة أمره، حيث يراعي عجز العاجزين، فلا يأمرهم بما يشقّ عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحج: ٧٨]. ٤ - (ومنها): إثبات صفة الغنى لله -﷾-، فهو الغنيّ، والخلق مفتقرون إليه -﷾-، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم فيمن نذر المشي إلى بيت الله الحرام: قال ابن قُدامة ﵀: من نذر المشي إلى بيت الله الحرام لزمه الوفاء بنذره. وبهذا قال مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو عُبيد، وابن المنذر، ولا نعلم فيه خلافًا. وذلك لأن النبيّ -ﷺ- قال: «لا تشدّ الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، متّفقٌ عليه. قال: ولا يجزئه المشي إلَّا في حجّ، أو عمرة، وبه يقول الشافعيّ، ولا أعلم فيه خلافًا، وذلك لأنَّ المشي المعهود في الشرع هو المشي في حجّ، أو عمرة، فإذا أطلق الناذر حُمل على المعهود الشرعيّ، ويلزمه المشي فيه؛ لنذره المشي، فإن عجز عن المشي ركب، وعليه كفّارة يمين. وعن أحمد رواية أخرى أنه يلزمه دم، وهو قول الشافعيّ، وأفتى به عطاء؛ لِمَا روى ابن عباس -﵄-: «أن أخت عقبة بن عامر -﵁- نذرت المشي إلى بيت الله الحرام، فأمرها النبيّ -ﷺ- أن تركب، وتُهدي هديًا»، رواه أبو داود، وفيه ضعف. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل هو حديث صحيح، ولتراجع كلام الشيخ الألباني ﵀ في «الصحيحة» (٦/ ١٠٣٧)، والله تعالى أعلم. قال: ولأنه أخلّ بواجب في الإحرام، فلزمه هديٌ، كتارك الإحرام من الميقات. وعن ابن عمر، وابن الزبير -﵃- قالا: يحجّ من قابل، ويركب ما مشي، ويمشي ما ركب، ونحوه عن ابن عبّاس، وزاد، فقال: ويُهدي. وعن الحسن مثل الأقوال الثلاثة. وعن النخعيّ روايتان: إحداهما؛ كقول ابن عمر. والثانية؛ كقول ابن عبّاس. وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: عليه هديٌ، سواء عجز عن المشي، أو قدر عليه، وأقلّ الهدي شاة. وقال الشافعيّ: لا يلزمه مع العجز كفّارة بحال، إلَّا أن يكون النذر مشيًا إلى بيت الله الحرام، فهل يلزمه هديٌ، فيه قولان. وأما غيره، فلا يلزمه مع العجز شيء. قال: ولنا قول النبيّ -ﷺ- حين قال لأخت عقبة بن عامر لمّا نذرت المشي إلى بيت الله الحرام: «لتمش، ولتركب، ولتكفّر عن يمينها» ، وفي رواية: «ولتصم ثلاثة أيام» ، وقول النبيّ -ﷺ-: «كفّارة النذر كفّارة اليمين» . انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ باختصار . وقال القرطبيّ ﵀: في هذا الحديث، وحديث أخت عقبة المذكور بعد هذا -وهو أنصُّ مما قبله-؛ دليلٌ على أنَّ نذر المشي إلى البيت الحرام يجب الوفاء به لمن قدر عليه، فإن لم يقدر وجب عليه المضيّ راكبًا، وظاهرهما لزوم المشي، وإن لم يذكر حجًّا ولا عمرة، كما هو مذهب مالك؛ لأنه لما سأله عقبة عمَّن نذر المشي إلى البيت مطلقًا، فأجاب عنه، ولم يستفصل، تعيَّن حملُ الجواب على إطلاق ذلك السؤال؛ إذ لو اختَلَف الحال بقيدٍ لسأل عنه، أو لبيَّنه؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإلى هذا ذهب الشافعيّ، وهو مرويّ عن عليّ، وابن عباس، وقال أبو حنيفة: إن لم يُسَمّ حجًّا ولا عمرة لم يلزمه مشيٌّ، ولا شيء جملة واحدة، وقال الحسن البصريّ: إن نذر حجًّا أو عمرة فلا مشي عليه، ويركب وعليه دم، وقاله أبو حنيفة أيضًا، والحجَّة عليهما ما تقدَّم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه مالك، والشافعيّ، وروي عن عليّ وابن عبّاس -﵄- من أن من نذر المشي إلى بيت الله الحرام وجب الوفاء عليه، سواء سمّى حجًّا أو عمرة، أم لم يسمّ هو الراجح؛ لإطلاق حديث أنس، وعقبة بن عامر -﵄-، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الخامسة): قال القرطبيّ ﵀: ظاهر حديث هذا الشيخ أنَّه كان قد عجز عن المشي في الحال، وفيما يأتي بعد، ولذلك لم يقل له النبيّ -ﷺ- ما قال لأخت عقبة: «مُرْها فلتمش ولتركب»؛ فإنَّها كانت ممن يقدر على بعض المشي، فأمرها أن تركب ما عجزت عنه، وتمشي ما قدرت عليه، وهذا هو المناسب لقواعد الشريعة، ولم يذكر لواحد منهما وجوب دم عليه، ولا ذكر لأخت عقبة وجوب الرُّجوع لتمشي ما ركبته. فأمَّا من يئس عن المشي فلا رجوع عليه قولًا واحدًا، ولا يلزمه دم؛ إذ لم يخاطب بالمشي، فيكون الدَّم بدله، وإنما هو استحباب عند مالك. وأمَّا من خوطب بالمشي فركب لموجب من مرض، أو عجز: فيجب عليه الهدي عند الجمهور، وقال الشافعيّ: لا يجب عليه الهدي، ويُختار له الهدي، وروى عن ابن الزبير: أنه لم يجعل عليه دمًا؛ متمسِّكًا بما قررناه من الظاهر. وقد تمسَّك الجمهور بزيادةٍ زادها أبو داود والطحاويّ في حديث عقبة، وهذا لفظه: قال عقبة بن عامر: أنه أتى النبيّ -ﷺ-، فأخبره: أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية ناشرة شعرها، فقال له النبيّ -ﷺ-: «مرها فلتركب، ولتختمر، ولْتُهْدِ هديًا»، وعند أبي داود: «بدنة»، وليس فيه: «ناشرة شعرها»، وزيادة الهدي قد رواها عن النبيّ -ﷺ- مع عقبة: ابنُ عبَّاس، ورواها عنهما الثقات، فلا سبيل إلى ردِّها، وليس سكوت من سكت عنها حجَّة على من نطق بها، وقد عَمِل بها الجماهير من السلف وغيرهم. قال الجامع عفا الله عنه: القول بلزوم الهدي هو الحقّ؛ لصحّة الحديث بذلك، كما حقّقه القرطبيّ ﵀ في كلامه المذكور آنفًا، والله تعالى أعلم. قال: ثم هل يجب عليه مع الهدي الرجوع فيمشي ما ركبه أم لا يجب؛ اختُلِف فيه: فقيل: لا يجب عليه مطلقًا. وإليه ذهب الشافعي، وأهل الكوفة، وهذا أحد قولي ابن عمر. وقيل: يرجع، وإليه ذهب سلف أهل المدينة، وابن الزبير، وهو القول الآخر عن ابن عمر، وفرَّق مالك فقال: إن كان المشي يسيرًا لم يرجع، ويرجع في الكثير، ما لم يرجع لبلده البعيدة، فيكفيه الدَّم. قال القرطبيّ ﵀: والتمسُّك بحديث عقبة في ترك إيجاب الرُّجوع ظاهر، وعمل سلف أهل المدينة باهر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: العمل بما دلّ عليه حديث عقبة هو الأرجح.
مصادر المؤلف (١٣)

١. «مسند أبي عوانة» ٤/ ١١ - ١٢.

٢. «الفتح» ٥/ ١٧١، كتاب «جزاء الصيد» رقم (١٨٦٥).

٣. «الفتح» ٥/ ١٧١ - ١٧٢ رقم (١٨٦٥).

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٤.

٥. «المفهم» ٤/ ٦١٨ - ٦١٩.

٦. «المفهم»٤/ ٦١٦ - ٦١٧.

٧. «الفتح»٥/ ١٧٢، كتاب«جزاء الصيد»رقم (١٨٦٥).

٨. ضعيف؛ لأنَّ في سنده شريك بن عبد الله النخعي، سيئ الحفظ، ويدلّس، وقد عنعنه.

٩. حديث الأمر بالصوم ضعيف؛ لأنه من رواية عبيد الله بن زحر، وهو ضعيف عند الأكثرين.

١٠. رواه مسلم.

١١. «المغني» ١٣/ ٦٣٥ - ٦٣٦.

١٢. «المفهم» ٤/ ٦١٦.

١٣. «المفهم» ٤/ ٦١٧ - ٦١٨.