HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٥٤

حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ (وَاللَّفْظُ لِأَبِي الرَّبِيعِ) قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ). حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ لِسُلَيْمَانَ سِتُّونَ امْرَأَةً. فَقَالَ: لَأَطُوفَنَّ عَلَيْهِنَّ اللَّيْلَةَ. فَتَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ. فَتَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا فَارِسًا. يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا وَاحِدَةٌ. فَوَلَدَتْ نِصْفَ إِنْسَانٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لو اسْتَثْنَى، لَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا، فَارِسًا، يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص87
ج ٣ ص ١٢٧٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٦٨٤
باب رَمَى: إذا عطفتُه، ورددتُه، وَثَنَيْتُهُ عن مراده: إذا صرفتُهُ عنه، وعلى هذا فالاستثناء صرف العامل عن تناول المستثنى، ويكون حقيقةً في المتّصل، وفي المنفصل أيضًا؛ لأن «إلا» هي التي عدَّت الفعل إلى الاسم حتى نصبه، فكانت بمنزلة الهمزة في التعدية، والهمزةُ تُعدّي الفعلَ إلى الجنس، وغير الجنس حقيقةً وفاقًا، فكذلك ما هو بمنزلتها. انتهى . وقال في «الفتح»: الاستثناء: استفعالٌ من الثُّنْيا -بضمّ المثلّثة، وسكون النون، بعدها تحتانيّةٌ- ويقال لها: الثَّنْوَى أيضًا بواو بدل الياء، مع فتح أوّله، وهي من ثنيت الشيء: إذا عطفته، كان المستثنيَ عطف بعض ما ذكره؛ لأنها في الاصطلاح إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، وأدواتها «إلّا» وأخواتها، وتُطلق أيضًا على التعاليق، ومنها التعليق على المشيئة، وهو المراد في هذه الترجمة، فإذا قال: لأفعلنّ كذا، إن شاء الله تعالى، استثنى، وكذا إذا قال: لا أفعل كذا إن شاء الله، ومثله في الحكم أن يقول: إلا أن يشاء الله، أو إلا إن شاء الله، ولو أتى بالإرادة، والاختيار بدل المشيئة جاز، فلو لم يفعل إذا أثبت، أو فعل إذا نفى، لم يَحنَث، فلو قال: إلا إن غيّر الله نيّتي، أو بدّل، أو إلا أن يبدُو لي، أو يظهر، أو إلا أن أشاء، أو أريد، أو أختار، فهو استثناء، لكن يُشترط وجود المشروط. انتهى . وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٧٧] (١٦٥٤) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ -وَاللَّفْظُ لأَبِي الرَّبِيعِ- قَالَا: حَدَّثنا حَمَّاد -وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- حَدَّثنا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كانَ لِسُلَيْمَانَ سِتُّونَ امْرأَةً، فَقَالَ: لأَطُوفَنَّ عَلَيْهِنَّ اللَّيْلَةَ، فتَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فتَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَ غُلَامًا فَارِسًا، يُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا وَاحِدَة، فَوَلَدَتْ نِصْفَ إِنْسَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَوْ كَانَ اسْتَثْنَى لَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا فَارِسًا، يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبتٌ عابد، كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٨. والباقون كلهم تقدّموا في البابين السابقين، و«أبو الربيع الْعَتَكيّ» هو: سليمان بن داود الزهرانيّ، و«أيوب» هو: السختيانيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: كَانَ لِسُلَيْمَانَ) بن داود ﵇ (سِتُّونَ امْرَأَةً) كذا في هذه الرواية، وفي رواية هشام بن حُجير، عن طاوس: «لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأةً»، وفي رواية أبي الزناد، عن الأعرج: «على تسعين امرأة»، وكلها في مسلم، ووقع عند البخاريّ في رواية أبي الزناد بلفظ: «على سبعين امرأة»، فقال في «الفتح»: قوله: «على سبعين امرأة» كذا هنا من رواية مغيرة، وفي رواية شعيب: «فقال: تسعين»، وقد ذكر البخاريّ ذلك عقب هذا الحديث، ورَجَّح «تسعين» بتقديم المثناة على «سبعين»، وذكر أن ابن أبي الزناد رواه كذلك، قال الحافظ: وقد رواه سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، فقال: «سبعين»، ولكن رواه مسلم، عن ابن أبي عمر، عن سفيان، فقال: «سبعين» بتقديم السين، وكذا هو في «مسند الحميديّ»، عن سفيان، وكذا أخرجه مسلم من رواية وَرْقاء، عن أبي الزناد، وأخرجه الإسماعيليّ، والنسائيّ، وابن حبان، من طريق هشام بن عروة، عن أبي الزناد، قال: «مائة امرأة»، وكذا قال طاوس، عن أبي هريرة، وكذا قال أحمد، عن عبد الرزاق، من رواية هشام بن حُجير، عن طاوس: «تسعين»، ورواه مسلم عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، فقال: «سبعين»، ورواه أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: «كان لسليمان ستون امرأة»، ورواه أحمد، وأبو عوانة، من طريق هشام، عن ابن سيرين، فقال: «مائة امرأة»، وكذا قال عمران بن خالد، عن ابن سيرين، عند ابن مردويه، ووقع عند البخاريّ في «الجهاد» من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال: «مائة امرأة، أو تسع وتسعون»، على الشك. فمحصل الروايات: ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون ومائة، والجمع بينها أن الستين كُنّ حرائر، وما زاد عليهن كنّ سَراري، أو بالعكس وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمائة، فكنّ دون المائة وفوق التسعين، فمن قال: تسعون ألغى الكسر، ومن قال مائة جَبَره، ومن ثم وقع التردد في رواية جعفر. وقال في «الفتح» أيضًا في موضع آخر: وذكر أبو موسى المدينيّ في كتابه «الثمين في استثناء اليمين» أن في بعض نسخ مسلم عقب قصة سليمان: هذا الاختلاف في هذا العدد، وليس هو من قول النبيّ -ﷺ-، وإنما هو من الناقلين. ونَقَل الكرمانيّ أنه ليس في «الصحيح» أكثر اختلافًا في العدد من هذه القصة. قال الحافظ: وغاب عن هذا القائل حديث جابر في قدر ثمن الجمل، وقد مضى بيان الاختلاف فيه في موضعه. وقد أجاب النووي ومن وافقه عن اختلاف هذا العدد في قصة سليمان ﵇ بأن مفهوم العدد ليس بحجة عند الجمهور، فذِكْرُ القليل لا ينفي ذكر الكثير. وقد تُعُقّب بأن الشافعيّ نصّ على أن مفهوم العدد حجة، وجزم بنقله عنه الشيخ أبو حامد، والماورديّ، وغيرهما، ولكن شرطه أن لا يخالفه المنطوق. قال الحافظ: والذي يظهر مع كون مخرج الحديث عن أبي هريرة -﵁-، واختلاف الرواة عنه أن الحكم للزائد؛ لأن الجميع ثقات. انتهى . [فائدة]: حَكَى وهب بن مُنَبِّه في «المبتدأ» أنه كان لسليمان ألف امرأة: ثلاثمائة مُهَيرة، وسبعمائة سرية، ونحوه مما أخرج الحاكم في «المستدرك» من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب، قال: بلغنا أنه كان لسليمان ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة صريحة، وسبعمائة سرية. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذه الحكاية من الإسرائيليّات التي تحتاج إلى التثبّت فيها، والذي ثبت عندنا في «الصحيحين» ما جاوز المائة، فالعمدة عليه، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) سليمان ﵇ (لأَطُوفَنَّ عَلَيْهِنَّ اللَّيْلَةَ) وفي رواية: «لأُطيفنّ» قال القرطبيّ ﵀: كلاهما صحيح في اللغة، يقال: أطفت بالشيء، أُطيف به، وأنا مُطيف، وطُفْتُ على الشيء، وبه، أطوف، وأنا طائفٌ، كما قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القلم: ١٩]، وأصله الدَّوَرَانُ حولَ الشيء، ومنه الطواف بالبيت، وهو في هذا الحديث كناية عن الجماع، كما جاء عن نبيّنا -ﷺ-: «أنه كان يطوف على نسائه، وهنّ تسع، في ساعة واحدة، من ليل، أو نهار»، متّفقٌ عليه. قال: وهذا الكلام قَسَمٌ، وإن لم يُذكر فيه مُقْسَم به؛ لأن لام «لأطوفنّ» هي الداخلة على جواب القسم، فكثيرًا ما تَحْذِف معها العربُ المُقْسَم به؛ اكتفاءً بدلالتها على المُقْسَم به، لكنها لا تدلّ على مُقْسَم به معيّن. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقال في «الفتح»: اللام جواب القسم، كأنه قال مثلًا: والله لأطوفنّ، ويرشد إليه ذكر الحنث في قوله: «لم يحنث»؛ لأن ثبوته ونفيه يدلّ على سبق اليمين، وقال بعضهم: اللام ابتدائية، والمراد بعدم الحنث وقوع ما أراد، وقد مشى ابن المنذر على هذا في كتابه الكبير، فقال: «باب استحباب الاستثناء في غير اليمين لمن قال: سأفعل كذا»، وساق هذا الحديث، وجزم النوويّ بأن الذي جرى منه ليس بيمين؛ لأنه ليس في الحديث تصريح بيمين، كذا قال، وقد ثبت ذلك في بعض طرق الحديث، واختُلِف في الذي حَلَف عليه، هل هو جميع ما ذُكِر، أو دورانه على النساء فقط دون ما بعده، من الحمل، والوضع، وغيرهما؟ والثاني أوجه؛ لأنه الذي يقدر عليه، بخلاف ما بعده، فإنه ليس إليه، وإنما هو مجرد تمني حصول ما يستلزم جلب الخير له، وإلا فلو كان حلف على جميع ذلك لم يكن إلا بوحي، ولو كان بوحي لم يتخلف، ولو كان بغير وحي لزم أنه حلف على غير مقدور له، وذلك لا يليق بجنابه. قال الحافظ: وما المانع من جواز ذلك، ويكون لشدّة وثوقه بحصول مقصوده، وجزم بذلك، وأَكَّد بالحلف، فقد ثبت في الحديث الصحيح: «إنّ من عباد الله، من لو أقسم على الله لأبرّه» ، متّفقٌ عليه. (فَتَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُن، فتلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا) قال القرطبيّ ﵀: الغلام هو الصغير، لكن أراد هنا الشابّ المطيق للقتال. (فَارِسًا) قال الفيّوميّ ﵀: الفَارِسُ: الراكب على الحافر، فرسًا كان، أو بغلًا، أو حمارًا، قاله ابن السِّكِّيت، يقال: مرّ بنا فَارِسٌ على بغل، وفَارِسٌ على حمار، وفي «التهذيب»: فَارِسٌ على الدابة بَيِّنُ الفروسية، قال الشاعر [من الطويل]: وإني امْرُؤٌ لِلْخَيْلِ عِنْدِي مَزِيَّةٌ … عَلىَ فَارِسِ البِرْذَوْنِ أَو فَارِسِ البَغْل وقال أبو زيد: لا أقول لصاحب البغل، والحمار: فَارِسٌ، ولكن أقول: بَغّالٌ، وحَمّارٌ، وجمع الفَارِسِ: فُرْسَانٌ، وفَوَارِسُ، وهو شاذّ؛ لأن فواعل إنما هو جمع فاعلة، مثل ضَارِبَةِ، وضَوَارِبَ، وصَاحِبَة وصَوَاحِبَ، أو جمع فاعل صفة لمؤنث، مثل حائِض وحَوَائِضَ، أو كان جمع ما لا يعقل، نحو جمل بَاِزلٍ وبَوَازِلَ، وحائط وحَوَائِطَ، وأما مذكرُ مَن يعقل، فقالوا: لم يأتِ فيه فَوَاعِلُ، إلّا فَوَارِسُ، وَنَواكِسُ، جمع ناكس الرأس، وهوالك، ونواكص، وسوابق، وخوالف، جمع خالف، وخالفة، وهو القاعد المتخفف، وقوم ناجعة ونواجع، وعن ابن القطان: ويُجمع الصاحب على صواحب. انتهى كلام الفيّويّ ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا. وقد أشار ابن مالك ﵀ إلى ما ذُكر من القاعدة في «الخلاصة» حيث قال: فَوَاعِلٌ لَفَوْعَلٍ وَفَاعَلِ … وَفَاعِلَاءَ مَعَ نَحْوِ كَاهِلِ وَحَائِضٍ وَصَاهِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَشَذَّ فِي الْفَارِسِ مَعْ مَا مَاثَلَهْ (يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لإعلاء كلمة الله ﷿، هذا قاله سليمان ﵇ على سبيل التمنّي للخير، وإنما جزم به؛ لأنه غلب عليه الرجاء؛ لكونه قصد به الخير، وأمر الآخرة، لا لغرض الدنيا، قاله في «الفتح» . وقال القرطبيّ ﵀: هذا الكلام من سليمان ﵇ ظاهره الجزم على أن الله يفعل ذلك الذي أراد، لكن الذي حمله على ذلك صِدْقُ نيّته في حصول الخير، وظهور الدِّين، وفعل الجهاد، وغلبة رجاء فضل الله تعالى في إسعافه بذلك، ولا يَظُنُّ به أنه قطع بذلك على الله تعالى إلا مَن جَهِل حالة الأنبياء ﵈ في معرفتهم بالله تعالى وبحدوده، وتأدبهم معه. انتهى . (فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَوَلَدَتْ نِصْفَ إِنْسَانٍ) وفي رواية هشام بن حجير التالية: «جاء بشقّ غلام»، وفي رواية ورقاء: «فجاءت بشق رجل»، قال في «الفتح»: حكى النقّاش في «تفسيره» أن الشق المذكور هو الجسد الذي أُلقي على كرسيّه، قال: وقد تقدّم قول غير واحد من المفسّرين: إن المراد بالجسد المذكور شيطان، وهو المعتمد، والنقّاش صاحب مناكير. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قال فيه: هو المعتمد لا ينبغي أن يُعتمد عليه؛ لأن قصّة الشيطان التي يحكونها فيها ما لا يخفى من تلاعب الشيطان بنبيّ الله سليمان ﵇، وهضم منصب النبوّة، فالأقرب ما قاله النقّاش، فتأمّل القصّة بالإمعان، والله تعالى المستعان. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: لوْ كَانَ اسْتَثْنَى)؛ أي: لو قال سليمان ﵇: إن شاء الله، كما نبّهه عليه صاحبه (لَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا فَارِسًا، يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ») وفي رواية هشام بن حجير التالية:«ولو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دَرَكًا له في حاجته»، وفي رواية ورقاء الآتية:«وايم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فُرسانًا أجمعون». قال في«الفتح»: ولا يلزم من إخباره -ﷺ- بذلك في حقّ سليمان ﵇ في هذه القصة أن يقع ذلك لكل من استثنى في أمنيته، بل في الاستثناء رَجاءُ الوقوع، وفي ترك الاستثناء خشية عدم الوقوع، وبهذا يجاب عن قول موسى للخضر: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] مع قول الخضر له آخرًا: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]. انتهى . وقال في موضع آخر: وقد قيل: هو خاص بسليمان ﵇، وأنه لو قال في هذه الواقعة: إن شاء الله حصل مقصوده، وليس المراد أن كل من قالها وقع ما أراد، ويؤيِّد ذلك أن موسى ﵇ قالها عندما وعد الخضر أنه يصبر عما يراه منه، ولا يسأله عنه، ومع ذلك فلم يصبر، كما أشار إلى ذلك في الحديث الصحيح: «رَحِمَ اللهُ موسى، لوددنا لو صبر حتى يَقُصَّ الله علينا من أمرهما»، وقد قالها الذبيح ﵇ فوقع ما ذُكِر في قوله ﵇: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، فصبر حتى فداه الله بالذبح، وقد سئل بعضهم عن الفرق بين الكليم والذبيح في ذلك، فأشار إلى أن الذبيح بالغ في التواضع في قوله: ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ حيث جَعَل نفسه واحدًا من جماعة، فرزقه الله الصبر. قال الحافظ ﵀: وقد وقع لموسى ﵇ أيضًا نظير ذلك مع شعيب حيث قال له: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]، فرزقه الله ذلك. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٤٢٧٧ و٤٢٧٨ و٤٢٧٩ و٤٢٨٠ و٤٢٨١ و٤٢٨٢] (١٦٥٤)، و(البخاريّ) في «أحاديث الأنبياء» (٢٤٢٤) وأخرجه تعليقًا (٢٨١٩) و«النكاح» (٥٢٤٢) و«كفّارة الأيمان» (٦٦٣٩ و٦٧٢٠) و«التوحيد» (٧٤٦٩)، و(الترمذيّ) في «النذور والأيمان» (١٥٣٢)، و(النسائيّ) في «الأيمان والنذور» (٧/ ٢٥ - ٢٦) و«الكبرى» (٣/ ١٤١ و٣٨٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٣٦)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٤٩٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٢٩ و٢٧٥ و٥٠٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٣٣٧ و٤٣٣٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٢٣٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٥٢ - ٥٣)، و(ابن الأعرابيّ) في «معجمه» (٤/ ٣٣٦)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٤/ ٢٨٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٤٤) و«المعرفة» (٧/ ٣١٤)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٧٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من حلف، فقال في حلفه: إن شاء الله فقد استثنى، فله استثناؤه. ٢ - (ومنها): أنه إذا حلف رجل، ولم يستثن، فقال له آخرُ، مذكّرًا: قل: إن شاء الله، فقال ذلك، هل يكون ذلك استثناء صحيحًا، أم لا؟، والظاهر نعم. ٣ - (ومنها): أن فيه فضل فعل الخير، وتعاطي أسبابه، وأن كثيرًا من المباح، والملاذّ يصير مستحبًّا بالنيّة والقصد. ٤ - (ومنها): استحباب الاستثناء لمن قال: سأفعل كذا، وأن إتباع المشيئة اليمين يرفع حكمها، وهو متّفق عليه بشرط الاتّصال. ٥ - (ومنها): أن الاستثناء لا يكون إلا باللفظ، ولا تكفي فيه النيّة، وهو اتّفاق، إلا ما حُكي عن بعض المالكيّة. ٦ - (ومنها): ما خُصّ به الأنبياء ﵈ من القوّة على الجماع الدّالّ ذلك على صحّة البِنْية، وقوّة الفُحُوليّة، وكمال الرجوليّة، مع ما هم فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم، وقد وقع لنبيّنا -ﷺ- من ذلك أبلغ المعجزة؛ لأنه مع اشتغاله بعبادة ربّه، وعلومه، ومعالجة الخلق، كان متقلّلًا من المآكل، والمشارب المقتضية لضعف البدن على كثرة الجماع، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في ليلة بغسل واحد، وهنّ إحدى عشرة امرأة، وقد تقدّم هذا في «كتاب الغسل». ويقال: إن كلّ من كان أتقى لله، فشهوته أشدّ؛ لأن الذي لا يتّقي يتفرّج بالنظر، ونحوه. ٧ - (ومنها): ما قاله بعض السلف: نبّه النبيّ -ﷺ- في هذا الحديث على آفة التمنّي، والإعراض عن التفويض، قال: ولذلك نسي الاستثناء؛ ليمضي فيه القدر. ٨ - (ومنها): جواز الإخبار عن الشيء، ووقوعه في المستقبل، بناءً على غلبة الظنّ، فإن سليمان ﵇ جزم بما قال، ولم يكن ذلك عن وحيٍ، وإلا لوقع، كما قيل. وقال القرطبيّ ﵀: لا يَظُنُّ بسليمان ﵇ أنه قطع بذلك على ربّه، إلا من جهِلَ حالَ الأنبياء، وأدبهم مع الله تعالى. وقال ابن الجوزيّ ﵀: [فإن قيل]: من أين لسليمان ﵇ أن يُخلَق من مائه هذا العدد في ليلة؟ لا جائز أن يكون بوحيٍ؛ لأنه ما وقع، ولا جائز أن يكون الأمر في ذلك إليه؛ لأن الإرادة لله. [والجواب]: أنه من جنس التمنّي على الله، والسؤال له أن يفعل، والقسمِ عليه، كقول أنس بن النضر -﵁-: «والله لا تكسر سنّها». ويَحْتَمِل أن يكون لَمّا أجاب الله دعوته أن يهب له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، كان هذا عنده من جملة ذلك، فجزم به، وأقرب الاحتمالات ما ذكرته أوّلًا، وبالله التوفيق. قال الحافظ ﵀: ويَحْتَمِل أن يكون أُوحي إليه بذلك مقيّدًا بشرط الاستثناء، فنسي الاستثناء، فلم يقع ذلك؛ لفقدان الشرط، ومن ثَمّ ساغ له أوّلًا أن يحلف، وأبعد من استدلّ به على جواز الحلف على غلبة الظنّ. انتهى . ٩ - (ومنها): جواز السهو على الأنبياء ﵈ وأن ذلك لا يقدَح في علوّ منصبهم. ١٠ - (ومنها): جواز الإخبار عن الشيء أنه سيقع، ومُستَنَدُ المخبِرِ الظنّ، مع وجود القرينة القويّة لذلك. ١١ - (ومنها): جواز إضمار المقسم به في اليمين؛ لقوله: «لأطوفنّ»، مع قوله ﵇: «لم يَحنث»، فدلّ على أن اسم الله فيه مقدّرٌ، فإن قال أحدٌ بجواز ذلك، فالحديث حجة له، بناء على أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا، إذا ورد على لسان الشارع، وإن وقع الاتّفاق على عدم الجواز، فيحتاج إلى تأويله، كأن يقال: لعلّ التلفّظ باسم الله وقع في الأصل، وإن لم يقع في الحكاية، وذلك ليس بممتنع، فإن من قال: والله لأطوفنّ، يصدُقُ أنه قال: لأطوفنّ، فإن اللافظ بالمركّب لافظٌ بالمفرد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قال في «الفتح»، أما قوله: «فإن قال أحدٌ بجواز ذلك … إلخ» فعجيب منه، فإنه ذكر في الفائدة التالية ما نصّه: ١٢ - (ومنها): أنه احتجّ به من قال: لا يُشترط التصريح بمقسَم به معيّن، فمن قال: أحلف، أو أشهد، ونحو ذلك، فهو يمين، وهو قول الحنفيّة، وقيّده المالكيّة بالنيّة. وقال بعض الشافعيّة: ليست بيمين مطلقًا. انتهى. فكيف يقول: «إن قال أحد بجواز ذلك»، مع أنه نسبه إلى الحنفيّة والمالكيّة في كلامه هذا؟، فتأمّل. ونصّ القرطبيّ ﵀ في «المفهم»: هذا الكلامُ قَسَمٌ، وإن لم يُذكر فيه مُقْسَمٌ به؛ لأن لام «لأطوفنّ» هي التي تدخل على جواب القسم، فكثيرًا ما تَحذف معها العرب المقسَم به اكتفاء بدلالتها على المقسم به، لكنها لا تدلّ على مقسم به معيّن، وعلى هذا، ففيه من الفقه ما يدلّ على أن من قال: أحلف، أو أشهد، أو ما أشبه ذلك، مما يُفيد القسم، ونوى بذلك الحلف بالله تعالى، كانت يمينًا جائزةً، منعقدةً، وهو مذهب مالك، وقد قال الشافعيّ: لا تكون يمينًا بالله تعالى؛ حتّى يتلفّظ بالمقسم به، وقال أبو حنيفة: هي يمين أراد بها اليمين بالله تعالى، أم لا، وكأن الأَولى ما صار إليه مالك؛ لأن ذلك اللفظ صالحٌ وضعًا للقسم بالله تعالى، فإذا أراده الحالف لزمه كسائر الألفاظ المقيّدة بالمقاصد من العمومات، والمطلقات، وغير ذلك، وأما إذا لم يرد باللفظ القسم، أو القسم بغير الله تعالى ، فلا يلزمه شيء؛ لأن الأول لا يكون يمينًا، والثاني غير جائز، ولا منعقِد، فلا يلزم به حكم على ما تقدّم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وأما مسألة شرعُ من قبلنا شرعٌ لنا، فقد تقدّم في عدّة مواضع أنه الصواب، وأنه مذهب المصنّف، والبخاريّ، والنسائيّ، وغيرهم، من أهل الحديث، فإنهم يبوّبون في كتبهم بشيء، ثم يوردون دليلًا عليه مما ذكره النبيّ -ﷺ- للأنبياء السابقين، أو لأُممهم، مثل ما فعل المصنّف هنا، وكذا البخاريّ. والحاصل أن شريعة من قبلنا شرعٌ لنا بشروط مذكورة في غير هذا المحلّ، والله تعالى أعلم. ١٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: فيه دليلٌ على جواز «لو»، و«لولا» بعد وقوع المقدور، وقد وقع من ذلك مواضع كثيرةٌ في الكتاب والسُّنَّة، وكلام السلف، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، وكقوله ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: ٢٥]: وكقوله -ﷺ-: «لولا حوّاءُ لم تخُن أنثى زوجها الدهر، ولولا بنو إسرائيل لم يخبُث الطعام، ولم يَخنَز اللحم»، متفقٌ عليه. فأما قوله -ﷺ-: «لا يقولنّ أحدكم:»لو«، فإن»لو«تفتح عمل الشيطان»، رواه مسلم، فمحمولٌ على من يقول ذلك مُعْتَمِدًا على الأسباب، مُعرضًا عن المقدور، أو متضجّرًا منه، كما حكاه الله تعالى من قول المنافقين، حيث قالوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] ثم ردّ الله قولهم، وبيّن لهم عجزهم، فقال: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ولذلك قال -ﷺ- في ذلك الحديث: «المؤمن القويّ خيرٌ، وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، ولا تقل: لو كان كذا لكان كذا، فإن»لو«تفتح عمل الشيطان، قل: ما شاء الله كان، وما شاء فعل»، فالواجب عند وقوع المقدور التسليم لأمر الله، وترك الاعتراض على الله، والإعراض عن الالتفات إلى ما فات، فيجوز النطق بـ «لو» عند السلامة من تلك الآفات. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقال النوويّ ﵀: فيه جواز قول «لو»، و«لولا»، قال القاضي عياض: هذا يُسْتَدّل به على جواز قول «لو»، و«لولا»، قال: وقد جاء في القرآن كثيرًا، وفي كلام الصحابة، والسلف، وترجم البخاريّ على هذا «بابُ ما يجوز من اللو»، وأدخل فيه قول لوط ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾، وقول النبيّ -ﷺ-: «لو كنت راجمًا بغير بيّنة لرجمت هذه»، و«لو مُدّ لي الشهر لواصلت»، و«لولا حِدْثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم»، و«لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار»، وأمثال هذا، قال: والذي ينفهم من ترجمة البخاريّ، وما ذكره في الباب من القرآن والآثار، أنه يجوز استعمال «لو»، و«لولا» فيما يكون للاستقبال، مما امتُنِعَ من فعله لامتناع غيره، وهو من باب الممتنَع من فعله؛ لوجود غيره، وهو من باب «لولا»؛ لأنه لم يُدخِل في الباب سوى ما هو للاستقبال، أو ما هو حقّ صحيحٌ متيقنٌ؛ كحديث: «لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار»، دون الماضي والمنقضي، أو ما فيه اعتراض على الغيب، والقدر السابق. وقد ثبت في الحديث الآخر في «صحيح مسلم» قوله -ﷺ-: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قَدَّرَ اللهُ، وما شاء فَعَلَ»، قال القاضي: قال بعض العلماء: هذا إذا قاله على جهة الحتم والقطع بالغيب أنه لو كان كذا لكان كذا، من غير ذكر مشيئة الله تعالى، والنظر إلى سابق قدره، وخَفِيَ علمُهُ علينا، فأما من قاله على التسليم، وردّ الأمر إلى المشيئة، فلا كراهة فيه. قال القاضي: وأشار بعضهم إلى أن «لولا» بخلاف «لو»، قال القاضي: والذي عندي أنهما سواء، إذا استُعملتا فيما لم يُحِط به الإنسان علمًا، ولا هو داخل تحت مقدور قائلهما، مما هو تحكّم على الغيب، واعتراض علي القدر، كما نبّه عليه في الحديث، ومِثلُ قول المنافقين: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، و﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فرَدَّ الله تعالى عليهم باطلهم، فقال: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]، فمثل هذا هو الْمَنْهِيّ عنه، وأما هذا الحديث الذي نحن فيه، فإنما أخبر النبيّ -ﷺ- فيه عن يقين نفسه، أن سليمان ﵇ لو قال: إن شاء الله لجاهدوا؛ إذ ليس هذا مما يُدْرَك بالظنّ والاجتهاد، وإنما أخبر عن حقيقةٍ أعلمَهُ الله تعالى بها، وهو نحو قوله -ﷺ-: «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها»، فلا معارضة بين هذا، وبين حديث النهي عن «لو»، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وكذلك ما جاء من «لولا»، كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨]، ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا﴾ [الزخرف: ٣٣]، ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]؛ لأن الله تعالى مخبر في كل ذلك عما مضى، أو يأتي عن علم خبرًا قطعيًّا، وكل ما يكون من «لو»، و«لولا» مما يخبر به الإنسان عن علة امتناعه من فعله، مما يكون فعله في قدرته، فلا كراهة فيه؛ لأنه إخبار حقيقة عن امتناع شيء؛ لسبب شيء، وحصول شيء؛ لامتناع شيء. وتأتي «لو» غالبًا لبيان السبب الموجب، أو النافي، فلا كراهة في كل ما كان من هذا، إلا أن يكون كاذبًا في ذلك، كقول المنافقين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، والله أعلم. انتهى . ١٤ - (ومنها): جواز استعمال الكناية في اللفظ الذي يُستقبح ذكره؛ لقوله ﵇: «لأطوفنّ»، بدل قوله: لأُجامعنّ . ١٥ - (ومنها): أنه استَدَلّ بهذا الحديث من قال: إن الاستثناء إذا عَقَبَ اليمينَ، ولو تخلّل بينهما شيء يسير لا يضرّ، فإن الحديث دلّ على أن سليمان ﵇ لو قال: إن شاء الله عقب قول صاحبه له: قل: إن شاء الله لأفاد، مع التخلّل بين كلاميه بمقدار قول الصاحب. وأجاب القرطبيّ باحتمال أن يكون الملَك قال ذلك في أثناء كلام سليمان ﵇، قال الحافظ: وهو احتمال ممكن يسقط به الاستدلال المذكور. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما دلّ عليه ظاهر الحديث كافٍ للتمسّك به، فإنه يدلّ على أن الملك ذكّر سليمان ﵇، بعد سماعه كلامه، وتأكّده من عدم استثنائه، فاحتمال أنه ذكّره في أثناء كلامه بعيدٌ جدًّا؛ لأنه لا يَدْري هل يستثني بعد كلامه، أم لا؟، فلما تحقّق لديه أنه ما استثنى مع حاجته إلى الاستثناء ذكّره. والحاصل أن الاحتمال الذي ذكره القرطبيّ بعيدٌ، فلا يسقط الاستدلال المذكور، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستثناء في اليمين: قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: في هذا الحديث دليل على أن اليمين إذا قُرن بها «إن شاء الله» لفظًا منويًّا، لم يلزم الوفاء بها، ولا يقع الحنث فيها، ولا خلاف في ذلك، واختلفوا فيما إذا وقع الاستثناء منفصلًا عن اليمين، فالجمهور على أنه لا ينفع الاستثناء حتى يكون متّصلا به، منويًّا معه، أو مع آخر حرف من حروفه، وإليه ذهب مالكٌ، والشافعيّ، والأوزاعيّ، والجمهور، وقد اتّفق مالكٌ، والشافعيّ على أن السُّعال، والعطاس، وما أشبه ذلك لا يكون قاطعًا إذا كان ناويًا له، وقال بعض المالكيّة: لا ينفع الاستثناء إلا أن ينويه قبل نطقه بجميع حروف اليمين، وعند هؤلاء أن السكوت المختار الذي يقطع به كلامه، أو يأخذ في غيره لا ينفع معه الاستثناء. وكان الحسن، وطاوس، وجماعة من التابعين يرون للحالف الاستثناء ما لم يقم من مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقم، أو يتكلّم. وعن عطاء: قدر حَلْبة ناقة. وعن سعيد بن جُبير: بعد أربعة أشهر. وروي عن ابن عبّاس: بعد سنة. وقد أُنكرت هذه الرواية عنه، وضُعّفت، وتأوّلها بعضهم بأن له أن يستثني امتثالًا لأمر الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣ - ٢٤] لا لحلّ اليمين. وإلى هذه الاختلافات أشار السيوطي ﵀ في «الكوكب الساطع» في «مبحث التخصيص»، حيث قال: فَمِنْهَا الاسْتِثْنَاءُ الاخْرَاجُ بِمَا … يُفِيدُهُ مِنْ وَاحِدٍ تَكَلَّمَا وَقِيلَ مُطْلَقًا وَوَصْلُهُ وَجَبْ … عُرْفًا وَللْفَصْلِ ابْنُ عَبَّاسِ ذَهَبْ قِيلَ لِشَهْرٍ وَلعَامٍ وَالأَبَدْ … وَسَنَتَيْنِ عَنْ مُجَاهِدٍ وَرَدْ وَابْنُ جُبَيْرٍ ثُلْثَ عَامٍ يَأْتَسِي … وَعَنْ عَطَا وَحَسَنٍ فِي الْمَجْلِسِ وَقِيلَ قَبْلَ الأَخْذِ فِي كَلَامِ … وَقِيلَ إِنْ يَقْصِدْهُ فِي الْكَلَامِ وَقِيلَ فِي كَلَامِهِ جَل فَقَطْ … وَالْقَصْدَ مَنْ رَأَى اتِّصَالَهُ شَرَطْ قال القرطبيّ: والصحيح الأول، إن شاء الله؛ لأنه لو لم يُشتَرط الاتصال لَمَا انعقد يمين، ولا تُصُوّر عليها ندم، ولا حِنْث، ولا احتيج للكفّارة فيها، وكلّ ذلك حاصل بالاتّفاق، فاشتراط الاتصال صحيح. وقد احتجّ من قال بفصل الاستثناء بقصّة سليمان ﵇ المذكور في الباب، فإن سليمان ﵇ لَمّا حلف، قال له صاحبه: قل: إن شاء الله، ووجه الاستدلال به أنه إنما عرض عليه الاستثناء بعد فراغه من اليمين، فلو قالها بعد فراغ قول صاحبه لكان قولها غير متّصل باليمين، ومع ذلك فلو قالها لكانت تنفع، ولم يَحنَث، كما قال -ﷺ-: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث». وأجاب المشترطون للاتّصال بمنع أنه قاله بعد فراغه من اليمين، بل لعلّه قال ذلك في أضعاف يمينه؛ لأن يمينه كثرت كلماتها، فطالت، وليس ذلك الاحتمال بأولى من هذا، فلا حجة فيه، لا له، ولا عليه. قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت بما أسلفته لك من تعقّب كلام القرطبيّ هذا، فلا تغفل، والله تعالى وليّ التوفيق. قال: واحتجّوا أيضًا بما رواه أبو داود عن عكرمة مولى ابن عبّاس: أن رسول الله -ﷺ- قال: «والله لأغزونّ قريشًا، والله لأغزونّ قريشًا، والله لأغزونّ قريشًا»، ثم قال: «إن شاء الله»، وفي رواية: ثم سكت، ثم قال: «إن شاء الله». قال أبو داود: زاد الوليد بن مسلم، عن شريك: «ثم لم يغزهم». لكن الحديث مرسل، وقد أُسند من حديث عبد الواحد بن صفوان، وليس حديثه بشيء، على ما قاله أهل الحديث، والمرسل هو الصحيح. قال القرطبيّ: وهذا الحديث حجة ظاهرةٌ على جواز الفصل بالسكوت اليسير، وأن ذلك القدر ليس بقاطع؛ لأن الحال شاهدة على الاتصال، لكن عند من يقبل المرسل، ويحتمل أن يكون ذلك السكوت عن غلبة نَفَسٍ خارجٍ، أو أمر طارئ، وفيه بُعْدٌ. قال القرطبيّ: ثم اختلف العلماء في الاستثناء بمشيئة الله تعالى، هل يرفع حكم الطلاق، والْعَتَاق، والمشي لمكة، وغيرها من الأيمان بغير الله تعالى، أم لا؟ فذهب مالكٌ، والأوزاعيّ إلى أن ذلك لا يرفع شيئًا من ذلك، وذهب الكوفيّون، والشافعيّ، وأبو ثور، وبعض السلف إلى أنه يرفع ذلك كله، وقَصَر الحسن الرفع على العتق، والطلاق خاصّة. وسبب الخلاف اختلافهم في معنى قوله -ﷺ- في حديث: «من حلف على يمين، فاستثنى، فإن شاء مضى، وإن شاء ترك»، وهو حديث صحيح ، فحمل مالكٌ، ومن قال بقوله الحديث على اليمين الجائزة، وهي اليمين بأسماء الله وصفاته، بناءً على أنه هو المقصود الأصليّ، واليمين العرفيّ، وحمله المخالف على العموم في كلّ ما يمكن أن يقال عليه يمين. قال القرطبيّ: والصحيح الأول؛ لِمَا قدّمناه من أن هذا النوع الذي قد أطلق عليه الفقهاء يمينًا، لا يُسمّى يمينًا، لا لغةً، ولا شرعًا؛ إذ ليس من ألفاظها اللغويّة، ولا من معانيها الشرعيّة، كما بيّنّاه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، والله تعالى أعلم .. وقال في «الفتح»: واتفق العلماء، كما حكاه ابن المنذر على أن شرط الحكم بالاستثناء أن يتلفّظ المستثنى به، وأنه لا يكفي القصد إليه بغير لفظ، وذكر عياضٌ أن بعض المتأخرين منهم خرّج من قول مالك: إن اليمين تنعقد بالنيّة أن الاستثناء يجزئ بالنيّة، لكن نقل في «التهذيب» أن مالكًا نصّ على اشتراط التلفّظ باليمين، وأجاب الباجيّ بالفرق بأن اليمين عقدٌ، والاستثناء حَلّ، والعقد أبلغ من الحلّ، فلا يلتحق باليمين. قال ابن المنذر: واختلفوا في وقته، فالأكثر على أنه يشترط أن يتّصل بالحلف، قال مالك: إذا سكت، أو قطع كلامه فلا ثُنيا. وقال الشافعيّ: يُشترط وصل الاستثناء بالكلام الأول، ووصْلُه أن يكون نَسَقًا، فإن كان بينهما سكوت انقطع، إلا إن كانت سكتة تذكّر، أو تنفّس، أو عِيّ، أو انقطاع صوت، وكذا يقطعه الأخذ في كلام آخر. ولخّصه ابن الحاجب، فقال: شرطه الاتّصال لفظًا، أو فيما في حكمه، كقطعه لتنفّس، أو سُعال، ونحوه، مما لا يمنع الاتصال عرفًا، واختُلف: هل يقطعه ما يقطع القبول عن الإيجاب؟ على وجهين للشافعيّة، أصحّهما أنه ينقطع بالكلام اليسير الأجنبيّ، وإن لم ينقطع به الإيجاب والقبول، وفي وجه لو تخلّل «أستغفر الله» لم ينقطع، وتوقّف فيه النوويّ، ونصّ الشافعيّ يؤيّده، حيث قال: تذكر فإنه من صور الذِّكر عرفًا، ويلتحق به لا إله إلا الله، ونحوها. وعن طاوس، والحسن: له أن يستثني ما دام في المجلس. وعن أحمد نحوه، وقال: ما دام في ذلك الأمر. وعن إسحاق مثله، وقال: إلا أن يقع سكوت. وعن قتادة: إذا استثنى قبل أن يقوم، أو يتكلّم. وعن عطاء: قدر حلب ناقة. وعن سعيد بن جبير: إلى أربعة أشهر. وعن مجاهد: بعد سنتين. وعن ابن عبّاس أقوال: منها: ولو بعد حين. وعنه كقول سعيد. وعنه: شهر. وعنه: سنة. وعنه: أبدًا. قال أبو عُبيد: وهذا لا يؤخذ على ظاهره؛ لأنه يلزم منه أن لا يحنث أحدٌ في يمينه، وأن لا تتصوّر الكفارة التي أوجبها الله تعالى على الحالف، قال: ولكن وجه الخبر سقوط الإثم عن الحالف لتركه الاستثناء؛ لأنه مأمور به في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فقال ابن عبّاس: إذا نسي أن يقول: إن شاء الله يستدركه، ولم يُرد أن الحالف إذا قال ذلك بعد أن انقضى كلامه أن ما عقده باليمين ينحلّ. وحاصله حمل الاستثناء المنقول عنه على لفظ إن شاء الله فقط، وحمل إن شاء الله على التبرّك، وعلى ذلك حمل الحديث المرفوع الذي أخرجه أبو داود وغيره، موصولًا، ومرسلًا أن النبيّ -ﷺ- قال: «لأغزونّ قريشًا»، ثلاثًا، ثم سكت، ثم قال: «إن شاء الله»، أو على السكوت لتنفّس، أو نحوه. وكذا ما أخرجه ابن إسحاق في سؤال من سأل النبيّ -ﷺ- عن قصّة أصحاب الكهف: «غدًا أجيبكم»، فتأخّر الوحي، فنزلت: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فقال: إن شاء الله، مع أن هذا لم يرد هكذا من وجه ثابت. ومن الأدلة على اشتراط اتصال الاستثناء بالكلام قوله -ﷺ-: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفّر عن يمينه، وليات الذي هو خير». فإنه لو كان الاستثناء يفيد بعد قطع الكلام لقال: فليستثن؛ لأنه أسهل من التكفير، وكذا قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، فإن قوله: استثن أسهل من التحيّل لحلّ اليمين بالضرب، وللزم بطلان الإقرارات، والطلاق، والعتق، فيستثني من أقرّ، أو طلّق، أو أعتق بعد زمان، ويرتفع حكم ذلك، فالأولى تأويل ما نُقل عن ابن عبّاس وغيره من السلف في ذلك. وإذا تقرّر ذلك، فقد اختُلِفَ: هل يُشترط قصد الاستثناء من أول الكلام، أو لا، حَكَى الرافعيّ فيه وجهين، ونُقل عن أبي بكر الفارسيّ أنه نقل الإجماع على اشتراط وقوعه قبل فراغ الكلام، وعلّله بأن الاستثناء بعد الانفصال ينشأ بعد وقوع الطلاق مثلًا، وهو واضحٌ، ونقله معارض بما نقله ابن حزم أنه لو وقع متّصلًا به كفى، واستدلّ بحديث ابن عمر -﵄- رفعه: «من حلف، فقال: إن شاء الله، لم يحنث»، واحتجّ بأنه عقّب الحلف بالاستثناء باللفظ، وحينئذ يتحصّل ثلاث صور: أن يقصد من أوله، أو من أثنائه، ولو قبل فراغه، أو بعد تمامه، فيختصّ نقلُ الإجماع بانه لا يفيد في الثالث، وأبعدَ من فَهِم أنه لا يفيد في الثاني أيضًا، والمراد بالإجماع المذكور إجماع من قال: يُشترط الاتصال، وإلا فالخلاف ثابتٌ، كما تقدّم، والله أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الإجماع هنا، لا وجه له، كما يظهر لمن تتبّع الأقوال في هذه المسألة، إلا أن يدّعى لأهل مذهب معيّن أنهم أجمعوا على ذلك، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. وقال ابن العربيّ: قال بعض علمائنا: يشترط الاستثناء قبل تمام اليمين، قال: والذي أقول: إنه لو نوى الاستثناء مع اليمين لم يكن يمينًا، ولا استثناء، وإنما حقيقة الاستثناء أن يقع بعد عقد اليمين، فيحلّها الاستثناء المتّصل باليمين. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي الذي قاله ابن العربيّ ﵀ هو الأشبه مما ادّعاه مَن سبق قوله مِن الإجماع على خلافه. فتنبّه، والله تعالى أعلم. واتّفقوا على أن من قال: لا أفعل كذا إن شاء الله، إذا قصد به التبرّك فقط، ففعل يحنث، وإن قصد به الاستثناء، فلا حنث عليه. واختلفوا إذا أطلق، أو قدّم الاستثناء على الحلف، أو أخّره، هل يفترق الحكم؟، وقد تقدّم في الطلاق. واتّفقوا على دخول الاستثناء في كل ما يُحلَف به، إلا الأوزاعيّ، فقال: لا يدخل في الطلاق، والعتق، والمشي إلى بيت الله، وكذا جاء عن طاوس، وعن مالك مثله، وعنه إلا المشي. وقال الحسن، وقتادة، وابن أبي ليلى، والليث: يدخل في الجميع، إلا الطلاق. وعن أحمد: يدخل الجميع إلا العتق. واحتجّ بتشوّف الشارع له. وورد فيه حديث عن معاذ -﵁- رفعه: «إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ إن شاء الله، لم تطلق، وإن قال لعبده: أنت حرّ، إن شاء الله، فإنه حرّ»، قال البيهقيّ: تفرّد به حميد بن مالك، وهو مجهول، واختُلف عليه في إسناده. واحتَجّ من قال: لا يدخل في الطلاق بأنه لا تحلّه الكفّارة، وهي أغلظ على الحالف من النطق بالاستثناء، فلمّا لم يحلّه الأقوى، لم يحلّه الأضعف. وقال ابن العربيّ: الاستثناء أخو الكفّارة، وقد قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فلا يدخل في ذلك إلا اليمين الشرعيّة، وهي الحلف بالله. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن العربيّ ﵀ من أن الاستثناء لا يدخل إلا اليمين الشرعية، وهي الحلف بالله أو بصفة من صفاته هو الأقرب؛ لِمَا ذكره. والحاصل أن الاستثناء في اليمين ينفع إذا كان متّصلًا اتصالًا عرفيًّا، فلا يضرّه الانقطاع الضروريّ، كالسعال، والعطاس، ونحو ذلك، كما هو مذهب مالك والشافعيّ، وغيرهما، وهذا هو الذي يدلّ عليه ظاهر حديث ابن عمر -﵄- مرفوعًا: «من حلف، فقال: إن شاء الله، لم يحنث»، وهو حديث صحيح، كما أسلفته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٧٨] (…) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ نَبِيُّ اللهِ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِغُلَامٍ، يُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، أَو الْمَلَكُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ، وَنَسِيَ، فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ، إِلَّا وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ غُلَامٍ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَلَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لَهُ في حَاجَتِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (هِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ) -مصغّرًا- المكيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٦] (خ م س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٥ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. و«أبو هريرة -﵁-» ذكر قبله. ووقوله: (عَنْ هِشَام بْنِ حُجَيْرٍ) وفع في رواية الحميديّ، عن سفيان بن عيينة: «حدّثنا هشام بن حُجَير». وقوله: (كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِغُلَامٍ) فيه حذف تقديره: فحملت، فتأتي بغلام؛ أي: تلد غلامًا، وكذا في قوله: «يقاتل» تقديره: فينشأ، فيتعلّم الفروسيّة، فيقاتل، وساغ الحذف؛ لأن كلّ فعل منها مسبَّب عما قبله، وسبب السبب سبب، أفاده في «الفتح» . وقوله: (فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، أَوِ الْمَلَكُ) كذا في هذه الرواية بالشكّ، وفي رواية البخاريّ: «فقال له صاحبه، قال سفيان: يعني الملك»، وفي رواية للبخاريّ، في «النكاح»، من طريق معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: «فقال له الملك»، بالجزم. وقال في «الفتح» -عند قول سفيان: يعني الملك-: وفي هذا إشعار بأن تفسير صاحبه بالملك ليس بمرفوع، لكن في «مسند الحميديّ» عن سفيان: «فقال له صاحبه، أو الملك- بالشك»، ومثلها لمسلم، وفي الجملة ففيه ردٌّ على من فسَّر صاحبه بأنه الذي عنده علم من الكتاب، وهو آصِف- بالمدّ، وكسر المهملة، بعدها فاء -ابن برخيا- بفتح الموحدة، وسكون الراء، وكسر المعجمة، بعدها تحتانية-. وقال القرطبيّ: قوله: «فقال له صاحبه، أو الملك» هذا شكّ من أحد الرواة في الذي قاله النبيّ -ﷺ- منهما، فإن كان صاحبه فيعني به وزيره من الإنس، أو الجنّ، وإن كان الملك فهو الذي كان يأتيه بالوحي، قال: وقد أبعد من قال: المراد به خاطره. انتهى. وقال النوويّ: قيل: المراد بصاحبه الملك، وهو الظاهر من لفظه، وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدمي. قال الحافظ: ليس بين قوله: صاحبه والملك منافاة، إلا أن لفظة صاحبه أعمّ، فمن ثم نشأ لهم الاحتمال، ولكن الشك لا يؤثر في الجزم، فمن جزم بأنه الملك حجة على من لم يجزم. انتهى . وقوله: (قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ) قال القرطبيّ ﵀: هذا تذكير له بأن يقول بلسانه، لا أنه غفل عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه؛ فإن ذلك بعيدٌ على الأنبياء ﵈ وغير لائق بمناصبهم الرفيعة، ومعارفهم المتوالية، وإنَّما هذا كما قد اتفق لنبينا -ﷺ- لمّا سئل عن الرُّوح، والخضر، وذي القرنين؛ فوعدهم بأن يأتي بالجواب غدًا، جازمًا بما عنده من معرفته بالله تعالى، وصدقِ وعده في تصديقه، وإظهار كلمته، لكنه ذَهِل عن النطق بكلمة: «إن شاء الله»، لا عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه، فأُدِّب بأن تأخر الوحي عنه؛ حتى رموه بالتكذيب لأجلها، ثم إن الله تعالى علَّمه وأدَّبه بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، فكان بعد ذلك يستعمل هذه الكلمة في الواجب، وهذا لعلوِّ مناصب الأنبياء ﵈ وكمال معرفتهم بالله تعالى، يناقَشون، ويعاتَبون على ما لا يعاتَب عليه غيرهم، كما قد قال النبيّ -ﷺ- في حق لوط ﵇: «يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد»، فعَتَب عليه نُطْقَه بكلمة يسوغ لغيره أن ينطق بها. انتهى . وقوله: (فَلَمْ يَقُلْ، وَنَسِيَ)؛ أي: لم ينطق بلفظ إن شاء الله بلسانه ذُهولًا ونسيانًا، أنساه الله تعالى إياها، لينفُذ قدر الله تعالى الذي سبق به علمه، من جَعْل ذلك سببًا لعدم وقوع ما تمنّاه وقصده سليمان ﵇، قاله القرطبيّ ﵀ . وليس المراد أنه غفل عن التفويض إلى الله بقلبه، والتحقيق أن اعتقاد التفويض مستمرّ له، لكن المراد بقوله: «فنسي» أنه نسي أن يقصد الاستثناء الذي يرفع حكم اليمين، ففيه تعقّب على من استَدَلَّ به لاشتراط النطق في الاستثناء. انتهى. وقوله أيضًا: (وَنَسِيَ) قال النوويّ: ضبطه بعض الأئمة بضمّ النون، وتشديد السين، وهو ظاهر حسن. انتهى. وقوله: (وَكَانَ دَرَكًا لَهُ فِي حَاجَتِهِ) بفتح الراء: اسم من الإدراك؛ أي: لحاقًا، قال لله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ [طه: ٧٧]. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٧٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَهُ، أَوْ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٢ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ، ثقةُ فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. والباقون ذُكروا قبله، و«سفيان» هو ابن عيينة. وقوله: (مِثْلَهُ، أَوْ نَحْوَهُ) ظاهر هذا أن فيه تفريقًا بين قوله: «مثله»، وقوله: «نحوه»، وقد تقدّم أن الحاكم أبا عبد الله ذكر أن لفظ «مثل» يُطلق على ما اتّحد لفظًا، ولفظ «نحو» يُطلق على ما اتّحد معنى، ولكن كثيرًا من صنيع المصنّف ﵀ ليس على هذه القاعدة، كما قدّمت بيان ذلك في أوائل هذا الشرح، وذكرت على ذلك أدلّة، فلتُراجعها. ويَحْتَمِل أن هذا الشك ليس من مسلم، وإنما هو من الراوي عنه، شكّ في قول مسلم، هل قال: «مثله»، أو قال: «نحوه»، ولا يستلزم ذلك التفريق بينهما، وإنما يفيد بيان الشك في اللفظ الذي صدر عن مسلم، فتأمل، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه] رواية أبي الزناد، عن الأعرج هذه ساقها الحميديّ في «مسنده»، فقال: (١١٧٤) - حدّثنا الحميديّ ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «حَلَف سليمان بن داود، فقال: لأُطيفنّ الليلة بسبعين امرأة، كلهنّ تجيء بغلام يقاتل في سبيل الله ﷿، فقال له صاحبه، أو قال له الملك: قل: إن شاء الله، فنسي، فأطاف بسبعين امرأة، فلم تجئ واحدة منهنّ بشيء، إلا واحدة، جاءت بشق غلام». فقال رسول الله -ﷺ-: «لو قال: إن شاء الله، لَمَا حَنِثَ، ولكان دَرَكًا في حاجته». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٨٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لأُطِيفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، تَلِدُ كُلّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا، يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ، فَأَطَافَ بِهِنَّ، فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَة نِصْفَ إِنْسَانٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ) الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقَدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله، الْحِمْيريّ مولاهم، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٨١] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةَ، كُلُّهَا تَأْتِي بِفَارِسٍ، يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَهٌ وَاحِدَةٌ، فَجَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خُراسانيّ الأصل، يقال: كان اسمه مروان، مولى بني فزارة، ثقةٌ حافظٌ رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٤٠. ٣ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقة في غير منصور بن المعتمر، ففيه لين [٧] (ع) تقدم في«الصلاة»٣١/ ٩٩٩. والباقون ذُكروا قبل حديث. [تنبيه]: قوله:«وايم»بكسر الهمزة، وبفتحها، والميم مضمومة. وحكى الأخفش كسرها مع كسر الهمزة، وهو اسم عند الجمهور، وحرفٌ عند الزّجّاج، وهمزته همزة وصل عند الأكثر، وهمزة قطع عند الكوفيين، ومن وافقهم؛ لأنه عندهم جمع يمين، وعند سيبويه، ومن وافقه أنه اسم مفرد، واحتجّوا بجواز كسر همزته، وفتح ميمه، قال ابن مالك: فلو كان جمعًا لم تُحذف همزته، واحتحّ بقول عروة بن الزبير لَمّا أُصيب بولده، ورجله:«لَيْمُنُكَ، لئن ابتليتَ، لقد عافيت، ولئن كُنت سَلَبْتَ، لقد أبقيتَ»، قال: فلو كان جمعًا، لم يُتصرّف فيه بحذف بعضه، قال: وفيه اثنتا عشرة لغةً، جمعتها في بيتين، وهما [من البسيط]: هَمْزَ اُيْمُ أَيْمُنُ فَافْتَحِ وَاَكْسِر أَو أَمُ قُلْ … أَوْ قُلْ مُ أَوْ مُنُ بِالتَّثْلِيثِ قَدْ شُكِّلَا وَأَيْمُنَ اخْتِمْ بِهِ وَاللهِ كُلًّا أَضِفْ … إِلَيْهِ فِي قَسَمٍ تَسْتَوْفِ مَا نُقِلَا قال ابن أبي الفتح تلميذ ابن مالك: فاته أَم بفتح الهمزة، وهيم بالهاء بدل الهمزة، وقد حكاها القاسم بن أحمد المعلم الأندلسيّ في «شرح المفصل». وقال غيره: أصله يمين الله، ويجمع: أيمنًا، فيقال: وأيمن، حكاه أبو عُبيدة، وأنشد لزُهير بن أبي سُلْمَى [من الوافر]: فَتُجْمَعُ أَيْمُنٌ مِنَّا وَمِنْكُمْ … بِمُقْسَمَةٍ تَمُورُ بِهَا الدِّمَاءُ وقالوا عند القسم: وأيمن الله، ثم كثر، فحذفوا النون، كما حذفوها من لم يكن، فقالوا: لم يك، ثم حذفوا الياء، فقالوا: أم الله، ثم حذفوا الألف، فاقتصروا على الميم مفتوحة، ومضمومة، ومكسورة، وقالوا أيضًا: مِنُ الله بكسر الميم، وضمّها، وأجازوا في أيمن فتح الميم، وضمّها، وكذا في أيم، ومنهم من وصل الألف، وجعل الهمزة زائدة، أو مسهلة، وعلى هذا تبلغ لغاتها عشرين. وقال الجوهريّ: قالوا: أيم الله، وربّما حذفوا الياء، فقالوا: أمُ الله، وربّما أبقوا الميم وحدها مضمومة، فقالوا: مُ الله، وربّما كسروها؛ لأنها صارت حرفًا واحدًا، فشبّهوها بالباء، قالوا: وألفها ألف وصل عند أكثر النحويين، ولم يجئ ألف وصل مفتوحة غيرها، وقد تدخل اللام للتأكيد، فيقال: لَيْمُن الله، قال الشاعر [من الطويل]: فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ لَمَّا نَشَدتُهُمْ … نَعَمْ وَفَرِيق لَيْمُنُ اللهِ مَا نَدْرِي وذهب ابن كيسان، وابن درستويه إلى أن ألفها ألف قطع، وإنما خُفّفت همزتها في الوصل لكثرة الاستعمال. وحكى ابن التين عن الداوديّ قال: أيم الله: معناه اسم الله، ابدلت السين ياءً، وهو غلط فاحش؛ لأن السين لا تبدل ياءً. وذهب المبرّد إلى أنها عوضٌ من واو القسم، وأن معنى قوله: وأيم الله: والله لأفعلنّ. ونقل عن ابن عبّاس أن يمين الله من أسماء الله تعالى، ومنه قول امرئ القيس [من الطويل]: فَقُلْتُ يَمِينُ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا … وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي ومن ثمّ قال المالكيّة، والحنفيّة: إنه يمين. وعند الشافعيّة: إن نوى اليمين انعقدت، وإن نوى غير اليمين لم ينعقد يمينًا، وإن أطلَقَ فوجهان: أصحّهما لا ينعقد إلا أن ينوي. وعن أحمد روايتان: أصحّما الانعقاد. وحكى الغزاليّ في معناه وجهين: أحدهما أنه كقولهم: تالله. والثاني: كقوله: أحلف بالله، وهو الراجح. ومنهم من سوّى بينه وبين «لعمر الله». وفرّق الماورديّ بأن «لعمر الله» شاع في استعمالهم عرفًا، بخلاف أيم الله. واحتجّ بعض من قال منهم بالانعقاد مطلقًا بأن معناه يمين الله، ويمين الله من صفاته، وصفاته قديمة. وجزم النوويّ في «التهذيب» أن قول: وأيم الله، كقوله: وحقّ الله، وقال: إنه ينعقد به اليمين عند الإطلاق، وقد استغربوه. ويقوّيه قوله -ﷺ-: «وايم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله لجاهدوا». واستدلّ من قال بالانعقاد مطلقًا بهذا الحديث. قال الحافظ: ولا حجة فيه إلا على التقدير المتقدّم، وأن معناه: وحقّ الله. انتهى. وقوله: (فُرْسَانًا) بضمّ الفاء: جمع فارس، وقد تقدّم ما يتعلّق به مفصّلًا في شرح الحديث الأول من أحاديث الباب، فارجع إليه. وقوله: (أَجْمَعُونَ) هكذا الرواية في «الصحيحين»، ووقع في رواية النسائيّ في «المجتبى» بلفظ: «أَجْمَعِينَ»«، الأول هو الموافق لغالب الاستعمال، فإن المشهور في اللغة أن تستعمل»أجمعون«تأكيدًا، ولمَا في النسائيّ أيضًا وجه، وهو أن يُعْرَب حالًا، وقد وقع مثله في بعض روايات البخاريّ في حديث:»فصلّوا قعودًا أجمعون«بلفظ»أجمعين«. وأما تغليط الفيّوميّ للمحدّثين في هذه الرواية، وقال: غَلِطَ من قال: إنه نُصِب على الحال؛ لأن ألفاظ التوكيد معارفُ، والحال لا تكون إلا نكرة، وما جاء منها معرفةً فمسموع، وهو مؤوّلٌ بالنكرة، والوجه في الحديث:«فصلّوا قُعُودًا أجمعون»، وإنما هو تصحيفٌ من المحدّثين في الصدر الأول، وتمسّك المتأخّرون بالنقل. انتهى. فمما لا يُلتفت إليه، بل الرواية صحيحة، وقد أجاز بعض أهل اللغة ذلك، قال ابن منظور ﵀: و«أجمع» من الألفاظ الدالّة على الإحاطة، وليست بصفة، ولكنّه يُلَمُّ به ما قبله من الأسماء، ويُجرَى على إعرابه، فلذلك قال النحويّون: صفةٌ، والدليل على أنه ليس بصفة قولهم: أجمعون، فلو كان صفة لم يَسلَم جمعه، ولكان مكسّرًا، والأنثى جَمْعاء، وكلاهما معرفة، لا يُنكّر عند سيبويه، وأما ثعلب، فحكى فيهما التنكير، والتعريف جميعًا، تقول: أعجبني القصر أجمعُ، وأجمعَ، الرفع على التوكيد، والنصب على الحال. انتهى . فقد ثبت صحة هذا الاستعمال بنقل ثعلب، وهو ممن يُعتمد في اللغة على نقله، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فقد ثبت النصب روايةً عن المحدّثين، ونقلًا عن اللغويين، فلا التفات إلى من ادّعى غَلَطَ المحدّثين، بناءً على نفي بعض اللغويين لها، فالمثبت مقدّم على النافي، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتصل الى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٨٢] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّهَا تَحْمِلُ غُلَامًا، يُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقَيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ ربَّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦١. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيةٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. و«أبو الزناد ذُكر قبله». [تنبيه]: رواية موسى بن عُقبة، عن أبي الزناد هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في «الكبرى» -لكن لم يذكر باللفظ الذي استثناه المصنّف- فقال: (١٩٦٩٤) - حدّثثا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلويّ ﵀ إملاءً، أنبأ أبو حامد بن الشرقيّ، ثنا محمد بن عقيل، ثنا حفص بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، قال: أخبرني أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «قال سليمان بن داود ﵈ لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يفعل، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهنّ جميعًا، فلم تَحْمِل منهنّ إلا امرأة واحدة، جاءت بشقّ رجل، وايم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله أجمعون». انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٨)

١. «المصباح المنير» ١/ ٨٥.

٢. «الفتح» ١٥/ ٣٩٢، كتاب «كفّارات الأيمان» رقم (٦٧١٨).

٣. «الفتح» ١٥/ ٣٩٨ - ٣٩٩، كتاب «كفّارات الأيمان» رقم (٦٧١٨).

٤. «الفتح» ٨/ ٣٦ - ٣٧، كتاب «أحاديث الأنبياء» رقم (٣٤٢٣).

٥. «المفهم» ٤/ ٦٣٥ - ٦٣٦.

٦. «الفتح» ١٥/ ٣٩٩ رقم (٦٧١٨).

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨.

٨. «الفتح»٨/ ٣٧ - ٣٨، كتاب«أحاديث الأنبياء»رقم (٣٤٢٣).

٩. «المفهم»٤/ ٦٣٥ - ٦٣٦.

١٠. «الفتح» ٨/ ٣٩.

١١. «الفتح» ٨/ ٣٩، كتاب «أحاديث الأنبياء» رقم (٣٤٢٣).

١٢. «الفتح» ١٥/ ٤٠٠، كتاب «كفّارت الأيمان» رقم (٦٧١٨).

١٣. «الفتح» ٨/ ٤٠، رقم (٣٤٢٣).

١٤. هكذا وقع في نسخة «المفهم»، والظاهر أن صواب العبارة: «أو أراد القسم بغير الله تعالى»، بزيادة لفظة «أراد»، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

١٥. «المفهم» ٤/ ٦٣٥.

١٦. «المفهم» ٤/ ٦٣٨ - ٦٣٩.

١٧. «شرح النوويّ» ١١/ ١٢١ - ١٢٣.

١٨. «الفتح» ٨/ ٤١ رقم (٣٤٢٣).

١٩. «الفتح» ٨/ ٤٠ رقم (٣٤٢٣).

٢٠. حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن عن ابن عمر -﵄- مرفوعًا بإسناد صحيح.

٢١. «الفتح» ١٥/ ٣٩٩ رقم (٦٧١٨).

٢٢. «الفتح» ٨/ ٣٨، كتاب «أحاديث الأنبياء» رقم (٣٤٢٣).

٢٣. «المفهم» ٤/ ٦٣٧.

٢٤. «المفهم» ٤/ ٦٣٨.

٢٥. هذا من كلام الراوي عن الحميديّ، فتنبّه.

٢٦. «مسند الحميديّ» ٢/ ٤٩٤.

٢٧. «لسان العرب» ٨/ ٦٠.

٢٨. «سنن البيهقي الكبرى» ١٠/ ٤٤.