HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٦٥

حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالَا: أخبرنا ابن وهب. أخبرني يونس عن ابن شِهَابٍ. قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الْمُصْلِحِ أَجْرَانِ). وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ! لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي، لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ. قَالَ: وَبَلَغَنَا؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ يَحُجُّ حَتَّى مَاتَتْ أُمُّهُ، لِصُحْبَتِهَا. قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ فِي حَدِيثِهِ: (للعبد المصلح) ولم يذكر المملوك.
ج ٣ ص ١٢٨٤

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٦٧
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٤٣١٢] (١٦٦٥) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبِ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الْمُصْلِحِ أَجْرَانِ»، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْحَجُّ، وَبِرُّ أُمَّي لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ، وَأَنَا مَمْلُوكٌ. قَالَ: وَبَلَغَنَا أَن أَبَا هُرَيْرَةَ لم يَكُنْ يَحُجُّ حَتَّى مَاتَتْ أُمُّهُ؛ لِصُحْبَتِهَا، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ فِي حَدِيثِهِ: «لِلْعَبْدِ الْمُصْلِحِ»، وَلَمْ يَذْكُرِ «الْمَمْلُوكَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حزن المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وأبو هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَاب) الزهريّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ) وَصَفَه به؛ لأن العبد يُطلق على الحرّ أيضًا حيث إنه عبد لله، وليس مرادًا هنا (الْمُصْلِحِ أَجْرَانِ») مبتدأ مؤخّر، خبره الجارّ والمجرور قبله، والمصلح: اسم فاعل من أصلح: إذا أتى بالصلاح، وهو الخير، والصواب ، والمراد به هنا هو الناصح لسيّده، المحسن في عبادة ربّه، كما بيّن في الحديث السابق. ووقع عند البخاريّ بلفظ: «للعبد المملوك الصالح أجران»، فقال في «الفتح»: اسم الصلاح يشمل إحسان العبادة، والنصح للسيّد، ونصيحة السيّد تشمل أداء حقّه من الخدمة وغيرها، وفي حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- عند البخاريّ: «ويؤدّي إلى سيّده الذي له عليه من الحقّ، والنصيحة، والطاعة» . (وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي»؛ أي: القيام بمصالحها، والنفقة، والْمُؤَن، والخدمة، ونحو ذلك، مما لا يمكن فعله من الرقيق . [فائدة]: اسم أم أبي هريرة -﵁- أُميمة -بالتصغير- وقيل: ميمونة، وهي صحابية، ذُكر إسلامها في«صحيح مسلم»، وبيان اسمها في«ذيل المعرفة»لأبي موسى المدينيّ -﵀- . (لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ، وَأَنَا مَمْلُوكٌ» جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. [تنبيه]: قوله: «والذي نفس أبي هريرة … إلخ» هذا صريح بأن هذا من قول أبي هريرة -﵁-، وليس من المرفوع، لكن وقع عند البخاريّ بلفظ: «والذي نفسي بيده لولا الجهاد … إلخ»، فظن بعضهم كونه مرفوعًا. قال في «الفتح»: قوله: «والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله … إلخ» ظاهر هذا السياق رفع هذه الجمل إلى آخرها، وعلى ذلك جرى الخطابيّ، فقال: لله أن يمتحن أنبياءه وأصفياءه بالرق، كما امتحن يوسف. انتهى، وجزم الداوديّ، وابن بطال، وغير واحد بأن ذلك مُدْرَج من قول أبي هريرة، ويدل عليه من حيث المعنى قوله: «وبِرُّ أمي»، فإنه لم يكن للنبيّ -ﷺ- حينئذٍ أمّ يبرها، ووجّهه الكرمانيّ، فقال: أراد بذلك تعليم أمّته، أو أورده على سبيل فرض حياتها، أو المراد: أمه التي أرضعته. انتهى. قال: وفاته التنصيص على إدراج ذلك، فقد فصله الإسماعيليّ من طريق أخرى، عن ابن المبارك، ولفظه: «والذي نفس أبي هريرة بيده … إلخ»، وكذلك أخرجه الحسين بن الحسن المروزيّ في «كتاب البرّ والصلة»، عن ابن المبارك، وكذلك أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، وأبي صفوان الأمويّ، والبخاريّ في «الأدب المفرد» من طريق سليمان بن بلال، والإسماعيليّ من طريق سعيد بن يحيى اللَّخْميّ، وأبو عوانة، من طريق عثمان بن عمر، كلهم عن يونس، زاد مسلم في آخر طريق ابن وهب: «قال -يعني: الزهريّ-: وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه؛ لصحبتها»، ولأبي عوانة، وأحمد من طريق سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنه كان يسمعه يقول: لولا أمران لأحببت أن أكون عبدًا، وذلك أني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «ما خلق الله عبدًا يؤدي حق الله عليه، وحق سيده إلا وفّاه الله أجره مرتين». فعُرف بذلك أن الكلام المذكور من استنباط أبي هريرة -﵁-، ثم استدَلُّ له بالمرفوع، وإنما استثنى أبو هريرة -﵁- هذه الأشياء؛ لأن الجهاد، والحج يُشترط فيهما إذن السيد، وكذلك برّ الأم، فقد يُحتاج فيه إلى إذن السيد في بعض وجوهه، بخلاف بقية العبادات البدنية، ولم يتعرض للعبادات المالية، إما لكونه كان إذ ذاك لم يكن له مال يزيد على قدر حاجته، فيمكنه صرفه في القربات بدون إذن السيد، وإما لأنه كان يرى أن للعبد أن يتصرف في ماله بغير إذن السيد. انتهى . وقوله: (قَالَ: وَبَلَغَنَا) هدا من قول الزهريّ -﵀- كما أسلفته عن «الفتح» آنفًا (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (لم يَكُنْ يَحُجُّ) وفي بعض النسخ: «حجّ» بصيغة الماضي، قال النوويّ -﵀-: المراد به حجّ التطوّع؛ لأنه قد كان حجّ حجة الإسلام في زمن النبيّ -ﷺ- (حَتى مَاتَتْ أُمُّهُ) تقديمًا لبرّها على حجّ التطوّع؛ لأن بِرّها فرض، فقدّمه على التطوّع، قال النوويّ -﵀-: مذهبنا، ومذهب مالك أن للأب والأمّ منعَ الولد من حجة التطوّع دون حجة الفرض. انتهى . وقوله: (لِصُحْبَتِهَا) من إضافة المصدر إلى مفعوله؛ أي: لأجل أن يصحبها بالخدمة، والإحسان. (قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ)؛ يعني: شيخه الأول أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح (فِي حَدِيثِهِ: «لِلْعَبْدِ الْمُصْلِحِ»، وَلَمْ يَذْكُرِ «الْمَمْلُوكَ») أراد به بيان اختلاف شيخيه، فحرملة بن يحيى قال في روايته: «للعبد المملوك المصلح»، وقال أبو الطاهر: «للعبد المصلح»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٤٣١٢ و٤٣١٣] (١٦٦٥)، و(البخاريّ) في «العتق» (٢٥٤٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٣٥ و٤٠٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٧٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٢) والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه فضيلةً ظاهرةً للمملوك المصلِح، وهو الناصح لسيده، والقائم بعبادة ربه المتوجهة عليه، وأن له أجرين لقيامه بالحقّين، ولانكساره بالرقّ. ٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن العبد لا جهاد عليه، ولا حج في حال العبودية، وإن صح ذلك منه. وقال القرطبيّ -﵀-: وقول أبي هريرة -﵁-: «لولا الجهاد، والحج، وبرُّ أمِّي … إلخ» تصريح: بأن العبد لا يجب عليه جهاد، ولا حجّ، وهو المعلوم من الشرع؛ لأن الحجّ، والجهاد لا يخاطَب بهما إلا المستطيع لهما، والعبد غير مستطيع؛ إذ لا استقلال له بنفسه، ولا مال؛ إذ لا يملك عند كثير من العلماء، وإن مَلَك عندنا فليس مستقلًّا بالتصرف فيه، ويظهر من تمني أبي هريرة -﵁- كونه مملوكًا أنه فضّل العبودية على الحرية، وكأنَّه فَهِم هذا من مضاعفة أجر العبد الصالح، وهذا لا يصحُّ مطلقًا؛ فإن المعلوم من الشرع خلافه؛ إذ الاستقلال بأمور الدين والدُّنيا إنما حصل بالأحرار، والعبد كالمفقود؛ لعدم استقلاله، وكالآلة المصرّفة بالقهر، والبهيمة المسخَّرة بالجبر، ولذلك سُلِب مناصب الشهادات، ومعظم الولايات، ونقصت حدوده عن حدود الأحرار، إشعارًا بخسَّة المقدار، وكونه له أجره مرتين؛ إنما ذلك لتعدد الجهتين؛ لأنه مطالب من جهة الله تعالى بعبادته، ومن جهة سيده بطاعته، ومع ذلك فالحرّ وإن طولب من جهة واحدة، فوظائفه فيها أكثر، وغناؤه أعظم، فثوابه أكبر، وقد أشار إلى هذا أبو هريرة -﵁- بقوله: «لولا الجهاد، والحجّ، وبرُّ أمِّي، لأحببت أن أموت عبدًا»؛ أي: لولا النقص الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن برّ الأم فرض، فلا يُترك للعبادة النافلة، ومن هنا أجمع العلماء على أن حج التطوّع لا يجوز بغير إذن الوالدين، وفي الحج المفروض خلاف، فقال مالك، والشافعيّ: لا يجوز للوالدين المنع منه، ولا يمتنع الولد منه إن منعاه، وقيل: لا يجوز الحج حتى يأذن له الوالدان . ٤ - (ومنها): أنه يدل على أن العبد المتقي لله المؤدي لحقّ الله، وحق سيده أفضل من الحرّ، قاله ابن عبد البرّ -﵀-، وقد تقدّم ما قاله القرطبيّ -﵀-، وهو الأقرب، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (١٠)

١. وفي نسخة: «لم يكن حجّ».

٢. «المصباح» ١/ ٣٤٥.

٣. «الفتح» ٦/ ٣٨٠، كتاب «العتق» رقم (٢٥٤٨).

٤. «شرح النوويّ» ١١/ ١٣٦.

٥. قال صاحب «تنبيه المعلم» ص ٢٨٣: وأمه أُميمة بنت صُفيح بن الحارث بن دَوْس، ذكره ابن قُتيبة في «المعارف»، كذا رأيته بخط والدي. انتهى.

٦. «الفتح» ٦/ ٣٨١.

٧. «الفتح» ٦/ ٣٨٠ - ٣٨١، كتاب «العتق» رقم (٢٥٤٨).

٨. «شرح النوويّ» ١١/ ١٣٦.

٩. «المفهم» ٤/ ٣٥٧.

١٠. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٢/ ٢٤٣.