HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٦٨

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل (وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ) عَنْ أَيُّوبَ، عن أبي قلابة، عن أبي الملهب، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ. لَمْ يَكُنْ له مال غيرهم. فدعا بهم إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا. ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ. فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وأرق أربعة. وقال له قولا شديدا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص97
ج ٣ ص ١٢٨٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٨٩
قال: «من أعتق شِقْصًا في مملوك، فعليه خلاصه في ماله، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال قُوِّم العبد قيمةَ عدل، ثم يُسْتَسعَى في نصيب الذي لم يُعْتِق، غير مشقوق عليه». انتهى . أما رواية عليّ بن خَشْرَم، عن عيسى بن يونس، فقد ساقها الترمذيّ - ﵀ - في «جامعه»، فقال: (١٣٤٨) - حدّثنا عَلِيُّ بن خَشْرَمٍ، أخبرنا عِيسَى بن يُونُسَ، عن سَعِيدِ بن أبي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن النَّضْرِ بن أَنَسٍ، عن بَشِيرِ بن نَهِيكِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللهِ - ﷺ -: «من أَعتق نَصِيبًا، أو قال: شِقْصًا في مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ في مَالِهِ، إن كان له مَالٌ، فَإِنْ لم يَكُنْ له مَالٌ، قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ يُسْتَسْعَى في نَصِيبِ الذي لم يُعْتَقْ، غير مَشْقُوقٍ عليه». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٢٧] (١٦٦٨) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا اِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُوْ قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَبو الْمُهَلَّبِ) الْجَرميّ البصريّ، عمّ أبي قلابة، اسمه عمرو، أو عبد الرحمن بن معاوية، أو ابن عمر، وقيل غير ذلك، ثقةٌ [٢] (بخ م ٤) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ١٩/ ١٢٩٦. ٤ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ) بن عُبيد بن خَلَف الخزَاعيّ، أبو نُجَيد الصحابيّ الشهير، أسلم عام خيبر، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، ومات - ﵁ - سنة (٥٠) بالبصرة (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٧٩. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالبصريين من ابن عُليّة، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وفيه رواية الراوي عن عمه. شرح الحديث: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) - ﵄ - (أَنَّ رَجُلًا) لا يُعرف اسمه، ولا عبيده الذين أعتقهم، وفي الرواية التالية: «أن رجلًا من الأنصار أوصى عند موته، فأعتق ستة مملوكين» (أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ) وفي رواية أبي داود: «ستة أعبد له» (عِنْدَ مَوْتِهِ) قال القرطبيّ - ﵀ -: ظاهره أنه نَجَّز عتقهم في مرض موته، وفي الرواية الأخرى: «أنه أوصى بعتقهم»، وهذا اضطراب؛ لأن القضية واحدة، ويرتفع ذلك بأن بعض الرواة تجوَّز في لفظ: «أوصى» لَمّا نُفِّذ عتقهم بعد موت سيدهم في ثلثه؛ لأنه قد تساوى في هذه الصورة حكم تنجيز العتق، وحكم الوصية به؛ إذ كلاهما يَخرُج من الثلث، وإنما كان يظهر الفرق بينهما لو لم يمت، فإنه كان يكون له الرجوع عن الوصية بالعتق دون تنجيز العتق؛ فإنه إذا صحَّ لزمه إما عتق جميعهم له، وإما عتق ثلثهم؛ إذ ليس له مال غيرهم على الخلاف الذي في ذلك لأهل العلم . (لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ) بالرفع صفة لـ «مالٌ» (فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية النسائيّ: «فبلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فغَضِبَ من ذلك، وقال: لقد هممتُ أن لا أصلي عليه»، وفي رواية أبي داود: «لو شهدته قبل أن يدفن، لم يُدفن في مقابر المسلمين» (فَجَزَّأَهُمْ) بتشديد الزاي، وتخفيفها لغتان مشهورتان، ذكرهما ابن السِّكِّيت وغيره، ومعناه: قَسَّمَهُم، قاله النوويّ - ﵀ - . (أَثْلَاثًا)؛ أي: ثلاث أجزاء، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق لـ «جزأ» مبيّن لعدده، وإنما ذكّره؛ لأن المعدود لم يُذكر بعده، كما أسلفناه غير مرّة. قال القرطبيّ - ﵀ -: ظاهره أنه اعتَبَر عدد أشخاصهم دون قيمتهم، وإنما فَعَل ذلك لتساويهم في القيمة والعدد، فلو اختلفت قيمتهم لم يكن بُدٌّ من تعديلهم بالقيمة؛ مخافة أن يكون ثلثهم في العدد أكثر من ثلث الميت في القيمة، ولو اختلفوا في القيمة أو في العدد لَجُزِّئوا بالقيمة، ولعَتَق منهم ما يُخرجه السهم، وإن كان أقلّ من ثلث العدد، وكيفية العمل في ذلك مفصّلة في كتب أئمتنا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من أن قيمتهم متساوية محلّ نظر؛ إذ ليس في الحديث ما يدلّ عليه، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ) يقال: أقرعت بينهم إقراعًا: هيّأتُهم للقُرعة على شيء، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . (فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً) قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا نصٌّ في صحَّة اعتبار القرعة شرعًا، وهو حجَّة للجمهور: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق على أبي حنيفة حيث يقول: إنه يَعْتق من كل واحد منهم ثلثه، ولا يُقرع بينهم، وهذا مخالف لنصّ الحديث، ولا حجَّة له بأن يقول: إن هذا الحديث مخالف للقياس، فلا يُعمل به؛ لأنا قد أوضحنا في الأصول أن القياس في مقابلة النصّ فاسد الوضع، ولو سلَّمنا: أنه ليس بفاسد الوضع لكانا كالدليلين المتعارضين، وحينئذٍ يكون الأخذ بالحديث أولى؛ لكثرة الاحتمالات في القياس وقلّتها في الحديث، كما بيّناه في الأصول. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ - ﵀ - من فساد وضع القياس عند معارضته للحديث الصحيح هو الحقّ الحقيق بالقبول، وما عداه باطل مردود مخذول، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد. (وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا)؛ أي: أغلظ له القول، حيث قال - ﷺ - لمّا بلغه ذلك: «لقد هممتُ أن لا أصلي عليه»، رواه النسائيّ، وفي رواية أبي داود: «لو شهدته قبل أن يُدفن، لم يُدفن في مقابر المسلمين». وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «وقال له قولًا شديدًا»؛ أي: غلّظ له بالقول، والذم، والوعيد؛ لأنه أخرج كل ماله عن الورثة، ومنعهم حقوقهم منه، ففيه دليل على أن المريض محجور عليه في ماله، وأن المدبَّر، والوصايا، إنما تُخرج من الثلث، وأن الوصية إذا مَنَع من تنفيذها على وجهها مانعٌ شرعي استحالت إلى الثلث، كما يقوله مالك. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «وقال له قولًا شديدًا»: معناه: قال في شأنه قولًا شديدًا؛ كراهيةً لفعله، وتغليظًا عليه، وقد جاء في رواية أخرى تفسير هذا القول الشديد، قال: «لو علمنا ما صلينا عليه» ، وهذا محمول على أن النبيّ - ﷺ - وحده كان يترك الصلاة عليه؛ تغليظًا وزجرًا لغيره على مثل فعله، وأما أصل الصلاة عليه فلا بُدّ من وجودها من بعض الصحابة - ﵃ -. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمران بن حصين - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٤٣٢٧ و٤٣٢٨ و٤٣٢٩] (١٦٦٨)، و(أبو داود) في «العتق» (٣٩٥٨)، و(الترمذيّ) في «الأحكام» (١٣٦٤)، و(النسائيّ) في «الجنائز» (١٥٥٨) و«الكبرى» (١/ ٦٣٦ و٣/ ١٨٧ و١٨٨)، و(ابن ماجه) في «الأحكام» (٢٣٤٥)، و(مالك) في «الموطّإ» (١٥٠٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٦٧٦٣)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٩٤)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ١١٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ٢٧ و٧/ ٢٨٠)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٣٦٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤٢٨ و٤٣٠ و٤٣١ و٤٣٩ و٤٤٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٨/ ٣٣٤ - ٣٣٥) و«الأوسط» (١/ ٢٣٥ و٢٩٣ و٨/ ٢٨)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (٤٠٨)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٤٦٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٣٢٠ و٤٥٤٢ و٥٠٥٢)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٣٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٨٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٢٨٦) و«المعرفة» (٧/ ٤٦٣ و٤٨٨ و٥٠٠ و٥٠١) و«الصغرى» (٦/ ٤٧ و٩/ ٢٩٠ و٢٩١ و٢٩٤)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: ذكر مالك - ﵀ - في هذا الباب سنّةً وعملًا بالمدينة، «فالسُّنَّة في ذلك رواها عمران بن حصين، وأبو هريرة - ﵃ -، عن النبيّ - ﷺ -، وحديث عمران أشهر، وأكثر طُرُقًا، وهي سُنَّة انفرد بها أهل البصرة، واحتاج فيها إليهم أهل المدينة وغيرهم، رواها عن عمران بن حصين: الحسن، وابن سيرين، وأبو المهلَّب الْجَرْميّ، ورواها عن الحسن، عن عمران بن حصين جماعة، منهم: قتادة، وحميد الطويل، وسماك بن حرب، ويونس بن عبيد، ومبارك بن فَضَالة، وخالد الحذّاء. ورواها عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين: أيوب السختيانيّ، وهشام بن حسان، ويحيى بن عتيق، ويزيد بن إبراهيم التستريّ، وغيرهم. وروى هذا الحديث يزيد التستريّ عن الحسن وابن سيرين جميعًا، عن عمران بن حصين - ﵄ -. ورواه أيوب وغيره عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين - ﵄ -. وأما حديث أبي هريرة - ﵁ -، فرواه محمد بن زياد، عن أبي هريرة، وروى إسماعيل بن أمية، وقيس بن سعد، وسليمان بن موسى، كلهم سمعوا مكحولًا يقول: سمعت سعيد بن المسيِّب يقول: «أَعتقت امرأة - وفي رواية قيس بن سعد: أعتقت امرأته - أو رجل ستة أعبد لها عند الموت، على عهد رسول الله - ﷺ -، ليس لها مال غيرهم، فأقرع رسول الله - ﷺ - بينهم، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة». قال أبو عمر: وقد ذكرنا طُرُق هذا الحديث بالأسانيد في «التمهيد». انتهى . (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الوصيّة جائزة في المرض. ٢ - (ومنها): بيان أن العتق في مرض الموت جائزٌ، وأنه يُعتبر من الثلث. ٣ - (ومنها): بيان أن الوصية جائزة لغير الوالدين، والأقربين؛ لأن عتق العبيد في المرض وصية لهم، ومعلوم أنهم لم يكونوا بوالدين لمالكهم المعتِق لهم، ولا بأقربين له، وقد قال بأن الوصية لا تجوز إلا للأقربين غير الوارثين، ولا تجوز لغيرهم، ولا عند عدمهم طائفةٌ من التابعين، قاله ابن عبد البرّ - ﵀ -. ٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن أفعال المريض كلَّها من عتق، وهبة، وعطية، كالوصية لا يجوز فيها أكثر من الثلث، وقد خالف في ذلك قوم، زعموا أن أفعال المريض في رأس ماله كأفعال الصحيح، ولم يجعلوا ذلك كالوصايا، قاله ابن البرّ - ﵀أيضًا. ٥ - (ومنها): أن فيه إبطالَ السعاية التي زعمها أهل الكوفة، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الثانية - إن شاء الله تعالى -. ٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: في هذا الحديث دلالة لمذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن جرير، والجمهور، في إثبات القُرْعة في العتق ونحوه، وأنه إذا أَعتق عبيدًا في مرض موته، أو أوصى بعتقهم، ولا يَخرُجون من الثلث أُقرع بينهم، فيُعْتَق ثلثهم بالقرعة، وقال أبو حنيفة: القرعة باطلة، لا مدخل لها في ذلك، بل يُعتق من كل واحد قسطه، ويُستسعى في الباقي؛ لأنها خطر، وهذا مردود بهذا الحديث الصحيح، وأحاديث كثيرة. قال: وقوله في الحديث: «فأَعتَقَ اثنين، وأرقّ أربعةً» صريح في الردّ على أبي حنيفة، وقد قال بقول أبي حنيفة: الشعبيّ، والنخعيّ وشُريح، والحسن، وحُكي أيضًا عن ابن المسيِّب. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الرجل يُعتِق في مرض موته عبيدًا له، ولا مال له غيرهم: قال أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: اختلف العلماء في ذلك، فقال مالك، والشافعيّ، وأصحابهما بهذا الأثر الصحيح، وذهبوا إليه، وبه قال أحمد، وإسحاق، وداود، والطبريّ، وجماعة من أهل الرأي والحديث. قال: ولم يختلف مالك، وأصحابه في الذي يوصي بعتق عبيده في مرضه، ولا مال له غيرهم أنه يُقرَع بينهم، فيُعْتَق ثلثهم بالسهم، وكذلك لم يَختلف الأكثر منهم أن هذا حكم الذي أعتق عبيده في مرضه عتقًا بَتْلًا، ولا مال له غيرهم، وقال أشهب، وأصبغ: إنما القرعة في الوصية، وأما البتل فهم كالمدبَّرين. قال أبو عمر: قول أشهب، وأصبغ خلاف السُّنَّة المذكورة في صدر هذا الباب، وخلاف أهل الحجاز، وأهل العراق، ولم تَرِد السنّةُ إلا فيمن أَعتَق في مرضه ستة أعبد له عتقًا بَتْلًا، ولا مال له غيرهم، لا فيمن أوصى بعتقهم، فَحَكَم رسول الله - ﷺ - فيهم بحكم الوصايا، فأَرَقَّ ثلثيهم، وأَعتق ثلثهم، فكيف يجوز لأحد أن يقول بالحديث في الوصية دون العتق البتلّ، فيخالفهم نصه؟ وقال الشافعيّ: وإذا أَعتق الرجل في مرضه عبيدًا له عِتْقَ بَتَاتٍ انْتُظِر بهم، فإن صحّ عَتَقُوا من رأس ماله، وإن مات، ولا مال له غيرهم أُقرِع بينهم، وأُعتق ثلثهم، قال الشافعيّ: والحجة في أن العتق البتات في المرض وصية: أن رسول الله - ﷺ - أقرع بين ستة مملوكين، أعتقهم الرجل في مرضه، وأنزل عتقهم وصيةً، فأَعتَق ثلثهم، قال الشافعيّ: ولو أعتق في مرضه عبدًا له عِتْقَ بَتَاتٍ، وله مدبَّرون وعبيد أوصى بعتقهم بعد موته، بُدئ بالذين بَتَّ عِتْقهم في مرضه؛ لأنهم يُعتقون عليه إن صَحَّ، وليس له الرجوع فيهم بحال. قال: وقال أحمد بن حنبل في هذا كله كقول الشافعيّ سواء. قال: وذَكَرَ عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني سليمان بن موسى، قال: سمعت مكحولًا يقول: «أَعتقت امرأة من الأنصار عبيدًا لها ستةً، لم يكن لها مال غيرهم، فلما بلغ النبيّ - ﷺ - غَضِبَ، وقال في ذلك قولًا شديدًا، ثم دعا بستة قِداح، فأقرع بينهم، فأَعتق اثنين». قال سليمان بن موسى: كنت أُراجع مكحولًا، فأقول: إن كان ثَمَنُ عَبْدٍ ألف دينار أصابته القرعة ذهب المال، فقال: قِفْ عند أمر رسول الله - ﷺ -، قال ابن جريج: قلت لسليمان: الأمر يستقيم على ما قال مكحول، قال: كيف؟ قلت: يقيمون قيمةً، فإن زاد اللذان أُعتقا على الثلث أُخذ منهما الثلث، وإن نقصا عَتَقَ ما بقي أيضًا بالقرعة، فإن فَضَل عليه أُخذ منهم، قال: ثم بلغنا أن رسول الله - ﷺ - أقامهم. قال أبو عمر: قد رُوي في حديث ابن سيرين، عن عمران بن حصين، أن النبيّ - ﷺ - جزّأهم ثلاثة أجزاء، وهذا يدُلّ على أنه أقامهم، وعدّلهم بالقيمة، ولا يمكن غير ذلك في إخراج الثلث. قال: وهذا كله قول مالك، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، ومن ذكرنا معهم. وقال أبو حنيفة - فيمن أَعتق عبيدًا له في مرضه، ولا مال له غيرهم -: عَتَقَ من كل واحد منهم ثلثه، وسعوا في الباقي، وهو قول الحسن بن حيّ، وقال أبو حنيفة: حُكْم كل واحد منهم ما دام يسعى حُكْم المكاتب، وقال أبو يوسف ومحمد: هم أحرار، وثُلثا قيمتهم دَيْن عليهم، يسعون في ذلك، حتى يؤدوه إلى الورثة. قال أبو عمر: رَدّ الكوفيون السُّنَّة المأثورة في هذا الباب، إما بأن لم تبلغهم، أو بأن لم تصح عندهم، ومن أصل أبي حنيفة، وأصحابه عرض أخبار الآحاد على الأصول المجتمع عليها، أو المشهورة المنتشرة. قال: والحجة قائمة على من ذهب مذهبهم بالحديث الصحيح الجامع في هذا الباب، وليس الجهل بالسُّنَّة، ولا الجهل بصحتها علّةً يصح لعاقل الاحتجاج بها، وقد أنكرها قبلهم شيخهم حماد بن أبي سليمان. ورَوَى مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن محمد بن ذكوان أنه سمع حماد بن أبي سليمان، وذكر الحديث الذي جاء في القرعة بين الأعبد الستة الذين أعتقهم سيدهم في مرضه الذي مات فيه، قال: هذا قول الشيخ - يعني: إبليس - فقال محمد بن ذكوان له: وُضِع القلم عن المجنون حتى يفيق، فقال له حماد: ما دعاك إلى هذا؟ فقال له محمد بن ذكوان: وأنت ما دعاك إلى هذا؟ قال: وكان حماد ربما صُرِع في بعض الأوقات. قال أبو عمر: بنى الكوفيون مذهبهم على أن العبيد المعتقين في كلمة واحدة في مرض الموت، قد استَحَقَّ كل واحد منهم العتق، لو كان لسيدهم مال يَخرُجون من ثلثه، فإن لم يكن له مال، لم يكن واحد منهم أحقّ بالعتق من غيره، وكذلك عَتَقَ من كل واحد ثلثه، وسعى في ثلثي قيمته للورثة؛ لقولهم بالسعاية في حديث أبي هريرة - ﵁ - في معسر أعتق حصته من عبد بينه وبين آخر، على ما قدّمنا ذِكْره. قال: وهذا عندنا لا يجوز أن تُرَدَّ سُنَّة بمعنى ما في أخرى، إذا أمكن استعمال كل واحد منهما بوجهٍ مَا، وبالله التوفيق والصواب، لا شريك له. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الإمام أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ - في ردّه على الكوفيين حيث ردُّوا السُّنَّة الصحيحة الثابتة برأيهم، وذلك لأن الواجب على العاقل أن يقبلها إذا صحّت لديه، ولا يعارضها برأيه. ويا للعجب كم ردّ هؤلاء من الأحاديث الصحيحة، مما في «الصحيحين»، وغيرهما بدعوى أنها أخبار آحاد، عارضت القياس؟. فلو رأيت ما كتبه بعضهم في الدفاع عن الحنفيّة في هذه المسألة، كما فعل صاحب «تكملة فتح الملهم»، ومن أخذ منهم، لرأيت تعصّبًا بغيضًا، وتحاملًا مريضًا، قاتل الله التعصّب، وكيف تردّ أحاديث رسول الله - ﷺ - الصحيحة، ويُترك ظواهر ما دلّت عليه؟ وهي التي أوجب الله تعالى قبولها، والانقياد لها، حيث قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. ونفى الإيمان عمن لم يُحَكِّمها في القليل والكثير من أمره حيث قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وتوعّد من خالفها بالفتنة، والعذاب الأليم، حيث قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣] كيف تُرَدّ بالقياس المستنبط من عقول آحاد الناس غير المعصومين؟ إن هذا لهو العَجَب الْعُجَاب، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الوافر]: إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهمّ أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٢٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنِ الثَّقَفِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا حَمَّادٌ فَحَدِيثُهُ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَمَّا الثَّقَفِيُّ فَفِي حَدِيثِهِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب، و«حمّاد» هو ابن زيد، و«إسحاق بن إبراهيم» هو ابن راهويه، و«الثقفيّ» هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد، و«ابن أبي عمر» هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، و«أيوب» هو: السختيانيّ. وقوله: «كلاهما» الضمير لحمّاد بن زيد، والثقفيّ. [تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن أيوب ساقها أبو داود الطيالسيّ - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٨٤٥) - حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين، أن رجلًا أَعْتَق ستة مماليك له، على عهد رسول الله - ﷺ -، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأَرَقَّ أربعةً. انتهى . وأما رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، فساقها الإمام الشافعيّ - ﵀ - في «مسنده»، فقال: أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين، أن رجلًا من الأنصار، أوصى عند موته، فأعتق ستة مماليك، ليس له مال غيرهم، أو قال: أعتق عند موته ستة مماليك له، وليس له شيء غيرهم، فبلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فقال فيه قولًا شديدًا، ثم دعاهم، فجزأهم ثلاثة أجزاء، فأقرع بينهم، فأَعتَقَ اثنين، وأَرَقَّ أربعةً. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٢٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَحَمَّادٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ) التميميّ، أبو عبد الله، أو أبو جعفر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٦٠/ ٣٣٦. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) الضبّيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٤ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الْقُردوسيّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (عُمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ) تقدّم قريبًا. [تنبيه]: رواية محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين - ﵄ - هذه ساقها البيهقيّ - ﵀ - في «السنن الصغرى»، فقال: (٤٤٤٣) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أحمد بن سليمان، أنا إسماعيل بن إسحاق، أنا محمد بن المنهال، أنا يزيد بن زُريع، أنا هشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين: أن رجلًا كان له ستة أعبد لم يكن له مال غيرهم، وأعتقهم عند موته، فرُفع ذلك إلى النبيّ - ﷺ -، فَكَرِهَ ذلك ثم جزّأهم أجزاء، وأقرع بينهم، فأَعتق اثنين، وأرقّ أربعة. انتهى . [تنبيهٌ آخر]: اعترض الدارقطنيّ - ﵀ - على مسلم - ﵀ - في إخراجه رواية محمد بن سيرين، عن عمران بن حُصين - ﵄ -، فقال: وهذا لم يسمعه محمد من عمران فيما يقال، وإنما أرسله عنه ، وإنما سمعه من خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عمران - ﵁ -، قاله عليّ ابن المدينيّ، عن معاذ بن معاذ، عن أشعث، عن محمد، عن خالد الحذّاء. انتهى. وقد نقل العلائيّ استدراك الدارقطنيّ هذا في «جامع التحصيل» مقرّرًا له، بل أكّده بقوله: والحكم بالإرسال في حديث العتق أقوى من جهة إدخال ثلاثة رجال بين ابن سيرين، وعمران فيه. انتهى . وقد أجاب النوويّ - ﵀ - بأنه ليس فيما ذكره الدارقطنيّ تصريح بأن ابن سيرين لم يسمع من عمران، ولو ثبت عدم سماعه منه لم يقدح ذلك في صحّة هذا الحديث، ولم يتوجّه على الإمام مسلم فيه عتبٌ؛ لأنه إنما ذكره متابعة بعد ذكره الطرق الصحيحة الواضحة، وقد سبق لهذا نظائر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن اعتراض الدارقطنيّ المذكور فيه نظر؛ لأمور: (منها): أن دعوى عدم سماع ابن سيرين عن عمران بن حصين - ﵄ - لا تسلّم له؛ لأنه خالفه غيره في ذلك، فقد أثبت سماعه منه يحيى بن معين وغيره، كما في «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم . (ومنها): أن ابن سيرين بريء من وصمة التدليس، وحيث ثبت سماعه من عمران، فعنعنته محمولة على السماع حتى يظهر خلافه، ولم يظهر هنا. (ومنها): صنيع الإمام مسلم - ﵀ - هنا؛ لأنه، وإن احتمل أن يكون أورده متابعة مع انقطاعه، إلا أن هذا خلاف الأصل. (ومنها): أن الدارقطني إنما اعترض على رواية المصنّف برواية أشعث، حيث أدخل ثلاث وسائط، فقد رواه عن ابن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلّب، عن عمران - ﵁ -، ورواه المصنّف عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، عن عمران، وهشام أثبت الناس في ابن سيرين، وتابعه على ذلك أيوب السختيانيّ، ويحيى بن عتيق، وحبيب بن الشهيد، وكلهم ثقات، فمخالفة أشعث لهؤلاء الحفّاظ لا تُقبل، على أن الدارقطنيّ لم يُبيّن من هو أشعث؟ أهو الحمرانيّ، وهو ثقة، أو الْحُدّانيّ، وهو صدوق؟ وكلاهما يرويان عن ابن سيرين. والحاصل أن رواية أشعث بإدخال الوسائط مخالفًا للحفاظ المذكورين فيها نظرٌ لا يخفى. وخلاصة البحث أن رواية المصنّف صحيحة، لا يؤثّر فيها ما انتقد به الدارقطنيّ من رواية أشعث، فتأمله بالإنصاف، وقد أجاد البحث في هذا الشيخ ربيع المدخليّ فيما كتبه على تتبع الدارقطنيّ، فراجعه تستفد ، وبالله تعالى التوفيق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٣) - (بَابُ جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ) «المدبّر»: اسم مفعول، من دبّر الرجل عبده تدبيرًا: إذا أعتقه بعد موته، ويقال: أعتق عبده عن دُبُر؛ أي: بعد دُبُر؛ أي: في آخر أمره. وقال في «الفتح»: المدبّر: هو الذي عَلّق مالكه عتقه بموته، سُمّي بذلك؛ لأن الموت دُبُر الحياة، أو لأن فاعله دَبّر أمر دنياه وآخرته، أما دنياه، فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبده، وأما آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وهو راجع إلى الأول؛ لأن تدبير الأمر مأخوذ من النظر في العاقبة، فيرجع إلى دبر الأمر، وهو آخره. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٣٠] (٩٩٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي»، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: عَبْدًا قِبْطِيًّا، مَاتَ عَامَ أَوَّلَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، كالإسنادين التاليين، وهو (٢٨٥) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو أبو مذكور (أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ) اسمه يعقوب (عَنْ دُبُرٍ) معناه: أنه قال له: أنت حرّ عن دبري؛ أي: بعد موتي، وسُمِّي هذا تدبيرًا؛ لأنه يَحْصُلُ العتق فيه في دُبُر الحياة. وقوله: (لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ) فيه بيان سبب بيعه، وهو كونه لا يملك شيئًا غيره، وأصرح من هذا رواية للبخاريّ، من طريق عطاء بن أبي ربّاح، عن جابر: «أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر»، فاحتاج، فأخذه النبيّ - ﷺ -، فقال: «من يشريه منّي. . .» الحديث، ففيها التصريح بأنّ سبب بيعه هو احتياجه إلى ثمنه. وقد جاءت رواية أخرى فيها بيان أن سببه هو الدَّين، فقد أخرج الإسماعيليّ، من طريق أبي بكر بن خلّاد، عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، وفيه: «أعتق غلامًا له، وعليه دَينٌ». وقد جاءت رواية أخرى بيّنت السببين معًا، فقد أخرج النسائيّ من طريق الأعمش، عن سلمة بن كُهَيل، بلفظ: «أنّ رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دُبُر، وكان محتاجًا، وكان عليه دَينٌ، فباعه رسول الله - ﷺ - بثمانمائة درهم، فأعطاه، وقال: اقض دَينك». والحاصل أنّ سبب بيعه كونه فقيرًا محتاجًا إليه، حيث لا مال له سواه، وتحمّله الدَّين، والله تعالى أعلم. (فَبَلَغَ ذَلِكَ)؛ أي: عتقه المذكور (النَّبِيَّ - ﷺ -) بالنصب على المفعوليّة (فَقَالَ) - ﷺ - (مَنْ) استفهاميّة مبتدأ، خبره قوله: (يَشْتَرِيهِ مِنِّي) فيه جواز بيع المدبَّر، وفيه خلاف بين أهل العلم، والراجح جوازه مطلقًا، وهو قول الشافعيّ، وأهل الحديث. ومنهم من منع مطلقًا، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والكوفيين. ومنهم من أجازه للحاجة، وهو قول الليث بن سعد. قال النوويّ - ﵀ -: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعيّ، وموافقيه أنه يجوز بيع المدبَّر قبل موت سيّده؛ لهذا الحديث قياسًا على الموصَى بعتقه، فإنه يجوز بيعه بالإجماع، وممن جوّزه: عائشة، وطاوس، وعطاء، والحسن، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود - ﵃ -. وقال أبو حنيفة، ومالك، وجمهور العلماء، والسلف من الحجازيين، والشاميين، والكوفيين - رحمهم الله تعالى -: لا يجوز بيع المدبَّر، قالوا: وإنما باعه النبيّ - ﷺ - في دَين كان على سيده، وقد جاء في رواية للنسائيّ، والدارقطنيّ أن النبيّ - ﷺ - قال له: «اقضِ به دَينك»، قالوا: وإنما دفع إليه ثمنه ليقضي به دَينه، وتأوّله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره، فردّ تصرفه، قال هذا القائل: وكذلك يُرَدّ تصرّف من تصدق بكل ماله، وهذا ضعيف، بل باطل، والصواب نفاذ تصرف من تصدق بكل ماله. وقال القاضي عياض - ﵀ -: الأشبه عندي أنه فعل ذلك نظرًا له؛ إذ لم يترك لنفسه مالًا، والصحيح ما قدمناه أن الحديث على ظاهره، وأنه يجوز بيع المدبَّر بكل حال، ما لم يمت السيد، والله أعلم. قال: وأجمع المسلمون على صحة التدبير، ثم مذهب الشافعيّ، ومالك، والجمهور، أنه يُحسب عتقه من الثلث، وقال الليث، وزفر - رحمهما الله تعالى -: هو من رأس المال. وفي هذا الحديث: نظرُ الإمام في مصالح رعيته، وأمْره إياهم بما فيه الرفق بهم، وبإبطالهم ما يضرّهم من تصرفاتهم التي يمكن فسخها. وفيه جواز البيع فيمن يُدَبَّر، وهو مجمع عليه الآن، وقد كان فيه خلاف ضعيف لبعض السلف. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ. وقال السنديّ - ﵀ - في «شرح النسائيّ»: من لا يرى بيع المدبَّر، منهم من يَحْمِله على أنه كان مدبَّرًا مقيَّدًا بمرضٍ، أو بمدّة، كعلمائنا - يعني: الحنفيّة - ومنهم من يَحْمِله على أنه دبّره، وهو مديونٌ، كأصحاب مالك، والأول بعيدٌ، والثاني يردّه آخر الحديث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله السنديّ - ﵀ - إنصاف منه حيث ردّ على أهل مذهبه، وغيرهم؛ لمخالفتهم الحديث، فيا ليت أصحاب المذاهب المتأخّرين كلهم كانوا هكذا، وانقادوا للنصّ إذا اتّضح لهم الحقّ، ولا يعاندوا، ولا يتعصّبوا لمذهبهم، ولا يتعلّلوا بتعليلات باردة في إعراضهم عن النصّ بالتأويل البعيد. فلو رأيت ما كتبه صاحب «تكملة فتح الملهم» في هذ المجال لرأيت أمرًا فظيعًا، وتحاملًا شنيعًا، فإنّا لله، وإنا إليه راجعون، اللهمّ أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين، آمين. (فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أُسيد بن عبد عوف بن عبيد بن عُويج بن عديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، المعروف بـ «النحّام»، قيل له ذلك؛ لأنّ النبيّ - ﷺ - قال له: «دخلت الجنّة، فسمعت نَحْمة من نُعيم»، وقد تقدّمت ترجمته في «كتاب الزكاة» برقم [١٣/ ٢٣١٣] (٩٩٧). (بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ) قال في «الفتح»: اتفقت الطُّرُق على أنّ ثمنه ثمانمائة درهم، إلا ما أخرجه أبو داود من طريق هشيم، عن إسماعيل، قال: «سبعمائة، أو تسعمائة». انتهى. (فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ)؛ أي: دفع النبيّ - ﷺ - الدراهم إلى الرجل المعتِق، زاد في رواية الأوزاعيّ، عن عطاء بن أبي رباح، عند أبي داود في آخره: «أنت أحقّ بثمنه، والله أغنى عنه». (قَالَ عَمْرٌو)؛ أي: ابن دينار (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (يَقُولُ: عَبْدًا قِبْطِيًّا)؛ أي: أعتَقَ عبدًا منسوبًا إلى قبط، قال في «اللباب»: الْقِبْطي: - بكسر القاف، وسكون الباء الموحّدة، بعدها طاء مهملة - نسبة إلى القبط، وهم أهل مصرَ، نُسبوا إلى قِبْط بن قرط بن حام، والثاني: إلى القبط: بطنٍ من حِمْيَر، والثالث: نسبة إلى فرس يقال له: القبطيّ، وكان سابقًا، نُسب إليه عبد الملك بن عُمير؛ لأنه كان صاحبه. انتهى باختصار . وقوله: (مَاتَ عَامَ أَوَّلَ) هكذا نُسخ مسلم بفتح الجزأين، وكذا وقع في «صحيح البخاريّ» في أكثر من موضع، وليس هذا من تركيب الاسمين، كبعلبكّ؛ لأنه ممنوع عند أهل اللغة وإنما هو مضاف ومضاف إليه، كما سيأتي. قال الفيّوميّ - ﵀ -: تقول: عامٌ أوّلُ، إن جعلته صفةً لم تصرفه؛ لوزن الفعل والصفة، وإن لم تجعله صفةً صرفت، وجاز عامُ الأولِ بالتعريف والإضافة، ونقل الجوهريّ عن ابن السِّكِّيت منعها، ولا يقال: عامَ أوّلَ على التركيب. انتهى . وقال في «القاموس»، و«شرحه»: وإذا جعلت «أوّلًا» صفةً منعته من الصرف، وإلا صرفته، تقول: لقِيته عامًا أوّلَ ممنوعًا من الصرف، وعامًا أوّلًا مصروفًا، قال ابن السِّكِّيت: ولا تقل: عام الأولِ، وقال غيره: هو قليلٌ، قال أبو زيد: يقال: لقيته عامَ الأوّلِ، ويومَ الأوّلِ بجرّ آخره، كقولك: أتيتُ مسجدَ الجامعِ، قال الأزهريّ: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، وتقول: ما رأيته مذ عامٌ أوّلُ ترفعه على الوصف لـ «عامٌ»، كأنه قال: أوّلَ من عامنا، وتنصبه على الظرف، كأنه قال: مذ عامٍ قبلَ عامنا. انتهى . وقيل في «العمدة»: قوله: «عامَ أوّلَ» بالصرف، وعدم الصرف لأنه إما أفعل، أو فوعل، ويجوز بناؤه على الضم، وهذه الإضافة من إضافة الموصوف إلى صفته، وأصله: عامًا أول. انتهى . وقال في موضع آخر: «قوله: عامَ أوّلَ» بفتح اللام، على البناء، وهو من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، والبصريون يقولون: إنه مما يقدّر فيه المضاف نحو: عامَ الزمن الأول. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بما ذُكر أن الأقرب في الإعراب أن يقال: إن «عامَ أول» مضاف ومضاف إليه، فالأول منصوب على الظرفيّة، والثاني مضاف إليه مجرور بالفتحة؛ لمنعه من الصرف للوصفيّة ووزن الفعل، ومعناه: في الزمن الأول؛ أي: قبل عامنا هذا، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في «كتاب الزكاة» برقم [١٣/ ٢٣١٣] (٩٩٧)، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٣١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يَقُولُ: دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ غُلَامًا لَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَاعَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. قَالَ جَابِرٌ: فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ، عَبْدًا قِبْطِيًّا، مَاتَ عَامَ أَوَّلَ، فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، كسابقه، ولاحقه، وهو (٢٨٦) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ) - بالنون المفتوحة، والحاء المهملة المشددة - قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ: «ابن النَّحّام» بزيادة «ابن»، قالوا: وهو غلط، وصوابه: «فاشتراه النّحّام»، فإن المشتري هو نُعيم، وهو النَّحّام، سُميّ بذلك؛ لقول النبيّ - ﷺ -: «دخلتُ الجنة، فسمعت فيها نَحْمَةً لنعيم»، والنحمة: الصوت، وقيل: هي السَّعْلة، وقيل: النحنحة. انتهى . وقوله: (فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ)؛ أي: في زمن خلافة عبد الله بن الزبير - ﵄ -. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه في الحديث الماضي، والله أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٣٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْمُدَبَّرِ، نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم، المكيّ، صدوق، يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و«ابْنُ رُمْحٍ» هو: محمد بن رُمْح بن المهاجر. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنف - ﵀ -، كسابقيه، وهو (٢٨٧) من رباعيّات الكتاب. [تنبيه آخر]: رواية الليث بن سعد، عن أبي الزبير هذه ساقها النسائيّ - ﵀ - في «المجتبى»، فقال: (٢٥٤٦) - أخبرنا قُتَيْبَةُ، قال: حدّثنا اللَّيْثُ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ، قال: أَعْتَقَ رَجُلٌ من بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا له، عن دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذلك رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فقال: «أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟» قال: لَا، فقال رسول اللهِ - ﷺ -: «من يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟»، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بن عبد اللهِ الْعَدَوِيُّ بثمانمائة دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بها رسول اللهِ - ﷺ -، فَدَفَعَهَا إليه، ثُمَّ قال: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عليها، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ عن أَهْلِكَ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عن ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا، وَهَكَذَا، يقول: بين يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٣٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ - عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ - عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمِ، حَدَّثَنِي عَطاءٌ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَهُمْ فِي بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ قَالَ: عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة عشر: ١ - (الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حِزَام المدنيّ يُلقّب بقصيّ، ثقةٌ له غرائبُ [٧] (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٥٣. ٢ - (عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ سُهَيْلِ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو وهب، أو أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في «البيوع» ٣٩/ ٤٠٧٤. ٣ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ) بن حيّان الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع و(٢٥٠)، من أفراد المصنّف، تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٥ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل باب. ٦ - (الْحُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ) المكتب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٩/ ١٧٩. ٧ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٧. ٨ - (مُعَاذُ) بن هشام الدستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٩ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ١٠ - (مَطَرُ) بن طهمان الورّاق، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب السابق. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ) إشارة إلى عطاء بن أبي رَبَاح، وأبي الزبير، وعمرو بن دينار. [تنبيه]: رواية عبد المجيد بن سُهيل، عن عطاء بن أبي رباح، ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٥٨١٢) - حدّثنا أحمد بن شعيب النسائيّ، قثنا قتيبة، قثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، أن رجلًا من الأنصار، أعتق غلامًا له عن دُبُر، وكان محتاجًا، فذُكِر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فدعاه، فقال: «أعتقت غلامك؟»، قال: نعم، فقال النبيّ - ﷺ -: «أنت أحوج إليه»، ثم قال: «من يشتريه؟»، قال نعيم بن عبد الله: أنا، فاشتراه، فأخذ النبيّ ثمنه، فدفع إلى صاحبه. انتهى . وأما رواية الحسين بن ذكوان، عن عطاء، فقد ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٢٢٧٣) - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَزِيدُ بن زُرَيْعٍ، حدّثنا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، حدّثنا عَطَاءُ بن أبي رَبَاحٍ، عن جَابِرِ بن عبد اللهِ - ﵄ - قال: أَعْتَقَ رَجُلٌ غُلَامًا له عن دُبُرٍ، فقال النبيّ - ﷺ -: «من يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟»، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بن عبد اللهِ، فَأَخَذَ ثَمَنَهُ، فَدَفَعَهُ إليه«. انتهى . وأما رواية مطر الورّاق، عن عطاء بن أبي رباح، وأبي الزبير، وعمرو بن دينار، فساقها أبو عوانة - ﵀ - في«مسنده»، فقال: (٥٨٠٧) - حدّثنا مسلم بن الحجاج أبو الحسين إملاءً ببغداد، قثنا أبو غَسّان الْمِسْمَعِيّ، قثنا معاذ بن هشام، قثنا أبي، عن مطر، عن عطاء بن أبي رباح، وأبي الزبير، وعمرو بن دينار، أن جابر بن عبد الله حدثهم، أن رجلًا أعتق مملوكه، إن حَدَثَ به حَدَثٌ، فدعا به النبيّ - ﷺ -، فباعه من نعيم بن عبد الله، أخي بني عديّ بن كعب. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. * * * ٢٧ - (كِتَابُ الْقَسَامَةِ، وَالْمُحَارِبِينَ، وَالْقِصَاصِ، وَالدِّيَاتِ) (١) - (بَابُ الْقَسَامَةِ)» الْقَسَامَةُ«- بفتح القاف، وتخفيف المهملة -: اليمين، وهي في عرف الشرع: حَلِفٌ معيّنٌ عند التهمة بالقتل على الإثبات، أو النفي، وقيل: مأخوذةٌ من قِسْمة الأيمان على الحالفين، قاله في»الفتح«. وقال في موضع آخر: هي الأيمان تُقسم على أولياء القتيل، إذا ادّعوا الدم، أو على المدّعى عليهم الدم، وخُصَّ القَسَم على الدم بلفظ القسامة، وقال إمام الحرمين: القسامة عند أهل اللغة: اسم للقوم الذين يُقسِمون، وعند الفقهاء اسم للأيمان، وقال في«المحكم»: القسامة: الجماعة يُقسِمون على الشيء، أو يَشهدون به، ويمين القسامة منسوب إليهم، ثم أُطلق على الأيمان نفسها. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: القسامة - بالفتح -: الأيمان، تُقسَم على أولياء القتيل، إذا ادَّعَوا الدمَ، يقال: قُتِل فلانٌ بالقسامة: إذا اجتمع جماعةٌ من أولياء القتيل، فادَّعَوا على رجل أنه قتل صاحبهم، ومعهم دليلٌ دون البيّنة، فحَلَفوا خمسين يمينًا أنّ المدّعَى عليه قَتَل صاحبهم، فهؤلاء الذين يُقسمون على دعواهم، يُسَمَّون قَسَامَةً. انتهى . وقال ابن الأثير - ﵀ -: القَسَامة - بالفتح -: اليمين، كالقَسَم، وحقيقتها أن يُقسِم من أولياء الدم خمسون نفرًا على استحقاقهم دم صاحبهم، إذا وَجدوه قتيلًا بين قوم، ولم يُعرَف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين، أقسم الموجودون خمسين يمينًا، ولا يكون فيهم صبيّ، ولا امرأة، ولا مجنون، ولا عبدٌ، أو يُقسم بها المتّهمون على نفي القتل عنهم، فإن حلف المدّعون استحقّوا الدية، وإن حلف المتّهمون لم تلزمهم الدية، وقد أقسم يُقسم قَسَمًا، وقَسَامةً، وقد جاء على بناء الْغَرَامَة، والْحَمَالَة،؛ لأنها تلزم أهل الموضع الذي يوجد فيه القتيل، ومنه حديث عمر - ﵁ -: «القَسَامةُ توجب العقل»؛ أي: توجب الدية، لا الْقَوَدَ، وفي حديث الحسن: «القسامة جاهليّةٌ»؛ أي: كان أهل الجاهليّة يدِينون بها، وقد قرّرها الإسلام، وفي رواية: «القتلُ بالقسامة جاهليّةٌ»؛ أي: أن أهل الجاهليّة كانوا يقتُلُون بها، أو أن القتل بها من أعمال الجاهليّة، كأنه إنكار لذلك، واستعظام. انتهى . وقال ابن منظور - ﵀ -: تفسير القسامة في الدم أن يُقتل رجلٌ، فلا تَشهَد على قتل القاتل إياه بيّنة عادلة كاملةٌ، فيجيء أولياء المقتول، فيدّعون قِبَلَ رجل أنه قتله، ويُدْلُون بِلَوْثٍ من البيّنة، غير كاملة، وذلك أن يوجد الْمُدّعَى عليه، مُتلطّخًا بدم القتيل في الحال التي وُجد فيها، ولم يَشهد رجل عدلٌ، أو امرأة ثقةٌ أن فلانًا قتله، أو يُوجَدَ القتيلُ في دار القاتل، وقد كانت بينهما عداوة ظاهرةٌ قبل ذلك، فإذا قامت دلالة من هذه الدلالات، سبَقَ إلى قلب من سمعه أن دعوى الأولياء صحيحةٌ، فيُستَحلَف أولياء القتيل خمسين يمينًا أن فلانًا الذي ادّعَوا قتله انفرد بقتل صاحبهم، ما شَرِكَه في دمه أحدٌ، فإذا حلفوا خمسين يمينًا، استحقّوا دية قتيلهم، فإن أبوا أن يحلفوا مع اللَّوْث الذي أَدْلَوا به، حلف الْمُدَّعَى عليه، وبَرِئ، وإن نكَلَ المدّعَى عليه عن اليمين، خُيِّر ورثة القتيل بين قتله، أو أخْذِ الدية من مال المدَّعَى عليه، وهذا جميعه قول الشافعيّ - ﵀ -. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: في «الصحاح»: يقال: أقسمتُ: حَلَفتُ، وأصله من القسامة، وهي الأيمان تُقسم على الأولياء في الدم، والْقَسَمُ - بالتحريك -:
مصادر المؤلف (٤١)

١. «مسند إسحاق بن راهويه» ١/ ١٦٠.

٢. «جامع الترمذيّ» ٣/ ٦٣٠.

٣. «المفهم» ٤/ ٣٥٦.

٤. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤٠.

٥. «المفهم» ٤/ ٣٥٦.

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٩.

٧. «المفهم» ٤/ ٣٥٦.

٨. «المفهم» ٤/ ٣٥٦.

٩. أخرجه البيهقيّ بهذا اللفظ، من رواية الحسن البصريّ، عن عمران بن حصين - ﵄ -: أنه مات رجل، وترك ستة رجال، فأعتقهم عند موته، فجاء ورثته، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: «لو علمنا ما صلينا عليه، وقال: ادعهم لي»، فدعاهم، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، ورَدّ أربعة في الرقّ. انتهى. «السنن البيهقي الكبرى» ١٠/ ٢٨٦.

١٠. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤٠.

١١. «الاستذكار» ٧/ ٣٢١ - ٣٢٢.

١٢. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤٠.

١٣. «الاستذكار» ٧/ ٣٢١ - ٣٢٢.

١٤. «مسند الطيالسي» ١/ ١١٣.

١٥. «مسند الشافعيّ» ١/ ١٩٤.

١٦. «السنن الصغرى» للبيهقيّ ٩/ ٢٩١.

١٧. المراد بالإرسال هنا الإعضال؛ لأنه سقط منه ثلاثة، فتنبّه.

١٨. «جامع التحصيل» ١/ ٢٥٩.

١٩. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤٠ - ١٤١.

٢٠. راجع: «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٨٠.

٢١. راجع: «بين الإمامين: مسلم والدارقطنيّ» ص ٢٩٣ - ٢٩٦.

٢٢. «الفتح» ٥/ ٧١١.

٢٣. ترقيم محمد فؤاد - ﵀ - مكرّر، فقد تقدّم في كتاب «الزكاة»، «باب الابتداء في النفقة بالنفس، ثم أهله، ثم القرابة».

٢٤. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤١ - ١٤٢.

٢٥. راجع: شرح السندي لهذا الكتاب ٥/ ٧٠.

٢٦. «النحْمَةُ»: هي السَّعْلَة التي تكون في آخر النَّحْنَحَة الممدود آخرها.

٢٧. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ١٣.

٢٨. «المصباح المنير» ١/ ٣١.

٢٩. «القاموس» مع شرحه «تاج العروس» ٨/ ١٥٠.

٣٠. «عمدة القاري» ١٣/ ٩٤.

٣١. «عمدة القاري» ٢٣/ ٢٢٢.

٣٢. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤٢ - ١٤٣.

٣٣. «سنن النسائيّ - المجتبى» ٥/ ٦٩.

٣٤. «مسند أبي عوانة»٣/ ٤٩١ - ٤٩٢.

٣٥. «صحيح البخاريّ»٢/ ٨٤٦.

٣٦. «مسند أبي عوانة»٣/ ٤٩١.

٣٧. «الْفَتْحُ» ٧/ ٥٤٣.

٣٨. «الفتح» ١٤/ ٢٢١.

٣٩. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٣.

٤٠. «النهاية في الحديث والأثر» ٤/ ٦٢.

٤١. «لسان العرب» ١٢/ ٤٨١.