HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٦٩

حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا ليث عن يحيى (وهو ابن سعيد)، عن بشير بن يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ (قَالَ يَحْيَى: وَحَسِبْتُ قَالَ) وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ؛ أَنَّهُمَا قَالَا: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد. حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ تَفَرَّقَا فِي بَعْضِ مَا هُنَالِكَ. ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةُ يَجِدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلًا. فَدَفَنَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو وحويصة ابن مَسْعُودٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ. وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ. فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ قَبْلَ صَاحِبَيْهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (كَبِّرِ) (الْكُبْرَ فِي السِّنِّ) فَصَمَتَ. فَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ. وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا. فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ. فَقَالَ لَهُمْ (أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ؟) (أَوْ قَاتِلَكُمْ) قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ؟ قَالَ (فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟) قَالُوا: وَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَلَمَّا رَأَى ذلك رسول الله ﷺ أعطى عقله.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص98
ج ٣ ص ١٢٩١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص١١٤
اليمين، وكذلك الْمَقْسَمُ، وهو المصدر، مثلُ الْمَخْرَج، والْمَقْسم أيضًا: موضع القَسَم، قال زهير [من الوافر]: فَتُجْمَعُ أَيْمُنٌ مِنَّا وَمِنْكُمْ … بِمَقْسَمَةٍ تَمُورُ بِهَا الدِّمَاءُ يعني: بمكة. انتهى . وقال العلامة ابن قُدامة - ﵀ -: القسامة: مصدر أقسم قَسَمًا، وقَسَامة، ومعناه: حَلَف حَلِفًا، والمراد بالقسامة ههنا: الأيمان المكررة في دعوى القتل، قال القاضي: هي الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة، قال: وأهل اللغة يذهبون إلى أنها القوم الذين يحلفون، سُمُّوا باسم المصدر، كما يقال: رجلٌ زُورٌ، وعدلٌ، ورِضًا، وأيُّ الأمرين كان، فهو من القَسَمِ، الذي هو الحلف. والأصل في القسامة: ما رَوَى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بَشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَدِيج: أن مُحَيِّصة بن مسعود، وعبد الله بن سهل، انطلقا إلى خيبر، فتفرقا في النخيل، فقُتِل عبد الله بن سهل، فاتَّهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن، وابنا عمه حُوَيِّصة ومحيصة، إلى النبيّ - ﷺ -، فتكلم عبد الرحمن، في أمر أخيه، وهو أصغرهم، فقال النبيّ - ﷺ -: «كبِّر، كبِّر»، الحديث، متّفقٌ عليه ، والله تعالى أعلم بالصواب. [٤٣٣٤] (١٦٦٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ - قَالَ يَحْيَى: وَحَسِبْتُ قَالَ -: وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسعُودِ بْنِ زَيْدٍ، حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ، تَفَرَّقَا فِي بَعْضِ مَا هُنَالِكَ، ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةُ يَجِدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلًا، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - هُوَ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ قَبْلَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَبِّرِ»، الْكُبْرَ فِي السِّنِّ، فَصَمَتَ، فَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ، وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَقْتَلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَالَ لَهُمْ: «أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ؟»، أَوْ «قَاتِلَكُمْ؟»، قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ؟ قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟»، قَالُوا: وَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَعْطَى عَقْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رَجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجةٌ إمام [٧] (١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٤ - (بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ) الحارثيّ الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] تقدم في «البيوع» ١٤/ ٣٨٨٠. ٥ - (سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) بن ساعدة بن عامر الأنصاريّ الخزْرجيّ المدنيّ، صحابي صغير، وُلد سنة ثلاث من الهجرة، مات في خلافة معاوية - ﵄ - (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٥٧/ ١٩٤٧. ٦ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيجِ) بن عديّ الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، مات سنة (٣ أو ٧٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٩. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالمدنيين من يحيى، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، عن صحابيين. شرح الحديث: (عَنْ بُشَيْرِ) - بالموحدة، والمعجمة، مصغرًا - (ابْنِ يَسَارٍ) - بتحتانية، ثم مهملة خفيفة - قال الحافظ - ﵀ -: لا أعرف اسم جدّه، وهو من موالي بني حارثة من الأنصار، قال ابن إسحاق: كان شيخًا كبيرًا فقيهًا، أدرك عامة الصحابة، ووثقه يحيى بن معين، والنسائيّ، وكناه محمد بن إسحاق في روايته: أبا كيسان. انتهى . (عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) - بفتح المهملة، وسكون المثلّثة - واسم أبي حَثْمَة: عامر بن ساعدة بن عامر، ويقال: اسم أبيه: عبد الله، فاشتهر هو بالنسبة إلى جدّه، وهو من بني حارثة: بطن من الأوس. (قَالَ يَحْيَى) بن سعيد الأنصاريّ (وَحَسِبْتُ قَالَ)؛ أي: ظننت أن بُشير بن يسار قال: «وعن رافع. . . إلخ»، فقوله: (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) مقول «قال»، وفي رواية حماد بن زيد التالية: «عن سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَدِيج» من غير شكّ، قال في «الفتح»: وثبت ذكر رافع بن خديج في هذا الحديث - غير مسمى -: عند أبي داود، من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره هو ورجل من كبراء قومه. وعند ابن أبي عاصم، من طريق إسماعيل بن عياش، عن يحيى، عن بُشَير، عن سهل، ورافع، وسُويد بن النعمان، أن القسامة كانت فيهم في بني حارثة، فذكر بُشير عنهم أن عبد الله بن سهل خرج. . . فذكر الحديث. (أَنَّهُمَا قَالَا: خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريّ الحارثيّ، له ذكر في هذا الحديث، ووقع في رواية ابن إسحاق أنه خرج مع أصحابه إلى خيبر يمتارون تمرًا، فوُجد في عين، قد كُسرت عنقه، ثم طُرِح فيها . (وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ) و«مُحَيِّصَةُ» -: بضمّ الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة المكسورة في الأشهر، ويجوز تسكين الياء. وقال في «الفتح»: «محيصة»: بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد التحتانية، مكسورة، بعدها صاد مهملة، وكذا ضَبْطُ أخيه حُوَيِّصة، وحُكي التخفيف في الاسمين معًا، ورجحه طائفة، وهو ابن مسعود بن كعب بن عامر بن عديّ بن مَجْدَعَة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ، شهد أُحدًا، وسائر المشاهد. (حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ) البلدة المعروفة (تَفَرَّقَا فِي بَعْضِ مَا هُنَالِكَ)؛ أي: في بعض أماكن خيبر، وفي الرواية الآتية: «أن نفرًا منهم انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها»، بصيغة الجمع، ويُجمع بينهما بحمل هذه الرواية على أنه كان معهما تابع لهما، وقد وقع في رواية محمد بن إسحاق عن بُشير بن يسار، عن ابن أبي عاصم: «خرج عبد الله بن سهل في أصحاب له يمتارون تمرًا»، زاد سليمان بن بلال في روايته الآتية: «في زمان رسول الله - ﷺ -، وهي يومئذٍ صلح، وأهلها يهود»، والمراد أن ذلك وقع بعد فتحها، فإنها لما فُتِحت أقرّ النبيّ - ﷺ - أهلها فيها على أن يعملوا في المزارع بالشطر مما يخرج منها، كما تقدم بيانه في «المزارعة»، أفاده في «الفتح» . (ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةُ) «إذا» هنا هي الْفُجائيّة؛ أي: ففوجئ محيّصة، وفي بعض النسخ: «ثمّ إن محيّصة» بلفظ «إنّ» (يَجدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلًا، فَدَفَنَهُ) وفي رواية بشر بن المفضَّل عند البخاريّ: «فأَتَى مُحَيِّصة إلى عبد الله بن سهل، وهو يتشحط في دمه قتيلًا»؛ أي: يضطرب، فيتمرَّغ في دمه، «فدفنه»، وفي رواية سليمان بن بلال الآتية: «فوُجِد في شَرَبَة مقتولًا، فدفنه صاحبه»، وفي رواية أبي ليلى: «فأُخبِر محيّصة أن عبد الله قُتِل، وطُرِح في فَقِير» - بفاء مفتوحة، ثم قاف مكسورة؛ أي: حفيرة . (ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - هُوَ)؛ أي: مُحَيِّصة، وإنما أتى بالضمير المنفصل؛ ليمكنه عطف قوله: «وَحُوَيِّصَةُ»؛ لأن العطف على ضمير الرفع المتّصل بلا فاصل ضعيف، كما قال ابن مالك: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) و«حُوَيِّصَة»: بضمّ الحاء المهملة، وفتح الواو، وتشديد التحتانيّة، وقد تُسكّن. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «ثم أقبل هو وأخوه حويّصة»؛ يعني به: محيّصة، وهما ابنا مسعود بن زيد، والمشهور في حويّصة، ومُحيِّصة: تخفيف الياء، وقد رويا بكسر الياء، وتشديدها، وعلى الوجهين، فهما مصغّران، والمقتول عبد الله بن سهل بن زيد، وأخوه عبد الرحمن بن سهل، فالأربعة بنو عمّ بعضهم لبعض، وإنما تقدّم محيّصة بالكلام؛ لكونه كان بخيبر حين قُتل عبد الله، غير أنه كان أصغر سنًّا من حُوَيّصةَ، ولذلك قال النبيّ - ﷺ -: «كبّر كبّر»: أي: قدّم للكلام قبلك من هو أكبر سنًّا منك، فتقدّم حويّصة، وكأنه كان أكبر منه، ومن عبد الرحمن أخي المقتول. انتهى . (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ) أخو عبد الله بن سهل المقتول (وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ)؛ أي: كان عبد الرحمن أصغر الثلاثة: محيّصة، وحُويّصة، وعبد الرحمن (فَذَهَبَ)؛ أي: أخذ، وشرع (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن سهل (لِيَتَكَلَّمَ)؛ أي: ليذكر القصّة، ويشرحها للنبيّ - ﷺ - (قَبْلَ صَاحِبَيْهِ) محيّصة، وحُويّصة، وإنما تقدّم عليهما؛ لكونه أخا المقتول، وهما ابنا عمّه (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لعبد الرحمن (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَبِّرِ») أمر من التكبير؛ أي: قدّم الأكبر عليك سنًّا في الكلام، وقوله: (الْكُبْرَ فِي السِّنِّ) يَحْتَمل أن يكون من كلام النبيّ - ﷺ -، وذلك أنه قال: «كبّر»، ثم قال تأكيدًا: «الكُبرَ في السنّ»، وهو بمعنى الأول، ويَحْتَمل أن يكون تفسيرًا من الراوي، فيكون مفعولًا لفعل مقدّر؛ أي: يريد بقوله: «كَبّر»: الكبرَ في السنّ، وهذا هو الذي ذكره النوويّ - ﵀ -، وعبارته: وقوله: «الكُبْرَ في السنّ»؛ معناه: يريد الكبر في السنّ، و«الكبرَ» منصوب بإضمارِ: يُرِيد، ونحوها، وفي بعض النسخ: «للكبر» باللام، وهو صحيح. انتهى . (فَصَمَتَ)؛ أي: سكت عبد الرحمن (فَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ)؛ أي: محيّصة، وحُويّصة (وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا)؛ أي: تكلّم أيضًا عبد الرحمن بعد كلامهما. قال النوويّ - ﵀ -: معنى هذا الكلام: أن المقتول هو عبد الله، وله أخ اسمه عبد الرحمن، ولهما ابنا عمّ، وهما: مُحَيِّصة وحُوَيِّصة، وهما أكبر سنًّا من عبد الرحمن، فلما أراد عبد الرحمن أخو القتيل أن يتكلم، قال له النبيّ - ﷺ -: «كَبِّرْ»؛ أي: يتكلم أكبر منك. واعلم: أن حقيقة الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن، لا حقّ فيها لابني عمه، وإنما أمر النبيّ - ﷺ - أن يتكلم الأكبر، وهو حُوَيِّصة؛ لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى، بل سماع صورة القصة، وكيف جرت، فإذا أراد حقيقة الدعوى تكلم صاحبها. ويَحْتَمِل أن عبد الرحمن وَكَّل حُوَيِّصة في الدعوى، ومساعدته، أو أمر بتوكيله، وفي هذا فضيلة السنّ عند التساوي في الفضائل، ولهذا نظائر، فإنه يُقَدَّم بها في الإمامة، وفي ولاية النكاح ندبًا، وغير ذلك. انتهى . (فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَقْتَلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ)؛ أي: قتله (فَقَالَ) - ﷺ - (لَهُمْ) وفي الرواية الآتية: فقال رسول الله - ﷺ -: «إما أن يَدُوا صاحبكم وإما أن يُؤْذِنوا بحرب»، فكتب رسول الله - ﷺ - إليهم في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله - ﷺ - لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟». («أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا) فيه أنه يبدأ بأيمان أهل الدم في القسامة، وبهذا أخذ معظم القائلين بأن القسامة يُستحقّ بها الدم، وخالف في ذلك بعضهم، وسيأتي تمام البحث في ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -. قال النوويّ - ﵀ -: قد يقال: كيف عُرِضت اليمين على الثلاثة، وإنما يكون اليمين للوارث خاصّةً، والوارث عبد الرحمن خاصّةً، وهو أخو القتيل، وأما الآخران فابنا عمّ لا ميراث لهما مع الأخ؟. والجواب: أنه كان معلومًا عندهم أن اليمين تختص بالوارث، فأطلق الخطاب لهم، والمراد: من تختص به اليمين، واحتُمِل ذلك لكونه معلومًا للمخاطبين، كما سمع كلام الجميع في صورة قتله، وكيفيةِ ما جرى له، وإن كانت حقيقة الدعوى وقت الحاجة مختصّةً بالوارث. انتهى . [تنبيه]: وقع عند البخاريّ من رواية سعيد بن عُبيد، عن بُشير بن يسار: «فقال لهم - يعني: النبيّ - ﷺ -: تأتون بالبيّنة على من قتله، قالوا: ما لنا بيّنة»، قال في «الفتح»: كذا في رواية سعيد بن عبيد، ولم يقع في رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ولا في رواية أبي قلابة للبيّنة ذِكر، وإنما قال يحيى في رواية: «أتحلفون، وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم؟»، هذه رواية بشر بن المفضَّل عنه، وفي رواية حماد عنه: «أتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم، بأيمان خمسين منكم؟»، وفي رواية عند مسلم: «يُقْسِم خمسون منكم على رجل منهم، فيُدْفَع بِرُمّته»، وفي رواية سليمان بن بلال: «تحلفون خمسين يمينًا، وتستحقون»، وفي رواية ابن عيينة، عن يحيى، عند أبي داود: «تبرئكم يهود بخمسين يمينًا تحلفون»، فبدأ بالمدَّعى عليهم، لكن قال أبو داود: إنه وَهَمٌ، كذا جزم بذلك، وقد قال الشافعيّ: كان ابن عيينة لا يُثْبِت: أقَدَّم النبيُّ - ﷺ - الأنصار في الأيمان، أو اليهود؟، فيقال له: إن في الحديث أنه قَدَّم الأنصار، فيقول: هو ذاك، وربما حَدَّث به كذلك، ولم يشكّ. (فَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ؟ »، أَوْ«قَاتِلَكُمْ؟ ») وفي رواية:«فيُدفع إليكم برمّته»، وهو نصّ في أن القسامة يُستحقّ بها الدم، وهو قول معظم الحجازيين، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -. قوله:«فتستحقّون قاتلكم، أو صاحبكم»: معناه: يثبت حقّكم على من حلفتم عليه، وهل ذلك الحقّ قصاص، أو دية؟ فيه الخلاف السابق بين العلماء. قال: واعلم: أنهم إنما يجوز لهم الحلف إذا علموا، أو ظنوا ذلك، وإنما عَرَض عليهم النبيّ - ﷺ - اليمين إن وُجِد فيهم هذا الشرط، وليس المراد الإذن لهم في الحلف من غير ظنّ، ولهذا قالوا: كيف نحلف، ولم نشهد؟. انتهى . (قَالُوا)؛ أي: حُويّصة، ومحيّصة، وعبد الرحمن (وَكَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ؟) قتل عبد الله، زاد في رواية: «ولم نحضر»، وفي رواية يحيى بن سعيد: «كيف نحلف، ولم نَشْهَد، ولم نَرَ؟»، وفي رواية حماد عنه: «أَمْرٌ لم نَرَهُ»، وفي رواية سليمان: «ما شَهِدنا، ولا حضرنا». قال القرطبيّ - ﵀ -: فيه دليلٌ: على أن الأيمان في القسامة على القطع، وهو الأصل في الأيمان، إلا أن يتعذر ذلك فيها، كما سيأتي تفصيل ذلك، وسبب ذلك أن الحالف جازم في دعواه، فلا يحلف إلا على ما تحققه، كالشاهد، غير أنَّه لا يُشرط في تحقيق ذلك الحضور والمشاهدة؛ إذ قد يحصل له التحقيق من الأخبار، والنَّظر في قرائن الأحوال. انتهى . (قَالَ) - ﷺ - («فَتُبْرِئُكُمْ) يَحْتَمل أن يكون مخفّفًا، من الإبراء، أو مشدّدًا، من التبرئة (يَهُودُ) مرفوع على الفاعلية، وهو غير منصرف؛ لأنه علم على القبيلة والطائفة، ففيه العلميّة والتأنيث (بِخَمْسِينَ يَمِينًا») قال النوويّ - ﵀ -: معنى فتبرئكم يهود. . . إلخ»: تبرأ إليكم يهود بخمسين يمينًا، وقيل: معناه: يُخلّصونكم من اليمين بأن يحلفوا، فإذا حَلَفوا انتهت الخصومة، ولم يثبت عليهم شيء، وخلصتم أنتم من الأيمان، وفي هذا دليلٌ لصحّة يمين الكافر والفاسق. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: معنى«تبرئكم يهود»؛ أي: يبرؤون إليكم مما طالبتموهم به، فتبرؤون أنتم منهم؛ إذ ينقطع طلبكم عنهم شرعًا. قال: وفيه دليل على أن الأيمان المردودة لا تكون أقل من خمسين يمينًا من خمسين رجلًا إذا كان المدَّعَى عليهم خمسين، فإن كانوا أقل من ذلك؛ حلفوا خمسين يمينًا، ورُدَّت عليهم بحسب عددهم، وهل لهم أن يستعينوا بمن يحلف معهم من أوليائهم أم لا؟ قولان. فمشهور مذهب مالك: لهم الاستعانة. وعليه: فلا يحلف فيها أقل من اثنين. ولا يحلفُ المدَّعى عليه معهم إلا أن لا يجد من يحلفُ معه، فيحلفُ هو خمسين يمينًا. ورَوَى مُطَرِّف عن مالك: أنه لا يحلفُ مع المدَّعى عليه أحدٌ، ويحلفُ هم أنفسهم كانوا واحدًا أو أكثر خمسين يمينًا يبرئون بها أنفسهم. وهو قول الشّافعيّ، وهو الصحيح؛ لأن من لم يُدَّع عليه لم يكن له سبب يتوجَّه عليه به يمين، ثم مقصود هذه الأيمان: البراءة من الدَّعوى، ومن لم يُدَّع عليه بريء، ولأن أيمانهم على أن وليَّهم لم يُقتل شهادةٌ على نفي، وهي باطل. وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]. انتهى . (قَالُوا: وَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ») وفي رواية:«ما يبالون أن يقتلونا أجمعين، ثم يحلفون». قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«كيف نقبل أيمانَ قومٍ كُفَّار»: استبعاد لصدقهم، وتقريبٌ لإقدامهم على الكذب، وجرأتهم على الأيمان الفاجرة، وعلى هذا يدل قولهم:«ليسوا بمسلمين»؛ أي: ما هم عليه من الكفر والعداوة للمسلمين يُجَرِّؤهم على الأيمان الكاذبة، لكنهم مع هذا كله لو رَضُوا بأيمانهم لَحُلِّفوا، ولا خلاف أعلمه في أن الكافر إذا توجَّهت عليه يمين: أنه يحلفها أو يُعَدُّ ناكلًا. وبماذا يُحَلَّف؛ فالمشهور عن مالك: أنَّه إنما يُحَلَّف بالله؛ الذي لا إله إلا هو، سواء كان يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو غيرهما من الأديان، كما يحلَّف المسلم، وفيه نظر. وروى الواقدي عن مالك: أن اليهوديّ يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني: بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وهذا القول أمشى على الأصل من الأول، وذلك: أنَّا إذا أجبرنا النصرانيّ على أن يحلف بالتوحيد مع قطعنا: بأنَّه خلاف معتقده، ودينه؛ فقد أجبرناه على الخروج عن دينه، مع أنا قد عاهدناه على إبقائه على اعتقاده، ودينه. وأيضًا: فلا مانع له من أن يُقْدِم على الحلف بذلك؛ إذ هو في اعتقاده ليس بصحيح. فالأولى القول الثاني. ويحلَّف في المواضع التي يَعتقد تعظيمها. انتهى . وقال في «الفتح» ما حاصله: لم يُذكَر في رواية سعيد بن عبيد، عرض الأيمان على المدَّعين، كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد، طلب البيّنة أَوّلًا. وطريق الجمع أن يقال: حَفِظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر، فيُحْمَل على أنه طلب البيّنة، أوّلًا، فلم تكن لهم بيّنة، فعَرَض عليهم الأيمان، فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعَى عليهم، فأَبَوا. وأما قول بعضهم: إنَّ ذِكر البيّنة وَهَمٌ؛ لأنه - ﷺ -، قد عَلِمَ أن خيبر حينئذٍ، لم يكن بها أحد من المسلمين، فدعوى نفي العلم مردودة، فإنه وإن سُلِّم أنه لم يسكن مع اليهود فيها أحد من المسلمين، لكن في نفس القصة، أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمرًا، فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك، وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك، وقد وجدنا لطلب البيّنة، في هذه القصة شاهدًا من وجه آخر، أخرجه النسائيّ من طريق عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلًا على أبواب خيبر، فقال رسول الله - ﷺ -: «أقم شاهدين على من قتله، أدفعه إليك برمته»، قال: يا رسول الله، أَنَّى أُصيب شاهدين؟، وإنما أصبح قتيلًا على أبوابهم، قال: «فتحلف خمسين قسامة»، قال: فكيف أحلف على ما لا أعلم؟، قال: «تستحلف خمسين منهم»، قال: «كيف وهم يهود؟». قال الحافظ: وهذا السند صحيح حسن، وهو نَصٌّ في الحمل الذي ذكرته، فتعيّن المصير إليه. وقد أخرج أبو داود أيضًا، من طريق عَباية بن رِفاعة، عن جدّه رافع بن خَدِيج، قال: أصبح رجل من الأنصار، بخيبر مقتولًا، فانطلق أولياؤه إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: «شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم»، قال: لم يكن ثَمَّ أحد من المسلمين، وإنما هم اليهود، وقد يجترئون على أعظم من هذا. انتهى . (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَعْطَى عَقْلَهُ)؛ أي: ديته، وفي رواية: «فوداه رسول الله - ﷺ - من قِبَله»، وفي رواية: «فعقله رسول الله - ﷺ - من عنده»، وفي رواية سعيد بن عبيد عند البخاريّ: «فوداه مائة من إبل الصدقة». قال في «الفتح»: زعم بعضهم أن قوله: «من إبل الصدقة» غلط من سعيد بن عبيد؛ لتصريح يحيى بن سعيد بقوله: «من عنده»، وجمع بعضهم بين الروايتين، باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة، بمال دفعه من عنده، أو المراد بقوله: «من عنده»؛ أي: بيت المال الْمُرَصَّد للمصالح، وأَطلَقَ عليه صدقة، باعتبار الانتفاع به مَجّانًا؛ لما في ذلك من قطع المنازعة، وإصلاح ذات البين، وقد حمله بعضهم على ظاهره، فحَكَى القاضي عياض، عن بعض العلماء: جواز صرف الزكاة في المصالح العامة، واستدل بهذا الحديث، وغيره، وتقدم شيء من ذلك في «كتاب الزكاة»، في الكلام على حديث أبي لاس - ﵁ -، قال: «حملنا النبيّ - ﷺ -، على إبل من إبل الصدقة، في الحج»، وعلى هذا فالمراد بالعندية، كونها تحت أمره، وحكمه، وللاحتراز من جعل ديته على اليهود، أو غيرهم. وقال القرطبيّ - ﵀ -: إنما فعل رسول الله - ﷺ - على مقتضى كرم خُلُقه، وحسن سياسته، وجلبًا للمصلحة، ودفعًا للمفسدة، وإطفاء للثائرة، وتأليفًا للأغراض المتنافرة، ولا سيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحقّ، ورواية من قال: «من عنده» أصح من رواية من قال: «من إبل الصدقة»، وقد قيل: إنها غلط، والأَولى أن لا يُغَلَّط الراوي ما أمكن، فيَحْتَمِل أوجهًا، فذكر ما تقدم، وزاد: أن يكون تَسَلَّفَ ذلك من إبل الصدقة؛ ليدفعه من مال الفيء، أو أن أولياء القتيل، كانوا مستحقين للصدقة، فأعطاهم، أو أعطاهم ذلك من سهم المؤلفة؛ استئلافًا لهم، واستجلابًا لليهود. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «أعطى عقله»؛ أي: ديته، وفي الرواية الأخرى: «فوداه رسول الله - ﷺ - من قبله»، وفي رواية: «من عنده»، فقوله: «وداه» بتخفيف الدّال؛ أي: دفع ديته، وفي رواية: «فكره رسول الله - ﷺ - أن يبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة». قال: إنما وداه رسول الله - ﷺ - قطعًا للنزاع، وإصلاحًا لذات البين، فإن أهل القتيل لا يستحقّون إلا أن يَحلِفوا، أو يستحلفوا المدَّعَى عليهم، وقد امتنعوا من الأمرين، وهم مكسورون بقتل صاحبهم، فأراد - ﷺ - جبرهم، وقطع المنازعة، وإصلاح ذات البين بدفع ديته من عنده. قال: وقوله: «فوداه من عنده» يَحْتَمِل أن يكون من خالص ماله في بعض الأحوال صادف ذلك عنده، ويَحْتَمِل أنه من مال بيت المال، ومصالح المسلمين. وأما قوله في الرواية الأخيرة: «من إبل الصدقة»، فقد قال بعض العلماء: إنها غلط من الرواة؛ لأن الصدقة المفروضة لا تُصْرَف هذا المصرف، بل هي لأصناف سمّاهم الله تعالى، وقال الإمام أبو إسحاق المروزيّ من أصحابنا: يجوز صرفها من إبل الزكاة لهذا الحديث، فأخذ بظاهره، وقال جمهور أصحابنا، وغيرهم: معناه: اشتراه من أهل الصدقات بعد أن ملكوها، ثم دفعها تبرعًا إلى أهل القتيل. وحَكَى القاضي عن بعض العلماء: أنه يجوز صرف الزكاة في مصالح العامة، وتأوّل هذا الحديث عليه، وتأوّله بعضهم على أن أولياء القتيل كانوا محتاجين، ممن تباح لهم الزكاة، وهذا تأويل باطلٌ؛ لأن هذا قدر كثير لا يدفع إلى الواحد الحامل من الزكاة، بخلاف أشراف القبائل، ولأنه سماه ديةً، وتأوله بعضهم على أنه دفعه من سهم المؤلفة من الزكاة؛ استئلافًا لليهود، لعلهم يسلمون، وهذا ضعيفٌ؛ لأن الزكاة لا يجوز صرفها إلى كافر، فالمختار ما حكيناه عن الجمهور أنه اشتراها من إبل الصدقة. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَدِيج - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٣٣٤ و٤٣٣٥ و٤٣٣٦ و٤٣٣٧ و٤٣٣٨ و٤٣٣٩ و٤٣٤٠ و٤٣٤١] (١٦٦٩)، و(البخاريّ) في «الصلح» (٢٧٠٢) و«الجزية، والموادعة» (٣١٧٣) و«الأدب» (٦١٤٢) و«الديات» (٦٨٩٨) و«الأحكام» (٧١٩٢)، و(أبو داود) في «الديات» (٤٥٢٠ و٤٥٢١ و٤٥٢٣)، و(الترمذيّ) في «الديات» (١٤٢٢)، و(النسائيّ) في «القسامة» (٤٧١٢ و٤٧١٣ و٤٧١٤ و٤٧١٥ و٤٧١٦ و٤٧١٧ و٤٧١٨ و٤٧١٩ و٤٧٢٠ و٤٧٢١) وفي «الكبرى» (٦٩١٣ و٦٩١٤ و٦٩١٥ و٦٩١٦ و٦٩١٧ و٦٩١٨ و٦٩١٩ و٦٩٢٠ و٦٩٢١)، و(مالك) في «الموطّإ» (١٦٣٠)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ١١٣ - ١١٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٨٢٥٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٤٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٩/ ٣٨٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢ و١٤٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٢٤٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٠٠٩)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٨٠٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٤٤٢٨ و٥٦٢٥ و٥٦٢٩)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (٣/ ١٩٧ و١٩٨) و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ١٠٨ و١٠٩ و١١٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٦٠ و٦١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١١٨ و١١٩) و«الصغرى» (٧/ ١٤١) و«المعرفة» (٦/ ١٤١ و٢٥٥ و٢٥٨)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٢٥٤٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعية القسامة، وبه يقول جمهور أهل العلم، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. ٢ - (ومنها): بيان كون الابتداء في القسامة بالمدّعين، وهم أولياء المقتول. ٣ - (ومنها): ردّ اليمين على المدّعَى عليهم إذا نَكَل المدّعون في القسامة. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للإمام مراعاة المصالح العامة، والاهتمام بإصلاح ذات البين. ٥ - (ومنها): أنه استدلّ به من يرى جواز الحكم على الغائب، وسماع الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم. ٦ - (ومنها): جواز اليمين بالظن، وإن لم يَتَيَقَّن. ٧ - (ومنها): بيان أن الحكمَ بين المسلم والكافر يكون بحكم الإسلام. ٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على تقديم الأسن في الأمر المهم، إذا كانت فيه أهلية ذلك، لا ما إذا كان عَرِيًّا عن ذلك، وعلى ذلك يُحْمَل الأمر بتقديم الأكبر، في حديث الباب، إما لأن ولي الدم، لم يكن متأهلًا، فأقام الحاكم قريبه مقامه في الدعوى، وإما لغير ذلك، قاله في «الفتح» . وقال القرطبيّ - ﵀ -: فيه من الفقه: أن المشترِكين في طلب حقّ ينبغي لهم أن يقدِّموا للكلام واحدًا منهم، وأحقهم لذلك أسنُّهم؛ إذا كانت له أهلية القيام بذلك، وهذا كما قال في الإمامة: «فإن كانوا في السُّنَّة سواءً، فأقدمهم سنًّا»، وقد قدَّمنا أنَّ كبر السنِّ لم يستحق التقديمَ إلا من حيث القِدَم في الإسلام، والسبقُ إليه، والعلمُ به، وممارسة أعماله وأحواله، والفقه فيه، ولو كان الشيخُ عَرِيًّا عن ذلك لاستحقّ التأخير، ولكان المتصفُ بذلك هو المستحق للتقديم - وإن كان شابًا -، وقد قدِم وفدٌ على عمر بن عبد العزيز - ﵀ -، فتقدَّم شابٌّ للكلام، فقال له عمرُ: كبِّر، كبِّر. فقال: يا أمير المؤمنين! لو كان الأمرُ بالسنِّ لكان هنا من هو أولى بالخلافة منك! فقال: تكلَّم. فتكلم فأبلغ، وأوجز. انتهى . ٩ - (ومنها): إنَّ فيه التأنيسَ، والتسليةَ لأولياء المقتول، وليس فيه أنه حكم على الغائبين ؛ لأنه لم يتقدم صورة دعوى على غائب، وإنما وقع الإخبار بما وقع، فذكر لهم قصة الحكم على التقديرين، ومن ثم كتب إلى اليهود، بعد أن دار بينهم الكلام المذكور. ١٠ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن مجرد الدعوى، لا توجب إحضار الْمُدَّعَى عليه؛ لأن في إِحضاره مَشْغَلةً عن أشغاله، وتضييعًا لماله، من غير موجب ثابت لذلك، أما لو ظهر ما يُقَوِّي الدعوى، من شبهة ظاهرة، فهل يسوغ استحضار الخصم، أو لا؟ محل نظر، والراجح أن ذلك يختلف بالقرب والبعد، وشدة الضرر، وخفته. ١١ - (ومنها): أن فيه الاكتفاءَ بالمكاتبة، وبخبر الواحد مع إمكان المشافهة، فإنه - ﷺ - كتب إلى اليهود في هذه الواقعة، وكتبوا إليه بالجواب. ١٢ - (ومنها): أن اليمين قبل توجيهها من الحاكم، لا أثر لها؛ لقول اليهود في جوابهم: والله ما قتلنا. ١٣ - (ومنها): أن في قولهم: لا نرضى بأيمان اليهود، استبعادًا لصدقهم؛ لِمَا عرفوه من إقدامهم على الكذب، وجراءتهم على الأيمان الفاجرة. ١٤ - (ومنها): أن أهل الذِّمَّة يُحكم عليهم بحكم الإسلام، لا سيما إذا كان الحكم بين ذمِّي ومسلم، فإنَّه لا يُختلف في ذلك. وكذلك لو كان المقتول من أهل الذمة فادُّعِي به على مسلم؛ فإن وُلاة الدَّم يحلفون خمسين يمينًا، ويستحقون دية ذمِّي. هذا قول مالك. وقال بعض أصحابه: يحلف المسلم المدَّعى عليه خمسين يمينًا، ويبرأ، ولا تحمل العاقلة ديته. فلو قام للذميِّ شاهدٌ واحدٌ بالقتل؛ فقال مالك: يحلف ولاته يمينًا واحدة ويستحقون الدِّية من ماله في العمد، ومن عاقلته في الخطأ. وقال غيره: يحلف المدَّعى عليه خمسين يمينًا ويُجلد مائة، ويُحبس عامًا. ١٥ - (ومنها): أن فيه ما يدلُّ على جواز سماع حجَّة أحد الخصمين في غيبة الآخر، وأن أهل الذمَّة إن امتنعوا من فعل ما وجب عليهم انتقض عهدهم. ١٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا الحديث أيضًا حجة للجمهور على من أنكر العمل بالقسامة، فإن ظاهره: أنَّه - ﷺ - وجدَ الناس على عمل، فلمَّا أسلموا، واستقل بتبليغ الأحكام أقرَّها على ما كانت عليه، فصار ذلك حكمًا شرعيًّا يُعمل عليه، ويُحكم به، لكن يجب أن يُبحث عن كيفية عملهم الذي كانوا يعملونه فيها، وشروطهم التي اشترطوها، فيُعْمَل بها من جهة إقرار النبيّ - ﷺ - عليها، لا من جهة الاقتداء بالجاهلية فيها. انتهى . ١٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الدعوى في القسامة، لا بد فيها من عداوة، أو لَوْث، واختُلف في سماع هذه الدعوى، ولو لم توجب القسامة، فعن أحمد روايتان، وبسماعها قال الشافعيّ؛ لعموم حديث: «اليمينُ على المدعَى عليه»، بعد قوله: «لو يُعطَى الناس بدعواهم، لادَّعَى قوم دماء رجال، وأموالهم»، رواه مسلم، ولأنها دعوى في حقّ آدمي، فتُسمع، ويُستحلف، وقد يُقِرّ، فيثبت الحق في قتله، ولا يُقبل رجوعه عنه، فلو نكل رُدَّت على المدعِي، واستحق القَوَد في العمد، والدية في الخطأ، وعن الحنفية: لا تردّ اليمين، وهي رواية عن أحمد. ١٨ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن المدّعين، والمدعَى عليهم، إذا نَكَلوا عن اليمين، وجبت الدية في بيت المال، وسيأتي ما فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. ١٩ - (ومنها): أنه استَدَلّ به الحنفية على جواز سماع الدعوى في القتل، على غير معيَّن؛ لأن الأنصار ادَّعَوا على اليهود، أنهم قتلوا صاحبهم، وسمع النبيّ - ﷺ - دعواهم. ورُدّ بأن الذي ذكره الأنصار أوّلًا، ليس على صورة الدعوى بين الخصمين؛ لأن مِنْ شَرْطها إذا لم يحضر المدَّعَى عليه، أن يتعذر حضوره. سلّمنا، ولكن النبيّ - ﷺ -، قد بيَّن لهم أن الدعوى، إنما تكون على واحد؛ لقوله: «تقسمون على وجل منهم، فيدفعَ إليكم برمته؟». ٢٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: «على رجل منهم»، على أن القسامة إنما تكون على رجل واحد، وهو قول أحمد، ومشهور قول مالك، وقال الجمهور: يُشترط أن تكون على معيَّن، سواء كان واحدًا، أو أكثر، واختلفوا هل يختص القتل بواحد، أو يُقتل الكل؟، وسيأتي البحث فيه. وقال أشهب: لهم أن يحلفوا على جماعة، ويختاروا واحدًا للقتل، ويُسجن الباقون عامًا، ويضربون مائة مائة، وهو قول لم يُسبَق إليه. ٢١ - (ومنها): أن الحلف في القسامة لا يكون إلا مع الجزم بالقاتل، والطريق إلى ذلك المشاهدة، وإخبار من يوثَق به، مع القرينة الدالة على ذلك. ٢٢ - (ومنها): أن من توجهت عليه اليمين، فنكل عنها، لا يُقضى عليه، حتى يُرَدَّ اليمين على الآخر، وهو المشهور عند الجمهور، وعند أحمد، والحنفية: يقضى عليه، دون ردّ اليمين، وقال ابن أبي ليلى: يؤخذ باليمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل يُعمل بالقسامة، أم لا؟: قال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: الحديث كله حجة واضحة للجمهور من السلف، والخلف على من أنكر العمل بالقسامة، وهم: سالم بن عبد الله، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وقتادة، وابن عُليّة، وبعض المكيّين، فنفوا الحكم بها شرعًا في العمد، والخطأ. وقد رُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحكم بن عُتيبة، وقد رُوي عنهما العمل بها. وقد رُوي نفي العمل بها عن سليمان بن يسار، والصحيح عنه روايته المذكورة عنه هنا، حيث قال، عن رجال من الأنصار: أن رسول الله - ﷺ - أقرّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهليّة، وظاهر هذا: أنه يقول بها. انتهى . وقال القاضي عياض - ﵀ -: حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ العلماء كافّةً، من الصحابة، والتابعين، ومَنْ بَعْدَهم، من علماء الأمصار، الحجازيين، والشاميين، والكوفيين، وغيرهم - رحمهم الله تعالى - وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به. ورُوِي عن جماعة إبطال القسامة، وأنه لا حُكم لها، ولا عمل بها، وممن قال بهذا: سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، والْحَكَم بن عُتَيبة، وقتادة، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وابن عُلية، وغيرهم، وإليه ينحو البخاريّ. وعن عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين، واختلف القائلون بها فيما إذا كان القتل عمدًا، هل يجب القصاص بها؟ فقال معظم الحجازيين: يجب، وهو قول الزهريّ، وربيعة، وأبي الزناد، ومالك، وأصحابه، والليث، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وهو قول الشافعيّ في القديم، ورُوي عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، قال أبو الزناد: قلنا بها، وأصحاب رسول الله - ﷺ - متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل، فما اختَلَف منهم اثنان. وقال الكوفيون، والشافعيّ في أصح قوليه: لا يجب بها القصاص، وإنما تجب الدية، وهو مرويّ عن الحسن البصريّ، والشعبيّ، والنخعيّ، وعثمان البَتِّيِّ، والحسن بن صالح، ورُوي أيضًا عن أبي بكر، وعمر، وابن عباس، ومعاوية - ﵃ -. واختلفوا فيمن يَحْلِف في القسامة، فقال مالك، والشافعيّ، والجمهور: يَحْلِف الورثة، ويجب الحقّ بحلفهم خمسين يمينًا، واحتجوا بهذا الحديث الصحيح، وفيه التصريح بالابتداء بيمين الْمُدَّعِي، وهو ثابت من طرق كثيرة صحاح، لا تندفع، قال مالك: الذي أجمعت عليه الأئمة قديمًا وحديثًا أن المدَّعِين يبدؤون في القسامة، ولأن جَنَبَة المدعِي صارت قويّة باللَّوْث. قال القاضي: وضَعَّف هؤلاء روايةَ مَن روى الابتداء بيمين الْمُدَّعَى عليهم، قال أهل الحديث: هذه الرواية وَهَمٌ من الراوي؛ لأنه أَسقط الابتداء بيمين الْمُدَّعِي، ولم يَذْكُر رَدَّ اليمين، ولأن مَن روى الابتداء بالمدّعين معه زيادة، ورواياتها صحاح، من طرق كثيرة مشهورة، فوجب العمل بها، ولا تعارضها رواية مَن نَسِيَ. وقال كلُّ من لم يوجب القصاص، واقتصر على الدية: يُبدأ بيمين الْمُدَّعَى عليهم، إلا الشافعيّ، وأحمد، فقالا بقول الجمهور: إنه يُبدأ بيمين الْمُدَّعِي، فإن نَكَلَ رُدَّت على الْمُدَّعَى عليه. وأجمع العلماء على أنه لا يجب قصاص، ولا دية، بمجرد الدعوى، حتى تقترن بها شبهة يغلب الظن بها، واختلفوا في هذه الشبهة المعتبرة الموجبة للقسامة، ولها سبع صور: [الأولى]: أن يقول المقتول في حياته: دمي عند فلان، وهو قتلني، أو ضربني، وإن لم يكن به أثرٌ، أو فَعَلَ بي هذا، من إنفاذ مقاتلي، أو جرحني، ويذكر العمد، فهذا موجب للقسامة عند مالك، والليث، وادَّعَى مالك: أنه مما أجمع عليه الأئمة قديمًا وحديثًا، قال القاضي: ولم يقل بهذا من فقهاء الأمصار غيرهما، ولا رُوي عن غيرهما، وخالف في ذلك العلماء كافّةً، فلم يَرَ أحد غيرهما في هذا قسامةً، واشترط بعض المالكية وجود الأثر والجرح في كونه قسامةً، واحتجّ مالك في ذلك بقضية بني إسرائيل، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ الآية [البقرة: ٧٣]، قالوا: فَحَيِيَ الرجل، فأخبر بقاتله، واحتجّ أصحاب مالك أيضًا بأن تلك حالةٌ يُطْلَب بها غفلةُ الناس، فلو شرطنا الشهادة، وأبطلنا قول المجروح أدَّى ذلك إلى إبطال الدماء غالبًا، قالوا: ولأنها حالة يتحرى فيها المجروح الصدق، ويتجنب الكذب، والمعاصي، ويتزود البرّ والتقوى، فوجب قبول قوله. واختلف المالكية في أنه: هل يكتفي في الشهادة على قوله بشاهد أم لا بدّ من اثنين؟ [الثانية]: اللَّوْثُ من غير بيّنة على معاينة القتل، وبهذا قال مالك، والليث، والشافعيّ، ومن اللوث: شهادة العدل وحده، وكذا قول جماعة ليسوا عدولًا. [الثالثة]: إذا شَهِد عدلان بالجرح، فعاش بعده أيامًا، ثم مات قبل أن يُفيق منه، قال مالك، والليث: هو لَوْثٌ، وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة: لا قسامة هنا، بل يجب القصاص بشهادة العدلين. [الرابعة]: أن يوجد المتهم عند المقتول، أو قريبًا منه، أو آتيًا من جهته، ومعه آلة القتل، وعليه أثره، من لطخ دم وغيره، وليس هناك سَبُع، ولا غيره مما يمكن إحالة القتل عليه، أو تفرق جماعة عن قتيل، فهذا لَوْثٌ موجب للقسامة عند مالك، والشافعيّ. [الخامسة]: أن يقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وعن مالك روايةٌ: لا قَسَامَةَ، بل فيه دية على الطائفة الأخرى، إن كان من أحد الطائفتين، وإن كان من غيرهما، فعلى الطائفتين ديته. [السادسة]: أن يوجد الميت في زحمة الناس، قال الشافعيّ: تثبت فيه القسامة، وتجب بها الدية، وقال مالك: هو هَدَرٌ، وقال الثوريّ، وإسحاق: تجب دية في بيت المال، ورُوي مثله عن عمر، وعليّ - ﵄ -. [السابعة]: أن يوجد في مَحِلَّة قوم، أو قبيلتهم، أو مسجدهم، فقال مالك، والليث، والشافعيّ، وأحمد، وداود، وغيرهم: لا يثبت بمجرد هذا قسامة، بل القتل هَدَرٌ؛ لأنه قد يَقتُل الرجلُ الرجلَ، ويُلقيه في محلة طائفة ليُنْسَب إليهم، قال الشافعيّ: إلا أن يكون في محلة أعدائه، لا يخالطهم غيرهم، فيكون كالقصة التي جرت بخيبر، فحَكَم النبيّ - ﷺ - بالقسامة لورثة القتيل لِمَا كان بين الأنصار وبين اليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم، وعن أحمد نحو قول الشافعيّ. وقال أبو حنيفة، والثوريّ، ومعظم الكوفيين: وجود القتيل في المحلة والقرية يوجب القسامة، ولا تثبت القسامة عندهم في شيء من الصور السبع السابقة إلا هنا؛ لأنها عندهم هي الصورة التي حَكَمَ النبيّ - ﷺ - فيها بالقسامة، ولا قسامةَ عندهم إلا إذا وُجِد القتيل، وبه أثرٌ، قالوا: فإن وُجد القتيل في المسجد حُلِّف أهلُ المحلة، ووجبت الدية في بيت المال، وذلك إذا ادَّعَوا على أهل المحلة. وقال الأوزاعيّ: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة، وإن لم يكن عليه أثرٌ، ونحوه عن داود. هذا آخر كلام القاضي - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من العمل بالقسامة هو الحقّ؛ لظهور حجته، كما هو ظاهر لمن تأمّله بالإمعان. ولقد أجاد الإمام ابن عبد البرّ - ﵀ - حيث أنكر على الذين عارضوا حديث القسامة بآرائهم، فقال ما نصّه: أما الذين دفعوا القسامة جملة، وأنكروها، ولم يقولوا بها، فإنما ردّوها بآرائهم؛ لخلافها للسنّة المجتمع عليها عندهم: «البيّنة على الْمُدَّعي، واليمين على الْمُدَّعَى عليه» - وفي لفظ: «على من أنكر» - قال: والاعتراض بهذه على ردّ القسامة فاسدٌ؛ لأن الذي سنّ البيّنة على الْمُدَّعي، واليمين على المنكر في الأموال: هو الذي خَصَّ هذا المعنى في القسامة، وبيّنه لأمته - ﷺ -، وكانت القسامة في الجاهليّة خمسين يمينًا على الدماء، فأقرها رسول الله - ﷺ -، فصارت سُنَّةً، بخلاف الأموال التي سَنَّ فيها يمينًا واحدةً، والأصول لا يُرَدّ بعضها ببعض، ولا يقاس بعضها على بعض، بل يوضع كل واحد منها موضعه، كالعرايا، والمزابنة، وكالمساقاة، وكالقراض، مع الإجارات، ومثل هذا كثير، وعلى المسلمين التسليم في كل ما سَنَّ لهم رسول الله - ﷺ -. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - ، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلافهم فيمن يُبدأ في القسامة: ذهب معظم القائلين بالقسامة إلى أنها تبدأ بالمدعين، ثم تردّ إذا أبوا على المدعى عليهم، واحتجوا بحديث أبي هريرة - ﵁ -: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، إلا القسامة»، وبقول مالك: أجمعت الأئمة في القديم والحديث، على أن المدعين يبدأون في القسامة، ولأن جنبة المدعي إذا قويت بشهادة أو شبهة، صارت اليمين له، وههنا الشبهة قوية، وقالوا: هذه سُنَّة بحيالها، وأصل قائم برأسه؛ لحياة الناس، ورَدْع المعتدين، وخالفت الدعاوي في الأموال، فهي على ما ورد فيها، وكلٌّ أصلٌ، يُتَّبَع، ويُستعمل، ولا تُطرح سُنَّة لسُنَّة. وأجابوا عن رواية سعيد بن عبيد - يعني: المذكورة في الباب التالي - بقول أهل الحديث: إنه وَهَمٌ من راويه، أسقط من السياق تبرئة المدعين باليمين؛ لكونه لم يَذكُر فيه ردّ اليمين، واشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ، فوجب قبولها، وهي تقضي على من لم يعرفها. وقال القرطبي: الحديث دليلٌ على أن القسامة يبدأ فيها المدّعون بالأيمان، وهو قول معظم القائلين بأن القسامة يُستوجب بها الدم، وقال مالك: الذي أجمعت عليه الأمة في القديم والحديث: أن المدّعين يبدؤون في القسامة. وخالف في ذلك الكوفيّون، وكثير من أهل البصرة، والمدنيين، والأوزاعيّ، وروي عن الزهريّ، وعمر بن الخطّاب - ﵁ -، فقالوا: يُبدأ بالمدّعى عليهم، متمسّكين في ذلك بالأصل الذي دلّ عليه قوله - ﷺ - للمدّعي: «شاهداك، أو يمينه»، وبأنه قد رُوي هذا الحديث من طرق، ذكرها أبو داود، والنسائيّ، ذكر فيها أنه - ﷺ - طالب المدّعين بالبيّنة، فقالوا: ما لنا بيّنة، فقال: «فتحلف لكم يهود خمسين يمينًا»، وهذا هو الأصل المقطوع به في باب الدعاوي الذي نبّه الشرع على حكمته بقوله: «لو أُعطي الناس بدعاويهم لاستحلّ رجالٌ دماء رجال، وأموالهم، ولكن البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر». وأجاب الجمهور عن ذلك بأن الصحيح المشهور المعروف من حديث حويّصة، ومُحيّصة تبدئة المدّعين بالأيمان، وهي رواية الأئمة الحفّاظ بالطرق المسندة المستفيضة، وما ذكروه مما رواه أبو داود، والنسائيّ مراسيل، وغير معروفة عند المحدّثين، وليست مما تُعارض بها الطرق الصحاح، فيجب ردّها بذلك. وأجابوا عن التمسّك بالأصل بأن هذا الحكم أصل بنفسه؛ لحرمة الدماء، ولتعذّر إقامة البيّنة على القتل فيها غالبًا، فإن القاصد للقتل يقصد الخلوة، والْغِيلة، بخلاف سائر الحقوق، وبشهادة الروايات الصحيحة لهذا الأصل الخاصّ بهذا الحكم الخاصّ، وبقي ما عداه على ذلك الأصل الآخر، ثم ليس ذلك خروجًا عن ذلك الأصل بالكلّيّة، وذلك أن المدعَى عليه، إنما كان القول قوله؛ لقوة جانبه بشهادة الأصل له بالبراءة مما ادُّعِيَ عليه، وذلك المعنى موجود هنا، فإنه إنما كان القول قولَ المدّعين؛ لقوة جانبهم باللَّوث الذي يشهد لهم بصدقهم، فقد أعملنا ذلك الأصل، ولم نطرحه بالكليّة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو القول بأنه يُبدأ في القسامة بأيمان أولياء المقتول، ثم تردّ على أولياء القاتل، لقوّة حجته، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الْقَوَد بالقسامة: قال القرطبيّ - ﵀ - ما حاصله: ذهب معظم الحجازيين إلى أن القسامة، يُستَحقّ بها الدم، لقوله - ﷺ -: «فتستحقّون دم صاحبكم»، وفي رواية: «فيُدفع إليكم برُمَّته»، وهو قول الزهريّ، وربيعة، والليث، ومالك، وأصحابه، والأوزاعيّ، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وداود، وأحد قولي الشافعيّ، ورُوي ذلك عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز رحمهم الله تعالى. قال أبو الزناد: قتلنا بالقسامة، وأصحاب رسول الله - ﷺ - متوافرون، إني لأراهم ألف رجل، فما اختلف منهم في ذلك اثنان. وذهب الكوفيّون، وإسحاق، والشافعيّ في قوله الآخر إلى أنه إنما تجب به الدية، وهو قول الحسن البصريّ، والحسن بن حيّ، والبَتِّيَ، والنخعيّ، والشعبيّ. وروي عن أبي بكر، وعمر، وابن عبّاس، ومعاوية - ﵃ -، قال القرطبيّ: والحديث المتقدّم نصٌّ في موضع الخلاف، فلا ينبغي العدول عنه. انتهى . وقال في «الفتح» ما حاصله: استُدِلَّ بحديث الباب على ثبوت الْقَوَد في القسامة؛ لقوله - ﷺ -: «فتستحقون قاتلكم»، وفي الرواية الأخرى: «دم صاحبكم»، قال ابن دقيق العيد: الاستدلال بالرواية التي فيها: «فيُدفَع بِرُمَّته»، أقوى من الاستدلال بقوله: «دم صاحبكم»؛ لأن قوله: «يُدفَع برُمَّته» لفظ مستعمل في دفع القاتل للأولياء للقتل، ولو أن الواجب الدية لَبَعُد استعمال هذا اللفظ، وهو في استعماله في تسليم القاتل أظهر، والاستدلال بقوله: «دم صاحبكم»، أظهر من الاستدلال بقوله: «قاتلكم»، أو «صاحبكم»؛ لأن هذا اللفظ لا بد فيه من إضمار، فيحتمل أن يُضمَر: ديةَ صاحبكم، احتمالًا ظاهرًا، وأما بعد التصريح بالدم، فيحتاج إلى تأويل اللفظ بإضمار: بدل دم صاحبكم، والإضمار على خلاف الأصل، ولو احتيج إلى إضمار، لكان حَمْله على ما يقتضي إراقة الدم أقرب، وأما من قال: يَحْتَمِل أن يكون قوله: «دم صاحبكم» هو القتيل، لا القاتل، فيردّه قوله: «دم صاحبكم»، أو «قاتلكم». وتُعُقّب بأن هذه القصة واحدة، اختلفت ألفاظ الرواة فيها، على ما تقدم بيانه، فلا يستقيم الاستدلال بلفظ منها؛ لعدم تحقق أنه اللفظ الصادر من النبيّ - ﷺ -. واستَدَلَّ من قال بالقود أيضًا، بما أخرجه مسلم، والنسائيّ من طريق الزهريّ، عن سليمان بن يسار، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أناس من أصحاب رسول الله - ﷺ -: «أن القسامة كانت في الجاهلية، وأقرّها النبيّ - ﷺ - على ما كانت عليه من الجاهلية، وقضى بها بين ناس من الأنصار، في قتيل ادَّعَوه على يهود خيبر». وهذا يَتوقَّف على ثبوت أنهم كانوا في الجاهلية يقتلون في القسامة، وعند أبي داود، من طريق عبد الرحمن بن بُجيد - بموحدة، وجيم، مصغرًا - قال: إن سهلًا - يعني: ابن أبي حثمة - وَهِمَ في الحديث: «أن رسول الله - ﷺ -، كتب إلى يهود: إنه قد وجد بين أظهركم قتيل، فَدُوه، فكتبوا يحلفون: ما قتلناه، ولا علمنا قاتلًا، قال: فوداه من عنده»، وهذا ردّه الشافعي، بأنه مرسَل، ويعارض ذلك: ما أخرجه ابن مَنْدَهْ في «الصحابة» من طريق مكحول: حدثني عمرو بن أبي خزاعة، أنه قُتِل فيهم قتيل على عهد رسول الله - ﷺ -، فجعل القسامة على خُزاعة: بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلًا، فحلف كل منهم عن نفسه، وغَرِم الدية، وعمرو مختلف في صحبته. وأخرج ابن أبي شيبة بسند جيد إلى إبراهيم النخعيّ، قال: كانت القسامة في الجاهلية، إذا وُجد القتيل بين ظهري قوم، أقسم منهم خمسون خمسين يمينًا: ما قتلنا، ولا علمنا، فإن عجزت الأيمان، رُدّت عليهم، ثم عَقَلوا. وتمسك من قال: لا يجب فيها إلا الدية، بما أخرجه الثوريّ في «جامعه»، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، بسند صحيح، إلى الشعبيّ، قال: وُجد قتيل بين حيَّين من العرب، فقال عمر: قيسوا ما بينهما، فأيهما وجدتموه إليه أقرب، فأحلفوهم خمسين يمينًا، وأغرموهم الدية. وأخرجه الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن منصور، عن الشعبيّ: «أن عمر كتب في قتيل، وُجد بين خيران ووادعة، أن يقاس ما بين القريتين، فإلى أيهما كان أقرب، أُخرج إليه منهم خمسون رجلًا، حتى يوافوه مكة، فأدخلهم الحِجْر، فأحلفهم، ثم قضى عليهم الدية، فقال: حَقَنَت أيمانكم دماءكم، ولا يُطَلُّ دم رجل مسلم»، قال الشافعيّ: إنما أخذه الشعبي، عن الحارث الأعور، والحارث غير مقبول. انتهى. قال الحافظ: وله شاهد مرفوع، من حديث أبي سعيد - ﵁ - عند أحمد: «أن قتيلًا وُجد بين حيين، فأمر النبيّ - ﷺ - أن يقاس إلى أيهما أقرب، فألقى ديته على الأقرب»، ولكن سنده ضعيف. وقال عبد الرزاق في «مصنّفه»: قلت لعبيد الله بن عمر الْعُمَريّ: أعلمت أن رسول الله - ﷺ - أقاد بالقسامة؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فعمر؟، قال: لا، قلت: فَلِمَ تجترئون عليها؟، فسكت. وأخرج البيهقي من طريق القاسم بن عبد الرحمن: أن عمر - ﵁ -، قال: القسامة توجب العَقل، ولا تُسقط الدم، أفاده في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من احتجاج الفريقين على ثبوت القصاص بالقسامة، وعدمه، أن القول بثبوته هو الأرجح؛ لقوة أدلّته، كما سبق إيضاحه آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في عدد الحالفين في القسامة: ذهب الأئمة: مالك، والليث، وربيعة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد، وداود، وأهل الظاهر إلى وجوب كون العدد في القسامة خمسين، فلا يجزئ فيها أقلّ منهم، فإن كان المستحقّون خمسين، حلف كلّ واحد منهم يمينًا واحدة، فإن كانوا أقلّ من ذلك، أو نَكَل منهم من لا يجوز عفوه، رُدّت الأيمان عليهم بحسب عددهم، ولا يحلف في العمد أقلّ من اثنين من الرجال، لا يحلف فيه الواحد من الرجال، ولا النساءُ، يحلف الأولياء، ومن يستعين بهم الأولياء من العصبة خمسين يمينًا. واختُلف عن مالك فيما إذا زاد الأولياء على الخمسين، هل يحلف كلهم يمينًا، يمينًا؟ أويُقتصر منهم على خمسين؟، قال القرطبيّ: وهذا أولى؛ لقوله: «يحلف خمسون منكم»، و«من» للتبعيض، والخطاب لجميع الأولياء، فأفاد ذلك أنهم إذا حلف منهم خمسون أجزأ، أفاده في «المفهم» . وقال في «الفتح»: اختُلِف في عدد الحالفين، فقال الشافعيّ: لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خمسين يمينًا، سواء قَلُّوا، أم كثروا، فلو كان بعدد الأيمان حلف كل واحد منهم يمينًا، وإن كانوا أقل، أو نَكَل بعضهم، رُدَّت الأيمان على الباقين، فإن لم يكن إلا واحد، حلف خمسين يمينًا واستحقّ، حتى لو كان من يرث بالفرض والتعصيب، أو بالنسب والولاء، حلف واستحق. وقال مالك: إن كان وليّ الدم واحدًا، ضُمَّ إليه آخر من العصبة، ولا يستعان بغيرهم، وإن كان الأولياء أكثر، حلف منهم خمسون، قال الليث: لم أسمع أحدًا يقول: إنها تنزل عن ثلاثة أنفس. وقال الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب: أول من نقص القسامة عن خمسين معاوية، قال الزهريّ: وقضى به عبد الملك، ثم ردّه عمر بن عبد العزيز إلى الأمر الأول. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بتعيّن عدد الخمسين هو الأرجح؛ عملًا بظاهر النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم فيمن يحلف في القسامة: ذهبت طائفة إلى أنه لا يُشترط أن يكون من يحلف في القسامة رجلًا، ولا بالغًا؛ لإطلاق قوله - ﷺ -: «خمسين منكم»، وبه قال ربيعة، والثوريّ، والليث، والأوزاعيّ، وأحمد. وذهب مالك إلى أنه لا مدخل للنساء في القسامة؛ لأن المطلوب في القسامة القتل، ولا يُسمع من النساء. وذهب الشافعيّ إلى أنه لا يحلف في القسامة إلا الوارث البالغ؛ لأنها يمين، في دعوى حكمية، فكانت كسائر الأيمان، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، أفاده في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم اشتراط الرجل والبالغ هو الأظهر؛ عملًا بإطلاق النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم: هل القسامة معقولة المعنى، أم لا؟: قال في «الفتح»: واختُلِف في القسامة، هل هي معقولة المعنى، فيقاس عليها، أو لا؟، والتحقيق أنها معقولة المعنى، لكنه خفيّ، ومع ذلك، فلا يقاس عليها؛ لأنها لا نظير لها في الأحكام، وإذا قلنا أن المبدأ فيها يمين المدَّعِي، فقد خرجت عن سنن القياس، وشرط القياس أن لا يكون معدولًا به عن سنن القياس، كشهادة خزيمة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي القول أن الاختلاف في كون القسامة، هل هي معقولة المعنى، أم لا؟ مما لا جدوى تحته، فلا ينبغي الاشتغال بمثله؛ لأنه من فضول المسائل، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: ادَّعَى بعضهم أنّ قوله - ﷺ -: «تحلفون، وتستحقون»: استفهام إنكار، واستعظام للجمع بين الأمرين. وتُعُقِّب بأنهم لم يبدأوا بطلب اليمين، حتى يصح الإنكار عليهم، وإنما هو استفهام تقرير، وتشريع، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٣٥] (. . .) - وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قِبَلَ خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ، فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنَا عَمَّهِ: حُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَبِّرِ الْكُبْرَ - أَوْ قَالَ - لِيَبْدَإِ الأَكْبَرُ»، فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ »، قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، كَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ، قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ قِبَلِهِ، قَالَ سَهْلٌ: فَدَخَلْتُ مِرْبَدًا لَهُمْ يَوْمًا، فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ، مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ رَكْضَةً بِرِجْلِهَا، قَالَ حَمَّادٌ: هَذَا، أَوْ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٧٥. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قِبَلَ خَيْبَرَ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة؛ أي: جهتها. وقوله: (يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ) قال النوويّ - ﵀ -: هذا مما يجب تأويله؛ لأن اليمين إنما تكون على الوارث خاصّة، لا على غيره من القبيلة، وتأويله عند أصحابنا أن معناه: يؤخذ منكم خمسون يمينًا، والحالف هم الورثة، فلا يحلف أحد من الأقارب غير الورثة، يَحْلِف كل الورثة ذكورًا كانوا أو إناثًا، سواء كان القتل عمدًا أو خطأً، هذا مذهب الشافعيّ، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، ووافقنا مالك فيما إذا كان القتل خطأً، وأما في العمد فقال: يحلف الأقارب خمسين يمينًا، ولا تحلف النساء، ولا الصبيان، ووافقه ربيعة، والليث، والأوزاعيّ، وأحمد، وداود، وأهل الظاهر، واحتجّ الشافعيّ بقوله - ﷺ -: «تحلفون خمسين يمينًا، فتستحقّون صاحبكم»، فجعل الحالف هو المستحقّ للدية والقصاص، ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئًا، فدلّ أن المراد: حَلِف من يستحق الدية. انتهى . وقوله: (فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ) الرُّمّة - بضم الراء -: الحبل، والمراد هنا: الحبل الذي يُرْبَط في رقبة القاتل، ويُسَلَّم به إلى ولي القتيل. وفي هذا دليل لمن قال: إن القسامة يثبت فيها القصاص، وقد سبق بيان مذهب العلماء فيه، وتأوله القائلون: لا قصاص، بأن المراد: أن يُسَلَّم ليستوفى منه الدية؛ لكونها ثبتت عليه. وفيه أن القسامة إنما تكون على واحد، وبه قال مالك، وأحمد، وقال أشهب وغيره: يحلف الأولياء على ما شاءوا، ولا يقتلون إلا واحدًا، وقال الشافعيّ: إن ادعوا على جماعة حلفوا عليهم، وثبتت عليهم الدية على الصحيح عند الشافعيّ، وعلى قولٍ أنه يجب القصاص عليهم، وإن حلفوا على واحد استحقّوا عليه وحده، قاله النوويّ - ﵀ - . وقوله: (مِنْ قِبَلِهِ) - بكسر القاف، وفتح الموحّدة - هو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: «من عنده». وقوله: (قَالَ سَهْلٌ) هو ابن أبي حثمة راوي القصّة. وقوله: (فَدَخَلْتُ مِرْبَدًا لَهُمْ) الْمِرْبَد - بكسر الميم، وإسكان الراء، وفتح الموحّدة -: هو الموضع الذي تُجمَع فيه الإبل، وتُحبَس، والرَّبْد: الحبسُ. وقوله: (فَرَكضَتْنِي نَاقَةٌ. . . إلخ)؛ أي: رَفَسَتني، يقال: رَكَضَ الرجل رَكْضًا، من باب قتل: ضرب برجله، ويتعدّى إلى مفعول، فيقال: رَكَضتُ الفرسَ: إذا ضربته؛ ليَعْدُوَ، ثم كثُر حتى أُسند الفعل إلى الفرس، واستُعْمِل لازمًا، فقيل: رَكَضَ الفرسُ، قال أبو زيد: يُستعمَل لازمًا، ومتعدّيًا، فيقال: رَكَضَ الفرسُ، وركضته، ومنهم من منع استعماله لازمًا، ولا وجه للمنع بعد نقل العدل، وركضَ البعيرُ: ضرب برجله، مثلُ رَمَحَ الفرسُ، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . قال النوويّ - ﵀ -: وأراد سهل - ﵁ - بهذا الكلام أنه ضَبَط الحديث، وحَفِظَهُ حفظًا بليغًا. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٣٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَعَقَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عِنْدِهِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي حَدِيثِهِ: فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدّم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية بشر بن المفضّل، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها النسائيّ - ﵀ - في «المجتبى»، فقال: (٤٧١٤) - أخبرنا عَمْرُو بن عَلِيٍّ، قال: حدّثنا بِشْرٌ - وهو ابن الْمُفَضَّل - قال: حدّثنا يحيى بن سَعِيدٍ، عن بُشَيْرِ بن يَسَارٍ، عن سَهْلِ بن أبي حَثْمَةَ، أنَّ عَبْدَ اللهِ بن سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بنَ مَسْعُودِ بن زَيْدٍ، أَنَّهُمَا أَتَيَا خَيْبَرَ، وهو يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا لِحَوَائِجِهِمَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ على عبد اللهِ بن سَهْلٍ، وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ قَتِيلًا، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عبد الرحمن بن سَهْلٍ، وَحُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ إلى رسول اللهِ - ﷺ -، فَذَهَبَ عبد الرحمن يَتَكَلَّمُ، وهو أَحْدَثُ الْقَوْم سِنًّا، فقال رسول اللهِ - ﷺ -: «كَبِّرْ، الْكُبْرَ»، فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فقال رسول اللهِ - ﷺ -: «أَتَحْلِفُونَ بِخَمْسِينَ يَمِينًا مِنْكُمْ، فَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ، أو قَاتِلِكُمْ؟»، قالوا: يا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَحْلِفُ، ولم نَشْهَدْ، ولم نَرَ؟ قال: «تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا»، قالوا: يا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَأْخُذُ إيمان قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ رسول اللهِ - ﷺ - من عِنْدِهِ. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٣٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ - جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٤ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد، تقدّم أيضًا قبل باب. والباقون ذُكروا قبله، و«القواريريّ» هو: عبيد الله بن عمر المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، ساقها النسائيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: أخبرنا محمد بن منصور المكيّ، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، قال: وُجِد عبد الله بن سهل قتيلًا، فجاء أخوه، وعَمّاه: حُوَيِّصة، ومُحَيِّصة، وهما عَمّا عبد الله بن سهل، إلى رسول الله - ﷺ -، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال رسول الله - ﷺ -: «الْكُبْرَ الْكُبْرَ»، قالا: يا رسول الله، إنا وجدنا عبد الله بن سهل قتيلًا في قَلِيب من قُلُب خيبر، فقال النبيّ - ﷺ -: «من تتهمون؟» قالوا: نتّهم يهود، قال: «فتُقسمون خمسين يمينًا أن اليهود قتلته؟» قالوا: وكيف نُقسم على ما لم نر؟ قال: «فتبرئكم اليهود بخمسين أنهم لم يقتلوه»، قالوا: وكيف نرضى بأيمانهم، وهم مشركون؟، فوداه رسول الله - ﷺ - من عنده. انتهى. وأما رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، فساقها أيضًا النسائيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: (٦٩١٩) - أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدّثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني بُشير بن يسار، عن سهل بن أبي حَثْمة، أن عبد الله بن سهل الأنصاريّ، ومُحَيِّصة بن مسعود خرجا إلى خيبر، فتفرقا في حاجتهما، فقُتِل عبد الله بن سهل الأنصاريّ، فجاء مُحَيِّصة وعبد الرحمن أخو المقتول، وحُوَيِّصة بن مسعود، حتى أتوا رسول الله - ﷺ -، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال له رسول الله - ﷺ -: «الْكُبْرَ، الْكُبْرَ»، فتكلم محيِّصة، وحُويِّصة، فذكروا شأن عبد الله بن سهل، فقال رسول الله - ﷺ -: «تحلفون خمسين يمينًا، فتستحقون قاتلكم؟» قالا: كيف نحلف ولم نشهد، ولم نحضر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا؟» قالوا: يا رسول الله كيف نَقْبَل أيمان قوم كفار؟ قال: فوداه رسول الله - ﷺ -، قال بُشير بن يسار: قال لي سهل بن أبي حثمة: لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض، في مربد لنا. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٣٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّيْنِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهِي يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، وَأَهْلُهَا يَهُودُ، فَتَفَرَّقَا لِحَاجَتِهِمَا، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَوُجِدَ فِي شَرَبَةٍ مَقْتُولًا، فَدَفَنَهُ صَاحِبُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَشَى أَخُو الْمَقْتُولِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ، وَحُوَيِّصَةُ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَأْنَ عَبْدِ اللهِ، وَحَيْثُ قُتِلَ، فَزَعَمَ بُشَيْرٌ، وَهُوَ يُحَدِّثُ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: «تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ»، أَوْ «صَاحِبَكُمْ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا شَهِدْنَا، وَلَا حَضَرْنَا، فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَزَعَمَ بُشَيْرٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَقَلَهُ مِنْ عِنْدِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدّم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: ظاهر هذه الرواية الإرسال؛ لأن بُشير بن يسار تابعيّ لم يشهد القصّة، لكن قوله الآتي في أثناء الحديث: «وهو يُحدّث عمّن أدرك من أصحاب رسول الله - ﷺ -» يدلّ على أنه متّصل؛ لأنه رواه عمن أدرك من الصحابة، وقد عيّن منهم سهل بن أبي حثمة - ﵁ -، كما في السند التالي، وعيّنه ورافع بن خَدِيج، كما سبق ذلك. وقوله: (وَهِي يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ)؛ يعني أن خيبر يوم خروجهما أرض صلح، حيث صالح النبيّ - ﷺ - أهلها على شطر ما يخرج منها. وقوله: (فِي شَرَبَةٍ) - بفتح الشين المعجمة، والراء - وهو حوض يكون في أصل النخلة، وجمعه: شَرَبٌ، كثَمَرَة وثَمَر . وقوله: (فَزَعَمَ بُشَيْرٌ)؛ أي: قال؛ لأن الزعم يُطلق على الحقّ، وإن كان أكثر إطلاقاته على الباطل، كما قوله - ﷿ -: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُو﴾ الآية [التغابن: ٧]. وقوله: (عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) تقدّم أنه ذكر منهم سهل بن أبي حَثْمة، ورافع بن خديج - ﵄ -. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في الحديث المذكور أول الباب، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٣٩] (. . .) - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ انْطَلَقَ هُوَ، وَابْنُ عَمٍّ لَهُ، يُقَالُ لَهُ: مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ اللَّيْثِ إِلَى قَوْلِهِ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ يَحْيَى: فَحَدَّثَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ بِالْمِرْبَدِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير الواسطيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل «ساق» ضمير هُشيم. وقوله: (فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ) قال القرطبيّ - ﵀ -: «الفريضة»: واحدة الفرائض، وهي النُّوق المأخوذة في الزكاة والدية، وأصل الفرض: التقدير، ولا معنى لقول من قال: إنها المسنّة من الإبل. انتهى . [تنبيه]: رواية هُشيم بن بَشِير، عن يحيى بن سعيد هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٤٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ) الطائيّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقة [٦] (خ م د ت س) تقدّم في «المقدّمة» ٢/ ٥. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ الغسّانيّ - ﵀ - في «التقييد»: في نسخة أبي العلاء في هذا الإسناد: «سعد بن عبيد»، بسكون العين، والمحفوظ: سعيد، بياء بعد العين. انتهى . والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث آخر الفوات الذي لم يسمعه إبراهيم بن سفيان من مسلم، وقد قدّمنا بيان أوله، وقولُه عَقِب هذا: حدّثني إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا بشر بن عمر، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: حدّثني أبو ليلى، هو أول سماع إبراهيم بن سفيان من مسلم، من هذا الموضع، هكذا هو في معظم النسخ، وفي نسخة الحافظ ابن عساكر أن آخر الفوات آخر حديث إسحاق بن منصور هذا الذي ذكرناه، وأول السماع قوله عقبه: حدّثني أبو الطاهر، وحرملة بن يحيى، والأول أصح. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أول الفوات في «كتاب الوصايا»، وهو أول حديث فيه، قال: [٤١٩٦] (١٦٢٧) - حدّثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى الْعَنَزيُّ - واللفظ لابن المثنى - قالا: حدّثنا يحيى - وهو ابن سعيد القطان - عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما حقُّ امرئ مسلم، له شيءٌ، يريد أن يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده». انتهى . قال الشيخ ابن الصلاح - ﵀ -: والفوات فيه مقدار عشرة أوراق. انتهى. وقد تقدّم البحث في هذا في «شرح المقدّمة»، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه آخر]: رواية سعيد بن عُبيد، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٦٠٤٠) - حدّثنا أبو أميّة الطرسوسيّ، قثنا أبو نعيم، قثنا سعيد بن عُبيد الطائيّ، عن بُشير بن يسار، أن رجلًا من الأنصار، يقال له: سهل بن أبي حَثْمة، أخبره أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلًا، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا، ولا عَلِمنا، قال: فانطلقوا إلى النبيّ - ﷺ -، فقالوا: يا نبيّ الله انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا أحدنا قتيلًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «الْكُبْرَ الْكُبْرَ»، فقال لهم: تأتون بالبينة على من قتل؟ قالوا: ما لنا بينة، قال: «فيحلفون لكم؟»، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكَرِهَ رسول الله - ﷺ - أن يُعطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٤١] (. . .) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو لَيْلَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ، أَوْ فَقِيرٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أنتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ، وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِمُحَيِّصَةَ: «كَبِّرْ كَبِّرْ»، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ »، فَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ: «أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟»، قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِائَةَ نَاقَةٍ، حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، فَقَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج، تقدّم قبل باب. ٢ - (بِشْرُ بْنُ عُمَرَ) بن الحكم الزهرانيّ الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٧ أو ٢٠٩) (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٩٣. ٣ - (مَالِكُ بْنُ أنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب. ٤ - (أَبُو لَيْلَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ) الأنصاريّ الحارثيّ المدنيّ، ويقال: اسمه عبد الله، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن سهل بن أبي حَثْمة، ورجال، وقيل: عن رجال من كبراء قومه. وروى عنه مالك بن أنس، وقيل: عن مالك، عن أبي ليلى عبد الله بن سهل ، قال ابن سعد: أبو ليلى اسمه عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن كعب، من بني عامر بن عديّ بن جُشَم بن مَجْدعة بن الأوس، وهو الذي روى عنه مالك حديث القسامة، وقال البخاريّ: عبد الله بن سهل سمع عائشة، ورَوَى محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة، عن عائشة، وجابر كذا نسبه، وقال ابن حبان في «الثقات»: عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل أحد بني حارثة، كنيته أبو ليلى، وكذا قال مسلم، والنسائي، والدُّولابيّ، وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم في «الكنى»: سئل أبو زرعة عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن الحارثيّ، فقال أيضًا: ثقةٌ، وكان قد ذكر عبد الله بن سهل في الأسماء، وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. و«سهل - ﵁ -» ذُكر قبله. [تنبيه]: وقع في بعض نسخ «صحيح مسلم» في هذا الإسناد قوله: «حدّثني أبو ليلى عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل»، فجعل «عبد الله» مرفوعًا بدلًا من «أبو ليلى» على أنه اسمه، ووقع في النسخة الهنديّة، وشرح الأبّيّ بلفظ: «حدّثني أبو ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل»، وهذا هو الذي وقع في «الموطّإ»، و«صحيح البخاريّ» ، والظاهر أن هذا هو الصواب، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. وقوله: (عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ) هكذا عند مسلم في هذه الرواية، والذي في «صحيح البخاري»: «عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه»، بعطف «رجالٌ» على ضمير سهل، والظاهر أن هذا هو الصواب، ومعناه أن سهل بن أبي حثمة، ورجالًا من كبراء قومه أخبروا أبا ليلى، وأما على ما هنا فيكون سهل بن أبي حثمة أخبر أبا ليلى راويًا عن رجال من كبراء قومه، وهذا مخالف للرواية الكثيرة التي مضت أن سهلًا هو الذي شهد القصّة، وأخبر بها، لا أنه أخذها من كبراء قومه، وقد تقدّم في رواية بُشير بن يسار أنه رواه عن سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَدِيج، وفي رواية أنه رواه عن سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَديج، وسُويد بن النعمان، فيَحْتمل أن هؤلاء أخبروا أيضًا أبا ليلى، ولم أر من تكلّم في هذا، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ) بفتح الجيم، وإسكان الهاء: الشدّة، والمشقّة. وقوله: (فَأَتَى مُحَيِّصَةُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أتاه آت، فأخبره بقتل عبد الله بن سهل. وقوله: (وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ، أَوْ فَقِيرٍ) قال النوويّ - ﵀ -: الفقير هنا على لفظ الفقير في الآدميين، والفقير هنا: البئر القريبة الْقَعْر الواسعة الفم، وقيل: هو
مصادر المؤلف (٥٢)

١. «المفهم» ٥/ ٥.

٢. «المغني» لابن قُدامة ١٢/ ١٨٨.

٣. وفي نسخة: «ثمّ إنّ محيّصة».

٤. «الفتح» ١٦/ ٨٢.

٥. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٤/ ١٠٦.

٦. راجع: «الفتح» ١٦/ ٨٣.

٧. «الفتح» ١٦/ ٨٣.

٨. «المفهم» ٥/ ٨.

٩. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤٦.

١٠. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤٦.

١١. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤٦.

١٢. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤٦ - ١٤٧.

١٣. «المفهم» ٥/ ١٣.

١٤. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤٧.

١٥. «المفهم» ٥/ ١٤.

١٦. «المفهم» ٥/ ١٤ - ١٥.

١٧. راجع: «الفتح» ١٦/ ٨٥.

١٨. «المفهم» ٥/ ١٥ - ١٦.

١٩. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤٨.

٢٠. «الفتح» ١٦/ ٩١.

٢١. «المفهم» ٥/ ٩.

٢٢. قد تقدّم في الرقم (٥) أن المسألة فيها خلاف، فمن العلماء من يرى جواز الحكم على الغائب، ويستدلّ بهذا الحديث، واستدلاله ظاهر، فتأمله بالإنصاف.

٢٣. «المفهم» ٥/ ١٨.

٢٤. «المفهم» ١/ ٥.

٢٥. «إكمال المعلم» ٥/ ٤٤٨ - ٤٥١، و«شرح النوويّ» ١١/ ١٤٣ - ١٤٦.

٢٦. «الاستذكار» ٢٥/ ٣٢٨ - ٣٢٩.

٢٧. «المفهم» ٥/ ١٠ - ١١.

٢٨. «المفهم» ٥/ ١٢.

٢٩. «الفتح» ١٦/ ٨٩ - ٩٠.

٣٠. «المفهم» ٥/ ١١ - ١٢.

٣١. «الفتح» ١٦/ ٩١.

٣٢. «الفتح» ١٦/ ٩٢.

٣٣. «الفتح» ١٦/ ٩٢.

٣٤. «الفتح» ١٦/ ٩٢.

٣٥. وفي نسخة: «فندفع برمّته».

٣٦. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤٩.

٣٧. «شرح النوويّ» ١١/ ١٤٩.

٣٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٣٧.

٣٩. «سنن النسائي - المجتبى» ٨/ ٩.

٤٠. «سنن النسائي الكبرى» ٤/ ٢١٠.

٤١. «شرح النوويّ» ١١/ ١٥٠.

٤٢. «المفهم» ٥/ ١٧.

٤٣. «تقييد المهمل» ٣/ ٨٧١.

٤٤. «شرح النوويّ» ١١/ ١٥١.

٤٥. «صحيح مسلم» ٥/ ٧٠.

٤٦. راجع: «قرّة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» ١/ ٦٦ - ٦٧.

٤٧. كذا وقع في «مسند أبي عوانة»، والذي في «صحيح مسلم» بلفظ: «أن يبطل دمه»، من الإبطال، فتنبّه.

٤٨. «مسند أبي عوانة» ٤/ ٦٢ - ٦٣.

٤٩. وفي نسخة: «بحرب من الله».

٥٠. وفي نسخة: «ليسوا مسلمين».

٥١. قال أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ - في «التمهيد» (٢٤/ ١٥٠): اختُلِف في اسم أبي ليلى هذا، فقيل: اسمه عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة، وقيل: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، وقيل: داود بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، وقال فيه ابن إسحاق: أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة. انتهى.

٥٢. راجع: «صحيح البخاريّ» في كتاب «الأحكام» رقم (٧١٩٢) ١٧/ ٢٣ بنسخة «الفتح»، و«الموطّأ» رقم (٧٨٧)، و«التمهيد» ٢٣/ ١٥٠.