HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٧٩

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ (وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ). قَالَا: حَدَّثَنَا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب، عن ابن سِيرِينَ، عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. السَّنَةُ اثْنَا عشرة شَهْرًا. مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ. ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ. وَرَجَبٌ، شَهْرُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ). ثُمَّ قَالَ (أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ (أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟) قُلْنَا: بَلَى. قَالَ (فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ (أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟) قُلْنَا: بَلَى. قَالَ (فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ (أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟) قُلْنَا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ (قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ) وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ. كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا. وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ. فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا (أَوْ ضُلَّالًا) يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ. أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ). ثُمَّ قَالَ (أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟). قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي رِوَايَتِهِ (وَرَجَبُ مُضَرَ). وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ (فَلَا ترجعوا بعدي).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص107
ج ٣ ص ١٣٠٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٢٦٨
«أول ما يُحكَم بين الناس في الدماء». انتهى . وأما رواية ابن أبي عديّ، عن شعبة، فساقها البزّار - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (١٦٧٨) - حدّثنا محمد بن المثنى، قال: نا محمد بن أبي عديّ، عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، أن رسول الله - ﷺ - قال: «أول ما يُقْضَى بين الناس في الدماء»، يعني: يوم القيامة. انتهى . وأما رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة فلم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩) - (بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، وَالأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٧٥] (١٦٧٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ - قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ - ثُمَّ قَالَ -: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟». قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ -: فَسَكَتَ، حَتَّى ظنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟»، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ -: فَسَكَتَ، حَتَّى ظنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «ألَيْسَ الْبَلْدَةَ؟»، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ -: فَسَكَتَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟»، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ -: وَأَعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا - أَوْ ضُلَّالًا - يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ»، ثُمَّ قَالَ:«أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ». قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي رِوَايَتِهِ:«وَرَجَبُ مُضَرَ»، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ:«فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو ابن عبد المجيد البصريّ، تقدَّم قريبًا. ٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: محمد الإمام الشهير، تقدَّم أيضًا قريبًا. ٤ - (ابْنُ أَبِي بَكْرَةَ) هو: عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفيّ البصريّ، أول مولود في الإسلام بالبصرة، ثقةٌ [٢] (ت ٩٦) (ع) تقدم في«الإيمان»٤٠/ ٢٦٦. ٥ - (أَبُو بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث بن كَلَدَةَ بن عَمرو الثقفيّ الصحابيّ الشهير، مشهور بكنيته، قيل: اسمه مَسْرُوح، أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة (١ أو ٥٢) (ع) تقدم في«شرح المقدمة»جـ ٢ ص ٤٨١. والباقيان تقدَّما في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه أبي بكر، فكوفيّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن أبي بكرة، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه أن صحابيّه ممن اشتهر بلقب هو بصورة الكنية، فأبو بكرة لقب، وكنيته أبو عبد الرحمن، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) هو: عبد الرحمن، كما سيأتي التصريح به في الرواية التالية. [تنبيه]: قال الحافظ الرشيد العطّار - ﵀ - في«غرر الفوائد»: و«ابن أبي بكرة» المبهم اسمه في هذا الإسناد هو عبد الرحمن، ثقةٌ متّفق عليه، بيّن ذلك عبد الله بن عون وغيره في رواياتهم لهذا الحديث عن أيوب، وبنو أبي بكرة ستة، فيما ذكر عليّ ابن المدينيّ، وهم: عبد الرحمن، ومسلم، وعبد العزيز، ويزيد، وعبيد الله، وداود، وزاد غيره: كَيِّسَة بنت أبي بكرة، وهي بفتح الكاف، وتشديد الياء المعجمة باثنتين من تحتها، وسين مهملة، وتشتبه بكبشة - بالباء الموحّدة، وبالشين المعجمة -. فأما عبد الرحمن فاتَّفَقَ البخاريّ ومسلم على إخراج حديثه عن أبيه، وأما مسلم فانفرد به مسلم، وأما عبد العزيز فأخرج له أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وأما كيِّسة فأخرج لها أبو داود، عن أبيها، والباقون لم يُخرَّج لهم شيء في الكتب الستة فيما أعلم، والله - ﷿ - أعلم. وقد ذكر عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ كَيّسة هذه، وقيَّدها كما ذكرناه، إلا أنه قال بإسكان الياء، وبالتشديد قيّدها الأمير أبو نصر ابن ماكولا، وذكر أن غير ذلك تصحيف، والله أعلم . (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع بن الحارث - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الزَّمَانَ) المراد بالزمان: السنَة (قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) الكاف صفة مصدر محذوف، تقديره: استَدَار استدارةً مثلَ صفته يوم خلق الله السماوات والأرض، ولفظ الزمان يُطلق على قليل الوقت وكثيره، وزعم يوسف بن عبد الملك في كتابه»تفضيل الأزمنة«أن هذه المقالة صدرت من النبيّ - ﷺ - في شهر مارس، وهو آذار، وهو برمهات بالقبطيِّة، وفيه يستوي الليل والنهار عند حلول الشمس بُرْجَ الحمل، ووقع في حديث ابن عمر، عند ابن مردويه:»إن الزمان قد استدار، فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض»، قاله في«الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي زعمه يوسف بن عبد الملك سيأتي ردّه في كلام القرطبيّ - ﵀ -، فتنبَّه. وقال النوويّ - ﵀ -: وأما قوله - ﷺ -:«إن الزمان قد استدار. . . إلخ»: فقال العلماء: معناه أنهم في الجاهلية يتمسكون بملة إبراهيم - ﷺ - في تحريم الأشهر الحُرُم، وكان يَشُقّ عليهم تأخير القتال ثلاثة أشهر متواليات، فكانوا إذا احتاجوا إلى قتال أخَّروا تحريم المحرَّم إلى الشهر الذي بعده، وهو صَفَر، ثم يؤخرونه في السنة الأخرى إلى شهر آخر، وهكذا يفعلون في سنة بعد سنة، حتى اختلط عليهم الأمر، وصادفت حَجة النبيّ - ﷺ - تحريمهم، وقد تطابق الشرع، وكانوا في تلك السنة قد حرَّموا ذا الحِجة لموافقة الحساب الذي ذكرناه، فأخبر النبيّ - ﷺ - أن الاستدارة صادفت ما حَكَم الله تعالى به يوم خلق السماوات والأرض، وقال أبو عبيد: كانوا يُنسئون؛ أي: يؤخِّرون، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، فربما احتاجوا إلى الحرب في المحرم، فيؤخرون تحريمه إلى صفر، ثم يؤخرون صفر في سنة أخرى، فصادف تلك السنة رجوع المحرم إلى موضعه، وذكر القاضي عياض وجوهًا أُخَر في بيان معنى هذا الحديث، ليست بواضحة، ويُنكَر بعضها. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «إن الزمان قد استدار كهيئته. . . إلخ»: اختُلِف في معنى هذا اللفظ على أقوال كثيرة، وأشبه ما فيها ثلاثة أقوال: [أحدها]: قاله إياس بن معاوية، وذلك: أن المشركين كانوا يحسِبون السنة اثني عشر شهرًا وخمسة عشر يومًا، فكان الحجُّ يكون في رمضان، وفي ذي القعدة، وفي كل شهر من السَّنة بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يومًا، فحجَّ أبو بكر - ﵁ - سنة تسع في ذي القعدة، بحكم الاستدارة، ولم يحج النبيّ - ﷺ -، فلما كان في العام المقبل وافق الحجّ ذا الحجَّة في العشر، ووافق ذلك الأهلة، وقد رُوي أن أبا بكر إنما حجَّ في ذي الحجة. [الثاني]: رُوي عن ابن عباس - ﵄ - أنَّه قال: كانوا إذا كانت السنة التي يُنسأ فيها، قام خطيبهم وقد اجتمع إليه الناس يوم الصَّدر فقال: أيها الناس! إني قد نسأت العام صَفَرًا الأول، يعني: الْمُحَرَّم، فيطرحونه من المشهور، ولا يعتدُّون به، ويبدؤون العدَّة، فيقولون لصفر وشهر ربيع الأول: صفران، ولربيع الآخر وجمادى الأولى: شهرا ربيع، ولجمادى الآخرة ورجب: جماديان، ولشعبان: رجب، ولرمضان: شعبان، وهكذا إلى محرَّم. ويُبطلون من هذه السَّنة شهرًا، فيحجون في كل سنة حجتين، ثم ينسأ في السَّنة الثالثة صفرًا الأوّل في عدَّتهم، وهو الأخير في العدَّة المستقيمة، حتى يكون حجهم في صفر حجتين، وكذلك الشهور كلها حتى يستدير الحجَّ في كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم الشهر الذي ابتدؤوا فيه النَّساء، ونحوه قال ابن الزبير، إلا أنه قال: يفعلون ذلك في كل ثلاث سنين، يزيدون شهرًا، قيل: وكانوا يتصدون بذلك موافقة شهور المعجم لشهور الأهلة حتى تأتي الأزمان واحدة. [الثالث]: قيل: كانت العرب تحجُّ عامين في ذي القعدة، وعامين في ذي الحجة، فصادفت حجَّة أبي بكر - ﵁ - ذا القعدة من السَّنة الثانية، وصادفت حجَّة النبيّ - ﷺ - ذا الحجة بالاستدارة. قال القرطبيّ: والأشبه القول الأول؛ لأنَّه هو الذي استفيد نفيه من قوله - ﷺ -: «إن الزمان قد استدار»؛ أي: زمان الحجِّ عاد إلى وقته الأصليّ؛ الذي عيّنه الله تعالى له يوم خلق السموات والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه، ونفذ بها حكمه، ثم قال: «السَّنة اثنا عشر شهرًا» ينفي بذلك الزيادة التي زادوها في السَّنة؛ وهي الخمسة عشر يومًا بتحكمهم، ثم هذا موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، فتعيَّن الوقت الأصليّ، وبَطَل التحكُّم الجهليّ، والحمد لله. قال: وهذه أقوال سلف هذه الأمَّة، وعلماء أهل السُّنَّة، وقد تكلَّم على هذا الحديث بعض من يدَّعي علم التعديل بقولٍ صدر عنه من غير تحقيق ولا تحصيل، فقال: إن الله سبحانه أول ما خلق الشمس أجراها في برج الحمل، وكان الزمان الذي أشار إليه النبيّ - ﷺ - صادف حلول الشمس في برج الحمل. قال القرطبيّ: وهذا تقوُّل بما لم يصحّ نقله؛ إذ مقتضى قوله: إن الله تعالى خلق البروج قبل الشمس، وأنه أجراها في أول برج الحمل، وهذا لا يُتَوَصَّل إليه إلا بالنقل عن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ولا نَقْلَ صحيحًا عنهم بشيء من ذلك، ومن ادَّعاه فليُسْنده، ثمَّ: إن العقل يُجَوِّز خلاف ما قال، وهو: أن يخلق الله تعالى الشمس قبل البروج، ويجوز أن يخلق كل ذلك دفعة واحدة، ثم إن علماء التعديل قد اختبروا كلام ذلك الرجل فوجدوه خطأ صراحًا؛ لأنَّهم اعتبروا بحساب التعديل اليوم الذي قال فيه النبيّ - ﷺ - ذلك القول، فوجدوا الشمس فيه في برج الحوت، بينها وبين الحمل عشرون درجة، ومنهم من قال: عشر درجات. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (السَّنَةُ)؛ أي: العربية الهلالية (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) قال في «الفتح»: ذَكَر الطبريّ في سبب ذلك من طريق حُصين بن عبد الرحمن، عن أبي مالك: «كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرًا»، ومن وجه آخر: كانوا يجعلون السنة اثني عشر شهرًا وخمسة وعشرين يومًا، فتدور الأيام والشهور كذلك. انتهى. وقال التوربشتيّ - ﵀ -: قوله: «إن الزمان قد استدار. . . إلخ»: الزمان اسم لقليل الوقت وكثيره، وأراد به هنا السنةَ. انتهى، قال الطيبيّ - ﵀ -: وذلك أن قوله: «السنة اثنا عشر شهرًا» إلى آخره جملة مستأنَفة مبيِّنة للجملة الأولى، فالمعنى أن الزمان في انقسامه إلى الأعوام، والأعوام إلى الأشهر عاد إلى أصل الحساب والوضع الذي اختاره الله، ووضَعه يوم خلق السماوات والأرض، والهيئة صورة الشيء، وشكله، وحاله، والكاف صفة مصدر محذوف؛ أي: استدار استدارة مثل حالته يوم خلق الله السماوات والأرض . (مِنْهَا)؛ أي: من الاثني عشر شهرًا (أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)؛ أي: محترمة، لا يجوز انتهاكها، و«الْحُرُمُ» بضمّتين: جمع حَرام بالفتح. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «منها أربعة حُرُم»؛ أي: من الاثني عشر شهرًا، وأولها المحرّم، سُمي بذلك: لتحريم القتال فيه، ثمَّ صفر، سُمي بذلك: لخلوِّ مكة من أهلها فيه، وقيل: وقع فيه وباءٌ فاصفرَّت وجوههم، وقال أبو عبيد: لِصِفْر الأواني من اللَّبن، ثم الربيعان: لارتباع الناس فيهما؛ أي: لإقامتهم في الربيع، ثم جماديان، وسُمِّيا بذلك: لأن الماء جَمَد فيهما، ثم رجب، وسُمي بذلك: لترجيب العرب إياه؛ أي: لتعظيمهم له، أو لأنَّه لا قتال فيه، والأرجب: الأقطع، ثم شعبان، وسُمي بذلك: لتشعّب القبائل فيه. ثم رمضان، وسمِّي بذلك: لشدَّة الرمضاء فيه، ثم شوَّال، وسُمِّي بذلك: لأن اللقاح تَشُول فيه أذنابها، ثم ذو القعدة، سُمِّي بذلك لقعودهم فيه عن الحرب، ثم ذو الحجَّة، وسمِّي بذلك: لأن الحجَّ فيه، ويجوز في فاء ذي القِعدة وذي الْحِجَّة الفتح والكسر، غير أن الفتح في القعدة أفصح. وسمِّيت الْحُرُم حُرُمًا: لاحترامها وتعظيمها بما خُصَّت به من أفعال البِر، وتحريم القتال، وتشديد أمر البغي والظلم فيها، وذلك: أن العرب كانت في غالب أحوالها، ومعظم أوقاتها قبل مجيء الإسلام أهل غارة، ونهب، وقتال، وحرب، يأكل القوي الضعيف، ويصول على المشروف الشريف، لا يرجعون لسلطان قاهر، ولا لأمر جامع، وكانوا فَوْضَى فَضًا ، من غلب سلب، ومن عز بزَّ ، لا يأمن لهم سِرْب، ولا يستقر لهم حال، فلطف الله بهم أن جعل في نفوسهم احترام أمور يمتنعون فيها من الغارة، والقتال، والبغي، والظلم، فيأمن بها بعضهم من بعض، ويتصرَّفون فيها في حوائجهم، ومصالحهم، فلا يهيِّج فيها أحدٌ أحدًا، ولا يتعرَّض له، حتى إن الرَّجل يلتقي فيها بقاتل أبيه وأخيه فلا يتعرض له بشيء، ولا بغدر؛ بما جعل الله في قلوبهم من تعظيم تلك الأمور، ولا يبعد أن يكون أصل ذلك مشروعًا لهم من دين إبراهيم وإسماعيل - ﵉ - كالحجِّ، والعمرة، وغيرهما مما كان عندهم من شرائعهما. وهذه الأمور من الزمان: الأشهر الحرم، ومن المكان: حَرَم مكة، ومن الأموال: الهدي والقلائد، ويشهد لِمَا ذكرناه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، ثم قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله تعالى في الحَرَم: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧]، ومعنى كون هذه الأمور قيامًا للناس؛ أي: تقوم بها أحوالهم، وتنتظم بها مصالحهم من أمر أديانهم ومعايشهم، هذا معنى ما قاله المفسرون، فلما جاء الإسلام لم يزد تلك الأمور إلَّا تعظيمًا وتشريفًا، غير أنه لمَّا حدَّ الحدود، وشرع الشرائع، ونصب العقوبات والزواجر؛ اتفقت كلمة المسلمين، والتُزمت شرائع الدين، فأمِن الناس على دمائهم ونفوسهم، وأموالهم، فامتنع أهل الظلم من ظُلمِهم، وكفَّ أهل البغي عن بغيهم، واستوى في الحق القويُّ والضعيف، والمشروف والشريف، فمن صدر عنه بغي، أو عدوان قمعته كلمة الإسلام، وأقيمت عليه الأحكام، فحينئذ لا يعيده شيء من تلك المحرَّمات، ولا يحول بينه وبين حُكم الله تعالى أحدٌ من المخلوقات، فالحمد لله الذي هدانا لهذا الدِّين القويم، والمنهج المستقيم، وهو المسؤول بأن ينعم علينا بالدَّوام، والتَّمام، ويحشرنا في زمرة واسطة النظام محمد - ﵊ -. والْهَدْي: ما يُهدى من الأنعام إلى البيت الحرام والقلائد؛ يعني به: ما تُقلَّدُ به الهدايا، وذلك بأن يُجعل في عنق البعير حبل يُعلَّق فيه نعل، كما تقدَّم في كتاب الحج، ويعني بذلك: أن الهدي مهما أُشعر وقُلِّد لم يَجُز لأحد أن يتملَّكه، ولا أن يأخذه إن وجده. بل يجب عليه أن يحمله إلى مكة إن أمكنه ذلك حتى يُنْحَر هناك على ما تقدَّم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . وقوله: (ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ) تفسير لأربعة حُرُم؛ أي: يتلو بعضها بعضًا، كما قال في الرواية الأخرى: «ثلاثة سَرْدٌ، وواحدٌ فردٌ»، ووقع في البخاريّ بلفظ: «ثلاث متواليات»، فقال ابن التين: الصواب: «ثلاثة متوالية»؛ يعني: لأن المميِّز الشهرُ، قال: ولعله أعاده على المعنى؛ أي: ثلاث مُدَد متواليات. انتهى، وزاد الحافظ: أو باعتبار العدة، مع أن الذي لا يُذْكَر التمييز معه يجوز فيه التذكير والتأنيث. انتهى . (ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ) قال النوويّ - ﵀ -: أما ذو القعدة، فبفتح القاف، وذو الحجة، بكسر الحاء، هذه هي اللغة المشهورة، ويجوز في لغة قليلة كسر القاف، وفتح الحاء. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذا الضبط أشار بعضهم بقوله: وَفَتْحَ قَافِ قَعْدَةٍ قَدْ رَجَّحُوا … وَكَسْرَ حَاءِ حِجَّةٍ قَدْ صَحَّحُوا وقال في «الفتح»: إنما ذكرها من سنتين لمصلحة التوالي بين الثلاثة، وإلا فلو بدأ بالمحرّم لفات مقصود التوالي، وفيه إشارة إلى إبطال ما كانوا يفعلونه في الجاهلية، من تأخير بعض الأشهر الحرم، فقيل: كانوا يجعلون المحرَّم صَفَرًا، ويجعلون صفرًا المحرم؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر، لا يتعاطون فيها القتال، فلذلك قال: «متواليات»، وكانوا في الجاهلية على أنحاء: منهم من يسمى المحرَّم صفرًا، فيُحِلّ فيه القتال، ويحرِّم القتال في صفر، ويسميه المحرم، ومنهم من كان يجعل ذلك سنة هكذا، وسنة هكذا، ومنهم من يجعله سنتين هكذا، وسنتين هكذا، ومنهم من يؤخِّر صفرًا إلى ربيع الأول، وربيعًا إلى ما يليه، وهكذا إلى أن يصير شوال ذا القعدة، وذو القعدة ذا الحجة، ثم يعود، فيعيد العدد على الأصل. انتهى . (وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ) قال في «الفتح»: أضافه إليهم لأنهم كانوا متمسكين بتعظيمه، بخلاف غيرهم، فيقال: إن ربيعة كانوا يجعلون بدله رمضان، وكان من العرب من يجعل في رجب وشعبان ما ذُكر في المحرّم وصفر، فيحلّون رجبًا، ويحرِّمون شعبان، ووصفه بقوله: (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) تأكيدًا، وكان أهل الجاهلية قد نسئوا بعض الأشهر الحرم؛ أي: أخَّروها، فيُحِلُّون شهرًا حرامًا، ويحرِّمون مكانه آخر بدله، حتى رُفِض تخصيصُ الأربعة بالتحريم أحيانًا، ووقع تحريم أربعة مطلقة من السَّنَة، فمعنى الحديث أن الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه، وبطل النسيء. وقال النوويّ - ﵀ -: وأما قوله - ﷺ -: «ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان»: إنما قيّده هذا التقييد مبالغةً في إيضاحه، وإزالةً للَّبْس عنه. قالوا: وقد كان بين بني مضر وبين ربيعة اختلاف في رجب، فكانت مضر تجعل رجبًا هذا الشهر المعروف الآن، وهو الذي بين جمادى وشعبان، وكانت ربيعة تجعله رمضان، فلهذا أضافه النبيّ - ﷺ - إلى مضر، وقيل: لأنهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم، وقيل: إن العرب كانت تسمي رجبًا وشعبان الرجبين، وقيل: كانت تسمي جمادى ورجبًا جمادين، وتسمي شعبان رجبًا. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «رجب شهر مُضَر الذي بين جمادى وشعبان»: هذه مبالغةٌ في تعيين هذا الشهر؛ ليتميَّز عمَّا كانوا يتحكَّمون به من النَّساء، ومن تغيير أسماء المشهور، وقد تقدَّم: أنهم كانوا يُسقطون من السَّنة شهرًا، وينقلون اسم الشهر للَّذي بعده، حتى سَمُّوا شعبان رجبًا، ونسبة هذا الشهر لِمُضَر: إما لأنهم أول من عظَّمه، أو لأنهم كانوا أكثر العرب له تعظيمًا، واشتهر ذلك حتى عُرِفَ بهم. انتهى . وقال الخطابيّ - ﵀ - : كانوا يخالفون بين أشهر السنة بالتحليل والتحريم، والتقديم والتأخير لأسباب تَعْرِض لهم، منها استعجال الحرب، فيستحلون الشهر الحرام، ثم يحرِّمون بدَلَه شهرًا غيره، فتتحول في ذلك شهور السنة، وتتبدل، فإذا أتى على ذلك عدة من السنين استدار الزمان، وعاد الأمر إلى أصله، فاتفق وقوع حجة النبيّ - ﷺ - عند ذلك. [تنبيه]: أبدى بعضهم لِمَا استقر عليه الحال من ترتيب هذه الأشهر الحرم مناسبةً لطيفةً، حاصلها أن للأشهر الحرم مزية على ما عداها، فناسب أن يبدأ بها العام، وأن تتوسطه، وأن تُختَم به، وإنما كان الختم بشهرين لوقوع الحج ختام الأركان الأربع؛ لأنها تشتمل على عمل مال محض، وهو الزكاة، وعمل بدن حض، وذلك تارة يكون بالجوارح، وهو الصلاة، وتارة بالقلب، وهو الصوم؛ لأنه كَفٌّ عن المفطرات، وتارة عمل مركَّب من مال وبدن، وهو الحج، فلمّا جمعهما ناسب أن يكون له ضُعف ما لواحد منهما، فكان له من الأربعة الحرم شهران، والله أعلم، ذكره في «الفتح» . (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - (أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ «. قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) قال النوويّ - ﵀ -: هذا السؤال، والسكوت، والتفسير أراد به التفخيم، والتقرير، والتنبيه على عِظَم مرتبة هذا الشهر، والبلد، واليوم، وقولهم:»الله ورسوله أعلم«هذا من حُسن أدبهم، وأنهم عَلِمُوا أنه - ﷺ - لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب، فعرفوا أنه ليس المراد مطلق الإخبار بما يعرفون. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله:«أيُّ شهر هذا؟. . . إلخ»، وسكوته بعد كل واحد منها؛ كان ذلك منه استحضارًا لفهومهم، وتنبيهًا لغفلتهم، وتنويهًا بما يذكره لهم؛ حتى يُقبلوا عليه بكليتهم، ويستشعروا عظمة حرمة ما عنه يخبرهم، ولذلك قال بعد هذا:«فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا»، وهذا منه - ﷺ - مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء، وإغياءٌ في التنفير عن الوقوع فيها؛ لأنَّهم كانوا قد اعتادوا فِعْلها، واعتقدوا حِلّيتها، كما تقدَّم من بيان أحوالم، وقبح أفعالهم. انتهى . وقال في«الفتح»بعد ذكر كلام القرطبيّ المذكور ما نصّه: ومناط التشبيه في قوله:«كحرمة يومكم»، وما بعده ظهوره عند السامعين؛ لأن تحريم البلد، والشهر، واليوم، كان ثابتًا في نفوسهم، مقرّرًا عندهم، بخلاف الأنفس، والأموال، والأعراض، فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم، وماله، وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يَرِد كون المشبَّه به أخفض رتبة من المشبَّه؛ لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطَبون قبل تقرير الشرع. ووقع في هذه الرواية جوابهم عن كل سؤال بقولهم:«الله ورسوله أعلم»، وذلك من حُسْن أدبهم؛ لأنهم علموا أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب، وأنه ليس مراده مطلق الإخبار بما يعرفونه، ولهذا قال:«حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه»، ففيه إشارة إلى تفويض الأمور الكلية إلى الشارع، ويستفاد منه الحُجة لمثبتي الحقائق الشرعية. انتهى ببعض تصرّف . (قَالَ) أبو بكرة - ﵁ - (فَسَكَتَ) النبيّ - ﷺ - (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ) - ﷺ - («أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ ») بالنصب على أنه خبر«ليس»، وقع في بعض الروايات:«أليس ذو الحجة؟ »، وعليها فهو اسم«ليس»، وخبرها محذوف؛ أي: أليس ذو الحجة هو هذا الشهر؟، وقدّره ابن مالك - ﵀ - ضميرًا متّصلًا، والتقدير: أليسه ذو الحجة؟ ومِنْ حذف الضمير المتّصل خبرًا لـ«كان»، وأخواتها قول الشاعر [من الطويل]: فَأَطْعَمَنَا مِنْ لَحْمِهَا وَسَدِيفِهَا … شِوَاءً وَخَيْرُ الْخَيْرِ مَا كَانَ عَاجِلُهْ أراد: وخير الخير الذي كأنه عاجلُه، ومثله قول الآخَر [من الطويل]: أَخٌ مُخْلِصٌ وَافٍ صَبُورٌ مُحَافِظٌ … عَلَى الْوُدِّ وَالْعَهْدِ الَّذِي كَانَ مَالِكُ أراد الذي كانه مالك، والذي وَصِلَته مبتدأ، وقد أخبر عنه بخمسة أخبار متقدَّمة، ومثل هذا البيت في الاكتفاء بنيّة الخبر عن لفظه قوله [من الكامل]: شَهِدَتْ دَلَائِلُ جَمَّةٌ لَمْ أُحْصِهَا … أَنَّ الْمُفَضَّلَ لَنْ يَزَالَ عَتِيقُ أراد: لن يزاله . (قُلْنَا: بَلَي، قَالَ: «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ -: فَسَكَتَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَليْسَ الْبَلْدَةَ؟») بالنصب أيضًا على أنه خبر «ليس»، ويحتمل الرفع على أنه اسمها، وخبرها محذوف؛ أي: أليست البلدة هي هذه؟، وفي رواية البخاريّ: «أليست بالبلدة الحرام؟»، قال في «الفتح»: كذا فيه بتأنيث البلدة، وتذكير الحرام، وذلك أن لفظ الحرام اضمَحَلّ منه معنى الوصفية، وصار اسمًا، قال الخطابيّ: يقال: إن البلدة اسم خاص بمكة، وهي المرادة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ الآية [النمل: ٩١]. وقال التوربشتيّ - ﵀ -: وجه تسميتها بالبلدة - وهي تقع على سائر البلدان - أنها البلدة الجامعة للخير، المستحقّة أن تُسمّى بهذا الاسم؛ لتفوّقها سائر مسمّيات أجناسها تفوّقَ الكعبة في تسميتها بالبيت سائر مسمّيات أجناسها، حتى كأنها هي المحلّ المستحقّ للإقامة بها، قال ابن جني: من عادة العرب أن يوقعوا على الشيء الذي يختصّونه بالمدح اسم الجنس، ألا تراهم كيف سَمَّوا الكعبة بالبيت، وكتاب سيبويه بالكتاب. انتهى . (قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ -: فَسَكَتَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْر اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟») بالنصب، ويَحتمل الرفع كسابقه، والتقدير عليه: أي: أليس يومُ النحر هذا اليومَ؟ (قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ). [فائدة]: وقع في حديث الباب: «فسكتنا» بعد السؤال، ووقع في حديث ابن عباس - ﵄ -، أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس يوم النحر، فقال: «أي يوم هذا؟» قالوا: «يوم حرام»، وظاهرهما التعارض، والجمع بينهما أن الطائفة الذين كان فيهم ابن عباس أجابوا، والطائفة الذين كان فيهم أبو بكرة لم يجيبوا، بل قالوا: الله ورسوله أعلم، أو تكون رواية ابن عباس بالمعنى؛ لأن في حديث أبي بكرة أنه لما قال: «أليس يوم النحر؟» قالوا: بلي، بمعنى قولهم: «يوم حرام» بالاستلزام، وغايته أن أبا بكرة نَقَل السياق بتمامه، واختصره ابن عباس، وكأن ذلك كان بسبب قرب أبي بكرة منه؛ لكونه كان آخذًا بخطام الناقة. وقال بعضهم: يَحْتَمِل تعدد الخطبة، فإن أراد أنه كررها في يوم النحر، فيحتاج لدليل، فإن في حديث ابن عمر عند البخاريّ في «الحج» أن ذلك كان يوم النحر بين الجمرات في حجته، أفاده في «الفتح» . وقال في موضع آخر: قيل في الجمع بين الحديثين: لعلهما واقعتان، وليس بشيء؛ لأن الخطبة يوم النحر إنما تُشْرَع مرّة واحدةً، وقد قال في كل منهما: إن ذلك كان يوم النحر، وقيل في الجمع بينهما: إن بعضهم بادر بالجواب، وبعضهم سكت، وقيل في الجمع: إنهم فوَّضوا أوّلًا كلهم بقولهم: الله ورسوله أعلم، فلما سكت أجاب بعضهم دون بعض، وقيل: وقع السؤال في الوقت الواحد مرتين بلفظين، فلما كان في حديث أبي بكرة فخامة ليست في الأول؛ لقوله فيه: «أتدرون» سكتوا عن الجواب، بخلاف حديث ابن عباس؛ لخلوّه عن ذلك، أشار إلى ذلك الكرمانيّ - ﵀ -، وقيل: في حديث ابن عباس اختصار، بيَّنته رواية أبي بكرة، وابن عمر، فكأنه أطلق قولهم: «يوم حرام» باعتبار أنهم قرروا ذلك بقولهم: «بلى»، وسكت في رواية ابن عمر عن ذِكر جوابهم، وهذا جمعٌ حسن. انتهى ما في «الفتح» . (قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ) هذا الكلام على تقدير مضاف؛ أي: سفك دمائكم، وأخذ أموالكم، وثَلْبَ أعراضكم (قَالَ مُحَمَّدٌ)؛ أي: ابن سيرين (وَأَحْسِبُهُ)؛ أي: أظنّ ابن أبي بكرة، كأنه شكّ في قوله:»وأعراضكم«، أقالها ابن أبي بكرة أم لا؟، ووقع في الرواية التالية الجزم بها، ولفظه:»فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام. . .«. (قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ) و»الْعِرْضُ«- بكسر العين المهملة، وسكون الراء، آخره ضاد معجمة -: هو موضع المدح والذّمّ من الإنسان، سواء كان في نفسه، أو سَلَفه، وقيل: العِرْض: الْحَسَب، وقيل: الخُلُق، وقيل: النفس، قاله في»العمدة«. وقال التوربشيّ: قوله: و«أعراضكم»؛ أي: أنفسكم وأحسابكم، فإن العِرض يقال للنفس، وللحسب، يقال: فلانٌ نَقِيُّ العِرْض؛ أي: بريء أن يُشتم، أو يُعاب، والعِرض: رائحة الجسد، وغيره، طيّبة كانت أو خبيثة. انتهى. وقال في«شرح السُّنّة»: لو كان المراد من العرض النفوس لكان تكرارًا؛ لأن ذكر الدماء كافٍ؛ إذ المراد به النفوس. قال الطيبيّ: الظاهر أنه أراد بالأعراض الأخلاق النفسانيّة، والكلام فيه يحتاج إلى فضلِ تأمَّل، فالمراد بالعرض هنا: الخُلُقُ كما سبق، وفي قول الحماسيّ [من الطويل]: إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَدْنَسْ مِنَ اللَّوْمِ عِرْضُهُ … فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيلُ وفي قول أبي ضمضم: اللهمّ إني تصدّقت بعرضي على عبادك ما يرجع عليه عيبه، والتحقيق ما ذكره صاحب «النهاية»: العرض موضع المدح والذّمّ من الإنسان، سواء كان في نفسه، أو في سلفه، ولَمّا كان موضع العِرض النفس قال من قال: العرض النفس؛ إطلاقًا للمحلّ على الحالّ، وحين كان المدح نسبة الشخص إلى الأخلاق الحميدة، والذمّ نسبته إلى الذميمة، سواء كانت فيه، أو لا قال من قال: العِرض الْخُلُق؛ إطلاقًا لاسم اللازم على الملزوم. انتهى قول الطيبيّ - ﵀ - . (حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ) قال القرطبيّ - ﵀ -: أي: ستوقفون في موقف العَرض موقف مَن لَقِي، فحَبَس حتَّى تُعْرَض عليه أعماله، فيُسأل عنها، وهذا إخبارٌ بمقام عظيم، وأمر هائل، لا يُقْدَرُ قدرُه، ولا يُتصوَّر هوله، أصبح الناس عن التذكر فيه معرضين، وعن الاستعداد له متشاغلين، فالأمر كما قال في كتابه المكنون: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ [ص: ٦٧، ٦٨]، فنسأل الله تعالى من فضله أن يوقظنا من رقدتنا، وينبهنا من غفلتنا، ويجعلنا ممن استعدَّ للقائه، وكُفِي فواجِئَ نِقْمَه وبلائه. انتهى . (فَلَا تَرْجِعُنَّ) قال ابن مالك - ﵀ -: رجع هنا استُعمل كصار معنى وعملًا؛ أي: لا تصيرُنَّ بعدي كفَّارًا، ومنه قول الشاعر [من البسيط]: قَدْ يَرْجِعُ الْمَرْءُ بَعْدَ الْمَقْتِ ذَا مِقَةٍ … بِالْحِلْمِ فَادْرَأْ بِهِ بَغْضَاءَ ذِي إِحَنْ (بَعْدِي)؛ أي: بعد موتي، أو بعد مقامي هذا، (كُفَّارًا - أَوْ ضُلَّالًا) «أو» للشكّ من الراوي، و«الضلّال» بضم الضاد المعجمة، وتشديد اللام: جمع ضالّ، كالكفّار: جمع كافر، كما قال في «الخلاصة»: وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامًا نَدَرَا قال الجامع عفا الله عنه: تقدَّم في «كتاب الإيمان» في شرح حديث جرير بن عبد الله - ﵁ -[٣١/ ٢٣٠] (٦٥) بيان ما قيل في قوله - ﷺ -: «فلا ترجعنّ بعدي كفّارًا. . . إلخ»، وهي عشرة أقوال، فراجعها تستفد . وأقرب الأقوال عندي قول من قال: لا تفعلوا فعل الكفّار؛ لأنهم الذين يقتل بعضهم بعضًا، أما المسلم فواجبه أن ينصر أخاه المسلم، فإذا ترك ذلك، وقاتَله فقد فَعل فِعل الكفّار، والله تعالى أعلم. (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) بجزم «يضرب» على أنه جواب النهي، وبرفعه على الاستئناف، أو يُجعَل حالًا، فعلى الأول يَقْوَى الحمل على الكفر الحقيقيّ، ويُحتاج إلى التأويل بالمستحلّ مثلًا، وعلى الثاني لا يكون متعلقًا بما قبله، ويَحْتَمِل أن يكون متعلقًا، وجوابه ما تقدم، قاله في «الفتح» . وقال الطيبيّ - ﵀ - بعد ذكر جواز الوجهين: أقول: على الرفع جملة مستأنفة مبيِّنة لقوله: «فلا ترجعنّ بعدي ضُلَّالًا»، فينبغي أن يُحمل على العموم، وأن يقال: لا يظلم بعضكم بعضًا، فلا تسفكوا دماءكم، ولا تهتكوا أعراضكم، ولا تستبيحوا أموالكم، ونحوه - أي: في إطلاق الخاصّ، وإرادة العامّ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية [النساء: ١٠]. انتهى . قال النوويّ - ﵀ -: لا حجة فيه لمن يقول بالتكفير بالمعاصي، بل المراد به: كفران النِّعم، أو هو محمول على من استحلّ قتال المسلمين بلا شبهة. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: بهذا وأشباهه كَفّر الخوارج عليًّا، ومعاوية، وأصحابهما، وهذا إنما صدر عنهم؛ لأنَّهم سمعوا الأحاديث ولم يُحِطْ بها فهمهم، كما قرؤوا القرآن، ولم يجاوز تراقيهم، فكأنهم ما قرؤوا قول الله - ﷿ -: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]، فأبقى عليهم اسم الإيمان وأخوّته، مع أنهم قد تقاتلوا، وبغت إحداهما على الأخرى، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦]، والقتل ليس بشرك بالاتفاق والضرورة، وكأنهم لم يسمعوا قول رسول الله - ﷺ -: «تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارةٌ له»، وقد تقدم هذا المعنى في «كتاب الإيمان». وإنَّما يُحْمَل الحديث على التشبيه تغليظًا؛ وذلك: أن المسلمين إذا تحاجزوا، وتقاتلوا؛ فقد ضلَّت الطائفة الباغية منهما، أو كلاهما إن كانتا باغيتين عن الحق، وكفرت حقّ الأخرى وحرَّمتها، وقد تشبَّهوا بالكفار، وكأنه - ﷺ - اطَّلع على ما يكون في أمَّته من الْمِحَن والفتن، فحذَّر من ذلك، وغلَّظه بذلًا للنصيحة، ومبالغة في الشفقة. انتهى . (أَلَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ)؛ أي: الحاضر في هذا المجلس (الْغَائِبَ)؛ أي: الذي غاب عنه، والمراد: إما تبليغ الخطبة المذكورة، أو تبليغ جميع الأحكام، (فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ) بضمّ أوله، وتشديد اللام، مبنيًّا للمفعول، (يَكُونُ أَوْعَى)؛ أي: أحفظ، من الوعي، وهو الحفظ والفهم . (لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ»)«من»صلة لأفعل التفضيل، وجاز الفصل بينهما؛ لِأنْ يُتوسّع في الظرف، وأيضًا فليس الفاصل أجنبيًّا. ووقع في رواية:«فربّ مُبَلَّغٍ أوعى من سامع»، والْمُبَلَّغ - بفتح اللام - أي: رب شخص بَلَغَه كلامي، فكان أحفظ له، وأفهم لمعناه من الذي نقله له، قال المهلَّب - ﵀ -: فيه أنه يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدمه، إلا أن ذلك يكون في الأقل؛ لأن«رُبّ»موضوعة للتقليل. قال الحافظ: هي في الأصل كذلك، إلا أنها استُعملت في التكثير بحيث غلبت على الاستعمال الأول، لكن يؤيد أن التقليل هنا مرادٌ أنه وقع في رواية أخرى:«عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه». انتهى . (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - (أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟») قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا استفهام على جهة التقرير؛ أي: قد بلّغتكم ما أُمرت بتبليغه لكم، فلا عُذر لكم؛ إذ لم يقع مني تقصير في التبليغ. ويَحْتَمِل: أن يكون على جهة استعلام ما عندهم، واستنطاقهم بذلك، كما تقدَّم في حديث جابر - ﵁ -، حيث ذكر خطبته - ﷺ - بعرفة، فقال: «وأنتم تسألون عنِّي، فما أنتم قائلون؟»، قالوا: نشهد: أنك قد بلَّغت، وأَدَّيت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء، ويَنْكُبُها إلى الناس: «اللهم! اشهد - ثلاث مرات -». انتهى . وقوله: (قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ) هو يحيى شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِ: «وَرَجَبُ مُضَرَ»، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي») هذا كلّه بيان لاختلاف شيخيه: أبي بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن حبيب في بعض ألفاظ المتن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بكرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٤٣٧٥ و٤٣٧٦ و٤٣٧٧ و٤٣٧٨] (١٦٧٩)، و(البخاريّ) في «العلم» (٦٧ و١٠٥) و«الحجّ» (١٧٤١) و«بدء الخلق» (٣١٩٧) و«المغازي» (٤٤٠٦) و«التفسير» (٤٦٦٢) و«الأضاحي» (٥٥٥٠) و«الفتن» (٧٠٧٨) و«التوحيد» (٧٤٤٧)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٩٤٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٦٩)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (٢٣٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٧ و٣٩ و٤٥ و٤٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٩٥٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٨٤٨ و٥٩٧٣ و٥٩٧٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٠٣)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ١٩٦)، و(البزّار) في «مسنده» (٩/ ٨٥ و١٢/ ٢٩٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٤٠ و١٦٥ و١٦٦) و«المعرفة» (٤/ ١٥٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (١٩٦٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحث على تبليغ العلم، قال النوويّ - ﵀ -: فيه وجوب تبليغ العلم، وهو فرض كفاية، فيجب تبليغه بحيث ينتشر، وقال القرطبيّ - ﵀ -: فيه الأمر بتبليغ العلم، ونَشْره، وهو فرضٌ من فروض الكفايات. انتهى. ٢ - (ومنها): جواز التحمل قبل كمال الأهلية، وأن الفهم ليس شرطًا في الأداء. ٣ - (ومنها): أنه قد يأتي في الآخِر من يكون أفهم ممن تقدَّمه، لكن بقلّة؛ لقوله: «ربّ مبلَّغ. . . إلخ». ٤ - (ومنها): أنه استنبط ابن الْمُنِّير - ﵀ - من تعليل كون المتأخِّر أرجح نظرًا من المتقدِّم أن تفسير الراوي أرجح من تفسير غيره. ٥ - (ومنها): تأكيد التحريم، وتغليظه بأبلغ ممكن من تكرار ونحوه. ٦ - (ومنها): مشروعية ضرب المَثَل، وإلحاق النظير بالنظير؛ ليكون أوضح للسامع، وإنما شبَّه - ﷺ - حرمة الدم، والعرض، والمال بحرمة اليوم، والشهر، والبلد؛ لأن المخاطَبين بذلك كانوا لا يرون تلك الأشياء، ولا يرون هتك حرمتها، ويعيبون على من فعل ذلك أشد العيب، وإنما قدم السؤال عنها تذكارًا لحرمتها، وتقريرًا لِمَا ثبت في نفوسهم ليبني عليه ما أراد تقريره على سبيل التأكيد، قاله في «الفتح» . ٧ - (ومنها): جواز القعود على ظهر الدواب، وهي واقفة إذا احتيج إلى ذلك، وحُمِل النهي الوارد في ذلك على ما إذا كان لغير ضرورة. ٨ - (ومنها): استحباب الخطبة على موضع عال؛ ليكون أبلغ في إسماعه للناس، ورؤيتهم إياه. ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبي من أن قوله - ﷺ -: «فلعل بعض من يبلَّغه. . . إلخ»: فيه حجة على جواز أخذ العلم والحديث عمَّن لا يفقه ما ينقل؛ إذا أدَّاه كما سمعه، وهذا كما قال - ﷺ - فيما خرَّجه الترمذي: «نضَّر الله امرءًا سمع منَّا حديثًا فبلَّغه غيره كما سمعه، فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه»، فأمَّا نقلُ الحديث بالمعنى، فمن جوَّزه إنَّما جوَّزه من الفقيه العالم بمواقع الألفاظ، ومن أهل العلم من مَنع ذلك مطلقًا، وقد تقدَّم ذلك. انتهى. ١٠ - (ومنها): ما قال القرطبيّ - ﵀ -: وفيه حجَّة على أن المتأخر قد يَفْهَم من الكتاب والسُّنّة ما لم يخطر للمتقدم؛ فإن الفهم فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن هذا يندر ويَقِلّ، فأين البحر من الوَشَل ، والعَلُّ من العَلَلِ؟ ليس التكحُّل في العينين كالكَحَل. انتهى . ١١ - (ومنها): أن العالم يجب عليه تبليغ عِلمه لمن لم يبلغه، وتفهيمه لمن لم يفهمه، وهذا هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على العلماء بقوله - ﷿ -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٧]. ١٢ - (ومنها): أن من كان حافظًا للعلم غير عالم بمعناه محسوب في زمرة أهل العلم. ١٣ - (ومنها): استحباب الخطبة يوم النحر لقول أبي بكرة - ﵁ -: «خطبنا النبيّ - ﷺ - يوم النحر. . .»، وفيه ردّ على من قال: إنها لا تُشرع، وقد تقدَّم البحث في هذا مستوفًى في «كتاب الحجّ»، ولله الحمد والمنّة. ١٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: وقد أجمع المسلمون على أن الأشهر الحرم الأربعة، هي هذه المذكورة في الحديث، ولكن اختلفوا في الأدب المستحبّ في كيفية عَدِّها، فقالت طائفة من أهل الكوفة، وأهل الأدب: يقال: المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة؛ لتكون الأربعة من سنة واحدة، وقال علماء المدينة، والبصرة، وجماهير العلماء: هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، ثلاثة سردٌ، وواحد فردٌ، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، منها هذا الحديث الذي نحن فيه، وعلى هذا الاستعمال أطبق الناس من الطوائف كلها. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٧٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَخَذَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ، فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَليْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟»، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟»، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ -: حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ بِالْبَلْدَةِ؟»، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ»، قَالَ: ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَذَبَحَهُمَا، وَإِلَى جُزَيْعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ، فَقَسَمَهَا بَيْنَنَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنِ) بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ) أراد به يوم النحر، كما بيّنه في الرواية الثالثة، بقوله: «خطبنا رسول الله - ﷺ - يوم النحر». وقوله: (قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ) بفتح الموحّدة، وبعض العرب يكسرها، وهو الجمل، ويُطلق على الأنثى أيضًا. وقوله: (وَأَخَذَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ) ووقع في رواية للبخاريّ: «وأمسك إنسان بخطامه، أو بزمامه» على الشكّ، قال في «الفتح»: الشك من الراوي، والزمام، والخطام بمعنى، وهو الخيط الذي تُشَدّ فيه الحلقة التي تُسَمَّى بِالْبُرَة - بضم الموحدة، وتخفيف الراء المفتوحة - في أنف البعير. وهذا المُمْسِك سمّاه بعض الشراح بلالًا - ﵁ -، واستَنَد إلى ما رواه النسائيّ من طريق أم الحصين - ﵂ -، قالت: حججت، فرأيت بلالًا يقود بخطام راحلة النبيّ - ﷺ -. انتهى. وقد وقع في «السنن» من حديث عمرو بن خارجة - ﵁ - قال: كنت آخذًا بزمام ناقة النبيّ - ﷺ -. انتهى، فذكر بعض الخطبة، فهو أولى أن يفسَّر به المبهَم من بلال، لكن الصواب أنه هنا أبو بكرة، فقد ثبت ذلك في رواية الإسماعيليّ، من طريق ابن المبارك، عن ابن عون، ولفظه: «خطب رسول الله - ﷺ - على راحلته يوم النحر، وأمسكتُ، إما قال: بخطامها، وإما قال: بزمامها»، واستفدنا من هذا أن الشك ممن دون أبي بكرة، لا منه، وفائدة إمساك الخطام صون البعير عن الاضطراب، حتى لا يشوّش على راكبه. انتهى . وقوله: (قَالَ: ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَذَبَحَهُمَا، وَإِلَى جُزَيْعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ، فَقَسَمَهَا بَيْنَنَا). قال النوويّ - ﵀ -: قوله: (انكفأ) بهمز آخره؛ أي: انقلب، والأملح هو الذي فيه بياض وسواد، والبياض أكثر. وقوله: (جزيعة) بضم الجيم، وفتح الزاي، ورواه بعضهم: جَزِيعة بفتح الجيم، وكسر الزاي، وكلاهما صحيح، والأول هو المشهور في رواية المحدِّثين، وهو الذي ضبطه الجوهريّ وغيره من أهل اللغة، وهي القطعة من الغنم، تصغير جِزْعة، بكسر الجيم، وهي القليل من الشيء، يقال: جَزَعَ له من ماله؛ أي: قطع، وبالثاني ضبطه ابن فارس في «المجمل»، قال: وهي القطعة من الغنم، وكأنها فَعِيلة بمعنى مفعولة، كضَفِيرة بمعنى مضفورة. قال القاضي عياض: قال الدارقطنيّ: قوله: «ثم انكفأ» إلى آخر الحديث وَهَمٌ من ابن عون فيما قيل، وإنما رواه ابن سيرين، عن أنس، فأدرجه ابن عون هنا في هذا الحديث، فرواه عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -، قال القاضي: وقد رَوَى البخاريّ هذا الحديث عن ابن عون، فلم يَذكر فيه هذا الكلام، فلعله تركه عمدًا، وقد رواه أيوب، وقُرّة، عن ابن سيرين في كتاب مسلم في هذا الباب، ولم يذكروا فيه هذه الزيادة، قال القاضي: والأشبه أن هذه الزيادة إنما هي في حديث آخر في خطبة عيد الأضحى، فوَهِم فيها الراوي، فذَكَرها مضمومة إلى خُطبة الحَجة، أو هما حديثان ضمّ أحدهما إلى الآخر. وقد ذكر مسلم هذا بعد هذا في «كتاب الضحايا» من حديث أيوب، وهشام، عن ابن سيرين، عن أنس، أن النبيّ - ﷺ - صلى، ثم خطب، فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد، ثم قال في آخر الحديث: «فانكفأ رسول الله - ﷺ - إلى كبشين أملحين، فذبحهما، فقام الناس إلى غُنيمة، فتوزّعوها»، فهذا هو الصحيح، وهو دافع للإشكال. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه دون قوله: «ثم انكفأ. . . إلخ»، كما سمعته آنفًا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، جَلَسَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى بَعِيرٍ - قَالَ -: وَرَجُلٌ آخِذٌ بِزِمَامِهِ - أَوْ قَالَ بِخِطَامِهِ - فَذَكَر نَحْوَ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ) التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٢) (ع) تقدم في «الصلاة» ٥١/ ١١٤٠. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَكَر نَحْوَ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير حمّاد بن مسعدة. [تنبيه]: رواية حمّاد بن مسعدة، عن ابن عون هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٣٧٨] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ، هُوَ فِي نَفْسِي أَفْضَلُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، بِإِسْنَادِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ - وَسَمَّى الرَّجُلَ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ: «وَأعْرَاضَكُمْ»، وَلَا يَذْكُرُ: ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ، وَمَا بَعْدَهُ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: «كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا، هَلْ بَلَّغْتُ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوق فاضلٌ، ربما وَهِم [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريبًا. ٣ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ) هو: محمد بن عمرو بن عبّاد بن جَبَلَةَ بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٣٤) (م د) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٤٨. ٥ - (أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش البغداديّ، أبو جعفر، صدوقٌ [١١] (٢٤٢) (م ت) تقدم في «الإيمان» ٤٢/ ٢٨٠. ٦ - (أبو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) القيسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. ٧ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْحِمْيَريّ البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ع) تقدم في «المقدمة» جـ ٢ ص ٤٩١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ، هُوَ فِي نَفْسِي أَفْضَلُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) الرجل هو: حميد بن عبد الرحمن الحميريّ، كما في الرواية التالية، وإنما كان عند ابن سيرين أفضل من عبد الرحمن بن أبي بكرة؛ لأنه دخل في الولايات، وكان حميد زاهدًا، قاله في «الفتح» . وقوله: (وَسَمَّى الرَّجُلَ. . . إلخ) فاعل «سَمَّى» ضمير لأبي عامر عبد الملك بن عمرو. وقوله: (وَسَاقُوا الْحَدِيثَ. . . إلخ) هكذا النُّسخ، والظاهر أن الصواب أن يقول: «وساق الحديث» بإفراد الضمير، وهو ضمير قُرّة، وكذا الضمير في «لم يذكر» في الموضعين بعده، وإنما جزمت بالتصويب؛ لأنه هكذا وقع بالإفراد في «مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم» (٤/ ١٠٣ - ١٠٤). ويمكن أن يكون لِمَا هنا وجه أيضًا، وهو أن الواو ضمير شيوخه الثلاثة: محمد بن حاتم، ومحمد بن عمرو، وأحمد بن خِراش، ولكن لا بعده، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ) في الموضعين الظاهر أن الفاعل ضمير قُرّة، وكذا قوله الآتي: «وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ. . . إلخ»، والله تعالى أعلم. وقوله: (اللَّهُمَّ اشْهَدْ) إنما قال ذلك؛ لأنه كان فرضًا عليه أن يبلِّغ، فأشهد الله على أنه أَدَّى ما أوجبه عليه، والله تعالى أعلم. وقوله: (إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ) بفتح «يومَ» وكسره مع التنوين وعدمه، وترك التنوين مع الكسر هو الذي ثبتت به الرواية، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: وإنما جاز في «يوم» الوجهان؛ لأنه أضيف إلى جملة فعليّة، فِعلها معرَّب، فجاز فيه الوجهان على الأصحّ، كما أشار إليه ابن مالك في «الخلاصة»: وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَـ «إِذْ» قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان، عن قرّة بن خالد، عن محمد بن سيرين، ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٦٦٦٧) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، حدّثنا قُرّة بن خالد، حدّثنا ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة، وعن رجل آخر، هو أفضل في نفسي من عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة: أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس، فقال: «ألا تدرون أيُّ يوم هذا؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس بيوم النحر؟»، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «أيّ بلد هذا؟ أليست بالبلدة؟»، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، وأبشاركم ، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟»، قلنا: نعم، قال: «اللهم اشهد، فليبلغ الشاهدُ الغائبَ، فإنه ربّ مُبَلَّغ يبلِّغه من هو أوعى له»، فكان كذلك ، قال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض». فلما كان يومُ حُرِّقَ ابنُ الحضرميّ حين حرَّقه جارية بن قدامة، قال: أَشْرِفوا على أبي بكرة ، فقالوا: هذا أبو بكرة يراك ، قال عبد الرحمن: فحدثتني أمي ، عن أبي بكرة، أنه قال: لو دخلوا عليّ ما بَهِشتُ بِقَصَبَةٍ . انتهى .
مصادر المؤلف (٥٥)

١. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٢/ ٢٨٥.

٢. «مسند البزار» ٥/ ١٠٠.

٣. وفي نسخة:«فلا ترجعنّ بعدي ضُلّالًا».

٤. «غرر الفوائد المجموعة» ١/ ٥٠.

٥. «الفتح» ٧/ ٤٩٨، كتاب «بدء الخلق» رقم (٣١٩٧)، و١٠/ ١٧٦، كتاب «التفسير» رقم (٤٦٦٢).

٦. «شرح النوويّ» ١١/ ١٦٨ - ١٦٩.

٧. «المفهم» ٥/ ٤٣ - ٤٤.

٨. راجع: «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ٢٠١٤.

٩. يقال: فوضى فضًا؛ أي: سواء بينهم، وأمرهم فضًا بينهم؛ أي: لا أمير عليهم.

١٠. أي: من غَلَب أخذ السَّلَب.

١١. «المفهم» ٥/ ٤٤ - ٤٦.

١٢. «الفتح» ١٠/ ١٧٦ رقم (٤٦٦٢).

١٣. «الفتح» ١٠/ ١٧٦، كتاب «التفسير» رقم (٤٦٦٢).

١٤. «شرح النوويّ» ١١/ ١٦٨.

١٥. «المفهم» ٥/ ٤٧.

١٦. راجع: «الأعلام» ٣/ ١٧٨٢.

١٧. «الفتح»١٠/ ١٧٦ - ١٧٧ رقم (٤٦٦٢).

١٨. «شرح النوويّ»١١/ ١٦٩.

١٩. «المفهم»٥/ ٤٧.

٢٠. «الفتح» ١/ ٢٨١، كتاب «العلم» رقم (٦٧).

٢١. السديف: لحم السنام.

٢٢. راجع: «شواهد التوضيح» ص ٣٥.

٢٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ٢٠١٥، و«الفتح» ٤/ ٧٠١ رقم (١٧٣٩).

٢٤. راجع: «الفتح» ١/ ٢٨١ - ٢٨٢، كتاب «العلم» رقم (٦٧).

٢٥. «الفتح»٤/ ٦٩٩، كتاب«الحجّ»رقم (١٧٤١).

٢٦. «عمدة القاري»٢/ ٥٥.

٢٧. من باب فَرِحَ.

٢٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ٢٠١٥ - ٢٠١٦.

٢٩. «المفهم» ٥/ ٤٨.

٣٠. وفي نسخة: «فلا ترجعنّ بعدي ضُلَّالًا».

٣١. راجع: ٢/ ٤٤٧ من هذا الشرح.

٣٢. «الفتح» ١٦/ ٤٤٧، كتاب «الفتن» رقم (٧٠٧٨).

٣٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ٢٠١٦.

٣٤. «شرح النوويّ»١١/ ١٦٩.

٣٥. «المفهم»٥/ ٤٨ - ٤٩.

٣٦. «عمدة القاري»٢/ ٥٥.

٣٧. «الفتح» ٤/ ٧٠١، كتاب «الحجّ» رقم (١٧٣٩).

٣٨. «المفهم» ٥/ ٤٩ - ٥٠.

٣٩. «الفتح» ٤/ ٧٠١ رقم (١٧٣٩).

٤٠. «الوشل»: الماء القليل يتحلّب من جبل، أو صخرة، يقطر منه قليلًا، لا يتّصل قطره.

٤١. «المفهم» ٥/ ٤٩.

٤٢. «شرح النوويّ» ١١/ ١٦٨.

٤٣. «الفتح»١/ ٢٨٠، كتاب «العلم» رقم (٦٧).

٤٤. «شرح النوويّ» ١١/ ١٧٠ - ١٧٢.

٤٥. «الفتح» ٤/ ٧٠٠، كتاب «الحجّ» رقم (١٧٤١).

٤٦. «الفتح» ٤/ ٧٠١، كتاب «الحجّ» رقم (١٧٤١).

٤٧. قوله: «رجل آخر» هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف.

٤٨. (أبشاركم) جمع بشرة وهي ظاهر الجلد من الإنسان.

٤٩. (فكان كذلك) من كلام محمد بن سيرين؛ أي: وقع ما قاله - ﷺ -، فقد بلّغ كثيرون غيرهم، وكان المبلَّغون أحفظ وأكثر فهمًا من المبلِّغين.

٥٠. (ابن الحضرمي) هو: عبد الله بن عمرو بن الحضرمي. وكان معاوية - ﵁ - أرسل ابن الحضرمي يستنصر أهل البصرة على علي - ﵃ -، فوجّه علي - ﵁ - جارية بن قدامة فحصره، فتحصَّن ابن الحضرمي في دار فأحرقها عليه. وكان هذا سنة ثمان وثلاثين. راجع: «الفتح» ١٦/ ٤٧٣، كتاب «الفتن» رقم (٧٠٧٨).

٥١. (أشرفوا على أبي بكرة) ليروا هل هو منقاد لعلي - ﵁ - أم لا؟ وكان أبو بكرة - ﵁ - يسكن البصرة.

٥٢. (يراك) وما صنعت بابن الحضرمي؛ أي: ولم يُنكر عليك بكلام ولا بسلاح.

٥٣. (أمي) هالة بنت غليظ العجلية - ﵂ -.

٥٤. (ما بهشت بقصبة) بفتح الهاء، وقيل: بفتحها؛ أي: ما دفعتهم بها، قال ذلك حين سمعهم قالوا ما قالوا؛ لأنه - ﵁ - كان يكره الفتنة بين المسلمين، ولا يرى التحرك إليها مع إحدى الطائفتين، بل يُؤْثِر العزلة في هذا.

٥٥. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٥٩٣.