HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٨٧

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب. قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قال رسول الله ﷺ (لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ. يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ. ويسرق الحبل فتقطع يده).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص113
ج ٣ ص ١٣١٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٣٨٦
دراهم». انتهى . وأما رواية ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، فقد ساقها أبو داود - ﵀ - في«سننه»، فقال: (٤٣٨٦) - حدّثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، أن نافعًا مولى عبد الله بن عمر حدّثه، أن عبد الله بن عمر حدّثهم:«أن النبيّ - ﷺ - قَطَعَ يد رجل سَرَقَ تُرْسًا من صُفَّة النساء، ثمنه ثلاثة دراهم». انتهى . وأما رواية حنظلة بن أبي سفيان، وعبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، وأسامة بن زيد الليثيّ، أربعتهم عن نافع، فقد ساقها أبو عوانة - ﵀ - في«مسنده»، لكنه أبهم عبيد الله، فقال: (٦٢٢٩) - حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبا ابن وهب، قال: أخبرني حنظلة بن أبي سفيان، ومالك بن أنس، وأسامة بن زيد، وغيرهم، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال:«قطع رسول الله - ﷺ - في مِجَنّ، قيمته ثلاثة دراهم». انتهى . قال أبو عبد الرحمن: هذا الصواب ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٠٠] (١٦٨٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:«لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا. ٢ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٤. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ مَن رَوَى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَة - ﵁ -) وفي رواية البخاريّ من طريق حفص بن غِياث، عن الأعمش، قال: سمعت أبا صالح، فصرّح الأعمش بالسماع، قال في«الفتح»: في رواية محمد بن الحسين، عن أبي الحنين، عن عمر بن حفص، شيخ البخاري فيه:«سمعت أبا هريرة»، وكذا في رواية عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح: سمعت أبا هريرة، وقال ابن حزم: وقد سَلِم من تدليس الأعمش، قال الحافظ: ولم ينفرد به الأعمش، أخرجه أبو عوانة في«صحيحه»، من رواية أبي بكر بن عياش، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح. انتهى . (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:«لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ)؛ أي: طرده، الله تعالى، وأبعده من رحمته. قال الداوديّ - ﵀ -: هذا يَحْتَمِل أن يكون خبرًا؛ ليرتدع من سمعه عن السرقة، ويَحْتَمِل أن يكون دعاء. قال الحافظ: ويَحتمل أن لا يراد به حقيقة اللعن، بل للتنفير فقط. وقال الطيبيّ: لعل هنا المراد باللعن الإهانة، والخذلان؛ كأنه قيل لَمّا استعمل أعز شيء، في أحقر شيء: خذله الله حتى قطع. وقال القاضي عياض: جَوَّز بعضهم لعن المعيَّن، ما لم يُحَدَّ؛ لأن الحدّ كفارة، قال: وليس هذا بسديد؛ لثبوت النهي عن اللعن في الجملة، فحَمْله على المعيَّن أولى، وقد قيل: إن لعن النبيّ - ﷺ - لأهل المعاصي، كان تحذيرًا لهم عنها قبل وقوعها، فإذا فعلوها استغفر لهم، ودعا لهم بالتوبة، وأما من أغلظ له، ولعنه تأديبًا على فعلٍ فَعَله، فقد دخل في عموم شرطه، حيث قال: «سألت ربي أن يجعل لعني له كفارة ورحمة». قال الحافظ: هو مقيَّد بما إذا صدر في حق من ليس له بأهل، كما قيّد له بذلك في «صحيح مسلم». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ هو الحقّ؛ لِمَا في «صحيح مسلم» من طريق إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كانت عند أم سليم يتيمة - وهي أم أنس - فرأى رسول الله - ﷺ - اليتيمة، فقال: «آنت هيه؟ لقد كبرتِ، لا كَبِر سنّك»، فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: ما لكِ يا بنية؟ قالت الجارية: دعا عليّ نبيّ الله - ﷺ -، أن لا يكبر سني، فالآن لا يكبر سني أبدًا، أو قالت: قرني، فخرجت أم سليم، مستعجلة، تَلُوثُ خمارها حتى لقيت رسول الله - ﷺ -، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «ما لك يا أم سليم؟»، فقالت: يا نبي الله، أدعوت على يتيمتي؟ قال: «وما ذاكِ يا أم سليم؟»، قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها، ولا يكبر قرنها، قال: فضحك رسول الله - ﷺ -، ثم قال: «يا أم سليم، أما تعلمين أن شرطي على ربي، أني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر أَرْضَى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيّما أحد دعوت عليه، من أمتي بدعوة، ليس لها بأهل، أن يجعلها له طَهُورًا، وزكاة، وقربة يُقَرِّبه بها منه يوم القيامة». فقد تبيّن بهذا أن لعنه - ﷺ - إنما يكون كفارة ورحمة، إذا كان الملعون لا يستحقّه، وإلا فلا. والله تعالى أعلم. (يَسْرِقُ) بكسر الراء، من باب ضرب، (الْبَيْضَةَ) بفتح الموحّدة، وسكون التحتانيّة؛ أي: بيضة الدجاجة، (فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ) بفتح، فسكون (فَتُقْطَعُ يَدُهُ») هذا مَثَلٌ لتقليل مسروقه بالنظر إلى يده المقطوعة، فكأنه كالبيضة، والحبل، مما لا قيمة له، وقيل: المراد أنه يسرق البيضة، والحبل أوّلًا، ثم يجترئ إلى أن تُقطع يده. وقيل: المراد بالبيضة بيضة الحديد، وبالحبل حبل السفينة، وكلّ واحد منهما له قيمة، ولا يخفى أنه لا يناسب سياق الحديث، فإنه مسوقٌ لتحقير مسروقه، وتعظيم عقوبته. قال البخاريّ في«صحيحه»- بعد أن أخرج الحديث -: قال الأعمش: كانوا يَرون أنه بيض الحديد، والحبلُ كانوا يرون أنه منها ما يُساوي دراهم. انتهى. قال في«الفتح»: قوله:«كانوا يَرون» بفتح أوله، من الرأي، وبضمه من الظن. قال الخطابي: تأويل الأعمش هذا، غير مطابق لمذهب الحديث، ومَخْرَج الكلام فيه، وذلك أنه ليس بالشائع في الكلام، أن يقال في مثل ما ورد فيه الحديث، من اللوم، والتثريب: أخزى الله فلانًا، عَرَّض نفسه للتلف في مال له قدر ومزيّة، وفي عَرَض له قيمة، إنما يُضرب المثل في مثله بالشيء الذي لا وزن له، ولا قيمة، هذا حُكم العرف الجاري في مثله، وإنما وَجْه الحديث، وتأويله ذم السرقة، وتهجين أمرها، وتحذير سُوء مَغَبَّتها فيما قَلَّ، وكَثُر من المال؛ كأنه يقول: إن سرقة الشيء اليسير، الذي لا قيمة له؛ كالبيضة الْمَذِرَة، والحبل الخَلَق، الذي لا قيمة له، إذا تعاطاه، فاستمرت به العادة، لم ييأس أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقها، حتى يبلغ قدر ما تُقطع فيه اليد، فتقطع يده؛ كأنه يقول: فليحذر هذا الفعل، وليتوَقّه، قبل أن تملكه العادة، ويَمْرَن عليها؛ لِيَسْلَم من سوء مغبته، ووَخِيم عاقبته. وسبق الخطابي إلى ذلك أبو محمد بن قتيبة، فيما حكاه ابن بطال، فقال: احتج الخوارج بهذا الحديث، على أن القطع يجب في قليل الأشياء وكثيرها، ولا حجة لهم فيه، وذلك أن الآية لَمّا نزلت قال - ﷺ - ذلك على ظاهر ما نزل، ثم أعلمه الله أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار، فكان بيانًا لِمَا أُجمل، فوجب المصير إليه، قال: وأما قول الأعمش: إن البيضة في هذا الحديث بيضة الحديد، التي تُجعل في الرأس في الحرب، وأن الحبل من حبال السفن، فهذا تأويل بعيد، لا يجوز عند من يَعرف صحيح كلام العرب؛ لأن كل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة، وهذا ليس موضع تكثير لِمَا سرقه السارق، ولأن من عادة العرب والعجم، أن يقولوا: قَبَّح الله فلانًا، عَرَّض نفسه للضرب في عقد جوهر، وتعرَّض للعقوبة بالغَلول في جراب مِسْك، وإنما العادة في مثل هذا، أن يقال: لعنه الله، تعرّض لقطع اليد في حبل رَثٍّ، أو في كُبَّة شعر، أو رداء خَلَقٍ، وكل ما كان نحو ذلك كان أبلغ. انتهى. قال الحافظ: ورأيته في غريب الحديث لابن قتيبة، وفيه: حضرتُ يحيى بن أكثم بمكة، قال: فرأيته يذهب إلى هذا التأويل، ويَعجَب به، ويبدئ ويعيد، قال: وهذا لا يجوز، فذكره. وقد تعقبه أبو بكر ابن الأنباري، فقال: ليس الذي طَعَن به ابن قتيبة على تأويل الخبر بشيء؛ لأن البيضة من السلاح، ليست عَلَمًا في كثرة الثمن، ونهايةً في غلو القيمة، فتجري مجرى العقد من الجوهر، والجراب من المسك، اللذين ربما يساويان الألوف من الدنانير، بل البيضة من الحديد، ربما اشتُريت بأقل مما يجب فيه القطع، وإنما مراد الحديث: أن السارق يُعَرِّض قطع يده بما لا غنى له به؛ لأن البيضة من السلاح، لا يستغني بها أحد، وحاصله أن المراد بالخبر، أن السارق يسرق الجليل، فتُقطع يده، ويسرق الحقير، فتُقطع يده، فكأنه تعجيز له، وتضعيفٌ لاختياره؛ لكونه باع يده بقليل الثمن، وكثيره. وقال المازري: تأوّل بعض الناس البيضة في الحديث، ببيضة الحديد؛ لأنه يساوي نصاب القطع. وحَمَله بعضهم على المبالغة في التنبيه على عِظَم ما خَسِرَ، وحَقْر ما حَصّل، وأراد من جنس البيضة والحبل ما يبلغ النصاب. قال القرطبيّ: ونظير حَمْله على المبالغة، ما حُمل عليه قوله - ﷺ -: «من بنى لله مسجدًا، ولو كمَفْحَص قطاة»، فإن أحدَ ما قيل فيه: إنه أراد المبالغة في ذلك، وإلا فمن المعلوم أن مَفحَص القطاة، وهو قدر ما تَحضُن فيه بيضها، لا يُتصوَّر أن يكون مسجدًا، قال: ومنه: «تصدقن ولو بظلف مُحرَق»، وهو مما لا يُتصدق به، ومثله كثير في كلامهم. وقال عياض: لا ينبغي أن يُلتفت لِمَا وَرَد أن البيضة بيضة الحديد، والحبل حبل السفن؛ لأن مثل ذلك له قيمة وقَدْر، فإن سياق الكلام يقتضي ذَمّ من أخذ القليل، لا الكثير، والخبر إنما ورد لتعظيم ما جَنَى على نفسه، بما تقلّ به قيمته، لا بأكثر، والصواب تأويله على ما تقدم من تقليل أمره، وتهجين فعله، وأنه إن لم يُقطع في هذا القدر، جَرَّته عادته إلى ما هو أكثر منه. وأجاب بعض من انتصر لتأويل الأعمش، أن النبيّ - ﷺ - قاله عند نزول الآية مجملة، قبل بيان نصاب القطع. انتهى. وقد أخرج ابن أبي شيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ - ﵁ - أنه قَطَع يد سارق في بيضة حديد، ثمنها ربع دينار، ورجاله ثقات، مع انقطاعه، ولعل هذا مستند التأويل الذي أشار إليه الأعمش. وقال بعضهم: البيضة في اللغة تستعمل في المبالغة في المدح، وفي المبالغة في الذم، فمن الأَولى قولهم: فلان بيضة البلد، إذا كان فردًا في العَظَمة، وكذا في الاحتقار، ومنه قول أخت عمرو بن عبد وَدّ، لَمّا قَتَل عليّ أخاها، يوم الخندق، في مرثيتها له [من البسيط]: لَكِنَّ قَاتِلَهُ مَنْ لَا يُعَابُ بِهِ … مَنْ كَانَ يُدْعَى قَدِيمًا بَيْضَةَ الْبَلَدِ ومن الثاني قول الآخر، يَهْجُو قومًا [من البسيط أيضًا]: تَأْبَى قُضَاعَةُ أَنْ تُبْدِي لَكُمْ نَسَبَا … وَابْنَا نِزَارٍ فَأَنْتُمْ بَيْضَةُ الْبَلَدِ ويقال في المدح أيضًا: بيضة القوم؛ أي: وسطهم، وبيضة السنام؛ أي: شَحْمته، فلما كانت البيضة تُستعمل في كل من الأمرين، حَسُنَ التمثيل بها؛ كأنه قال: يسرق الجليل، والحقير، فيقطع، فرُبَّ أنه عُذِر بالجليل، فلا عُذْر له بالحقير، وأما الحبل فأكثر ما يُستعمل في التحقير؛ كقولهم: ما ترك فلان عِقالًا، ولا ذهب من فلان عِقالٌ، فكأن المراد أنه إذا اعتاد السرقة، لم يتمالك مع غلبة العادة التمييز بين الجليل والحقير، وأيضًا فالعار الذي يلزمه بالقطع، لا يساوي ما حصل له، ولو كان جليلًا. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٤٠٠ و٤٤٠١] (١٦٨٧)، و(البخاريّ) في «الحدود» (٦٧٨٢ و٦٧٩٩)، و(النسائيّ) في «قطع السارق» (٨/ ٦٥) و«الكبرى» (٤/ ٣٢٧)، و(ابن ماجه) في «الحدود» (٢٥٨٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ٤٧٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٥٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٧٤٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١١٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٢٥٣) و«الصغرى» (٧/ ٢٧٤)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٥٩٧ و٢٥٩٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تعظيم شأن السرقة، ووَجْهُه أنه لو لم يكن شأنها عظيمًا، لَمَا استحقّ السارق اللعن. ٢ - (ومنها): جواز لعن غير المعيَّن، من العُصاة؛ لأنه لعن للجنس، لا لمعيّن، ولعن الجنس جائزٌ، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، وأما المعيّن، فلا يجوز لعنه. قال القاضي عياض: وأجاز بعضهم لعن المعيّن، ما لم يُحَدَّ، فإذا حُدّ لم يجز لعنه، فإن الحدود كفّارات لأهلها، قال القاضي: وهذا التأويل باطلٌ؛ للأحاديث الصحيحة في النهي عن اللعن، فيجب حمل النهي على المعيّن؛ ليُجمع بين الأحاديث. انتهى . وقال الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب لعن السارق إذا لم يُسمّ»، قال في «الفتح»: قوله: «لعن السارق إذا لم يُسَمَّ»؛ أي: إذا لم يعيَّن، إشارة إلى الجمع بين النهي عن لعن الشارب المعيَّن، كما مضى تقريره، وبين حديث الباب، قال ابن بطال : معناه: لا ينبغي تعيين أهل المعاصي، ومواجهتهم باللعن، وإنما ينبغي أن يُلعَن في الجملة من فعل ذلك؛ ليكون ردعًا لهم، وزجرًا عن انتهاك شيء منها، ولا يكون لمعين؛ لئلا يَقنَط، قال: فإن كان هذا مراد البخاريّ، فهو غير صحيح؛ لأنه إنما نَهَى عن لعن الشارب، وقال: «لا تُعينوا عليه الشيطان»، بعد إقامة الحد عليه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث لعن الشارب هو ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - أن رجلًا على عهد النبيّ - ﷺ -، كان اسمه عبد الله، وكان يُلَقّب حِمَارًا، وكان يُضحِكُ رسولَ الله - ﷺ -، وكان النبيّ - ﷺ -، قد جَلَده في الشراب، فأُتي به يومًا، فأَمر به، فَجُلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتَى به؟، فقال النبيّ - ﷺ -: «لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ، إنه يحب الله ورسوله» . وأخرج من حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: أُتي النبيّ - ﷺ - بسكران، فأَمر بضربه، فمنا من يضربه بيده، ومنا من يضربه بنعله، ومنا من يضربه بثوبه، فلما انصرف قال رجل: ما له أخزاه الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم». قال في «الفتح»: قوله: «باب ما يُكره من لعن شارب الخمر، وأنه ليس بخارج من الملة»، يشير إلى طريق الجمع بين ما تضمّنه حديث الباب من النهي عن لعنه، وما تضمّنه حديث الباب الأول: «لا يشرب الخمر، وهو مؤمن»، وأن المراد به نفي كمال الإيمان، لا أنه يخرج عن الإيمان جملة، وعَبّر بالكراهة هنا إشارة، إلى أن النهي للتنزيه، في حقّ من يستحقّ اللعن، إذا قصد به اللاعن محض السبّ، لا إذا قصد معناه الأصلي، وهو الابعاد عن رحمة الله، فأما إذا قَصَده، فيحرم، ولا سيما في حق من لا يستحق اللعن؛ كهذا الذي يحب الله ورسوله، ولا سيما مع إقامة الحد عليه، بل يندب الدعاء له بالتوبة والمغفرة، وبسبب هذا التفصيل عدل عن قوله، في الترجمة: كراهية لعن شارب الخمر إلى قوله: «ما يكره من لعن شارب الخمر»، فأشار بذلك إلى التفصيل، وعلى هذا التقرير، فلا حجة فيه لمنع لعن الفاسق المعيّن مطلقًا، وقيل: إن المنع خاص بما يقع في حضرة النبيّ - ﷺ -؛ لئلا يتوهم الشارب عند عدم الإنكار أنه مستحق لذلك، فربما أوقع الشيطان في قلبه ما يتمكن به من فَتْنه، وإلى ذلك الإشارة بقوله، في حديث أبي هريرة: «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم»، وقيل: المنع مطلقًا في حق من أقيم عليه الحد؛ لأن الحد قد كفّر عنه الذنب المذكور، وقيل: المنع مطلقًا في حق ذي الزَّلَّة، والجواز مطلقًا في حق المجاهرين، وصوّب ابن المنيّر أن المنع مطلقًا في حق المعيّن، والجواز في حق غير المعيّن؛ لأنه في حق غير المعيّن زجرٌ عن تعاطي ذلك الفعل، وفي حق المعيّن أَذّى له وسبّ، وقد ثبت النهي عن أذى المسلم، واحتج من أجاز لعن المعين، بأن النبيّ - ﷺ -، إنما لعن من يستحق اللعن، فيستوي المعين وغيره. وتُعقب بأنه إنما يستحق اللعن بوصف الإبهام، ولو كان لَعْنه قبل الحد جائزًا، لاستمر بعد الحد، كما لا يسقط التغريب بالجلد، وأيضًا فنصيب غير المعيّن من ذلك يسير جدًّا. والله أعلم. وقال النووي في «الأذكار»: وأما الدعاء على إنسان بعينه، ممن اتصف بشيء من المعاصي، فظاهر الحديث أنه لا يحرم، وأشار الغزالي إلى تحريمه، وقال في «باب الدعاء على الظلمة»، بعد أن أورد أحاديث صحيحة في الجواز، قال الغزالي: وفي معنى اللعن الدعاء على الإنسان بالسوء، حتى على الظالم، مثل: «لا أصح الله جسمه»، وكلّ ذلك مذموم. انتهى. قال الحافظ: والأَولى حمل كلام الغزالي على الأول، وأما الأحاديث، فتدل على الجواز كما ذكره النوويّ، في قوله - ﷺ - للذي قال: «كل بيمينك»، فقال: لا أستطيع، فقال: «لا استطعت»، فيه: دليل على جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعيّ، ومال هنا إلى الجواز قبل إقامة الحد، والمنع بعد إقامته، وصنيع البخاريّ يقتضي لعن المتَّصف بذلك، من غير أن يعيّن باسمه، فيجمع بين المصلحتين؛ لأن لعن المعيّن، والدعاء عليه، قد يحمله على التمادي، أو يُقَنِّطه من قبول التوبة، بخلاف ما إذا صُرف ذلك إلى المتصف، فإن فيه زجرًا وردعًا عن ارتكاب ذلك، وباعثًا لفاعله على الإقلاع عنه، ويقوّيه النهي عن التثريب على الأمة، إذا جُلِدت على الزنا. واحتج الإمام البلقيني على جواز لعن المعيّن بالحديث الوارد في المرأة، إذا دعاها زوجها إلى فراشه، فأبَتْ لعنتها الملائكة حتى تصبح، وهو في «الصحيح»، وقد توقف فيه بعضهم بأن اللاعن لها الملائكة، فيتوقف الاستدلال به على جواز التأسي بهم، وعلى التسليم فليس في الخبر تسميتها، قال الحافظ: ما قاله البلقينيّ أقوى، فإن المَلَك معصوم، والتأسي بالمعصوم مشروع، والبحث في جواز لعن المعيّن، وهو الموجود. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن قول من أجاز لعن غير المعيّن، ومَنَعَ لعن المعيّن هو الأقرب، وبه تجتمع الأدلّة، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ: «إِنْ سَرَقَ حَبْلًا، وَإِنْ سَرَقَ بَيْضَةً»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ) الضمير لعيسى بن يونس. [تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٠)

١. «صحيح ابن حبان»١٠/ ٣١٢.

٢. «سنن أبي داود»٤/ ١٣٦.

٣. «مسند أبي عوانة»- ٢ - ٤/ ١١٦.

٤. وإنما قال: هذا الصواب؛ لأنه ساقه في«الكبرى»قبل هذا بلفظ:«قطع رسول الله - ﷺ - في مجنّ قيمته خمسة دراهم»، فبيّن أن الصواب رواية:«ثلاثة دراهم»، لا خمسة، فتنبّه.

٥. «الفتح» ١٥/ ٥٤٦، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٨٣).

٦. «الفتح» ١٥/ ٥٤٧ - ٥٤٩ رقم (٦٧٨٣).

٧. «إكمال المعلم» ٥/ ٥٠٠.

٨. «شرح البخاريّ» لابن بطال ٨/ ٤٠١.

٩. تفرّد به البخاريّ.

١٠. «الفتح» ١٥/ ٥٣٧ - ٥٣٨، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٨٠).