HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٨٨

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحدثنا محمد بن رمح. أخبرنا الليث عن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ. فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فقالوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ. فقال رسول الله ﷺ (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟) ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ (أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ، تَرَكُوهُ. وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ. وَايْمُ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا). وَفِي حَدِيثِ رمح (إنما هلك الذين من قبلكم).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص114
ج ٣ ص ١٣١٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٣٩٦
(٢) - (بَابُ قَطْعِ السَّارِقِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٠٢] (١٦٨٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنَ عَائِشَةَ، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ الله - ﷺ -؟، فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ، إِلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ الله - ﷺ -؟، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟»، ثُمَّ قَامَ، فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». وَفِي حَدِيثِ ابْنِ رُمْحٍ: «إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الراوي عن خالته، وعروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنَ عَائِشَةَ) - ﵂ -، قال في «الفتح»: كذا قال الحفاظ من أصحاب ابن شهاب، عن عروة، وشَذّ عُمر بن قيس الماصر - بكسر المهملة - فقال: «ابن شهاب، عن عروة، عن أم سلمة»، فذكر حديث الباب سواءً، أخرجه أبو الشيخ في «كتاب السرقة»، والطبرانيّ، وقال: تفرّد به عُمر بن قيس - يعني: من حديث أم سلمة - قال الدارقطنيّ في «العلل»: الصواب رواية الجماعة. انتهى . (أَنَّ قُرَيْشًا)؛ أي: القبيلة المشهورة، قيل ة قُريش: هو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ، وقيل: قُريش هو: فِهْر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، نقله السُّهيليّ وغيره، والقول الثاني هو الأصحّ، وإن كان الأول قول الأكثرين، كما أشار إليه الحافظ العراقيّ - ﵀ - في «ألفية السيرة»: أَمَّا قُرَيْشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ … جَمَّاعُهَا وَالأَكْثَرُونَ النَّضْرُ وأصلُ القَرْش: الجمعُ، وتقرّشوا: إذا تجمّعوا، وبذلك سُمّيت قريشٌ، وقيل: قُريش دابّة تسكن البحر، وبه سُمّي الرجل، قال الشاعر [الخفيف]: وَقُرَيشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ … رَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا ويُنسب إلى قُريش بحذف الياء، فيقال: قُرَشيّ، وربّما نُسب إليه في الشعر من غير تغيير، فيقال: قُرَيشيّ . والمراد بهم هنا من أدرك القصة التي تُذكر بمكة . (أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ)؛ أي: أمرها المتعلق بالسرقة، وفي رواية للبخاريّ: «أهمّتهم المرأة»؛ أي، جَلَبَتْ إليهم هَمًّا، أو صَيَّرتهم ذوي هَمّ بسبب ما وقع منها، من السرقة، يقال: أهمّني الأمر؛ أي: أقلقني، وقد وقع في رواية مسعود بن الأسود: «لَمّا سرقت تلك المرأة أعظمنا ذلك، فأتينا رسول الله - ﷺ -»، ومسعود المذكور من بطن آخر من قريش، وهو من بني عديّ بن كعب، رَهْطِ عمر، وسبب إعظامهم ذلك خشية أن تُقْطَع يدُها؛ لِعِلْمهم أن النبيّ - ﷺ - لا يرخّص في الحدود، وكان قطع السارق معلومًا عندهم قبل الإسلام، ونزل القرآن بقطع السارق، فاستمرّ الحال فيه. وقد عقد ابن الكلبيّ بابًا لمن قَطَع في الجاهلية بسبب السرقة، فذكر قصّة الذين سرقوا غزال الكعبة، فقُطعوا في عهد عبد المطلب جدّ النبيّ - ﷺ -، وذَكَر من قَطَع في السرقة: عوف بن عبد بن عمرو بن مخزوم، ومقيس بن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم، وغيرهما، وأن عوفًا السابق لذلك . (الْمَخْزُومِيَّةِ) نسبة إلى مخزوم بن يَقَظَة - بفتح التحتانية، والقاف، بعدها ظاء معجمة مشالة - ابن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، ومخزوم أخو كلاب بن مرّة الذي نُسب إليه بنو عبد مناف. ووقع في رواية إسماعيل بن أمية، عن محمد بن مسلم، وهو الذي عند النسائيّ: «سَرَقت امرأة من قريش من بني مخزوم»، واسم المرأة على الصحيح فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابيّ الجليل، الذي كان زوج أم سلمة قبل النبيّ - ﷺ -، قُتِل أبوها كافرًا يوم بدر، قتله حمزة بن عبد المطلب، ووَهِمَ من زعم أن له صحبةً. وقيل: هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد، وهي بنت عمّ المذكورة، أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني بشر بن تيم، أنها أم عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، قال الحافظ - ﵀ -: وهذا مُعْضَلٌ، ووقع مع ذلك في سياقه أنه قاله عن ظنٍّ وحِسبان، وهو غلط ممن قاله؛ لأن قصّتها مغايرة للقصة المذكورة في هذا الحديث، كما سأوضحه. قال ابن عبد البر في «الاستيعاب»: «فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد هي التي قَطَع رسول الله - ﷺ - يدها؛ لأنها سَرَقت حُلِيًّا، فكَلَّمت قريش أسامة، فشَفَعَ فيها، وهو غلام. . .» الحديث. وقد ساق ذلك ابن سعد في ترجمتها في «الطبقات» من طريق الأجلح بن عبد الله الكِنْديّ، عن حبيب بن أبي ثابت، رفعه: «أن فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد سَرَقَت حُليًّا على عهد رسول الله - ﷺ -، فاستشفعوا. . .» الحديث. وأورد عبد الغني بن سعيد المصريّ في «المبهمات» من طريق يحيى بن سلمة بن كُهيل، عن عَمّار الدُّهْنِيّ، عن شقيق قال: «سَرَقَت فاطمة بنت أبي أسد بنت أخي أبي سلمة، فأشفقت قريش أن يقطعها النبيّ - ﷺ -. . .» الحديث، والطريق الأُولى أقوى. ويمكن أن يقال: لا منافاة بين قوله: «بنت الأسود»، و«بنت أبي الأسود»؛ لاحتمال أن تكون كنية الأسود: أبا الأسود. وأما قصة أم عمرو: فذكرها ابن سعد أيضًا، وابن الكلبيّ في «المثالب»، وتبعه الهيثم بن عديّ، فذَكَروا أنها خرجت ليلًا، فوقعت برَكْبٍ نزول، فأخذت عَيبة لهم، فأخذها القوم، فأوثقوها، فلما أصبحوا أتوا بها النبيّ - ﷺ -، فعاذت بِحِقْوي أم سلمة، فأمر بها النبيّ - ﷺ -، فقُطِعت، وأنشدوا في ذلك شعرًا، قاله خُنيس بن يعلى بن أمية. وفي رواية ابن سعد أن ذلك كان في حجة الوداع، وقصة فاطمة بنت الأسود كانت عام الفتح، فظهر تغاير القصتين، وأن بينهما أكثر من سنتين. قال الحافظ - ﵀ -: ويظهر من ذلك خطأ من اقتصر على أنها أم عمرو؛ كابن الجوزيّ، ومن رَدَّدَها بين فاطمة، وأم عمرو؛ كابن طاهر، وابن بشكوال، ومن تبعهما - فللَّه الحمد -. وقد تقلّد ابن حزم ما قاله بشر بن تيم، لكنه جعل قصة أم عمرو بنت سفيان في جحد العارية، وقصة فاطمة في السرقة، وهو غلط أيضًا؛ لوقوع التصريح في قصة أم عمرو بأنها سرقت. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - ، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (الَّتِي سَرَقَتْ) زاد يونس في روايته: «في عهد رسول الله - ﷺ - في غزوة الفتح»، ووقع بيان المسروق في حديث مسعود بن أبي الأسود المعروف بابن العجماء، فأخرج ابن ماجه، وصححه الحاكم، من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن رُكانة، عن أمه عائشة بنت مسعود بن الأسود، عن أبيها، قال: «لَمَّا سَرَقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله - ﷺ - أعظمنا ذلك، فجئنا إلى رسول الله - ﷺ - نكلمه. . .»، وسنده حسن، وقد صَرَّح فيه ابن إسحاق بالتحديث، في رواية الحاكم، قاله في «الفتح» ، وسيأتي البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ الله - ﷺ -؟)؛ أي: يشفع عنده فيها أن لا تُقْطَع، إما عفوًا، وإما بفداء، وقد وقع ما يدل على الثاني في حديث مسعود بن الأسود، ولفظه، بعد قوله: «أعظمنا ذلك»: «فجئنا إلى النبيّ - ﷺ -، فقلنا: نحن نفديها بأربعين أوقية، فقال: تُطَهَّر خير لها»، وكأنهم ظنوا أن الحدّ يَسْقُط بالفدية، كما ظَنَّ ذلك من أفتى والدَ الْعَسِيف الذي زنى بأنه يَفتدي منه بمائة شاة، ووليدة. ولحديث مسعود هذا شاهدٌ، عند أحمد، من حديث عبد الله بن عمرو: «أن امرأة سَرَقت على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال قومها: نحن نفديها»، قاله في «الفتح» . (فَقَالُوا: وَمَنْ) للاستفهام الإنكاريّ؛ أي: لا أحد (يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ) - بسكون الجيم، وكسر الراء - يَفْتَعِل، من الْجُرْأة - بضم الجيم، وسكون الراء، وفتح الهمزة، ويجوز فتح الجيم والراء، مع المدّ - والجرأة: هي الإقدام بإدلال، والمعنى: ما يجترئ عليه إلا أسامة - ﵁ -. وقال الطيبيّ - ﵀ -: الواو عاطفة على محذوف، تقديره: لا يجترئ عليه أحدٌ؛ لمهابته، لكن أسامة له عليه إدلال، فهو يَجْسُر على ذلك. ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: «فقالوا: من يكلّم رسول الله - ﷺ -؟، ومن يجترئ عليه إلا أسامة. . .»، والرواية الأولى أوضح؛ لأن الذي استَفْهم بقوله: «من يُكَلّم؟» غير الذي أجاب بقوله: «ومن يجترئ عليه؟». (إِلَّا أُسَامَةُ) بن زيد - ﵄ - (حِبُّ رَسُولِ الله - ﷺ -؟)، وابن حبّه - ﵄ - بكسر الحاء المهملة، وتشديد الباء الموحّدة -: بمعنى محبوب، مثل قِسْم بمعنى مقسوم، وفي ذلك تلميح بما أخرجه البخاريّ في «المناقب» من «صحيحه» عن أسامة بن زيد - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه كان يأخذه، والحسن، ويقول: «اللهم إني أحبهما، فأحبهما»، وأخرج في «الأدب» أيضًا عن أسامة - ﵁ -: «كان رسول الله - ﷺ - يأخذني، فيُقعدني على فخذه، ويُقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمّهما، ثم يقول: اللهمّ ارحمهما، فإني أرحمهما». وكان السبب في اختصاص أسامة - ﵁ - بذلك: ما أخرجه ابن سعد من طريق جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه: «أن النبيّ - ﷺ - قال لأسامة: لا تشفع في حدّ، وكان إذا شَفَعَ شَفَّعه» - بتشديد الفاء - أي: قَبِل شفاعته، وكذا وقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت: «وكان رسول الله - ﷺ - يُشَفِّعُهُ». قال الجامع عفا الله عنه: لا تنافي بين السببين؛ لأن أحدهما نتيجة الآخر، فسبب قبول شفاعته - ﵁ - هو كونه حِبّه - ﷺ -، فتأمل، والله تعالى أعلم. ووقع في حديث مسعود بن الأسود عند ابن ماجه بعد قوله: «تُطَهَّر خير لها، فلمّا سمعنا لِينَ قول رسول الله - ﷺ - أتينا أسامة»، ووقع في رواية يونس عند البخاريّ في «غزوة الفتح»: «فَفَزِعَ قومُها إلى أسامة»؛ أي: لَجَؤُوا، وفي رواية أيوب بن موسى عنده أيضًا في «الشهادات»: «فلم يجترئ أحد أن يكلمه إلا أسامة». (فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ)؛ أي: كلّم رسول الله - ﷺ - في شأن المرأة أسامة - ﵁ -، قال في «الفتح»: وفي الكلام شيء مطويّ، تقديره: فجاؤوا إلى أسامة، فكلّموه في ذلك، فجاء أسامة إلى النبيّ - ﷺ -، فكلّمه، ووقع في رواية يونس: «فَأَتَى بها رسولَ الله - ﷺ -، فكلّمه فيها»، فأفادت هذه الرواية أن الشافع يشفع بحضرة المشفوع له؛ ليكون أعذر له عنده إذا لم تُقْبَل شفاعته، وعند النسائيّ من رواية إسماعيل بن أمية: «فكلَّمه، فَزَبَره» - بفتح الزاي، والموحَّدة - أي: أغلظ له في النهي، حتى نسبه إلى الجهل؛ لأن الزبر - بفتح، ثم سكون - هو العقل، وفي رواية يونس: «فكلمه، فتَلَوَّن وجه رسول الله - ﷺ -»، زاد شعيب عند النسائيّ: «وهو يكلمه»، وفي مرسل حبيب بن أبي ثابت: «فلما أقبل أسامة، ورآه النبيّ - ﷺ - قال: لا تكلمني يا أسامة» . (فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟») بهمزة الاستفهام الإنكاريّ؛ لأنه كان سبق له منع الشفاعة في الحدّ قبل ذلك، زاد يونس، وشعيب: «فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله»، ووقع في حديث جابر الآتي آخر الباب عند مسلم، وهو عند النسائيّ أيضًا: «أن امرأة من بني مخزوم، سَرَقَت، فأُتي بها النبيّ - ﷺ -، فعاذت بأم سلمة» بذال معجمة؛ أي: استجارت، أخرجاه من طريق مَعْقِل بن عُبيد الله ، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -، وذكره أبو داود تعليقًا، والحاكم موصولًا، من طريق موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر: «فعاذت بزينب بنت رسول الله - ﷺ -» . قال المنذريّ - ﵀ -: يجوز أن تكون عاذت بكلّ منهما، وتعقبه الحافظ العراقيّ - ﵀ - في «شرح الترمذيّ» بأن زينب بنت رسول الله - ﷺ - كانت ماتت قبل هذه القصّة؛ لأن هذه القصّة - كما تقدم - كانت في غزوة الفتح، وهي في رمضان سنة ثمان، وكان موت زينب - ﵂ - قبل ذلك في جمادى الأولى من السنة، فلعل المراد أنها عاذت بزينب ربيبة النبيّ - ﷺ -، وهي بنت أم سلمة، فتصحّفت على بعض الرواة. قال الحافظ - ﵀ -: أو نُسِبت زينب بنت أم سلمة إلى النبيّ - ﷺ - مجازًا؛ لكونها ربيبته، فلا يكون فيه تصحيف. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ هو الأحوط، والأحسن من تغليط الرواة، فتأمل، والله تعالى أعلم. ثم قال العراقيّ: وقد أخرج أحمد هذا الحديث من طريق ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، وقال فيه: «فعاذت بربيب النبيّ - ﷺ - براء، وموحَّدة مكسورة - وحَذْف لفظ:»بنت«، وقال في آخره: قال ابن أبي الزناد: وكان ربيب النبيّ - ﷺ - سلمة بن أبي سلمة، وعُمَر بن أبي سلمة، فعاذت بأحدهما. قال الحافظ: وقد ظَفِرت بما يدلّ على أنه عمر بن أبي سلمة، فأخرج عبد الرزاق، من مرسل الحسن بن محمد بن عليّ، قال:«سَرَقت امرأة. . .»فذكر الحديث، وفيه:«فجاء عُمر بن أبي سلمة، فقال للنبيّ - ﷺ -: أي أَبَهْ إنها عمتي، فقال: لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها»، قال عمرو بن دينار الراوي عن الحسن: فلم أشك أنها بنت الأسود بن عبد الأسد. قال الحافظ: ولا منافاة بين الروايتين عن جابر، فإنه يُحْمَل على أنها استجارت بأم سلمة، وبأولادها، واختصها بذلك؛ لأنها قريبتها، وزوجها عمها، وإنما قال عمر بن أبي سلمة: عمتي من جهة السنّ، وإلا فهي بنت عمه، أخي أبيه، وهو كما قالت خديجة - ﵂ - لورقة في قصّة المبعث:«أَيْ عَمِّ اسْمَع من ابن أخيك»، وهو ابن عمها، أخي أبيها أيضًا. ووقع عند أبي الشيخ من طريق أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر:«أن امرأة من بني مخزوم سَرَقت، فعاذت بأسامة»، وكأنها جاءت مع قومها، فكلموا أسامة بعد أن استجارت بأم سلمة. ووقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت:«فاستشفعوا على النبيّ - ﷺ - بغير واحد، فكَلَّموا أسامة». (ثُمَّ قَامَ، فَاخْتَطَبَ) افتعال من الخطبة؛ للمبالغة؛ أي: خطب خطبة بليغةً، وفي رواية يونس:«فلمّا كان العشيّ قام رسول الله - ﷺ - خطيبًا»(فَقَالَ:«أَيُّهَا النَّاسُ) بحذف حرف النداء، وهو جائز في سعة الكلام، كما قال الحريريّ - ﵀ - في »ملحة الإعراب«: وَحَذْفُ «يَا» يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ «رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي» وقال ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة»: وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا وَذَاكَ فِي اسْمِ الْجِنْسِ وَالْمُشَارِ لَهْ … قَلَّ وَمَنْ يَمْنَعْهُ فَانْصُرْ عَاذِلَهْ وفي رواية البخاريّ: «فقال: يا أيها الناس» بإثبات حرف النداء، وفي رواية يونس التالية: «فقام خطيبًا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعدُ». (إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ)، وفي رواية أبن رُمح: «إنما هلك الذين من قبلكم»، وفي رواية يونس التالية: «فإنما أهلك الذين من قبلكم»، وفي رواية للبخاريّ: «إنما أضلّ من كان قبلكم»، قال في «الفتح»: في رواية أبي الوليد: «هَلَكَ»، وفي رواية سفيان عند النسائيّ: «إنما هلك بنو إسرائيل». قال ابن دقيق العيد - ﵀ -: الظاهر أن هذا الحصر ليس عامًّا، فإن بني إسرائيل كان فيهم أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، فَيُحْمَل ذلك على حصر المخصوص، وهو الإهلاك بسبب المحاباة في الحدود، فلا ينحصر ذلك في حدّ السرقة. قال الحافظ - ﵀ -: يؤيد هذا الاحتمال ما أخرجه أبو الشيخ في «كتاب السرقة» من طريق زاذان، عن عائشة - ﵂ - مرفوعًا: «إنهم عَطَّلوا الحدود عن الأغنياء، وأقاموها على الضعفاء»، والأمور التي أشار إليها ابن دقيق العيد منها: ما في حديث ابن عمر - ﵄ - في قصة اليهوديين اللذين زنيا، ومنها: ما في حديث ابن عباس - ﵄ - في أخذ الدية من الشريف إذا قَتَل عمدًا، والقصاص من الضعيف، وغير ذلك . (أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ)، وفي رواية سفيان عند النسائيّ: «حين كانوا إذا أصاب فيهم الشريف الحدّ تركوه، ولم يقيموه عليه»، وفي رواية إسماعيل بن أمية: «وإذا سرق فيهم الوضيع قطعوه». (وَايْمُ اللهِ)، ووقع في رواية يونس التالية: «والذي نفسي بيده»، وفي رواية له عند البخاريّ: «والذي نفس محمد بيده». [فائدة]: قوله: «وايم الله» - بكسر الهمزة، وبفتحها، والميم مضمومة - وحَكَى الأخفش كسرها مع كسر الهمزة، وهو اسم عند الجمهور، وحرف عند الزجاج، وهمزته همزة وصل عند الأكثر، وهمزة قطع عند الكوفيين، ومن وافقهم؛ لأنه عندهم جَمْع يمين، وعند سيبويه ومن وافقه أنه اسم مفرد، واحتجوا بجواز كسر همزته، وفتح ميمه، قال ابن مالك: فلو كان جمعًا لم تحذف همزته، واحتج بقول عروة بن الزبير لَمَّا أُصيب بولده ورجله: «لَيْمُنُكَ لئن ابتليتَ لقد عافيت»، قال: فلو كان جمعًا لم يتصرف فيه بحذف بعضه، قال: وفيه اثنتا عشرة لغة جمعتها في بيتين، وهما [من البسيط]: هَمْزَ ايْمُ وَايْمُنُ فَافْتَحْ وَاكْسِرَ اوْ أَمُ قُلْ … أَوْ قُلْ مْ أَوْ مُنُ بِالتَّثْلِيثِ قَدْ شُكِلَا وَأَيْمُنُ اخْتِمْ بِهِ و«اللهِ» كُلًّا أَضِفْ … إَلَيْهِ فِي قَسَمٍ تَسْتَوْفِ مَا نُقِلَا قال ابن أبي الفتح تلميذ ابن مالك: فإنه أَمُ بفتح الهمزة، وهَيْمُ بالهاء بدل الهمزة، وقد حكاها القاسم بن أحمد المعلم الأندلسيّ في «شرح المفصل». قال الحافظ: وقد قدمت في أوائل هذا الشرح - يعني: فتح الباري - في آخر «التيمم» لغات في هذا، فبلغت عشرين، وإذا حُصِر ما ذُكِر هنا زادت على ذلك. وقال غيره: أصله: يمين الله، ويُجمع أيمنًا، فيقال: وأيمن الله، حكاه أبو عبيدة، وأنشد لزهير بن أبي سُلْمَى [من الوافر]: فَتُجْمَعُ أَيْمُنٌ مِنَّا وَمِنْكُمْ … بِمَقْسَمَةٍ تَمُورُ بِهَا الدِّمَاءُ وقالوا عند القسم: وايمن الله، ثم كَثُر، فحذفوا النون، كما حذفوها مِن لم يكن، فقالوا: لم يك، ثم حذفوا الياء، فقالوا: أم الله، ثم حذفوا الألف، فاقتصروا على الميم مفتوحةً، ومضمومةً، ومكسورةً، وقالوا أيضًا: مِنُ الله بكسر الميم وضمها، وأجازوا في أيمن فتح الميم وضمها، وكذا في ايم، ومنهم من وصل الأَلِف، وجعل الهمزة زائدة، أو مسهّلة، وعلى هذا تبلغ لغاتها عشرين. وقال الجوهريّ: قالوا: ايم الله، وربما حذفوا الياء، فقالوا: أم الله، وربما أبقوا الميم وحدها مضمومةً، فقالوا: مُ الله، وربما كسروها؛ لأنها صارت حرفًا واحدًا، فشبّهوها بالباء، قالوا: وألِفها ألِف وصْل عند أكثر النحويين، ولم يجيء ألف وصل مفتوحة غيرها. وقد تدخل اللام للتأكيد، فيقال: لَيْمُن الله، قال الشاعر [من الطويل]: فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ لَمَّا نَشَدتُهُمْ … نَعَمْ وَفَرِيقٌ لَيْمُنُ اللهِ مَا نَدْرِي وذهب ابن كيسان، وابن درستويه إلى أن ألِفها ألِف قطع، وإنما خُفِّفت همزتها، وطُرحت في الوصل؛ لكثرة الاستعمال. وحَكَى ابن التين عن الداوديّ قال: ايم الله معناه: اسم الله، أُبدل السين ياءً، وهو غلطٌ فاحشٌ؛ لأن السين لا تبدل ياء. وذهب المبرد إلى أنها عوض من واو القسم، وأن معنى قوله: وايم الله: والله لأفعلنّ. ونُقِل عن ابن عباس أن يمين الله من أسماء الله، ومنه قول امرئ القيس [من الطويل]: فَقُلْتُ يَمِينُ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا … وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي ومن ثَمّ قال المالكية، والحنفية: إنه يمين، وعند الشافعية: إن نوى اليمين انعقدت، وإن نوى غير اليمين لم ينعقد يمينًا، وإن أَطلق فوجهان: أصحهما لا ينعقد إلا إن نوى، وعن أحمد روايتان: أصحهما الانعقاد. وحَكَى الغزالي في معناه وجهين: أحدهما أنه كقوله: تالله، والثاني: كقوله: أحلف بالله، وهو الراجح، ومنهم من سَوَّى بينه وبين لَعَمْر الله، وفَرَّق الماورديّ بأن لَعَمْر الله شاع في استعمالهم عُرفًا، بخلاف ايم الله. واحتجّ بعض من قال منهم بالانعقاد مطلقًا بأن معناه: يمين الله، ويمين الله من صفاته، وصفاته قديمة. وجزم النوويّ في «التهذيب» أن قول: وايم الله؛ كقوله: وحقِّ الله، وقال: إنه تنعقد به اليمين عند الإطلاق، وقد استغربوه، ذكر هذا البحث كلّه في «الفتح» ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا. (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ) هذا من الأمثلة التي صحّ فيها أن «لو» حرف امتناع لامتناع، وقد لخّص السيوطيّ البحث فيه في «الكوكب الساطع» حيث قال: و«لَو» لِشَرْطِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ … نَزْرٌ فَلِلرَّبْطِ فَقَطْ أَبُو عَلِي وَللَّذِي كَانَ حَقِيقًا سَيَقَعْ … أَيْ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ عَمْرُو اتَّبَعْ وَالْمُعْرِبُونَ وَالَّذِي فِي الْفَنِّ شَاعْ … بِأَنَّهَا حَرْفُ امْتِنَاعٍ لامْتِنَاعْ وَالْمُرْتَضى امْتِنَاعُ مَا يَلِيهِ … مَعْ كَوْنِهِ يَسْتَلْزِمُ التَّالِيهِ ثُمَّ إِذَا نَاسَبَ تَالٍ يَنْتَفِي … إِنْ أَوَّلًا خِلَافُهُ لَمْ يَخْلُفِ كَقَوْلِهِ «لَوْ كَانَ» لِلآخِرِ لَا … ذُو خَلَفٍ وَيَثْبُتُ الَّذِي تَلَا إِنْ لَمْ يُنَافِ وَبِأَوْلَى نَصِّهِ … نَاسَبَهُ «لَوْ لَمْ يَخَفْ لَمْ يَعْصِهِ» أَوِ الْمُسَاوِي نَحْوُ «لَوْ لَمْ تَكُنِ … رَبِيبَتِي» الْحَدِيثَ أَوْ بِالأَدْوَنِ وإن أردت إيضاح معاني الأبيات، فعليك بشرحي: «الجليس الصالح النافع بشرح الكوكب الساطع» (ص ١٣٠ - ١٣٣)، وبالله تعالى التوفيق. وسيكون لنا عودة إلى تمام هذا البحث في «كتاب القدر» عند شرح حديث: «فإن»لو«تفتح عمل الشيطان» - إن شاء الله تعالى -. وقد ذكر ابن ماجه عن محمد بن رُمح شيخِهِ في هذا الحديث: سمعت الليث يقول عقب هذا الحديث: قد أعاذها الله من أن تَسْرِق، وكلُّ مسلم ينبغي له أن يقول هذا. ووقع للشافعيّ أنه لَمّا ذَكَر هذا الحديث قال: فذكر عضوًا شريفًا من امرأة شريفة، واستحسنوا ذلك منه لِمَا فيه من الأدب البالغ. وإنما خَصّ - ﷺ - فاطمة ابنته بالذِّكر؛ لأنها أعز أهله عنده، ولأنه لم يبق من بناته حينئذ غيرها، فأراد المبالغة في إثبات إقامة الحدّ على كل مكلَّف، وتَرْك المحاباة في ذلك، ولأن اسم السارقة وافق اسمها - ﵂ -، فناسب أن يُضرَب المثل بها، قاله في «الفتح» . وقال الحافظ وليّ الدين العراقيّ - ﵀ -: قوله: «لو كانت فاطمة. . . إلخ»: فيه مبالغةٌ في النهي عن المحاباة في حدود الله تعالى، وإن فُرِضت في أبعد الناس من الوقوع فيها، وقد قال الليث بن سعد - ﵀ - بعد روايته لهذا الحديث: وقد أعاذها الله من ذلك؛ أي: حَفِظها من الوقوع في ذلك، وحماها منه؛ إذ هي بِضْعةٌ من النبيّ - ﷺ -، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ الآية [الحاقة: ٤٤]، وهو معصوم من ذلك، وقد سمعنا أشياخنا - ﵏ - عند قراءة هذا الحديث يقولون: أعاذها الله من ذلك، وبلغنا عن الإمام الشافعيّ - ﵀ - أنه لم يَنْطِق هذا اللفظ إعظامًا لفاطمة - ﵂ -، وإجلالًا لمحلها، وإنما قال: فذكر عضوًا شريفًا من امرأة شريفة، وما أحسن هذا، وأنزهه، والظاهر أن ذكر فاطمة - ﵂ - دون غيرها؛ لأنها أفضل نساء زمانها، فهي عائشة في النساء لا شيء بعدها، فلا يحصل تأكيد المبالغة إلا بذكرها، وانضم إلى هذا أنها عضو من النبيّ - ﷺ -، ومع ذلك فلم يحمله ذلك على محاباتها في الحقّ، وفيها شيء آخر، وهو أنها مشارِكة هذه المرأة في الاسم، فينتقل اللفظ والذهن من إحداهما إلى الأخرى، وإن تباين ما بين المحلين. انتهى كلام وليّ الدين - ﵀ - وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم. (لَقَطَعْتُ يَدَهَا»)، وفي رواية البخاريّ:«لقطع محمد يدها»، وفيه تجريد، وقد سبق في حديث ابن عمر - ﵄ -:«قم يا بلال، فخذ بيدها، فاقطعها»، وفي رواية:«فأمَر بها، فقُطعت». وفي رواية ابن المبارك عن يونس، عند البخاريّ:«ثم أمر بتلك المرأة التي سَرَقت، فقُطعت يدها»، وفي حديث جابر - ﵁ - عند الحاكم:«فقطعها»، وذكر أبو داود تعليقًا عن محمد بن عبد الرحمن بن غَنَج، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، نحو حديث المخزومية، وزاد فيه:«قال: نشهد عليها». وزاد يونس في روايته التالية: قالت عائشة:«فحسنت توبتها بعدُ، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله - ﷺ -». وأخرجه الإسماعيليّ، من طريق نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، وفيه:«قال عروة: قالت عائشة»، ووقع في رواية شعيب، عند الإسماعيليّ في«الشهادات»، وفي رواية ابن أخي الزهريّ، عند أبي عوانة، كلاهما عن الزهريّ، قال: وأخبرني القاسم بن محمد، أن عائشة، قالت:«فنكحت تلك المرأة رجلًا من بني سُليم، وتابت، وكانت حسنة التلبس، وكانت تأتيني، فأرفع حاجتها. . .»الحديث. قال الحافظ: وكأن هذه الزيادة، كانت عند الزهريّ، عن عروة، وعن القاسم جميعًا عن عائشة، وعندهما زيادة على الآخَر، وفي آخِر حديث مسعود بن الحكم، عند الحاكم:«قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر، أن النبيّ - ﷺ -، كان بعد ذلك يرحمها، ويَصِلُها»، وفي حديث عبد الله بن عمرو، عند أحمد:«أنها قالت: هل لي من توبة يا رسول الله، فقال: أنت اليوم من خطيئتك؛ كيوم ولدتك أمك». انتهى . وقوله: (وَفِي حَدِيثِ ابْنِ رُمْحٍ:«إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ») أشار به إلى اختلاف شيخيه: قتيبة، ومحمد بن رُمح، فقال الأول:«إنما أهلك الذين قبلكم»، رباعيًّا، وقال الثاني:«إنما هلك الذين من قبلكم»، ثلاثيًّا، وبزيادة لفظة«من»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٤٤٠٢ و٤٤٠٣ و٤٤٠٤] (١٦٨٨)، و(البخاريّ) في«الشهادات»(٢٦٤٨) و«أحاديث الأنبياء»(٣٤٧٥) و«المناقب»(٣٧٣٣) و«المغازي»(٤٣٠٤) و«الحدود»(٦٧٨٧ و٦٧٨٨ و٦٨٠٠)، و(أبو داود) في«الحدود»(٤٣٧٣)، و(الترمذيّ) في«الحدود»(١٤٣٠)، و(النسائيّ) في«قطع السارق»(٨/ ٧٢ و٧٣ و٧٤ و٧٥) و«الكبرى»(٤/ ٣٣٢ و٣٣٣ و٣٣٤)، و(ابن ماجه) في«الحدود»(٢٥٤٧)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(١٠/ ٢٠٢)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٩/ ٤٦٥ - ٤٦٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٧٠ و٦/ ١٦٢)، و(الدارميّ) في«سننه»(٢/ ١٧٣)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٤٤٠٢)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤/ ١٧ و١٨ و١٩)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٣٢٨)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(٨٠٥)، و(الحاكم) في«مستدركه»(٢/ ٢٧)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٨/ ٢٥٣ - ٢٥٤) و«الصغرى»(٧/ ٣٢٢) و«المعرفة»(٦/ ٣٠٥ و٤٧٤)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (٢٦٠٣). والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة قطع السارق مطلقًا، شريفًا كان أو وضيعًا. ٢ - (منها): منع الشفاعة في الحدود، وقد تقدم أن ذلك مقيّدٌ بما إذا انتهى ذلك إلى أولي الأمر، واختلف العلماء في ذلك، فقال أبو عمر بن عبد البر: لا أعلم خلافًا أن الشفاعة في ذوي الذنوب، حسنة جميلة، ما لم تبلغ السلطان، وأن على السلطان أن يقيمها، إذا بلغته. وذكر الخطابي، وغيره، عن مالك: أنه فرَّق بين من عُرِف بأذى الناس، ومن لم يُعرَف، فقال: لا يُشفع للأول مطلقًا، سواء بلغ الإمام أم لا، وأما من لم يُعرف بذلك، فلا بأس أن يُشفع له ما لم يبلغ الإمام. ٣ - (ومنها): أنه تمسك بحديث الباب من أوجب إقامة الحد على القاذف، إذا بلغ الإمام، ولو عفا المقذوف، وهو قول الحنفية، والثوريّ، والأوزاعيّ، وقال مالك، والشافعيّ، وأبو يوسف: يجوز العفو مطلقًا، ويدرأ بذلك الحدّ؛ لأن الإمام لو وجده بعد عفو المقذوف، لجاز أن يقيم البينة بصدق القاذف، فكانت تلك شبهة قوية. ٤ - (ومنها): أن فيه دخول النساء مع الرجال في حدّ السرقة. ٥ - (ومنها): أن فيه قبول توبة السارق. ٦ - (ومنها): أن فيه منقبةً لأسامة بن زيد - ﵄ -. ٧ - (ومنها): أن فيه ما يدل على أن فاطمة - ﵂ -، عند أبيها - ﷺ -، في أعظم المنازل؛ فإن في القصة إشارةً إلى أنها الغاية في ذلك عنده. ذكره ابنُ هبيرة. ٨ - (ومنها): ما قيل: إنه يؤخذ منه أن فاطمة أفضل من عائشة - ﵄ -؛ لأنه - ﷺ - جعلها غاية في أعزّ الناس عليه، فدلالته ظاهرة، خلافًا لِمَا قاله الحافظ في «الفتح»، حيث بناه على ما سبق له من مناسبة اسم فاطمة لاسم السارقة. ٩ - (ومنها): أن فيه تركَ المحاباة في إقامة الحدّ، على من وجب عليه، ولو كان ولدًا، أو قريبًا، أو كبير القَدْر، والتشديد في ذلك، والإنكار على من رَخَّص فيه، أو تَعَرَّض للشفاعة فيمن وجب عليه. ١٠ - (ومنها): أن فيه جوازَ ضرب المثل بالكبير القدر، للمبالغة في الزجر عن الفعل، ومراتب ذلك مختلفة، ولا يخفى ندب الاحتراز من ذلك، حيث لا يترجح التصريح بحسب المقام، كما تقدم نقله عن الليث، والشافعيّ - رحمهما الله تعالى -. ١١ - (ومنها): أنه يؤخذ منه جواز الإخبار عن أمر مُقَدّر، يفيد القطع بأمر مُحَقَّق. ١٢ - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف، وهو مستحبّ إذا كان فيه تفخيم لأمر مطلوب، كما في هذا الحديث، ونظائره. ١٣ - (ومنها): أن من حلف على أمر، لا يتحقق أنه يفعله، أو لا يفعله، لا يحنث؛ كمن قال لمن خاصم أخاه: والله لو كنتُ حاضرًا، لهشمت أنفك، خلافًا لمن قال: يحنث مطلقًا. ١٤ - (ومنها): أن فيه جوازَ التوجُّع لمن أقيم عليه الحدّ، بعد إقامته عليه، وقد حَكَى ابن الكلبي في قصة أم عمرو بنت سفيان: أن امرأة أُسيد بن حُضير أَوَتها بعد أن قُطعت، وصَنَعت لها طعامًا، وأن أُسيدًا، ذكر ذلك للنبيّ - ﷺ -؛ كالمنكر على امرأته، فقال: «رَحِمَتْها، رحمها الله». ١٥ - (ومنها): أن فيه الاعتبارَ بأحوال من مضى، من الأمم، ولا سيما من خالف أمر الشرع. ١٦ - (ومنها): أنه تمسّك به بعض من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأن فيه إشارةً إلى التحذير من فعلِ الشيء الذي جَرَّ الهلاك إلى الذين من قبلنا؛ لئلا نهلك كما هلكوا، وفيه نظر، وإنما يتم أن لو لم يَرِد قطع السارق في شرعنا، وأما اللفظ العام فلا دلالة فيه على المدعى أصلًا، ذكر هذا كلّه في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مسألة «شرعُ من قبلنا شرع لنا» قد تقدّم البحث عنها غير مرّة، وأن هذا هو الأرجح، وهو الذي جرى عليه البخاريّ، ومسلم، بل والمحدّثون عمومًا في مؤلفاتهم، حيث يبوّبون أبوابًا، ولا يوردون في ذلك الباب إلا حديثًا يتعلّق بذكر بني إسرائيل؛ كقول البخاريّ في «كتاب الأدب» من «صحيحه»: «باب رحمة الناس، والبهائم»، ثم أورد فيه حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطش مثلُ الذي كان بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له»، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: «نعم، في كل ذات كبد رطبة أجر». انتهى، ولو سلكت في تعداد ما في «صحيح البخاريّ، ومسلم» من ذلك لخرجت من المقصود، وقد ذكرت ذلك في هذا الشرح غير مرّة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سبب قطع هذه المرأة، هل هو جحد العارية، أم سرقتها؟، ومنشؤ الخلاف اختلاف الروايات في ذلك: قال الحافظ - ﵀ - في «الفتح» عند قوله: (أهمتهم المرأة المخزوميّة التي سَرَقَتْ) ما حاصله: زاد يونس في روايته: «في عهد رسول الله - ﷺ -، في غزوة الفتح»، ووقع بيان المسروق في حديث مسعود بن أبي الأسود المعروف بابن العجماء، فأخرج ابن ماجه، وصححه الحاكم، من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن رُكانة، عن أمه عائشة بنت مسعود بن الأسود، عن أبيها، قال: «لَمّا سَرَقت المرأة تلك القطيفة، من بيت رسول الله - ﷺ -، أعظمنا ذلك، فجئنا إلى رسول الله - ﷺ -، نكلمه»، وسنده حسن، وقد صرَّح فيه ابن إسحاق بالتحديث، في رواية الحاكم، وكذا علّقه أبو داود، فقال: رَوَى مسعود بن الأسود، وقال الترمذيّ بعد حديث عائشة المذكور هنا: «وفي الباب عن مسعود بن العجماء»، وقد أخرجه أبو الشيخ في «كتاب السرقة»، من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن طلحة، فقال: «عن خالته بنت مسعود بن العجماء، عن أبيها»، فَيَحْتَمِل أن يكون محمد بن طلحة، سمعه من أمه، ومن خالته، ووقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت: «أنها سرقت حُلِيًّا». قال الحافظ: ويُمكن الجمع بأن الحُليّ، كان في القطيفة، فالذي ذَكر القطيفة، أراد بما فيها، والذي ذكر الحليّ، ذكر المظروف، دون الظرف، ثم رَجَح عندي أن ذِكر الحليّ في قصة هذه المرأة وَهَمٌ، كما سأبيّنه، ووقع في مرسل الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، فيما أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أن الحسن أخبره، قال: «سرقت امرأة»، قال عمرو: وحسبت أنه قال: «من ثياب الكعبة. . .» الحديث، وسنده إلى الحسن صحيح، فإن أمكن الجمع، وإلا فالأول أقوى. وقد وقع في رواية معمر عن الزهريّ، في هذا الحديث: أن المرأة المذكورة، كانت تستعير المتاع، وتجحده، أخرجه مسلم، وأبو داود، وأخرجه النسائيّ، من رواية شعيب بن أبي حيزة، عن الزهريّ، بلفظ: «استعارت امرأة، على ألسنة ناس يُعْرَفون، وهي لا تُعْرَف حليًا، فباعته، وأخذت ثمنه. . .» الحديث، وقد بيّنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فيما أخرجه عبد الرزاق، بسند صحيح إليه: أن امرأة جاءت امرأةً، فقالت: إن فلانة تستعيرك حليًا، فأعارتها إياه، فمكثت لا تراه، فجاءت إلى التي استعارت لها، فسألتها؟ فقالت: ما استعرتك شيئًا، فرجعت إلى الأخرى، فأنكرت، فجاءت إلى النبيّ - ﷺ -، فدعاها، فسألها، فقالت: والذي بعثك بالحقّ، ما استعرت منها شيئًا، فقال: اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت فراشها، فأتوه، فأخذوه، وأَمر بها. . .«الحديث. فَيَحْتَمِل أن تكون سَرَقت القطيفة، وجحدت الحليّ، وأُطلق عليها في جحد الحلي في رواية حبيب بن أبي ثابت:«سرقت»مجازًا. قال العراقيّ في«شرح الترمذيّ»: اختُلِف على الزهريّ، فقال الليث، ويونس، وإسماعيل بن أمية، وإسحاق بن راشد:«سرقت»، وقال معمر، وشعيب:«إنها استعارت، وجحدت»، قال: ورواه سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن الزهريّ، فاختُلِف عليه سندًا ومتنًا، فرواه البخاريّ، عن عليّ ابن المدينيّ، عن ابن عيينة، قال: ذهبتُ أسأل الزهريّ، عن حديث المخزومية، فصاح عليَّ، فقلت لسفيان: فلم يحفظه عن أحد، قال: وجدت في كتاب كَتَبه أيوب بن موسى، عن الزهريّ، وقال فيه: إنها سرقت، وهكذا قال محمد بن منصور، عن ابن عيينة:«إنها سرقت»، أخرجه النسائيّ عنه، وعن رِزْق الله بن موسى، عن سفيان كذلك، لكن قال:«أُتي النبيّ - ﷺ - بسارق، فقطعه. . .»، فذكره مختصرًا، ومثله لأبي يعلى، عن محمد بن عباد، عن سفيان. وأخرجه أحمد، عن سفيان كذلك، لكن في آخره: قال سفيان: لا أدري ما هو؟ وأخرجه النسائي أيضًا عن إسحاق بن راهويه، عن سفيان، عن الزهريّ بلفظ:«كانت مخزومية تستعير المتاع، وتجحده. . .»الحديث، وقال في آخره: قيل لسفيان: من ذكره؟ قال: أيوب بن موسى، فذكره بسنده المذكور، وأخرجه من طريق ابن أبي زائدة، عن ابن عيينة، عن الزهريّ بغير واسطة، وقال فيه:«سرقت». قال العراقيّ: وابن عيينة لم يسمعه من الزهريّ، ولا ممن سمعه من الزهريّ، إنما وجده في كتاب أيوب بن موسى، ولم يصرح بسماعه من أيوب بن موسى، ولهذا قال في رواية أحمد: لا أدري كيف هو؟ كما تقدم. وجزم جماعة بأن معمرًا تفرد عن الزهريّ بقوله:«استعارت، وجحدت»، وليس كذلك، بل تابعه شعيب، كما ذكره العراقيّ عند النسائيّ، ويونس كما أخرجه أبو داود، من رواية أبي صالح، كاتب الليث، عن الليث، عنه، وعَلّقه البخاريّ لليث، عن يونس، لكن لم يَسُقْ لفظه، وكذا ذكر البيهقيّ أن شبيب بن سعيد، رواه عن يونس، وكذلك رواه ابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ، أخرجه ابن أيمن في«مصنفه»عن إسماعيل القاضي بسنده إليه، وأخرج أصله أبو عوانة في«صحيحه». قال الحافظ: والذي اتضح لي أن الحديثين محفوظان، عن الزهري، وأنه كان يحدِّث تارة بهذا، وتارة بهذا، فحدّث يونس عنه بالحديثين، واقتصرت كل طائفة من أصحاب الزهريّ، غير يونس على أحد الحديثين، فقد أخرج أبو داود، والنسائيّ، وأبو عوانة، في«صحيحه»من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر:«أن امرأة مخزومية، كانت تستعير المتاع، وتجحده، فأمر النبيّ - ﷺ - بقطع يدها»، وأخرجه النسائيّ، وأبو عوانة أيضًا، من وجه آخر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، بلفظ:«استعارت حليًا». انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر أن رواية«سرقت»، ورواية«جحدت»ثابتتان؛ لكن سبب القطع هو السرقة، وأما الجحد، فهو لبيان أنها كانت متّصفة به، ومعروفة لدى الناس بذلك، ثم اتّفق أن سرقت يوم الفتح قطيفة، فقُطعت بذلك، وسيأتي مزيد تحقيق في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى وليّ التوفيق. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في القطع بجحد العارية: قد اختلف نظر العلماء في ذلك، فأخذ بالقطع به أحمد، في أشهر الروايتين عنه، وإسحاق، وانتصر له ابن حزم من الظاهرية. وذهب الجمهور، إلى أنه لا يُقطع في جحد العارية، وهي رواية عن أحمد أيضًا. وأجابوا عن الحديث بأن رواية مَن رَوَى:«سرقت»أرجح، وبالجمع بين الروايتين بضرب من التأويل: فأما الترجيح، فنقل النوويّ أن رواية معمر شاذة، مخالفة لجماهير الرواة، قال: والشاذة لا يُعْمَل بها، وقال ابن المنذر في«الحاشية»، وتبعه المحب الطبري: قيل إن معمرًا انفرد بها. وقال القرطبي: روايةُ«أنها سرقت» أكثر، وأشهر من رواية الجحد، فقد انفرد بها معمر وحده، من بين الأئمة الحفاظ، وتابعه على ذلك مَن لا يُقتدى بحفظه؛ كابن أخي الزهري، ونَمَطه، هذا قول المحدِّثين. قال الحافظ: سبقه لبعضه القاضي عياض، وهو يُشعر بأنه لم يقف على رواية شعيب، ويونس بموافقة معمر؛ إذ لو وقف عليها لم يجزم بتفرد معمر، وأن من وافقه كابن أخي الزهري ونمطه، ولا زاد القرطبي نسبة ذلك للمحدثين؛ إذ لا يُعرف عن أحد من المحدِّثين أنه قَرَن شعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد، وأيوب بن موسى، بابن أخي الزهريّ، بل هم متفقون على أن شعيبًا، ويونس أرفع درجة في حديث الزهري، من ابن أخيه، ومع ذلك فليس في هذا الاختلاف، عن الزهري ترجيح بالنسبة إلى اختلاف الرواة عنه، إلا لكون رواية «سَرَقت» متفقًا عليها، ورواية «جَحَدت» انفرد بها مسلم، وهذا لا يدفع تقديم الجمع، إذا أمكن بين الروايتين، وقد جاء عن بعض المحدثين عكس كلام القرطبي، فقال: لم يُختَلف على معمر، ولا على شعيب، وهما في غاية الجلالة في الزهريّ، وقد وافقهما ابن أخي الزهري، وأما الليث، ويونس، وإن كانا في الزهري كذلك، فقد اختُلف عليهما فيه، وأما إسماعيل بن أمية، وإسحاق بن راشد، فدون معمر، وشعيب، في الحفظ. قال الحافظ: وكذا اختُلف على أيوب بن موسى، كما تقدم، وعلى هذا فيتعادل الطريقان، ويتعيَّن الجمع، فهو أولى، من اطّراح أحد الطريقين. فقال بعضهم، كما تقدم عن ابن حزم، وغيره: هما قصتان مختلفتان، لامرأتين مختلفتين. وتُعُقّب بأن في كل من الطريقين أنهم استشفعوا بأسامة، وأنه شَفَع، وأنه قيل له: «لا تشفع في حدّ من حدود الله»، فيبعُد أنّ أسامة يسمع النهي المؤكد عن ذلك، ثم يعود إلى ذلك مرة أخرى، ولا سيما إن اتحد زمن القصتين، وأجاب ابن حزم بأنه يجوز أن يَنسَى، ويجوز أن يكون الزجر عن الشفاعة في حد السرقة تقدم، فظن أن الشفاعة في جحد العارية جائز، وأن لا حد فيه، فشفع، فأُجيب بأن فيه الحد أيضًا. ولا يخفى ضعف الاحتمالين. وحَكَى ابن المنذر، عن بعض العلماء، أن القصة لامرأة واحدة، استعارت، وجحدت، وسرقت، فقُطعت للسرقة، لا للعارية، قال: وبذلك نقول. وقال الخطابي في «معالم السنن» - بعد أن حكى الخلاف، وأشار إلى ما حكاه ابن المنذر -: وإنما ذُكرت العارية، والجحد في هذه القصة، تعريفًا لها بخاص صفتها، إذ كانت تُكثر ذلك، كما عُرفت بأنها مخزومية، وكأنها لمّا كَثُر منها ذلك، ترقَّت إلى السرقة، وتجرّأت عليها، وتَلَقَّف هذا الجواب من الخطابي جماعة، منهم البيهقي، فقال: تُحمل رواية مَن ذَكَر جحد الجارية على تعريفها بذلك، والقطع على السرقة، وقال المنذريّ نحوه، ونقله المازريّ، ثم النوويّ عن العلماء. وقال القرطبيّ: يترجح أن يدها قُطعت على السرقة، لا لأجل جحد العارية من أوجه: [أحدها]: قوله في آخر الحديث الذي ذُكرت فيه العارية: «لو أن فاطمة سَرَقت»، فإن فيه دلالة قاطعة على أن المرأة قُطعت في السرقة، إذ لو كان قَطْعها لأجل الجحد، لكان ذِكر السرقة لاغيًا، ولقال: لو أن فاطمة جَحَدت العارية. وهذا قد أشار إليه الخطابي أيضًا. [ثانيها]: لو كانت قُطعت في جحد العارية، لوجب قطع كل من جحد شيئًا، إذا ثبت عليه، ولو لم يكن بطريق العارية. [ثالثها]: أنه عارض ذلك حديث: «ليس على خائن، ولا مُختلس، ولا مُنتهِب قَطْع»، وهو حديث قويّ، أخرجه الأربعة، وصححه أبو عوانة، والترمذيّ، من طريق ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر، رفعه، وصرَّح ابن جريج في رواية النسائي، بقوله: «أخبرني أبو الزبير»، ووَهَّم بعضهم هذه الرواية، فقد صرَّح أبو داود، بأن ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير، قال: وبلغني عن أحمد، إنما سمعه ابن جريج من ياسين الزيات، ونقل ابن عدي في «الكامل» عن أهل المدينة أنهم قالوا: لم يسمع ابن جريج من أبي الزبير، وقال النسائي: رواه الحفاظ من أصحاب ابن جريج عنه، عن أبي الزبير، فلم يقل أحد منهم: أخبرني، ولا أحسبه سمعه. قال الحافظ: لكن وُجد له متابع عن أبي الزبير، أخرجه النسائي أيضًا، من طريق المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، لكن أبو الزبير مدلس أيضًا، وقد عنعنه عن جابر، لكن أخرجه ابن حبان من وجه آخر، عن جابر بمتابعة أبي الزبير، فَقَوِيَ الحديث. وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ - بعد أن ذكر كلام النسائيّ المتقدّم - ما نصّه: فإن ترجّح أن ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير، فقد تابعه عليه مغيرة بن مسلم، فرواه عن أبي الزبير كذلك، ورواه النسائيّ من طريقه، وقولُ ابن حزم: مغيرة بن مسلم ليس بالقويّ، مردود، فقد وثّقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وابن حبّان، والدارقطنيّ، وقد تابع أبا الزبير عليه عمرو بن دينار، رواه ابن حبّان في «صحيحه» من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، وعمرو بن دينار، عن جابر - ﵁ -، فذكره، وهذا يردّ على قول ابن حزم في «الإيصال»: إنه لم يروه أحد من الناس إلا أبو الزبير، عن جابر، فظهر بما قرّرناه قوّة هذا الحديث، وصلاحيته للاحتجاج به، ثم إننا نقيس المختلَف فيه من ذلك على المتّفَق عليه، فإن أحمد يجزم بعدم القطع على الخائن في العارية بغير الجحد، وعلى الخائن في الوديعة، وعلى المنتهب، والمختلس، والغاصب، فلم يقل أحد بالقطع في الجحد مطلقًا. انتهى كلام وليّ الدين - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث: «ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع» صحيح، كما حقّقته في «شرح النسائيّ» . قال في «الفتح»: وقد أجمعوا على العمل به - أي: بحديث جابر المذكور - إلا من شذّ، فنقل ابن المنذر، عن إياس بن معاوية، أنه قال: المختلس يُقطع؛ كأنه ألحقه بالسارق؛ لاشتراكهما في الأخذ خُفْية، ولكنه خلاف ما صَرَّح به في الخبر، وإلا ما ذُكر من قطع جاحد العارية، وأجمعوا على أنه لا قطع على الخائن في غير ذلك، ولا على المنتهب، إلا إن كان قاطع طريق. والله أعلم. وعارضه غيره ممن خالف، فقال ابن القيم الحنبلي: لا تنافي بين جحد العارية، وبين السرقة، فإن الجحد داخل في اسم السرقة، فيُجمع بين الروايتين بأن الذين قالوا: «سرقت» أطلقوا على الجحد سرقة. قال الحافظ: ولا يخفى بُعدُهُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بُعد تسوية ابن القيّم بين الجحد والسرقة في المعنى مما لا يخفى، ومن أقوى ما يبطله: حديث النسائيّ، حيث إنه - ﷺ - استتاب تلك المرأة التي كانت تجحد العارية مرارًا، فإن فيه بيان أنهما ليسا بمعنى واحد؛ لأنه لا خلاف أن السرقة إذا ثبتت عند الإمام لا يجوز له استتابة السارق، وقد استتاب - ﷺ - هذه المرأة، فلو كان الجحد سرقةً، لَمَا استتابها، بل أمر بقطعها، فعلمنا أن الجحد ليس بمعنى السرقة، وأن قطع هذه المرأة إنما هو لكونها سرقت، بعد أن اعتادت جحد العارية، فافهم. والله تعالى أعلم. قال: والذي أجاب به الخطابي مردود؛ لأن الحكم المرتَّب على الوصف، معمول به، ويقوّيه أن لفظ الحديث، وترتيبه في إحدى الروايتين القطعَ على السرقة، وفي الأخرى على الجحد، على حدّ سواء، وترتيب الحكم على الوصف، يُشعِر بالعِلِّية، فكل من الروايتين دال، على أن علة القطع كلٌّ من السرقة وجحد العارية على انفراده، ويؤيد ذلك أن سياق حديث ابن عمر ليس فيه ذكر للسرقة، ولا للشفاعة من أسامة، وفيه التصريح بأنها قُطعت في ذلك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الكلام نظرٌ؛ إذ يحتمل أن الرواية أيضًا فيها اختصار، كما في بعض روايات عائشة رضي الله تعالى عنها، فتأمل. قال الحافظ: وأبسط ما وجدت من طرقه، ما أخرجه النسائي، في رواية له: أن امرأة كانت تستعير الحلي، في زمن رسول الله - ﷺ -، فاستعارت من ذلك حليًّا، فجمعته، ثم أمسكته، فقام رسول الله - ﷺ -، فقال: «لِتَتُب هذه المرأة إلى الله تعالى، وتؤدِّ ما عندها»، مرارًا، فلم تفعل، فأَمَر بها، فقُطعت. وأخرج النسائي بسند صحيح، من مرسل سعيد بن المسيب: أن امرأة من بني مخزوم، استعارت حليًّا على لسان أناس، فجحدت، فأمر بها النبي - ﷺ -، فقُطعت، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح أيضًا، إلى سعيد، قال: أُتي النبي - ﷺ - بامرأة من بيت عظيم، من بيوت قريش، قد أتت أناسًا، فقالت: إن آل فلان، يستعيرونكم كذا، فأعاروها، ثم أتوا أولئك، فأنكروا، ثم أنكرت هي، فقَطعها النبي - ﷺ -. وقال ابن دقيق العيد: صنيع صاحب «العمدة» حيث أورد الحديث بلفظ الليث، ثم قال: وفي لفظ، فذكر لفظ معمر، يقتضي أنها قصة واحدة، واختُلف فيها، هل كانت سارقة، أو جاحدة؟ يعني: لأنه أَوْرد حديث عائشة باللفظ الذي أخرجاه، من طريق الليث، ثم قال: وفي لفظ: كانت امرأة تستعير المتاع، وتجحده، فأمر النبي - ﷺ - بقطع يدها، وهذه رواية معمر في مسلم فقط، قال: وعلى هذا فالحجة في هذا الخبر، في قطع المستعير ضعيفة؛ لأنه اختلاف في واقعة واحدة، فلا يُبَتُّ الحكم فيه بترجيح من روى أنها جاحدة، على الرواية الأخرى؛ يعني: وكذا عكسه، فيصح أنها قُطعت بسبب الأمرين، والقطع في السرقة متفق عليه، فيترجح على القطع في الجحد المختلَف فيه. قال الحافظ: وهذه أقوى الطرق في نظري، وقد تقدم الرد على من زعم أن القصة وقعت لامرأتين، فقُطعتا في أوائل الكلام على هذا الحديث، والإلزام الذي ذكره القرطبي، في أنه لو ثبت القطع في جحد العارية، للزم القطع في جحد غير العارية قويّ أيضًا، فإن من يقول بالقطع في جحد العارية، لا يقول به في جحد غير العارية، فيقاس المختلَف فيه على المتفق عليه، إذ لم يقل أحد بالقطع في الجحد على الإطلاق. وأجاب ابن القيم بأن الفرق بين جحد العارية، وجحد غيرها، أن السارق لا يمكن الاحتراز منه، وكذلك جاحد العارية، خلاف المختلس من غير حرز، والمنتهب، قال: ولا شك أن الحاجة ماسة بين الناس إلى العارية، فلو علم المُعِير أن المستعير إذا جحد لا شيء عليه، لَجَرّ ذلك إلى سد باب العارية، وهو خلاف ما تدل عليه حكمة الشريعة، بخلات ما إذا عَلم أنه يُقطع، فإن ذلك يكون أدعى إلى استمرار العارية، وهي مناسبة لا تقوم بمجردها حجة، إذا ثبت حديث جابر - ﵁ - في أن لا قطع على خائن. وقد فَرَّ مِن هذا بعض من قال بذلك، فخص القطع بمن استعار على لسان غيره، مخادعًا للمستعار منه، ثم تصرف في العارية، وأنكرها لمّا طولب بها، فإن هذا لا يُقطع بمجرد الخيانة، بل لمشاركته السارق في أخذ المال خفية. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وفي هذا نظرٌ لا يخفى؛ لأن الذين قالوا بالقطع في جحد العارية، لم يقيّدوه بهذا القيد، فتبصّر. والحاصل أن ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا قطع على جاحد العارية هو الحقّ؛ لقوّة أدلّته، ومن أقواها حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا: «ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع»، وهو حديث صحيح، واستتابة النبيّ - ﷺ - للمرأة في جحدها العارية؛ إذ لو كان الجحد سرقة، لَمَا استتابها؛ لأن الإمام لا يستتيب السارق بلا خلاف، ومن أقواها أيضًا ما سبق قريبًا من كلام ابن دقيق العيد الذي قال فيه الحافظ: وهذه أقوى الطرق في نظري. وقد أجاد ابن قُدامة - ﵀ - في تصحيحه رواية أحمد أنه لا قطع على جاحد العَرِيّة، كما هو مذهب الجمهور، ودونك خلاصة عبارته: واختلفت الرواية عن أحمد، في جاحد العارية، فعنه: عليه القطع، وهو قول إسحاق، ثم ذكر دليله، وهو حديث عائشة - ﵂ -: «أن امرأة كانت تستعير المتاع، وتجحده. . .» الحديث، ثم قال: وعنه: لا قطع عليه، وهو قول الخرقي، وأبي إسحاق بن شاقلا، وأبي الخطاب، وسائر الفقهاء، وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى - لقول رسول الله - ﷺ -: «لا قطع على الخائن»، ولأن الواجب قطع السارق، والجاحد غير سارق، وإنما هو خائن، فأشبه جاحد الوديعة، والمرأة التي كانت تستعير المتاع، إنما قُطعت لسرقتها، لا بجحدها، ألا ترى قوله: «إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه»، وقولَهُ: و«الذي نفسي بيده، لو كانت فاطمة بنت محمد - ﷺ -، لقطعت يدها»، وفي بعض ألفاظ رواية هذه القصة، عن عائشة: «أن قريشًا أهمَّهم شأن المخزومية، التي سرقت»، وذكرت القصة، رواه البخاريّ، وفي حديث: «أنها سرقت قَطِيفة»، فروى الأثرم بإسناده، عن مسعود بن الأسود، قال: «لَمّا سَرَقت المرأة تلك القطيفة، من بيت رسول الله - ﷺ -، أعظمنا ذلك، وكانت امرأة من قريش، فجئنا إلى رسول الله - ﷺ -، فقلنا: نحن نَفْديها بأربعين أوقية، قال: تُطَهَّر خير لها، فلما سمعنا لِين قولِ رسول الله - ﷺ -، أتينا أسامة، فقلنا: كَلِّم لنا رسول الله - ﷺ -. . .» وذكر الحديث، نحو سياق عائشة، وهذا ظاهر في أن القصة واحدة، وأنها سرقت، فقُطعت بسرقتها، وإنما عَرَّفَتها عائشة بجحدها للعارية؛ لكونها مشهورة بذلك، ولا يلزم أن يكون ذلك سببًا، كما لو عَرَّفتها بصفة من صفاتها، وفيما ذكرنا جمعٌ بين الأحاديث، وموافقة لظاهر الأحاديث، والقياس، وفقهاء الأمصار، فيكون أولى، فأما جاحد الوديعة، وغيرها من الأمانات، فلا نعلم أحدًا يقول بوجوب القطع عليه. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال الحافظ - ﵀ -: قول سفيان المتقدم: ذهبت أسأل الزهريّ، عن حديث المخزومية التي سرقت، فصاح عليَّ مما يَكثر السؤال عنه، وعن سببه، وقد أوضح ذلك بعض الرواة، عن سفيان، فرأينا في كتاب «المحدِّث الفاصل» لأبي محمد الرامهرمزيّ، من طريق سليمان بن عبد العزيز، أخبرني محمد بن إدريس، قال: قلت لسفيان بن عيينة: كم سمعت من الزهريّ؟ قال: أما مع الناس، فما أحصي، وأما وحدي فحديث واحد، دخلت يومًا من باب بني شيبة، فإذا أنا به جالس إلى عمود، فقلت: يا أبا بكر، حدثني حديث المخزومية، التي قطع رسول الله - ﷺ - يدها، قال: فضرب وجهي بالحصى، ثم قال: قم، فما يزال عبد يَقدَم علينا بما نَكْره، قال: فقمت منكِرًا، فمرَّ رجل، فدعاه، فلم يسمع، فرماه بالحصى، فلم يبلغه، فاضطر إليّ، فقال: ادعه لي، فدعوته له، فأتاه، فقضى حاجته، فنظر إلي، فقال: تعال، فجئت، فقال: أخبرني سعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ -، قال: «العجماء جبار. . .» الحديث، ثم قال لي: هذا خير لك من الذي أردت. قال الحافظ: وهذا الحديث الأخير أخرجه مسلم، والأربعة، من طريق سفيان، بدون قصة. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٠٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ - قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيّ - ﷺ - أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ الله - ﷺ -؟، فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ، إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ الله - ﷺ -؟، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ الله - ﷺ -، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟»، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»، ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقُطِعَتْ يَدُهَا، قَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في السند الماضي، والباب الماضي. وقوله: (شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ) هي على الصحيح فاطمة بنت أبي الأسود بن عبد الأسد المخزوميّة. وقوله: (فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله - ﷺ -)؛ أي: تغيّر من شدّة غضبه. وقوله: (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟) إنكار على أسامة، يُفهم منه تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام، وهذ لا خلاف فيه، وأما قبل البلوغ إليه، فأجازها أكثر العلماء؛ لِمَا جاء في الستر على المسلم مطلقًا، لكن قيّده مالك بمن لم يُعرف منه أذى الناس، وإلا فلا شفاعة . وقوله: (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ. . . إلخ) إخبار عن مقدَّر يفيد القطع بأمر محقّق، وهو وجوب إقامة الحدّ على البعيد والقريب، والبغيض والحبيب، لا تنفع شفاعة، ولا تَحُول قرابة. وقوله: (فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ. . . إلخ) هذا يدلّ على صحة توبة السارق، وأنها ماحية لإثم السرقة، وللمعرّة اللاحقة، فيَحْرُم تعييره بذلك، وهكذا حُكْم أهل الكبائر إذا تابوا، وحَسُنَت توبتهم. وقولها: (وَتَزَوَّجَتْ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرف زوجها . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوَّل الكتاب قال: [٤٤٠٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ، تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ، وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النبيّ - ﷺ - أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا، فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ الله - ﷺ - فِيهَا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَيُونُسَ).
مصادر المؤلف (٢٥)

١. «الفتح» ١٥/ ٥٥٦، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٨٨).

٢. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٧.

٣. «الفتح» ١٥/ ٥٥٦.

٤. «الفتح» ١٥/ ٥٥٦.

٥. «الفتح» ١٥/ ٥٥٧ - ٥٥٨، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٨٨).

٦. «الفتح» ١٥/ ٥٥٨.

٧. «الفتح» ١٥/ ٥٦٤، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٨٨).

٨. «الفتح» ١٥/ ٥٦٥.

٩. وقع في نسخة «الفتح» هنا غلط، ولفظه: «من طريق معقل بن يسار، عن عبيد الله، عن أبي الزبير»، والصواب: «معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير»، فتنبّه.

١٠. في هذا الكلام نظر لا يخفى، فإن الذي في«المستدرك»، كما سيأتي بلفظ:«فعاذت بربيب النبيّ - ﷺ -»، لا بلفظ:«بنت النبيّ - ﷺ -»، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

١١. «الفتح» ١٥/ ٥٦٥ - ٥٦٦، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٨٨).

١٢. «الفتح» ١٥/ ٥٦٦.

١٣. «الفتح» ١٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠، كتاب «الأيمان والنذور» رقم (٦٦٢٧).

١٤. «الفتح» ١٥/ ٥٦٧، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٨٨).

١٥. هكذا نسخة «الطرح»، وفيها ركاكة، ولعل الصواب: «فهي وعائشة في النساء لا شيء بعدهما»؛ أي: في الفضل، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

١٦. «طرح التثريب في شرح التقريب»٨/ ٢١٥.

١٧. «الفتح»١٥/ ٥٦٧ - ٥٦٨، كتاب«الحدود»رقم (٦٧٨٨).

١٨. «الفتح»١٥/ ٥٦٨ - ٥٦٩، كتاب«الحدود»(٦٧٨٨).

١٩. «الفتح»١٥/ ٥٥٨ - ٥٦٠ رقم (٦٧٨٨).

٢٠. «طرح التثريب» ٦/ ٢٠٨.

٢١. راجع: «ذخيرة العقبى» ٣٧/ ٩٨ - ١٠١.

٢٢. «المغني» ١٢/ ٤١٦ - ٤١٨.

٢٣. «الفتح» ١٥/ ٥٦٣ - ٥٦٤، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٨٨).

٢٤. راجع: «المفهم» ٥/ ٧٨ - ٧٩.

٢٥. «تنبيه المعلم» ص ٢٩٠.