HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٩٩

حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ. حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ. أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ؛ إن رسول الله ﷺ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ. فَقَالَ (مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى من زنى؟) قالوا: نسود وجوهمما وَنُحَمِّلُهُمَا. وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا. وَيُطَافُ بِهِمَا. قَالَ (فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ. إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فَجَاءُوا بِهَا فقرأوها. حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ، وَضَعَ الْفَتَى، الَّذِي يَقْرَأُ، يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ. وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ. فَرَفَعَهَا. فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَرُجِمَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا. فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بنفسه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص121
ج ٣ ص ١٣٢٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٥٣٦
(٦) - (بَابُ رَجْمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزِّنَا، إذَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا) [٤٤٢٩] (١٦٩٩) - (حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى جَاءَ يَهُودَ، فَقَالَ: «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟»، قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا، وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا، قَالَ: «فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ»، فَجَاءُوا بِهَا، فَقَرَءُوهَا، حَتى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَال لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، وَهْوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ، فَرَفَعَهَا، فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَرُجِمَا، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ) البغداديّ الْقَنْطَريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٤. ٢ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقةٌ رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٨٩) (خ م د س ق) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٣٤/ ١٤١٨. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمريّ المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب - ﵄ -، تقدّم أيضًا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، المشهور بالتشدّد في اتباع الأثر، ومن المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ - (أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أُتِيَ) بالبناء للمفعول، (بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا) وفي رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: «أحدثا»، وفي حديث عبد الله بن الحارث، عند البزار: «أن اليهود أتوا بيهوديين زنيا، وقد أَحْصَنَا». [تنبيه]: ذكر السهيليّ عن ابن العربيّ أن اسم المرأة بُسْرَة - بضم الموحدة، وسكون المهملة - ولم يُسمّ الرجل، وذكر أبو داود السبب في ذلك، من طريق الزهريّ: سمعت رجلًا من مزينة، ممن تَبِع العلم، وكان عند سعيد بن المسيِّب، يحدث عن أبي هريرة، قال: زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبيّ، فإنه بُعِث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قَبِلناها، واحتججنا بها عند الله، وقلنا: فتيا نبيّ من أنبيائك، قال: فأَتَوُا النبيّ - ﷺ -، وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة زنيا منهم؟. ونَقَل ابن العربيّ، عن الطبريّ، والثعلبيّ عن المفسرين قالوا: «انطَلَق قومٌ من قريظة، والنضير، منهم كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وسعيد بن عمرو، ومالك بن الصيف، وكنانة بن أبي الْحُقَيق، وشاس بن قيس، ويوسف بن عازوراء، فسألوا النبيّ - ﷺ -، وكان رجل وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا، واسم المرأة بُسْرَة، وكانت خيبر حينئذ حربًا، فقال لهم: اسألوه، فنزل جبريل على النبيّ - ﷺ -، فقال: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا»، فذكر القصّة مطولةً. ولفظ الطبريّ من طريق الزهري المذكورة: «إن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت الْمِدراس، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة منهم، قد أَحصنت»، فذكر القصة، وفيها: «فقال: أخرجوا إليّ عبد الله بن صوريا الأعور»، قال ابن إسحاق: «ويقال: إنهم أخرجوا معه أبا ياسر بن أحطب، ووهب بن يهودا، فخلا النبيّ - ﷺ - بابن صوريا»، فذكر الحديث. وسيأتي عند مسلم من حديث البراء - ﵁ -: «مُرّ على النبيّ - ﷺ - بيهوديّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فدعاهم، فقال: هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم»، وهذا يخالف الأول من حيث إن فيه أنهم ابتدءوا السؤال قبل إقامة الحدّ، وفي هذا أنهم أقاموا الحدّ قبل السؤال. قال الحافظ - ﵀ -: ويمكن الجمع بالتعدد، بأن يكون الذين سألوا عنهما غير الذي جلدوه، ويَحْتَمِل أن يكون بادروا، فجَلدوه، ثم بدا لهم فسألوا، فاتفق المرور بالمجلود في حال سؤالهم عن ذلك، فأمرهم بإحضارهما، فوقع ما وقع، والعلم عند الله. ويؤيد الجمع ما وقع عند الطبرانيّ من حديث ابن عباس - ﵄ - أن رهطًا من اليهود أتوا النبيّ - ﷺ -، ومعهم امرأة، فقالوا: يا محمد ما أُنزل عليك في الزنا؟، فيتجه أنهم جلدوا الرجل، ثم بدا لهم أن يسألوا عن الحكم، فأحضروا المرأة، وذكروا القصة والسؤال. انتهى . وحاصل هذا الجمع أنهم جلدوا وحمّموا الرجل فقط قبل أن يسألوه - ﷺ - عن ذلك، ولم يجلدوا المرأة، ثم بدا لهم أن يسألوه، فجاءوا بالمرأة غير مجلودة، فوقع ما وقع، والله تعالى أعلم. (فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى جَاءَ يَهُودَ، فَقَالَ: «مَا) استفهاميّة، (تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟») وفي رواية للبخاريّ: «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟»، قال الباجيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يكون عَلِمَ بالوحي أن حكم الرجم فيها ثابت على ما شُرع لم يلحقه تبديل، ويَحْتَمِل أن يكون عَلِم ذلك بإخبار عبد الله بن سلام وغيره، ممن أسلم منهم على وجه حَصَل له به العلم بصحة نقلهم، ويَحْتَمِل أن يكون إنما سألهم عن ذلك لِيَعلم ما عندهم فيه، ثم يتعلم صحة ذلك من قِبَل الله تعالى. انتهى . (قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا، وَنُحَمِّلُهُمَا) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في أكثر النسخ: «نُحَمِّلهما» بالحاء، واللام، وفي بعضها: «نُجَمِّلهما» بالجيم، وفي بعضها: «نُحَمِّمهما» بميمين، وكلّه متقارب، فمعنى الأول: نَحْملهما على الدابّة، ومعنى الثاني: نجعلهما جميعًا على الجمل، ومعنى الثالث: نسوّد وجههما بالْحُمَم - بضمّ الحاء، وفتح الميم - وهو الفحم، وهذا الثالث ضعيف؛ لأنه قال قبله: «نُسَوِّد وجوههما». انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: وروى العذريّ، والسمرقنديّ: «نُسوِّد وجوههما، ونُحَمِّمهما»، ورواه السجزيّ: «نجملهما» - بنون مضمومة، وجيم - يعني نحملهما على جمل، ويُطاف بهما، ورواها الطبريّ: «نحملهما» بنون مفتوحة، وحاء مهملة، من الحمل، وكلتا الروايتين أحسن من رواية العذريّ؛ لأن فيها تكرارًا، فإن قوله: نسوّدهما بمعنى نُحمِّمهما. قال: وهذا الفعل إنما كان مما اخترعته اليهود، وابتدعوه، وجعلوه عِوَضًا عن حكم الرجم، ولذلك لم يَقُل به أحد من أهل الإسلام في الزنى، وإنما عمِل بعض أهل العلم في شاهد الزور، فرأى أن يُحمّم وجهه، ويُجلد، ويُحلق رأسه، ويُطاف به، وروي ذلك عن عمر بن الخطّاب، وقد روي ذلك عن بعض قضاة البصرة، ولم يره مالك. انتهى . (وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا) بأن يُجعل قفا أحدهما مقابل قفا الآخر، (وَيُطَافُ بِهِمَا)؛ أي: بين الناس حتى يُفضحا بينهم، وفي رواية البخاريّ: «فقالوا: نفضحهم، ويُجلدون»، قال في «الفتح»: وقع بيان الفضيحة في رواية أيوب، عن نافع الآتية في «التوحيد» بلفظ: «قالوا: نُسَخِّم وجوههما، ونُخزيهما»، وفي رواية عبد الله بن عمر: «قالوا: نُسَوِّد وجوههما، ونُحَمِّمهما، ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما»، وفي رواية عبد الله بن دينار: «إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه، والتجبية»، وفي حديث أبي هريرة: «يُحَمَّم، ويُجَبَّهُ، ويُجلد، والتجبية أن يُحمل الزانيان على حمار، وتقابَل أقفيتهما، ويطاف بهما»، وقد قال إبراهيم الحربيّ بأن تفسير التجبية من قول الزهريّ، فكانه أُدرج في الخبر؛ لأن أصل الحديث من روايته. وقال المنذريّ: يُشبه أن يكون أصله الهمزة، وأنه التجبئة، وهي الردع والزجر، يقال: جَبّأته تجبيئًا؛ أي: ردعته، والتجبية: أن يُنَكِّس رأسه، فيَحْتَمِل أن يكون مَن فُعل به ذلك يُنَكِّس رأسه استحياء، فسُمّي ذلك الفعل تجبية، ويَحْتَمِل أن يكون من الجَبْه، وهو الاستقبال بالمكروه، وأصله من إصابة الجبهة، تقول: جَبَهْته: إذا أصبت جَبْهته، كرَأَسْتُه: إذا أصبت رأسه. وقال الباجيّ: ظاهر الأمر أنهم قصدوا في جوابهم تحريف حكم التوراة، والكذب على النبيّ - ﷺ -، إما رجاء أن يحكم بينهم بغير ما أنزل الله، وإما لأنهم قصدوا بتحكيمه التخفيف عن الزانيين، واعتقدوا أن ذلك يُخرجهم عما وجب عليهم، أو قصدوا اختبار أمره؛ لأنه من المقرَّر أن من كان نبيًّا لا يُقَرّ على باطل، فظهر بتوفيق الله نبيَّه - ﷺ - كَذِبهم، وصِدْقه، ولله الحمد. انتهى . (قَالَ) - ﷺ - («فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ»)؛ أي: فيما زعمتم من في شأن الزانيين، وفي رواية البخاريّ: «قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجمَ»، (فَجَاءُوا بِهَا)؛ أي: بالتوراة (فَقَرَءُوهَا) وفي رواية زيد بن أسلم: «فأُتِي بها، فَنَزَع الوسادة من تحته، فوضع التوراة عليها، ثم قال: آمنت بك، وبمن أنزلك»، وفي حديث البراء الآتي: «فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أَنشدك بالله، وبمن أنزله»، وفي حديث جابر عند أبي داود: «فقال: ائتوني بأعلم رجلين منكم، فأُتي بابن صوريا»، زاد الطبريّ في حديث ابن عباس: «ائتوني برجلين من علماء بني إسرائيل، فأتوه برجلين، أحدهما شابّ، والآخر شيخ قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر»، ولابن أبي حاتم من طريق مجاهد: «أن اليهود استفتوا رسول الله - ﷺ - في الزانيين، فأفتاهم بالرجم، فأنكروه، فأمرهم أن يأتوا بأحبارهم، فناشدهم، فكتموه إلا رجلًا من أصاغرهم أعور، فقال:»كذبوك يا رسول الله في التوراة«. (حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ) واسم هذا الفتى عبد الله بن صوريا، ووقع عند النقاش في»تفسيره«أنه أسلم، لكن ذكر مكيّ في»تفسيره«أنه ارتدّ بعد أن أسلم، وذكر الطبري بسنده أن النبيّ - ﷺ - لمّا ناشده قال: يا رسول الله إنهم لَيَعْلمون أنك نبيّ مرسلٌ، ولكنهم يحسدونك، وقال في آخر الحديث: ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، ونزلت فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية [المائدة: ٤١]. (وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، وَهْوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: مُرْهُ)؛ أي: مُر هذا القارئ (فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ، فَرَفَعَهَا، فَإِذا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ) ووقع في حديث البراء: «فَحَدُّه الرجمُ، ولكنه كَثُر في أشرافنا، فكنا إذا أخذْنا الشريف تركناه، وإذا أخذْنا الوضيع أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالَوْا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجَلْد مكان الرجم». ووقع بيان ما في التوراة من آية الرجم في رواية أبي هريرة - ﵁ -: «المحصَن، والمحصَنة إذا زنيا، فقامت عليهما البينة رُجِما، وإن كانت المرأة حبلى تُرُبِّص بها حتى تضع ما في بطنها». وفي حديث جابر عند أبي داود: «قالا: نجد في التوراة: إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذَكَره في فرجها مثل الميل في المكحلة، رُجِما»، زاد البزار من هذا الوجه: «فإن وجدوا الرجل مع المرأة في بيت، أو في ثوبها، أو على بطنها، فهي رِيْبة، وفيها عقوبة، قال: فما منعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل». وفي حديث أبي هريرة: «فما أوَّل ما ارتخصتم أمر الله؟ قال: زنى ذوا قرابة من الملك، فأخّر عنه الرجم، ثم زنى رجل شريف، فأرادوا رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: ابدأ بصاحبك، فاصطلحوا على هذه العقوبة». وفي حديث ابن عباس عند الطبرانيّ: «إنا كنا شببة، وكان في نسائنا حُسن وَجْه، فكثُرَ فينا، فلم يَقم له، فَصِرنا نجلد»، والله أعلم . (فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَرُجِمَا) بالبناء للمفعول، زاد في حديث أبي هريرة: «فقال النبيّ - ﷺ -: فإني أحكم بما في التوراة»، وفي حديث البراء: «اللهم إني أول من أُحيي أمرك؛ إذ أماتوه»، ووقع في حديث جابر من الزيادة أيضًا: «فدعا رسول الله - ﷺ - بالشهود، فجاء أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ذَكَره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأَمر بهما، فرُجِما». (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا) بفتح أوله، من الوقاية؛ أي: يحفظها، وعند ابن ماجه: «يسترها»، (مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ) وفي رواية البخاريّ: «فرأيت الرجل يَحْني على المرأة، يقيها الحجارة»، قال في «الفتح»: قوله: «يَحْنِي» كذا في رواية أبي ذرّ، عن السرخسيّ بالحاء المهملة، بعدها نون مكسورة، ثم تحتانية ساكنة، وعن المستملي، والكشميهنيّ بجيم، ونون مفتوحة، ثم همزة، وهو الذي قال ابن دقيق العيد إنه الراجح في الرواية، وفي رواية أيوب: «يجانئ» بضم أوله، وجيم مهموز، وقال ابن عبد البرّ: وقع في رواية يحيى بن يحيى كالسرخسيّ، والصواب: «يَحْني»؛ أي: يميل، وجملة ما حصل لنا من الاختلاف في ضبط هذه اللفظة عشرة أوجه: الأولان، والثالث، بضم أوله، والجيم، وكسر النون، وبالهمزة، والرابع كالأول، إلا أنه بالموحدة، بدل النون، والخامس كالثاني، إلا أنه بواو بدل التحتانية، والسادس كالأول، إلا أنه بالجيم، والسابع بضم أوله، وفتح المهملة، وتشديد النون، والثامن «يجاني» بالنون، والتاسع مثله، لكن بالحاء، والعاشر مثله، لكنه بالفاء بدل النون، وبالجيم أيضًا. قال الحافظ: ورأيت في «الزهريات» للذهلي بخط الضياء في هذا الحديث من طريق معمر، عن الزهريّ: «يجافي» بجيم وفاء، بغير همز، وعلى الفاء صح صح. انتهى. وفي حديث ابن عباس - ﵄ - عند الطبرانيّ: «فلما وجد مَسَّ الحجارة قام على صاحبته يحني عليها، يقيها الحجارة حتى قُتلا جميعًا، فكان ذلك مما صنع الله لرسوله في تحقيق الزنا منهما»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٤٤٢٩ و٤٤٣٠ و٤٤٣١] (١٦٩٩)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٣٢٩) و«المناقب» (٣٦٣٥) و«التفسير» (٤٥٥٦) و«الحدود» (٦٨١٩ و٦٨٤١) و«الاعتصام» (٧٣٣٢) و«التوحيد» (٧٥٤٣)، و(أبو داود) في «الحدود» (٤٤٤٦)، و(الترمذيّ) في «الحدود» (١٤٣٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٢١)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٨١٩)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٣٣٣١ و١٣٣٣٢)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ٨١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٦٣ و٧٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٧٨ - ١٧٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٤٣٤ و٤٤٣٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٤١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٢١٤)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٢٥٨٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الحد على الكافر الذميّ إذا زنى، وهو قول الجمهور، وفيه خلاف عند الشافعية، وقد ذَهِلَ ابنُ عبد البرّ، فنَقَل الاتفاق على أن شَرْطَ الإحصان الموجب للرجم الإسلام، ورُدّ عليه بأن الشافعية، وأحمد لا يشترطان ذلك، ويؤيد مذهبهما وقوع التصريح بأن اليهوديين اللذين رُجما، كانا قد أَحْصنا، كما تقدم نَقْله، وقال المالكية، ومعظم الحنفية، وربيعة شيخ مالك: شرطُ الإحصان الإسلام، وأجابوا عن حديث الباب بأنه - ﷺ - إنما رجمهما بحكم التوراة، وليس هو من حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإن في التوراة الرجم على المحصَن، وغير المحصَن، قالوا: وكان ذلك أول دخول النبيّ - ﷺ - المدينة، وكان مأمورًا باتباع حكم التوراة، والعمل بها حتى يُنسَخ ذلك في شرعه، فرَجَم اليهوديين على ذلك الحكم، ثم نُسِخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، ثم نُسخ ذلك بالتفرقة بين من أَحصن، ومن لم يُحصن، كما تقدم. انتهى. وفي دعوى الرجم على من لم يُحصن نَظَر؛ لِمَا تقدَّم من رواية الطبريّ وغيره، وقال مالك: إنما رجم اليهوديين؛ لأن اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة، فتحاكموا إليه. وتعقَّبه الطحاويّ بأنه لو لم يكن واجبًا ما فَعَله، قال: وإذا أقام الحد على من لا ذمة له، فَلَأَن يقيمه على من له ذمة أولى. وقال المازريّ: يُعتَرض على جواب مالك بكونه رَجَم المرأة، وهو يقول: لا تُقتل المرأة، إلا إن أجاب أن ذلك كان قبل النهي عن قتل النساء، وأيد القرطبيّ أنهما كانا حربيين، بما أخرجه الطبريّ، كما تقدم، ولا حجة فيه؛ لأنه منقطع. قال القرطبيّ: ويعكُر عليه أن مجيئهم سائلين يوجب لهم عهدًا، كما لو دخلوا لغرض كتجارة، أو رسالة، أو نحو ذلك، فإنهم في أمان، إلى أن يُرَدُّوا إلى مَأمنهم. قال الحافظ: ولم ينفصل عن هذا إلا أن يقول: إن السائل عن ذلك ليس هو صاحب الواقعة. وقال النوويّ: دعوى أنهما كانا حربيين باطلة، بل كانا من أهل العهد، كذا قال، وسلَّم بعض المالكية أنهما كانا من أهل العهد، واحتَج بأن الحاكم مخيَّر إذا تحاكم إليه أهل الذمة، بيْن أن يَحكم فيهم بحكم الله، وبيْن أن يُعرض عنهم على ظاهر الآية، فاختار - ﷺ - هذه الواقعة أن يَحكم بينهم. وتُعُقِّب بأن ذلك لا يستقيم على مذهب مالك؛ لأن شرْط الإحصان عنده الإسلام، وهما كانا كافرين، وانفصل ابن العربيّ عن ذلك بأنهما كانا محكِّمَيْن له في الظاهر، ومُخْتَبِرَيْن ما عنده في الباطن، هل هو نبيّ حقّ، أو مسامِح في الحقّ؟ وهذا لا يرفع الإشكال، ولا يَخْلُص عن الإيراد، ثم قال ابن العربيّ: في الحديث أن الإسلام ليس شرطًا في الإحصان، والجواب بأنه إنما رجمهما لإقامة الحجة على اليهود فيما حَكّموه فيه من حُكم التوراة فيه نَظَر؛ لأنه كيف يقيم الحجة عليهم بما لا يراه في شرعه، مع قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]؟ قال: وأجيب بأن سياق القصة يقتضي ما قلناه، ومن ثَمَّ استدعى شهودهم ليقيم الحجة عليهم منهم، إلى أن قال: والحق أحقّ أن يُتبع، ولو جاءوني لحكمت عليهم بالرجم، ولم أعتبر الإسلام في الإحصان. قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد ابن العربيّ - ﵀ - حيث اتبع الدليل مع طول مدافعته عن مذهبه، لكنه ما منعه ذلك عن الاستسلام للدليل، فقال: والحقّ أحقّ أن يتبع. . . إلخ، وتَرَك اعتبار الإسلام في الإحصان، لهذا الحديث، وهذا هو واجب كل مسلم أن يخضع للدليل، ولو خالف مذهبه؛ لأن الدليل هو المرجع، والفيصل عند التنازع، كما قال الله - ﷿ -: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال ابن عبد البر: حدّ الزاني حقّ من حقوق الله، وعلى الحاكم إقامته، وقد كان لليهود حاكم، وهو الذي حكم رسول الله - ﷺ - فيهما، وقول بعضهم: إن الزانيين حَكَّماه دعوى مردودة. واعتُرِض بأن التحكيم لا يكون إلا لغير الحاكم، وأما النبيّ - ﷺ - فحُكمه بطريق الولاية، لا بطريق التحكيم. وأجاب الحنفية عن رجم اليهوديين، بأنه وقع بحكم التوراة. وردّه الخطابيّ؛ لأن الله قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وإنما جاءه القوم سائلين عن الحكم عنده، كما دلّت عليه الرواية المذكورة، فأشار عليهم بما كتموه من حكم التوراة، ولا جائز أن يكون حكم الإسلام عنده مخالفًا لذلك؛ لأنه لا يجوز الحكم بالمنسوخ، فدل على أنه إنما حكم بالناسخ. وأما قوله في حديث أبي هريرة: «فإني أحكم بما في التوراة» ففي سنده رجل مبهَم، ومع ذلك فلو ثَبَت لكان معناه: لإقامة الحجة عليهم، وهو موافق لشريعته. ويؤيده - كما قال الحافظ - أن الرجم جاء ناسخًا للجَلد، كما تقدم تقريره، ولم يقل أحد: إن الرجم شُرِع، ثم نُسِخ بالجلد، ثم نسخ الجلد بالرجم، وإذا كان حكم الرجم باقيًا منذ شُرِع، فما حَكَم عليهما بالرجم بمجرد حكم التوراة، بل بشرعه الذي استمرّ حكم التوراة عليه، ولم يقدّر أنهم بدّلوه فيما بدلوا. وأما ما تقدم من أن النبيّ - ﷺ - رجمهما أول ما قدم المدينة؛ لقوله في بعض طرق القصة: «لَمّا قَدِم النبيّ - ﷺ - المدينة أتاه اليهود». فالجواب: أنه لا يلزم من ذلك الفور، ففي بعض طرقه الصحيحة - كما تقدم - أنهم تحاكموا إليه، وهو في المسجد بين أصحابه، والمسجد لم يَكْمُل بناؤه إلا بعد مدة من دخوله - ﷺ - المدينة، فبَطَل الفور. وأيضًا ففي حديث عبد الله بن الحارث بن جَزْء أنه حَضَر ذلك، وعبد الله إنما قَدِم مع أبيه مسلمًا بعد فتح مكة. وقد تقدم حديث ابن عباس، وفيه ما يشعر بأنه شاهد ذلك. انتهى ما في «الفتح»، وهو تحقيق نفيسٌ، وبحث أنيس، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): أن المرأة إذا أقيم عليها الحدّ تكون قاعدة، هكذا استَدَلّ به الطحاويّ، وقد تقدم أنهم اختلفوا في الحفر للمرجومة، فمن يَرى أنه يُحفر لها تكون في الغالب قاعدة في الحفرة، واختلافهم في إقامة الحدّ عليها قاعدة، أو قائمة إنما هو في الجَلد، ففي الاستدلال بصورة الجلد على صورة الرجم نظرٌ لا يخفى. ٣ - (ومنها): قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، وزعم ابن العربيّ أن معنى قوله في حديث جابر: «فدعا بالشهود»؛ أي: شهود الإسلام على اعترافهما، وقوله: «فرجمهما بشهادة الشهود»؛ أي: البيّنة على اعترافهما. ورُدّ هذا التأويل بقوله في نفس الحديث: إنهم رأوا ذَكَرَه في فرجها كالميل في المكحلة، وهو صريح في أن الشهادة بالمشاهدة، لا بالاعتراف. وقال القرطبيّ: الجمهور على أن الكافر لا تُقبل شهادته على مسلم، ولا على كافر، لا في حدّ، ولا في غيره، ولا فرق بين السفر والحضر في ذلك، وقَبِل شهادتهم جماعة من التابعين، وبعض الفقهاء، إذا لم يوجد مسلم، واستثنى أحمد حالة السفر، إذا لم يوجد مسلم. وأجاب القرطبيّ عن الجمهور عن واقعة اليهود بأنه - ﷺ - نَفَّذَ عليهم ما عَلم أنه حكم التوراة، وألزمهم العمل به؛ إظهارًا لتحريفهم كتابهم، وتغييرهم حُكمه، أو كان ذلك خاصًّا بهذه الواقعة، كذا قال، والثاني مردود. وقال النوويّ: الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف، فإن ثبت حديث جابر، فلعل الشهود كانوا مسلمين، وإلا فلا عبرة بشهادتهم، ويتعيَّن أنهما أقرّا بالزنا. قال الحافظ: لم يثبت أنهم كانوا مسلمين، ويَحْتَمِل أن يكون الشهود أخبروا بذلك لسؤال بقية اليهود لهم، فسمع النبيّ - ﷺ - كلامهم، ولم يحكم فيهم إلا مستنِدًا لما أطلعه الله تعالى، فحَكَم في ذلك بالوحي، وألزمهم الحجة بينهم، كما قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]، وأن شهودهم شهدوا عليهم عند أحبارهم بما ذُكر، فلما رَفَعُوا الأمر إلى النبيّ - ﷺ - استعلم القصة على وجهها، فذكر كلّ من حضره من الرواة ما حفظه في ذلك، ولم يكن مستنَد حكم النبيّ - ﷺ - إلا ما أطلعه الله عليه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذه التكلفات من الحافظ في تأويل هذه المسألة مما يُستغرب من مثله، فإنه مما لا يليق بجلالته، أفلا يقول كما قال بعضهم: إن شهادة أهل الذمّة بعضهم على بعض جائزة؛ لهذا الحديث؟ وما المانع من ذلك مع ثبوت النصّ فيه؟، فليُتأمل بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٤ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعض المالكية على أن المجلود يُجلد قائمًا، إن كان رجلًا، والمرأة قاعدة؛ لقول ابن عمر - ﵄ -: «رأيت الرجل يَقيها الحجارة»، فدلّ على أنه كان قائمًا، وهي قاعدة. وتُعُقّب بأنه واقعة عين، فلا دلالة فيه على أن قيام الرجل كان بطريق الحكم عليه بذلك. ٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على رجم المحصَن، وقد تقدم البحث فيه مستوفًى. ٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على الاقتصار على الرجم، ولا يُضم إليه الجلد، وقد تقدم الخلاف فيه، وأن الأرجح القول بالجمع بينهما؛ لِمَا تقدّم عند مسلم: «والثيّب بالثيّب جلد مائة، والرجم»، فتبصّر. ٧ - (ومنها): أن أنكحة الكفار صحيحة؛ لأن ثبوت الإحصان فرع ثبوت صحة النكاح. ٨ - (ومنها): أن الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة، وهو الصحيح، وقيل: لا يخاطَبون بها، وقيل: إنهم مخاطَبون بالنهي، دون الأمر. ٩ - (ومنها): أن اليهود كانوا يَنسُبون إلى التوراة ما ليس فيها، ولو لم يكن مما أقدموا على تبديله، وإلا لكان في الجواب حيدة عن السؤال؛ لأنه سأل عما يجدون في التوراة، فعَدَلوا عن ذلك؛ لِمَا يفعلونه، وأوهموا أن فِعلهم موافق لِمَا في التوراة، فأكذبَهم عبد الله بن سلام - ﵁ -. ١٠ - (ومنها): أنه قد استَدَلّ به بعضهم على أنهم لم يُسقطوا شيئًا من ألفاظها، قال الحافظ: والاستدلال به لذلك غير واضح؛ لاحتمال خصوص ذلك بهذه الواقعة، فلا يدل على التعميم، وكذا من استَدَلّ به على أن التوراة التي أُحضرت حينئذ كانت كلها صحيحة سالمة من التبديل؛ لأنه يطرقه هذا الاحتمال بعينه، ولا يردّه قوله - ﷺ -: «آمنت بكِ، وبمن أنزلكِ»؛ لأن المراد: أصل التوراة. ١١ - (ومنها): اكتفاء الحاكم بترجمان واحد، موثوق به؛ لاكتفاء النبيّ - ﷺ - بعبد الله بن سلام - ﵁ -. ١٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن شَرْع من قبلنا شَرْع لنا إذا ثَبَت ذلك، إما بدليل قرآن، أو حديث صحيح، ما لم يثبت نسخه بشريعة نبيّنا، أو نبيّهم، أو شريعتهم، وعلى هذا فيُحْمَل ما وقع في هذه القصة على أن النبيّ - ﷺ - عَلِمَ أن هذا الحكم لم يُنسخ من التوراة أصلًا ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٣٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا اِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَالِكُ بْن أَنَسٍ، أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُمْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَجَمَ فِي الزِّنَى يَهُودِيَّيْنِ، رَجُلًا وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَأَتَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِهِمَا، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قريبًا. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. [تنبيه]: رواية أيوب السختيانيّ، عن نافع، ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٤٤٩٨) - حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي، ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن اليهود أتوا النبيّ - ﷺ - برجل، وامرأة منهم قد زنيا، فقال: «ما تجدون في كتابكم؟»، فقالوا: نُسَخِّم وجوههما، ويُخْزَيَان، فقال: «كذبتم، إن فيها الرجمَ، فأْتُوا بالتوراة، فاتلوها إن كنتم صادقين»، فجاؤوا بالتوراة، وجاءوا بقارئ لهم أعور، يقال له: ابن صُوريا، فقرأ، حتى إذا انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا هي تلوح، فقال، أو قالوا: يا محمد، إن فيها الرجمَ، ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فأَمَر بهما رسول الله - ﷺ -، فَرُجما، قال: فلقد رأيته يجانئ عليها، يقيها الحجارة بنفسه. انتهى . وأما رواية مالك بن أنس، عن نافع، فقد ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٣٤٣٦) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك بن أنس، عن نافع، عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله - ﷺ -، فذكروا له أن رجلًا منهم، وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «ما تجدون في التوراة، في شأن الرجم؟» فقالوا: نَفْضَحُهم، ويُجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجمَ، فَأَتَوا بالتوراة، فنشروها، فوَضَع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها، وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأَمَر بهما رسول الله - ﷺ -، فرُجِما، قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة، يقيها الحجارة. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٣١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِرَجُلٍ مِنْهُمْ، وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ الْيَرْبوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وله (٩٤) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٢. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش المدنيّ، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ. . . إلخ) فاعل «ساق» ضمير موسى بن عُقبة. [تنبيه]: رواية موسى بن عقبة، عن نافع، ساقها الدارميّ - ﵀ - في «السنن»، فقال: (٢٣٢١) - أخبرنا أحمد بن عبد الله، ثنا زهير، ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله - ﷺ - برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا: لا نجد فيها شيئًا، فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم، في التوراة الرجمُ، فأْتوا بالتوراة، فاتلوها، إن كنتم صادقين، فجاؤوا بالتوراة، فوضع مِدراسُها الذي يَدْرُسها منهم كفّه على آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك، قال: هي آية الرجم، فأَمَر بهما رسول الله - ﷺ -، فرُجِما قريبًا من حيث توضع الجنائز، عند المسجد، قال عبد الله: فرأيت صاحبها يَحني عليها، يقيها الحجارة. انتهى ، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٢)

١. هذا أَولى من قول «التقريب»: صدوق؛ كما يظهر من ترجمته في «التهذيب»، فتنبّه.

٢. «الفتح» ١٥/ ٦٨٢ - ٦٨٣، كتاب «الحدود» رقم (٦٨٤١).

٣. راجع: «الفتح» ١٥/ ٦٨٣.

٤. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٠٨.

٥. «المفهم» ٥/ ١١٥.

٦. «الفتح» ١٥/ ٦٨٣ - ٦٨٤ رقم (٦٨٤١).

٧. «الفتح» ١٥/ ٦٨٥.

٨. راجع: «الفتح» ١٥/ ٦٨٦ - ٦٩٠، كتاب «الحدود» رقم (٦٨٤١).

٩. هو ابن الإمام أحمد، راوي «المسند» عنه.

١٠. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٢/ ٥.

١١. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١٣٣٠.

١٢. «سنن الدارميّ» ٢/ ٢٣٣.