HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٠٧

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بْنُ حَرْبٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل (وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ) عَنْ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلَى ابْنِ عَامِرٍ الدَّانَاجِ. حَدَّثَنَا حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ، أَبُو سَاسَانَ. قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ، قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ؟ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ؛ أنه شرب الخمر. وشهد آخر؛ أن رَآهُ يَتَقَيَّأُ. فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا. فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: قُمْ، يَا حَسَنُ! فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا (فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ). فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ! قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَجَلَدَهُ. وَعَلِيٌّ يَعُدُّ. حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ. فَقَالَ: أَمْسِكْ. ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ. وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ. وَعُمَرُ ثَمَانِينَ. وَكُلٌّ سُنَّةٌ. وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. زَادَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَقَدْ سَمِعْتُ حَدِيثَ الداناج منه فلم أحفظه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص126
ج ٣ ص ١٣٣١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٦١٦
[تنبيه]: رواية وكيع، عن هشام الدستوائيّ، هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في «الكبرى»، فقال: (١٧٣١١) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو الْحِيريّ، أنبأ الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن أنس، أن النبيّ - ﷺ - كان يَضْرِب في الخمر بالنعال والجريد أربعين، وأبو بكر - ﵁ - ضَرَبَ أربعين، فلمّا وَلي عمر - ﵁ - سئل عن ذلك، فشاورهم عمر، فقال ابن عوف ﵀: أَرَى أن تضربه ثمانين، فضربه ثمانين. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٤٤٩] (١٧٠٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ الدَّانَاجِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا عبد العَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَار، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلَى ابْنِ عَامِرٍ الدَّانَاجُ، حَدَّثَنَا حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَبُو سَاسَانَ، قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَأُتِيَ بِالْوَلِيد، قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْن، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَان، أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ، أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا - فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ - فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَجَلَدَهُ، وَعَلِيٌّ يَعُدُّ، حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. زَادَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ في رِوَايَتِهِ: قَالَ اِسْمَاعِيلُ: وَقَدْ سَمِعْتُ حَدِيثَ الدَّانَاجِ مِنْهُ، فَلَمْ أَحْفَظْهُ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل بابين. ٤ - (ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) سعيد، تقدّم قريبًا. ٥ - (عَبْدُ اللهِ الدَّانَاجُ) هو ابن فَيْرُوز، ثقةٌ [٥] (خ م د س ق) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٤/ ١٦٧٤. [تنبيه]: يوجد في النسخ المطبوعة بضبط القلم ضَبْط قوله: «الداناج» في السند الثاني بالجرّ، وهو غلط، لأنه صفة لعبد الله بن فيروز، لا لابن عامرٍ، فتنبّه. ٦ - (يَحْيَى بْنُ حَمَّادِ) بن أبي زياد الشيبانيّ مولاهم البصريّ، خَتَن أبي عوانة، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢١٥) (خ م خد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤١/ ٢٧٢. ٧ - (عبدُ العَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ) الدبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٤/ ١٦٧٤. ٨ - (حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَبُو سَاسَانَ) هو: حُضين - بضاد معجمة، مصغّرًا - ابن المنذر بن الحارث بن وَعْلَة الرَّقَاشيّ - بتخفيف القاف، وبالشين المعجمة - أبو ساسان - بسينين مهملتين - وهو لقبٌ، وكنيته أبو محمد البصريّ، كان من أُمراء عليّ - ﵁ - بصفّين، وهو ثقة [٢]. رَوَى عن عثمان، وعليّ، والمهاجر بن قُنفذ، وأبي موسى، ومجاشع بن مسعود. وروى عنه الحسن البصريّ، وداود بن أبي هند، وعبد الله بن فيروز الداناج، وابنه يحيى بن حُضين، وغيرهم. قال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: صدوق، وقال أبو أحمد العسكريّ: كان صاحب راية عليّ يوم صِفِّين، ثم ولاه إصطخر، وكان من سادات ربيعة، ولا أعرف حُضينًا بالضاد غيره، وغير من يُنسب إليه من ولده، وكذا ذكره في أمراء صِفين: العجليّ، وخليفة، وأبو عبيدة، ويعقوب بن سفيان، وقال خليفة: أدرك سليمان بن عبد الملك، وقال أبو بكر بن منجويه: مات سنة (٩٧)، ذكره البخاريّ في «تاريخه» الصغير، والأوسط في فصل من مات بعد المائة، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». تفرّد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالبصريين سوى شيوخه، وفيه حُضين أبو ساسان لا يوجد في الرواة من اسمه حُضين بالضاد المعجمة مصغّرًا، وكذا من يلقّب أبا ساسان غيره، وقد تقدّم هذا في «شرح المقدّمة». شرح الحديث: (قَالَ) حُضين بن المنذر (شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) - ﵁ - (وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ) بالبناء للمفعول، والجملة في محلّ نصب على الحال، والوليد هذا هو: ابن عقبة بن أبي مُعَيط، ظهر عليه أنه شرب الخمر، فكثر على عثمان فيه، فلمّا شُهد عنده بأنه شربها أقام عليه الحدّ، كما ذُكر، قاله القرطبيّ . وقال في «الفتح»: الوليد هو: ابن عقبة بن أبي مُعَيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وكان أخا عثمان - ﵁ - لأمه، وكان عثمان وَلّاه الكوفة بعد عزل سعد بن أبي وقاص، فإن عثمان كان ولاه الكوفة لَمّا وَلي الخلافة بوصية من عمر - ﵁ -، ثم عزله بالوليد، وذلك سنة خمس وعشرين، وكان سبب ذلك أن سعدًا كان أميرها، وكان عبد الله بن مسعود على بيت المال، فاقتَرَض سعد منه مالًا، فجاءه يتقاضاه، فاختصما، فبلغ عثمان، فغضب عليهما، وعزل سعدًا، واستَحْضَر الوليد، وكان عاملًا بالجزيرة على عُسر بها، فولاه الكوفة، وذكر ذلك الطبريّ في «تاريخه». انتهى . (قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكعَتَيْنِ) هكذا رواية مسلم، وذكر ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» من نفس طريق عبد العزيز بن المختار أنه صلّى أربعًا، ولكنه لم يذكر الرواة قبل عبد العزيز، والصحيح المعروف ما «صحيح مسلم» أنه صلى ركعتين، (ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ)؛ أي: لكونه سكران، (فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَان، أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون الميم - ابن أبان، مولى عثمان بن عفّان - ﵁ -، اشتراه زمن أبي بكر الصديق - ﵁ -، وكان ثقةً، ومات سنة (٧٥) وقيل غير ذلك، وتقدّمت ترجمته في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. (أَنَّهُ)، أي: الوليد (شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ) قال في «الفتح»: الشاهد الآخر الذي لم يُسَمّ في هذه الرواية قيل: هو الصعب بن جَثَّامة الصحابيّ المشهور - ﵁ -، رواه يعقوب بن سفيان في «تاريخه»، وعند الطبريّ من طريق سيف في «الفتوح» أن الذي شَهِد عليه ولد الصعب، واسمه جَثّامة كاسم جده، وفي رواية أخرى: أن ممن شهد عليه أبا زينب بن عوف الأسديّ، وأبا مورع الأسديّ، وكذلك رَوَى عُمر بن شَبّة في «أخبار المدينة» بإسناد حسن إلى أبي الضُّحَى، وقال: لَمّا بلغ عثمان قصة الوليد استشار عليًّا، فقال: أرى أن تستحضره، فإن شهدوا عليه بمحضر منه حَدَدْته، ففعل، فشَهِد عليه أبو زينب، وأبو مورع، وجندب بن زهير الأزديّ، وسعد بن مالك الأشعريّ، فذكر نحو رواية أبي ساسان، وفيه: «فضربه بمخصرة لها رأسان، فلما بلغ أربعين قال له: أمسك»، وأخرج من طريق الشعبيّ قال: قال الْحُطيئة في ذلك [من الكامل]: شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ … أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ نَادَى وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُمُ … أَأَزِيدُكُمْ سَفَهًا وَمَا يَدْرِي فَأَتَوْا أَبَا وَهْبٍ وَلَوْ أَذِنُوا … لَقَرَنْتَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ كَفُّوا عِنَانَكَ إِذْ جَرَيْتَ وَلَوْ … تَرَكُوا عِنَانَكَ لَمْ تَزَلْ تَجْرِي وذكر المسعوديّ في «المروج» أن عثمان قال للذين شهدوا: وما يدريكم أنه شرب الخمر؟ قالوا: هي التي كنا نشربها في الجاهلية، وذكر الطبريّ أن الوليد وَلِيَ الكوفة خمس سنين، قالوا: وكان جوادًا، فولى عثمان بعده سعيد بن العاص، فسار فيهم سِيرة عادلة، فكان بعض الموالي يقول [من مشطور الرجز]: يَا ويلَنَا قَدْ عُزِلَ الْوَلِيدُ … وَجَاءَنَا مُجَوِّعًا سَعِيدُ يَنْقُصُ فِي الصَّاعِ وَلَا يَزِيدُ … فَجُوِّعَ الإِمَاءُ وَالْعَبِيدُ (أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ فَقَالَ عُثْمَانُ) - ﵁ - (إِنَّهُ)؛ أي: إن الوليد، ويَحْتَمِل أن يكون الضمير للشأن، (لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا) هذا بيان صريح في كون عثمان - ﵁ - جلد الوليد لثبوت شرب الخمر منه، وهو الذي يدلّ عليه سياق القصّة هنا في مسلم، ومما يُتعجّب منه أن بعض شراح مسلم نفى أن تكون رواية مسلم هذه تدلّ على هذا، ثم دافع عن الوليد بما ذَكَره الطبريّ في «تاريخه» بسند ضعيف، من أنه لم يثبت عليه شرب الخمر أصلًا، وإنما هؤلاء الذين شهدوا عليه عند عثمان - ﵁ - كلهم شهود زور، اثم أجاب عن ضعف الإسناد عند الطبريّ بجواب عجيب لم يُسمع مثله عن أحد ممن يعتني بالحديث، ولا سيّما بشرح «صحيح مسلم»، وهو أن الراوي الضعيف، لا يكذب، ولا يُخطئ دائمًا إلى آخر ما قاله. سبحان الله، هل يضعّف ما دلّ عليه «صحيح مسلم» بمثل هذه الترّهات؟ فإنا لله، وإنا إليه راجعون. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «فشهد حمران … إلخ» فيه من الفقه تلفيق الشهادتين إذا أدَّتا إلى معنى واحد، فإن أحدهما شَهِد برؤية الشرب، والآخر بما يستلزم الشرب، ولذلك قال عثمان: إنَّه لم يتقيَّأ حتى شربها، غير أنَّه قد ذكر الْحُمَيْدِيّ محمد بن أبي نصر في حديث عمر حين شهد عنده الجارود: بأن قُدامة شرب الخمر، ثمَّ دعا بأبي هريرة وقال: علام تشهد؟ قال: لم أره حين شرب! وقد رأيته سكران يقيء، فقال عمر: لقد تنظَعتَ يا أبا هريرة في الشهادة! فلمَّا استحضر قُدامة أنكر، فقال أبو هريرة: يا أمير المؤمنين! إن كنت تشك في شهادتي فَسَلْ بنت الوليد امرأة ابن مظعون فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله. فأقامت هند على زوجها الشهادة، فجلده. فظاهر هذا: أن عمر لم يسمع شهادة أبي هريرة لمّا قال له: أنَّه لم يره يشرب، وإنَّما رآه يتقيَّأ. والجواب: أن عمر - ﵁ - إنَّما توقّف في شهادة أبي هريرة؛ لأنَّ أبا هريرة سلك في أداء الشهادة مسلك من يُخبر بتفصيل قرائن الأحوال التي أفادته العلم بالمشهود فيه، ومهما شرع الشاهد في تفصيل ذلك وحكايته لم يحصل لسامع الشهادة الجزم بصحتها، لأنَّ قرائن الأحوال لا تنضبط بالحكاية عنها، وإنما حق الشاهد أن يعرض عنها، ويقْدِم على الأداء إقدام الجازم المخبر عن علم حاصل، فكان توقُّف عمر لذلك. ثمَّ إن أبا هريرة لمّا جزم في الشهادة سمعها عُمر وحَكَم بها، لكنه استظهر بقول هند على عادته في الاستظهار في الشهادات والإخبار، ولا يَظُنّ به: أنه ردَّ شهادة أبي هريرة، وقَبِل شهادة امرأة في الحدود، إلا من هو عن المعارف مصدود. انتهى . (فَقَالَ: يَا عَلِيُّ) يعني: ابن أبي طالب - ﵁ - (قُمْ فَاجْلِدْهُ) قال النوويّ ﵀: معنى هذا الحديث أنه لمّا ثبت الحدّ على الوليد بن عقبة، قال عثمان - ﵁ - وهو الإمام لعليّ - ﵁ - على سبيل التكريم له، وتفويض الأمر إليه في استيفاء الحدّ -: قُمْ، فاجلده؛ أي: أَقِمْ عليه الحدّ، بأن تأمر من ترى بذلك، فقَبِل عليّ - ﵁ - ذلك، فقال للحسن ابنه: قُم، فاجلده، فامتنع الحسن، فقال لابن جعفر، فقَبِل، فجَلَده، وكان عليّ مأذونًا له في التفويض إلى من رأى كما ذكرناه. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: فيه دليل على أن الحدَّ إنَّما ينبغي أن يقيمه بين أيدي الخلفاء والحكام فضلاءُ الناس، وخيارهم، وكذلك كانت الصحابة - ﵃ - تفعل كلَّما وقع لهم شيء من ذلك، وسبب ذلك: أنَّه قيامٌ بقاعدةٍ شرعية، وقُربة تعبديَّة تجب المحافظة على فعلها، وقدْرها، ومحلِّها، وحالها، بحيث لا يُتَعَدَّى من شروطها، ولا أحكامها، ولذلك يجب عند جميع العلماء أن يختار لها أهل الفضل، والعدل؛ إذا أمكن ذلك مخافة التعدِّي في الحدود. وقد وقع في زماننا من جلد في الخمر ثمانين، فتعدَّى عليه الضاربُ، فقتله بها، وحُرْمةُ دم المسلم عظيمة، فتجب مراعاتها بكل ممكن. انتهى . (فَقَالَ عَلِيُّ) - ﵁ - (قُمْ يَا حَسَنُ) يعني: ولده السبط - ﵁ -، (فَاجْلِدْهُ) فيه دليل على أن من استنابه الإمام في أمر، فله أن يستنيب من يتنزّل منزلته في ذلك الأمر. (فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا) قال النوويّ ﵀: الحارّ: الشديد المكروه، والقاز: البارد الهنيء الطيِّب، وهذا مَثَل من أمثال العرب، قال الأصمعيّ، وغيره: معناه: وَلِّ شِدّتها، وأوساخها من تولى هنيئها، ولذّاتها، والضمير عائد إلى الخلافة والولاية؛ أي: كما أن عثمان - ﵁ - وأقاربه يتولّون هنيء الخلافة، ويختصون به، يتولّون نَكَدَها، وقاذوراتها، ومعناه: ليتولَّ هذا الجَلْد عثمان بنفسه، أو بعض خاصة أقاربه الأدنَيْنَ، والله أعلم. انتهى . (فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ)؛ أي: كأن عليًّا - ﵁ - غَضِب على ولده الحسن - ﵁ - لأجل توقّفه فيما أمره به، وتعريضه بالأمراء، (فَقَالَ) عليّ - ﵁ -، وهذا هو الظاهر، وقال القرطبيّ: يَحْتَمِل أن يكون الآمر لعبد الله عليًّا، فكأنه أعرض عن الحسن لَمَّا توقف، ويَحْتَمِل أن يكون الحسن استناب عبد الله فيما أمره به عليِّ طلبًا لرضا عليّ - ﵁ -، والله تعالى أعلم . (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ) يعني: ابن أبي طالب الهاشميّ، أحد الأجواد، وُلد بأرض الحبشة، وهو صحابيّ ابن صحابيّ - ﵄ -، مات سنة ثمانين، وهو ابن ثمانين، تقدّمت ترجمته في «الحيض» ١٩/ ٧٨٠. (قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَجَلَدَهُ)؛ أي: جلد عبدُ الله بن جعفر الوليدَ، وقوله: (وَعَلِيٌّ يَعُدُّ) بفتح حرف المضارعة، وضمّ العين المهملة، مضارع عدّ، من العدّ، والجملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أن عليّ - ﵁ - يعد تلك الضربات، (حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ) جلدةً (فَقَالَ) عليّ - ﵁ - لعبد الله: (أَمْسِكْ) بقطع الهمزة: أمر من الإمساك رباعيًّا، يقال: أمسك عن الأمر: إذا كفّ عنه، والمعنى هنا: كُفّ عن الضرب، واتركه. قال القرطبيّ ﵀: ظاهر هذا: أنَّه لم يزد على الأربعين، وفي البخاريّ من حديث المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود وذكر هذا الحديث طويلًا، وقال في آخره: إن عليًّا جلد الوليد ثمانين، وهذا تعارُض، غير أن حديث حُضَين - يعني: المذكور هنا - أَولى، لأنَّه مُفَصَّلٌ في مقصوده، حسنٌ في مساقه، ساقه راويه مساق الْمُتثبِّت، والأقرب أن بعض الرواة وَهِمَ في حديث المسور، فوضع «ثمانين» مكان «أربعين». انتهى . وقال الحافظ في «الفتح»: قوله: «فجلده ثمانين» في رواية معمر: «فجلد الوليد أربعين جلدةً»، وهذه الرواية أصحّ من رواية يونس، والوَهَم فيه من الراوي عنه، شبيب بن سعيد، ويرجّح رواية معمر ما أخرجه مسلم من طريق أبي ساسان - يعني: حُضينًا - ثم ذكر رواية مسلم هذه. انتهى . وقال النوويّ ﵀: وقع هنا في مسلم ما ظاهره أن عليًّا جلد الوليد بن عقبة أربعين، ووقع في «صحيح البخاري» من رواية عبد الله بن عديّ بن الخيار أن عليًّا جلد ثمانين، وهي قضية واحدة، قال القاضي عياض: المعروف من مذهب عليّ - ﵁ - الجلد في الخمر ثمانين، ومنه قوله: «في قليل الخمر وكثيرها ثمانون جلدة»، ورُوي عنه أنه جَلَد المعروف بالنجاشيّ ثمانين، قال: والمشهور أن عليًّا - ﵁ - هو الذي أشار على عمر بإقامة الحدّ ثمانين، كما سبق عن رواية «الموطأ» وغيره، قال: وهذا كله يرجح رواية مَن رَوَى أنه جلد الوليد ثمانين، قال: ويُجمَع بينه وبين ما ذكره مسلم من رواية الأربعين بما رُوي أنه جلده بسوط له رأسان، فضربه برأسه أربعين، فتكون جملتها ثمانين، قال: ويَحْتَمِل أن يكون قوله: «وهذا أحب إليّ» عائدًا إلى الثمانين التي فعلها عمر - ﵁ -، قال النوويّ: فهذا كلام القاضي، وقد قدّمنا ما يخالف بعض ما قاله، وذكرنا تأويله، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما مال إليه القاضي من ترجيح القول بأن عليًّا - ﵁ - جلد الوليد ثمانين، مخالف لِمَا عليه المحقّقون، والصحيح أن رواية البخاريّ أنه جلده ثمانين وَهَمٌ من بعض رواته، وهو شبيب بن سعيد، والصحيح أنه جلده أربعين، كما تقدّم تحقيقه عن الحافظ وغيره، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. (ثُمَّ قَالَ) عليّ - ﵁ - مبيّنًا سبب أمره بالإمساك، وعدم الزيادة علي الأربعين: (جَلَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ) قال النوويّ ﵀: معناه أن فعل النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر سنةٌ يُعْمَل بها، وكذا فِعل عمر، ولكن فعل النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر أحبّ إليّ. انتهى . وقوله: (وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ) إشارة إلى الأربعين التي جلدها، وقال للجلّاد: أمسك، ومعناه: هذا الذي قد جلدته، وهو الأربعون أحبّ إليّ من الثمانين؛ لكونه فِعْل النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر - ﵁ -. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «وهذا أحبُّ إليّ» ظاهره أنَّه أشار إلى الأربعين التي أَمر بالإمساك عليها، وقد رُوي: أن المعروف من مذهبه الثمانون، فيكون له في ذلك القولان، لكنه دام هو على الثمانين لَمّا كَثُر الإقدام على شرب الخمر. وحاصل هذا الاختلاف في الأحاديث، وبين الصحابة راجع إلى أنه لم يتقدَّر في الخمر حدٌّ محدود، وإنما كان الأدب والتعزير، لكن استقرّ الأمر: أن أقصى ما بلغ فيه إلى الثمانين، فلا يُزاد عليها بوجه، وقد نصَّ على هذا المعنى السائب بن يزيد - ﵁ - فيما خرَّجه البخاريّ قال: كنَّا نُؤتَى بالشارب على عهد رسول الله - ﷺ -، وإِمرة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عَتَوا وفَسَقُوا جلد ثمانين، وعلى هذا فلا ينبغي أن يُعْدَل عن الثمانين؛ لأنَّه الذي استقرَّ عليه آخر أمر الصحابة أجمعين. انتهى . وقوله: (زَادَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ) يعني: ابن عُليّة، (وَقَدْ سَمِعْتُ حَدِيثَ الدَّانَاجِ مِنْهُ)؛ أي: من الداناج نفسه، (فَلَمْ أَحْفَظْهُ) يعني: أنه لم يُتقنه منه كما ينبغي، ثم أتقنه بروايته عن سعيد بن أبي عروبة. وحاصل معنى كلام إسماعيل ابن عليّة ﵀ هذا أنه سمع هذا الحديث من عبد الله الداناج من غير واسطة، لكنه لم يُتقنه منه، ثم سمعه بواسطة ابن أبي عروبة، فرواه عنه؛ لكونه حَفِظه، وأتقنه، وإن كانت روايته عن الداناج عالية، إلا أن النزول في مثل هذا هو العلوّ معنى؛ لأن الشرط الأساسيّ في الرواية هو الحفظ والإتقان، لا مجرّد العلوّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٤٤٤٩] (١٧٠٧)، و(أبو داود) في «الحدود» (٤٤٨٠)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥٢٦٩)، و(ابن ماجه) في «الحدود» (٢٥٧١)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٥)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٨٢ و١٤٠ و١٤٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٣٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٥١)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٥٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١/ ٣٨٩)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ٢٠٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٣١٦ و٣١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجود الحدّ في شرب الخمر. ٢ - (ومنها): بيان أن الحدّ يقيمه الإمام، أو من أمره به. ٣ - (ومنها): ما قال النوويّ ﵀: هذا دليل على أن عليًّا - ﵁ - كان معظمًا لآثار عمر وأن حكمه وقوله سنةٌ، وأمْره حقّ، وكذلك أبو بكر - ﵁ -؛ خلافَ ما تَكْذِبه الشيعة عليه. وقال القرطبيّ ﵀: هذا دليل واضح على اعتقاد عليّ - ﵁ - صحة إمامة الخليفتين: أبي بكر، وعمر - ﵄ -، وأن حُكمهما يقال عليه: سُنَّةٌ؛ خلافًا للرافضة والشيعة، وهو أعظم حُجَّة عليهم؛ لأنَّه قول متبوعهم؛ الذي يتعصبون له، ويعتقدون فيه ما يتبرأ هو منه، وكيف لا تكون أقوال أبي بكر وعمر، وأفعالهما سُنَّة، وقد قال - ﷺ -: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»؟!. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): أخرج الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه» حديث السائب بن يزيد - ﵁ - قال: «كنّا نُؤتَى بالشارب على عهد رسول الله - ﷺ -، وإمرة أبي بكر، فصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى عَتَوْا، وفَسَقوا جلد ثمانين». انتهى. وقد أفاض الحافظ ﵀ في شرح هذا الحديث، وذكر فيه مباحث جيّدة مفيدةً لها تعلّق بحديث عليّ - ﵁ - هذا الذي أخرجه مسلم هنا، أحببت إيرادها هنا ملخّصةً؛ لشدّة تعلّقها بما نحن فيه، من توضيح حديث عليّ - ﵁ - المذكور، ولا سيّما وقد طعن الطحاويّ في صحّته، كما سيأتي بيانه مع الردّ عليه. قال ﵀: قوله: «حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين» ظاهره أن التحديد بأربعين إنما وقع في آخر خلافة عمر، وليس كذلك؛ لِمَا في قصة خالد بن الوليد، وكتابته إلى عمر، فإنه يدلّ على أن أَمْر عمر بجلد ثمانين كان في وسط إمارته؛ لأن خالدًا مات في وسط خلافة عمر، وإنما المراد بالغاية المذكورة أوّلًا استمرار الأربعين، فليست الفاء معقبة لآخر الإمرة، بل لزمان أبي بكر، وبيان ما وقع في زمن عمر، فالتقدير: فاستمرّ جلد أربعين، والمراد بالغاية الأخرى في قوله: «حتى إذا عَتَوا»: تأكيد الغاية الأولى، وبيان ما صَنَع عمر بعد الغاية الأولى، وقد أخرجه النسائيّ من رواية المغيرة بن عبد الرحمن، عن الجعيد بلفظ: «حتى كان وسط إمارة عمر، فجلد فيها أربعين، حتى إذا عتوا»، وهذه لا إشكال فيها. وقوله: «جلد ثمانين» وقع في مرسل عُبيد بن عُمير أحد كبار التابعين فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه، نحو حديث السائب، وفيه: أن عمر جعله أربعين سوطًا، فلما رآهم لا يتناهون جعله ستين سوطًا، فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطًا، وقال: هذا أدنى الحدود، وهذا يدل على أنه وافق عبد الرحمن بن عوف في أن الثمانين أدنى الحدود، وأراد بذلك الحدود المذكورة في القرآن، وهي: حَدُّ الزنا، وحدّ السرقة بالقطع، وحد القذف، وهو أخفها عقوبة، وأدناها عددًا. وقد مضى من حديث أنس في رواية شعبة وغيره سبب ذلك، وكلام عبد الرحمن فيه، حيث قال: أخفّ الحدود ثمانون، فأمر به عمر. وأخرج مالك في «الموطأ» عن ثور بن زيد، أن عمر استشار في الخمر، فقال له عليّ بن أبي طالب: نرى أن تجعله ثمانين، فإنه إذا شَرِبَ سَكِر، وإذا سَكِر هَذَى، فإذا هَذَى افترى، فجلد عمر في الخمر ثمانين. وهذا معضلٌ، وقد وصله النسائيّ، والطحاويّ من طريق يحيى بن فُليح، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس مطوّلًا، ولفظه: «إن الشُّرّاب كانوا يُضربون على عهد رسول الله - ﷺ - بالأيدي، والنعال، والعصا، حتى تُوُفّي، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم، فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم حدًّا، فتوخى نحو ما كانوا يُضربون في عهد النبيّ - ﷺ -، فجلدهم أربعين، حتى تُوُفّي، ثم كان عمر، فجلدهم كذلك، حتى أُتِي برجل، فذكر قصة، وأنه تأوّل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة: ٩٣]، وأن ابن عباس ناظره في ذلك، واحتج ببقية الآية، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾، والذي يرتكب ما حرّمه الله ليس بمتقٍ، فقال عمر: ما ترون؟ فقال عليّ، فَذَكره، وزاد بعد قوله: «وإذا هَذَى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة»، فأَمَر به عمر، فجلده ثمانين. ولهذا الأثر عن عليّ طرق أخرى، منها: ما أخرجها الطبرانيّ، والطحاويّ، والبيهقيّ من طريق أسامة بن زيد، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، أن رجلًا من بني كلب، يقال له: ابن دبرة أخبره، أن أبا بكر كان يجلد في الخمر أربعين، وكان عمر يجلد فيها أربعين، قال: فبعثني خالد بن الوليد إلى عمر، فقلت: إن الناس قد انهمكوا في الخمر، واستخفّوا العقوبة، فقال عمر لمن حوله: ما ترون؟ قال: ووجدت عنده عليًّا، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف في المسجد، فقال عليّ، فذكر مثل رواية ثور الموصولة. ومنها: ما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة: أن عمر شاور الناس في الخمر، فقال له عليّ: إن السكران إذا سَكِر هَذَى. . . الحديث. ومنها: ما أخرجه ابن أبي شيبة، من رواية أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ قال: شَرِب نفر من أهل الشام الخمر، وتأولوا الآية المذكورة، فاستشار عمر فيهم، فقلت: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين ثمانين، وإلا ضربت أعناقهم؛ لأنهم استحلوا ما حرّم الله، فاستتابهم، فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين. وأخرج أبو داود، والنسائيّ من حديث عبد الرحمن بن أزهر، في قصة الشارب الذي ضربه النبيّ - ﷺ - بِحُنَين، وفيه: فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد: إن الناس قد انهمكوا في الشرب، وتحاقروا العقوبة، قال: وعنده المهاجرون، والأنصار، فسألهم، واجتمعوا على أن يضربه ثمانين، وقال عليّ، فذكر مثله. وأخرج عبد الرزاق، عن ابن جريج، ومعمر، عن ابن شهاب، قال: فرض أبو بكر في الخمر أربعين سوطًا، وفرض فيها عمر ثمانين. قال الطحاويّ: جاءت الأخبار متواترة عن عليّ أن النبيّ - ﷺ - لم يَسُنّ في الخمر شيئًا، ويؤيده. . . فذكر الأحاديث التي ليس فيها تقييد بعدد: حديثَ أبي هريرة، وحديثَ عقبة بن الحارث المتقدمين، وحديثَ عبد الرحمن بن أزهر: «أن النبيّ - ﷺ - أُتِي برجل قد شرب الخمر، فقال للناس: اضربوه، فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من ضربه بالجريد، ثم أخذ رسول الله - ﷺ - ترابًا، فرمى به في وجهه». وتُعُقِّب بأنه قد ورد في بعض طرقه ما يخالف قوله، وهو ما عند أبي داود، والنسائيّ في هذا الحديث: «ثم أتي أبو بكر بسكران، فتوخى الذي كان مِنْ ضَرْبهم عند رسول الله - ﷺ -، فضربه أربعين، ثم أُتي عمر بسكران، فضربه أربعين»، فإنه يدلّ على أنه وإن لم يكن في الخبر تنصيص على عدد معين، ففيما اعتمده أبو بكر حجة على ذلك، ويؤيده ما أخرجه مسلم من طريق حُضين - بمهملة، وضاد معجمة، مصغرًا - ابن المنذر: «أن عثمان أمر عليًّا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبد الله بن جعفر: اجْلِدْه، فجلده، فلما بلغ أربعين قال: أمسك، جلد رسول الله - ﷺ - أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلٌّ سُنَّة، وهذا أحب إليّ»، فإن فيه الجزم بأن النبيّ - ﷺ - جلد أربعين، وسائر الأخبار ليس فيها عدد، إلا بعض الروايات الماضية عن أنس، ففيها: «نحو الأربعين». والجمع بينها أن عليًّا أطلق الأربعين، فهو حجة على من ذكرها بلفظ التقريب. وادَّعَى الطحاويّ أن رواية أبي ساسان هذه ضعيفة؛ لمخالفتها الآثار المذكورة، ولأن راويها عبد الله بن فيروز المعروف بالداناج - بنون، وجيم - ضعيف. وتعقبه البيهقيّ بأنه حديث صحيح، مخرَّج في المسانيد، والسنن، وأن الترمذيّ سأل البخاريّ عنه، فقوّاه، وقد صححه مسلم، وتلقاه الناس بالقبول. وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شيء في هذا الباب، قال البيهقيّ: وصحة الحديث إنما تُعرف بثقة رجاله، وقد عرفهم حفاظ الحديث، وقبلوهم، وتضعيفه الداناج لا يُقْبَل؛ لأن الجرح بعد ثبوت التعديل لا يُقبل إلا مفسَّرًا، ومخالفة الراوي غيره في بعض ألفاظ الحديث لا تقتضي تضعيفه، ولا سيما مع ظهور الجمع. قال الحافظ: وَثَّقَ الداناج المذكورَ: أبو زرعة، والنسائيّ، وقد ثبت عن عليّ في هذه القصة من وجه آخر أنه جلد الوليد أربعين، ثم ساقه من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، وقال: أخرجه البخاريّ، وهو كما قال، وقد تقدم في مناقب عثمان، وأن بعض الرواة قال فيه: «إنه جلد ثمانين»، وذكرت ما قيل في ذلك هناك . وطَعَن الطحاويّ ومن تبعه في رواية أبي ساسان أيضًا بأن عليًّا قال: «وهذا أحبّ إليّ»؛ أي: جلد أربعين، مع أن عليًّا جلد النجاشي الشاعر في خلافته ثمانين، وبأن ابن أبي شيبة أخرج من وجه آخر، عن علي: «أن حد النبيذ ثمانون». والجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أنه لا تصح أسانيد شيء من ذلك عن عليّ - ﵁ -. والثاني: على تقدير ثبوته، فإنه يجوز أن ذلك يختلف بحال الشارب، وأن حدّ الخمر لا ينقص عن الأربعين، ولا يزاد على الثمانين، والحجة إنما هي في جزمه بأنه - ﷺ - جلد أربعين. وقد جَمَع الطحاويّ بينهما بما أخرجه هو والطبريّ من طريق أبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين أن عليًّا جلد الوليد بسوط له طرفان، وأخرج الطحاويّ أيضًا من طريق عروة مثله، لكن قال: له ذَنَبان، أربعين جلدة في الخمر في زمن عثمان، قال الطحاويّ: ففي هذا الحديث أن عليًّا جلده ثمانين؛ لأن كل سوط سوطان. وتُعُقّب بأن السند الأول منقطع، فإن أبا جعفر وُلد بعد موت عليّ بأكثر من عشرين سنة، وبأن الثاني في سنده ابن لَهِيعة، وهو ضعيف، وعروة لم يكن في الوقت المذكور مميِّزًا، وعلى تقدير ثبوته فليس في الطريقين أن الطرفين أصاباه في كل ضربة. وقال البيهقيّ: يَحْتَمِل أن يكون ضَرَبه بالطرفين عشرين، فأراد بالأربعين ما اجتَمَع من عشرين وعشرين، وبوضّح ذلك قوله في بقية الخبر: «وكلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أحب إليّ»؛ لأنه لا يقتضي التغاير، والتأويل المذكور يقتضي أن يكون كلٌّ من الفريقين جَلَد ثمانين، فلا يبقى هناك عدد يقع التفاضل فيه. وأما دعوى من زعم أن المراد بقوله: «هذا» الإشارة إلى الثمانين، فيلزم من ذلك أن يكون عليّ رجَّح ما فَعَلَ عمر على ما فَعَلَ النبيّ - ﷺ - وأبو بكر، وهذا لا يُظَنّ به، قاله البيهقيّ. واستَدَلّ الطحاويّ لِضَعف حديث أبي ساسان بما تقدَّم ذكره من قول عليّ: «إنه إذا سَكِر هَذَى. . . إلخ»، قال: فلما اعتَمَد عليّ في ذلك على ضرب المِثل، واستخرج الحدّ بطريق الاستنباط دلّ على أنه لا توقيف عنده من الشارع في ذلك، فيكون جزمه بأن النبيّ - ﷺ - جَلَد أربعين غلطًا من الراوي؛ إذ لو كان عنده الحديث المرفوع لم يَعْدِل عنه إلى القياس، ولو كان عند من بحضرته من الصحابة كعمر، وسائر من ذُكِر في ذلك شيء مرفوع لأنكروا عليه. وتُعُقّب بأنه إنما يتجه الإنكار لو كان المنزع واحدًا، فأما مع الاختلاف فلا يتجه الإنكار، وبيان ذلك أن في سياق القصة ما يقتضي أنهم كانوا يعرفون أن الحدّ أربعون، وإنما تشاوروا في أمر يحصل به الارتداع، يزيد على ما كان مقرّرًا، ويشير إلى ذلك ما وقع من التصريح في بعض طرقه أنهم احتقروا العقوبة، وانهمكوا، فاقتضى رأيهم أن يُضيفوا إلى الحدّ المذكور قَدْره، إما اجتهادًا بناءً على جواز دخول القياس في الحدود، فيكون الكلّ حدًّا، أو استنبطوا من النص معنى يقتضي الزيادة في الحدّ، لا النقصان منه، أو القدرُ الذي زادوه كان على سبيل التعزير؛ تحذيرًا وتخويفًا؛ لأن من احتَقَر العقوبة إذا عرف أنها غُلِّظت في حقه كان أقرب إلى ارتداعه، فَيَحْتَمِل أن يكونوا ارتدعوا بذلك، ورجع الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك، فرأى عليّ الرجوع إلى الحدّ المنصوص، وأعرض عن الزيادة لانتفاء سببها. ويَحْتَمِل أن يكون القَدْر الزائد كان عندهم خاصًّا بمن تمرّد، وظهرت منه أمارات الاشتهار بالفجور، ويدلّ على ذلك أن في بعض طرق حديث الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عند الدارقطنيّ وغيره: فكان عمر إذا أُتي بالرجل الضعيف تكون منه الزلّة جلده أربعين، قال: وكذلك عثمان جلد أربعين وثمانين. وقال المازريّ: لو فَهِمَ الصحابة - ﵃ - أن النبيّ - ﷺ - حَدّ في الخمر حدًّا معيَّنًا، لَمَا قالوا فيه بالرأي، كما لم يقولوا بالرأي في غيره، فلعلهم فَهِمُوا أنه ضرب فيه باجتهاده في حقّ من ضربه. انتهى. وقد وقع التصريح بالحدّ المعلوم، فوجب المصير إليه، ورُجِّح القولُ بأن الذي اجتهدوا فيه زيادة على الحدّ إنما هو التعزير، على القول بأنهم اجتهدوا في الحدّ المعيّن؛ لِمَا يلزم منه من المخالفة التي ذكرها، كما سبق تقريره. وقد أخرج عبد الرزاق، عن ابن جريج، أنبأنا عطاء، أنه سمع عُبيد بن عُمير يقول: «كان الذي يَشرب الخمر يضربونه بأيديهم، ونعالهم، فلما كان عمر فعل ذلك حتى خَشِي، فجعله أربعين سوطًا، فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطًا، وقال: هذا أخف الحدود». والجمع بين حديث عليّ - ﵁ - المصرِّح بأن النبيّ - ﷺ - جلد أربعين، وأنه سُنَّة، وبين حديثه أن النبيّ - ﷺ - لم يَسُنّه بأن يُحْمَل النفي على أنه لم يحدّ الثمانين؛ أي: لم يسنّ شيئًا زائدًا على الأربعين. ويؤيده قوله: «وإنما هو شيء صنعناه نحن»، يشير إلى ما أشار به على عمر، وعلى هذا فقوله: «لو مات لَودَيْته»؛ أي: في الأربعين الزائدة، وبذلك جزم البيهقي، وابن حزم. ويَحْتَمِل أن يكون قوله: «لم يَسُنَّه»؛ أي: الثمانين؛ لقوله في الرواية الأخرى: «وإنما هو شيء صنعناه»، فكأنه خاف من الذي صنعوه باجتهادهم أن لا يكون مطابقًا، واختَصَّ هو بذلك؛ لكونه الذي كان أشار بذلك، واستَدَلّ له، ثم ظهر له أن الوقوف عند ما كان الأمر عليه أوّلًا أَوْلى، فرجع إلى ترجيحه، وأَخبر بأنه لو أقام الحد ثمانين، فمات المضروب، وَدَاه؛ للعلة المذكورة. ويَحْتَمِل أن يكون الضمير في قوله: «لم يَسُنَّه» لصفة الضرب، وكونها بسوط الجلد؛ أي: لم يُسنّ الجلد بالسوط، وإنما كان يُضرب فيه بالنعال وغيرها، مما تقدم ذِكره، أشار إلى ذلك البيهقيّ. وقال ابن حزم أيضًا: لو جاء عن غير عليّ من الصحابة في حكم واحد أنه مسنون، وأنه غير مسنون لوجب حَمْل أحدهما على غير ما حُمِل عليه الآخر فضلًا عن عليّ، مع سعة علمه، وقوّة فهمه، وإذا تعارض خبر عُمير بن سعيد، وخبر أبي ساسان، فخبر أبي ساسان أولى بالقبول؛ لأنه مصرَّح فيه برفع الحديث عن عليّ، وخبر عُمير موقوف على عليّ، وإذا تعارض المرفوع والموقوف قُدِّم المرفوع. وأما دعوى ضعف سند أبي ساسان فمردودة، والجمع أَولى مهما أمكن من توهين الأخبار الصحيحة، وعلى تقدير أن تكون إحدى الروايتين وَهْمًا، فرواية الإثبات مقدَّمة على رواية النفي، وقد ساعدتها رواية أنس على اختلاف ألفاظ النَّقَلَة عن قتادة، وعلى تقدير أن يكون بينهما تمام التعارض، فحديث أنس سالم من ذلك. واستُدِلّ بصنيع عمر في جلد شارب الخمر ثمانين على أن حد الخمر ثمانون، وهو قول الأئمة الثلاثة، وأحد القولين للشافعيّ، واختاره ابن المنذر، والقول الآخر للشافعيّ، وهو الصحيح أنه أربعون، وجاء عن أحمد كالمذهبين. قال القاضي عياض: أجمعوا على وجوب الحدّ في الخمر، واختلفوا في تقديره، فذهب الجمهور إلى الثمانين، وقال الشافعيّ في المشهور عنه، وأحمد في رواية، وأبو ثور، وداود: أربعين. قال الحافظ: وتبعه على نقل الإجماع ابن دقيق العيد، والنوويّ، ومَنْ تَبِعهما، وتُعُقّب بأن الطبريّ وابن المنذر، وغيرهما حَكَوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حدّ فيها، وإنما فيها التعزير، واستدلوا بأحاديث الباب، فإنها ساكتة عن تعيين عدد الضرب، وأصرحها حديث أنس، ولم يجزم فيه بالأربعين في أرجح الطرق عنه. وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريجِ ومعمر: سئل ابن شهاب: كم جَلَد رسول الله - ﷺ - في الخمر؟ فقال: لم يكن فرَض فيها حدًّا، كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم، حتى يقول لهم: ارفعوا. وورد أنه لم يضربه أصلًا، وذلك فيما أخرجه أبو داود، والنسائيّ بسند قويّ عن ابن عباس - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - لم يوقّت في الخمر حدًّا، قال ابن عباس: وشَرِب رجل، فسَكِر، فانطُلِق به إلى النبيّ - ﷺ -، فلما حاذى دار العباس انفلَتَ، فدخل على العباس، فالتزمه، فذكِر ذلك للنبيّ - ﷺ -، فضَحِك، ولم يأمر فيه بشيء. وأخرج الطبريّ من وجه آخر عن ابن عباس: «ما ضرب رسول الله - ﷺ - في الخمر إلا أخيرًا، ولقد غزا تبوك، فغَشِي حجرته من الليل سكران، فقال: ليقم إليه رجل، فيأخذ بيده حتى يردّه إلى رحله». والجواب أن الإجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحدّ؛ لأن أبا بكر تحرَّى ما كان النبيّ - ﷺ - ضَرَب السكران، فصيّره حدًّا، واستمرّ عليه، وكذا استمرّ مَنْ بعده، وإن اختلفوا في العدد. وجَمَع القرطبيّ بين الأخبار بأنه لم يكن أوّلًا في شُرب الخمر حدّ، وعلى ذلك يُحْمَل حديث ابن عباس في الذي استجار بالعباس، ثم شُرع فيه التعزير، على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها، ثم شُرع الحدّ، ولم يطّلع أكثرهم على تعيينه صريحًا مع اعتقادهم أن فيه الحدّ المعيَّن، ومِن ثَمّ توخى أبو بكر ما فُعل بحضرة النبيّ - ﷺ -، فاستَقَرّ عليه الأمر، ثم رأى عمر، ومن وافقه الزيادة على الأربعين، إما حدًّا بطريق الاستنباط، وإما تعزيرًا. قال الجامع عفا الله عنه: هذا المسلك الذي سلكه القرطبيّ ﵀ في الجمع مسلك واضح، فتأمله بإمعان، والله تعالى أعلم. واحتَجّ من قال: إن حده ثمانون بالإجماع في عهد عمر، حيث وافقه على ذلك كبار الصحابة. وتُعُقّب بأن عليًّا أشار على عمر بذلك، ثم رجع عليّ عن ذلك، واقتصر على الأربعين؛ لأنها القَدْر الذي اتفقوا عليه في زمن أبي بكر، مستندِين إلى تقدير ما فُعِل بحضرة النبيّ - ﷺ -، وأما الذي أشار به فقد تبيَّن من سياق قصته أنه أشار بذلك رَدْعًا للذين انهمكوا؛ لأن في بعض طرق القصة كما تقدم أنهم احتقروا العقوبة، وبهذا تمسّك الشافعية، فقالوا: أقل ما في حدّ الخمر أربعون، وتجوز الزيادة فيه إلى الثمانين، على سبيل التعزير، ولا يُجاوز الثمانين، واستندوا إلى أن التعزير إلى رأي الإمام، فرأى عمر فعله بموافقة عليّ، ثم رجع عليّ، ووقف عند ما فعله النبيّ - ﷺ - وأبو بكر، ووافقه عثمان على ذلك، وأما قول عليّ: «وكلٌّ سُنَّةٌ»، فمعناه: أن الاقتصار على الأربعين سُنَّة النبيّ - ﷺ -، فصار إليه أبو بكر، والوصول إلى الثمانين سُنَّةُ عمر؛ ردعًا للشاربين الذين احتقروا العقوبة الأولى، ووافقه من ذُكِر في زمانه للمعنى الذي تقدّم. وسَوَّغ لهم ذلك، إما اعتقادهم جواز القياس في الحدود، على رأي من يجعل الجميع حدًّا، وإما أنهم جعلوا الزيادة تعزيرًا؛ بناءً على جواز أن يُبْلَغ بالتعزير قَدْر الحدّ، ولعلهم لم يبلغهم الخبر الآتي في باب التعزير ، وقد تمسّك بذلك من قال بجواز القياس في الحدود، وادَّعَى إجماع الصحابة، وهي دعوى ضعيفة؛ لقيام الاحتمال. وقد شَنَّع ابن حزم على الحنفية في قولهم: إن القياس لا يدخل في الحدود والكفارات، مع جزم الطحاويّ ومن وافقه منهم بأن حدّ الخمر وقع بالقياس على حدّ القذف، وبه تمسّك من قال بالجواز من المالكية، والشافعية. واحتَجّ من منع ذلك بأن الحدود والكفارات شُرعت بحسب المصالح، وقد تشترك أشياء مختلفة، وتختلف أشياء متساوية، فلا سبيل إلى عِلْم ذلك إلا بالنص. وأجابوا عما وقع في زمن عمر بأنه لا يلزم من كونه جَلَد قَدْر حدّ القذف أن يكون جعل الجميع حدًّا، بل الذي فعلوه محمول على أنهم لم يبلغهم أن النبيّ - ﷺ - حدَّ فيه أربعين؛ إذ لو بلغهم لَمَا جاوزوه، كما لم يجاوزوا غيره من الحدود المنصوصة، وقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يُستنبَطَ من النص معنى يعود عليه بالإبطال، فرَجَح أن الزيادة كانت تعزيرًا. ويؤيده ما أخرجه أبو عبيد في «غريب الحديث» بسند صحيح، عن أبي رافع: «عن عمر أنه أُتي بشارب، فقال لمطيع بن الأسود: إذا أصبحت غدًا فاضربه، فجاء عمر، فوجده يضربه ضربًا شديدًا، فقال: كم ضربته؟ قال: ستين، قال: اقتَصَّ عنه بعشرين»، قال أبو عبيد: يعني اجعل شدّة ضربك له قِصاصًا بالعشرين التي بقيت من الثمانين. قال أبو عبيد: فيؤخذ من هذا الحديث أن ضرب الشارب لا يكون شديدًا، وأن لا يُضْرَب في حال السُّكر؛ لقوله: إذا أصبحت فاضربه. قال البيهقيّ: ويؤخذ منه أن الزيادة على الأربعين ليست بحدّ؛ إذ لو كانت حدًّا لَمَا جاز النقص منه بشدة الضرب؛ إذ لا قائل به. وقال صاحب «المفهم» ما ملخصه - بعد أن ساق الأحاديث الماضية -: هذا كله يدلّ على أن الذي وقع في عهد النبيّ - ﷺ - كان أدبًا وتعزيرًا، ولذلك قال عليّ - ﵁ -: فإن النبيّ - ﷺ - لم يَسُنَّه، فلذلك ساغ للصحابة الاجتهاد فيه، فألحقوه بأخف الحدود، وهذا قول طائفة من علمائنا، وَيرِدُ عليهم قول عليّ: جَلَد النبيّ - ﷺ - أربعين، وكذا وقوع الأربعين في عهد أبي بكر، وفي خلافة عمر أوّلًا أيضًا، ثم في خلافة عثمان، فلولا أنه حدّ لاختلف التقدير، ويؤيده قيام الإجماع على أن في الخمر الحدّ، وإن وقع الاختلاف في الأربعين والثمانين، قال: والجواب أن النقل عن الصحابة اختَلَف في التحديد والتقدير، ولا بدّ من الجمع بين مختلِف أقوالهم، وطريقه أنهم فَهِمُوا أن الذي وقع في زمنه - ﷺ - كان أدبًا من أصل ما شاهدوه من اختلاف الحال، فلما كَثُر الإقدام على الشرب ألحقوه بأخف الحدود المذكورة في القرآن، وقَوَّى ذلك عندهم وجود الافتراء من السُّكر، فاثبتوها حدًّا، ولهذا أَطلق عليّ أن عمر جلد ثمانين، وهي سُنَّة، ثم ظهر لعليّ أن الاقتصار على الأربعين أَولى؛ مخافة أن يموت، فتجب فيه الدية، ومراده بذلك الثمانون، وبهذا يُجمع بين قوله: «لم يَسُنَّه»، وبين تصريحه بأنه - ﷺ - جلد أربعين. قال: وغاية هذا البحث أن الضرب في الخمر تعزير، يمنع من الزيادة على غايته، وهي مختلَف فيها، قال: وحاصل ما وقع من استنباط الصحابة أنهم أقاموا السُّكر مقام القذف؛ لأنه لا يخلو عنه غالبًا، فأعطوه حكمه، وهو من أقوى حجج القائلين بالقياس، فقد اشتهرت هذه القصة، ولم ينكرها في ذلك الزمان منكِر، قال: وقد اعترض بعض أهل النظر بأنه إن ساغ إلحاق حدّ السُّكر بحدّ القذف، فليُحْكَم له بحُكم الزنا والقتل؛ لأنهما مظنته، وليقتصروا في الثمانين على من سَكِر لا على من اقتصر على الشرب، ولم يَسْكَر. قال: وجوابه أن المظنة موجودة غالبًا في القذف، نادرة في الزنا والقتل، والوجود يُحقق ذلك، وإنما أقاموا الحدّ على الشارب، وإن لم يَسْكَر مبالغةً في الردع؛ لأن القليل يدعو إلى الكثير، والكثير يُسكر غالبًا، وهو المظنة، ويؤيده أنهم اتفقوا على إقامة الحدّ في الزنا بمجرد الإيلاج، وإن لم يتلذذ، ولا أنزل، ولا أكمل. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه القرطبيّ ﵀ قد تقدّم أنه ما رجّحته، وهو حقيق بذلك؛ فتأمله بإمعان، والله تعالى أعلم. قال الحافظ ﵀: والذي تحصّل لنا من الآراء في حدّ الخمر ستة أقوال: الأول: أن النبيّ - ﷺ - لم يجعل فيها حدًّا معلومًا، بل كان يقتصر في ضرب الشارب على ما يليق به، قال ابن المنذر: قال بعض أهل العلم: أُتِي النبيّ - ﷺ - بسكران، فأمرهم بضربه، وتبكيته، فدلّ على أن لا حدّ في السُّكر، بل فيه التنكيل والتبكيت، ولو كان ذلك على سبيل الحدّ لبيّنه بيانًا واضحًا، قال: فلمّا كَثُر الشراب في عهد عمر استشار الصحابة، ولو كان عندهم عن النبيّ - ﷺ - شيء محدود لَمَا تجاوزوه، كما لم يتجاوزوا حدّ القذف، ولو كَثُر القاذفون، وبالغوا في الفحش، فلما اقتضى رأيهم أن يجعلوه كحدّ القذف، واستدَلّ عليّ بما ذَكَر من أن في تعاطيه ما يؤدي إلى وجود القذف غالبًا، أو إلى ما يُشبه القذف، ثم رجع إلى الوقوف عند تقدير ما وقع في زمن النبيّ - ﷺ - دلّ على صحة ما قلناه؛ لأن الروايات في التحديد بأربعين اختَلَفت عن أنس، وكذا عن عليّ، فالأَوْلى أن لا يتجاوز أقل ما ورد أن النبيّ - ﷺ - ضربه؛ لأنه المحقَّق، سواء كان ذلك حدًّا أو تعزيرًا. الثاني: أن الحد فيه أربعون، ولا تجوز الزيادة عليها. الثالث: مثله، لكن للإمام أن يبلغ به ثمانين، وهل تكون الزيادة من تمام الحدّ، أو تعزيرًا؟ قولان. الرابع: أنه ثمانون، ولا تجوز الزيادة عليها. الخامس: كذلك، وتجوز الزيادة تعزيرًا، وعلى الأقوال كلها، هل يتعيَّن الجلد بالسوط، أو يتعيَّن بما عداه، أو يجوز بكل من ذلك؟ أقوال. السادس: إن شرب، فجُلد ثلاث مرات، فعاد الرابعة وجب قتله، وقيل: إن شرب أربعًا، فعاد الخامسة وجب قتله. قال الحافظ: وهذا السادس في الطرف الأبعد من القول الأول، وكلاهما شاذّ، وأظن الأول رأي البخاريّ، فإنه لم يُترجم بالعدد أصلًا، ولا أَخْرَج هنا في العدد الصريح شيئًا مرفوعًا. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن المذهب الأول هو الأوضح، والأرجح، كما هو ظاهر مذهب الإمام البخاريّ، فتأمله بالإمعان، ولا يتعارض هذا مع ما قدّمته من ترجيح قول القرطبيّ؛ لأن قوله موافق لهذا القول، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال: وتمسَّك من قال: لا يزاد على الأربعين، بأن أبا بكر تحرى ما كان في زمن النبيّ - ﷺ -، فوجده أربعين، فَعَمِل به، ولا يُعلم له في زمنه مخالف، فإن كان السكوت إجماعًا فهذا الإجماع سابق على ما وقع في عهد عمر، والتمسك به أولى؛ لأن مستنَده فِعْل النبيّ - ﷺ -، ومن ثَمّ رجع إليه عليّ، ففعله في زمن عثمان بحضرته، وبحضرة من كان عنده من الصحابة، منهم عبد الله بن جعفر الذي باشر ذلك، والحسن بن عليّ، فإن كان السكوت إجماعًا فهذا هو الأخير، فينبغي ترجيحه. وتمسَّك من قال بجواز الزيادة بما صُنع في عهد عمر من الزيادة، ومنهم من أجاب عن الأربعين بأن المضروب كان عبدًا، وهو بعيد، فاحتمل الأمر أن يكون حدًّا، أو تعزيرًا. وتمسَّك من قال بجواز الزيادة على الثمانين تعزيرًا بما تقدم في «الصيام» أن عمر حَدَّ الشارب في رمضان، ثم نفاه إلى الشام، وبما أخرجه ابن أبي شيبة أن عليًّا جلد النجاشيّ الشاعر ثمانين، ثم أصبح فجلده عشرين بجراءته بالشرب في رمضان. وتمسَّك من قال: يُقتَل في الرابعة، أو الخامسة بما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. وقد استقرّ الإجماع على ثبوت حدّ الخمر، وأن لا قَتْل فيه، واستمر الاختلاف في الأربعين والثمانين، وذلك خاص بالحرّ المسلم، وأما الذميّ فلا يُحدّ فيه، وعن أحمد رواية أنه يحدّ، وعنه إن سَكِر، والصحيح عندهم كالجمهور، وأما من هو في الرقّ فهو على النصف من ذلك، إلا عند أبي ثور، وأكثر أهل الظاهر، فقالوا: الحر والعبد في ذلك سواء، لا ينقص عن الأربعين، نقله ابن عبد البر وغيره عنهم، وخالفهم ابن حزم، فوافق الجمهور. انتهى ما في «الفتح» ، وهو تحقيق مفيد جدًّا، وإن كان فيه طول، لكنه يُغتفر لغزارة فوائده، وكثرة عوائده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذِكْر الأحاديث الواردة في قتل شارب الخمر في المرّة الرابعة: أخرج الشافعيّ في رواية حرملة عنه، وأبو داود، وأحمد، والنسائيّ، والدارميّ، وابن المنذر، وصححه ابن حبان، كلهم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، رفعه: «إذا سَكِر فاجلدوه، ثم إذا سَكِر فاجلدوه، ثم إذا سكر فاجلدوه، ثم إذا سكر فاقتلوه»، ولبعضهم: «فاضربوا عنقه»، وله من طريق أخرى، عن أبي هريرة، أخرجها عبد الرزاق، وأحمد، والترمذيّ تعليقًا، والنسائيّ، كلهم من رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عنه، بلفظ: «إذا شربوا فاجلدوهم ثلاثًا، فإذا شربوا الرابعة فاقتلوهم»، ورَوَى عن عاصم بن بَهْدَلة، عن أبي صالح، فقال أبو بكر بن عياش عنه، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، كذا أخرجه ابن حبان، من رواية عثمان بن أبي شيبة، عن أبي بكر، وأخرجه الترمذيّ، عن أبي غريب، عنه، فقال: عن معاوية، بدل أبي سعيد، وهو المحفوظ، وكذا أخرجه أبو داود، من رواية أبان العطار، عنه، وتابعه الثوريّ، وشيبان بن عبد الرحمن، وغيرهما عن عاصم، ولفظ الثوريّ، عن عاصم: «ثم إن شرب الرابعة، فاضربوا عنقه»، ووقع في رواية أبان عند أبي داود: «ثم إن شربوا فاجلدوهم ثلاث مرات بعد الأُولى»، ثم قال: «إن شربوا، فاقتلوهم»، ثم ساقه أبو داود من طريق حميد بن يزيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: وأحسبه قال في الخامسة: «ثم إن شربها فاقتلوه»، قال: وكذا في حديث غُطيف في الخامسة، قال أبو داود: وفي رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، وسهيل بن أبي صالح، عن أبيه كلاهما عن أبي هريرة: في الرابعة، وكذا في رواية ابن أبي نُعْم، عن ابن عمر، وكذا في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص، والشريد، وفي رواية معاوية: «فإن عاد في الثالثة، أو الرابعة فاقتلوه»، وقال الترمذي بعد تخريجه: وفي الباب عن أبي هريرة، والشريد، وشُرحبيل بن أوس، وأبي الرمداء، وجرير، وعبد الله بن عمرو. قال الحافظ: وقد ذكرتُ حديث أبي هريرة، وأما حديث الشريد، وهو ابن أوس الثقفيّ، فأخرجه أحمد، والدارميّ، والطبرانيّ، وصححه الحاكم، بلفظ: «إذا شرب فاضربوه، - وقال في آخره - ثم إن عاد الرابعة فاقتلوه». وأما حديث شُرَحبيل، وهو الكنديّ، فأخرجه أحمد، والحاكم، والطبرانيّ، وابن منده في «المعرفة»، ورواته ثقات، نحو رواية الذي قبله، وصححه الحاكم من وجه آخر. وأما حديث أبي الرمداء - وهو بفتح الراء، وسكون الميم، بعدها دال مهملة، وبالمد، وقيل بموحدة، ثم ذال معجمة - وهو بلويّ نزل مصر، فأخرجه الطبرانيّ، وابن منده، وفي سنده ابن لَهِيعة، وفي سياق حديثه: «أن النبيّ - ﷺ - أمر بالذي شَرِب الخمر في الرابعة أن تُضرب عنقه، فضُربت»، فأفاد أن ذلك عُمِل به قبل النسخ، فإن ثبت كان فيه ردّ على من زعم أنه لم يُعمل به. وأما حديث جرير، فأخرجه الطبرانيّ، والحاكم، ولفظه: «من شرب الخمر فاجلدوه، وقال فيه: فإن عاد في الرابعة فاقتلوه». وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فأخرجه أحمد، والحاكم من وجهين عنه، وفي كلٍّ منهما مقال، ففي رواية شهر بن حوشب عنه: «فإن شربها الرابعة فاقتلوه». قال الحافظ: ورويناه عن أبي سعيد أيضًا كما تقدم، وعن ابن عمر، وأخرجه النسائيّ، والحاكم، من رواية عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن ابن عمر، ونفر من الصحابة بنحوه، وأخرجه الطبرانيّ موصولًا من طريق عياض بن غُطيف، عن أبيه، وفيه: «في الخامسة»، كما أشار إليه أبو داود، وأخرجه الترمذي تعليقًا، والبزار، والشافعيّ، والنسائيّ، والحاكم، موصولًا من رواية محمد بن المنكدر، عن جابر، وأخرجه البيهقيُّ، والخطيب في «المبهمات» من وجهين آخرين عن ابن المنكدر، وفي رواية الخطيب: «جلد»، وللحاكم من طريق يزيد بن أبي كبشة: سمعت رجلًا من الصحابة يحدث عبد الملك بن مروان، رفعه بنحوه: «ثم إن عاد في الرابعة فاقتلوه»، وأخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن المنكدر مرسلًا، وفيه: «أُتي بابن النعيمان بعد الرابعة، فجلده»، وأخرجه الطحاويّ من رواية عمرو بن الحارث، عن ابن المنكدر: أنه بلغه، وأخرجه الشافعيّ، وعبد الرزاق، وأبو داود، من رواية الزهريّ، عن قَبِيصة بن ذُؤيب، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من شَرِب الخمر فاجلدوه - إلى أن قال -: ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه، قال: فأتي برجل قد شَرِب فجلده، ثم أُتي به قد شرب فجلده، ثم أُتي به وقد شرب فجلده، ثم أُتي به في الرابعة قد شرب فجلده، فرُفع القتل عن الناس، وكانت رخصة»، وعَلَّقه الترمذيّ، فقال: رَوَى الزهريّ، وأخرجه الخطيب في «المبهمات» من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، وقال فيه: «فأُتي برجل من الأنصار، يقال له: نعيمان، فضربه أربع مرات، فرأى المسلمون أن القتل قد أُخِّر، وأن الضرب قد وجب»، وقَبِيصة بن ذُؤيب من أولاد الصحابة، ووُلد في عهد النبيّ - ﷺ -، ولم يسمع منه، ورجال هذا الحديث ثقات، مع إرساله، لكنه أُعِلّ بما أخرجه الطحاويّ، من طريق الأوزاعيّ، عن الزهريّ، قال: «بلغني عن قَبيصة»، ويعارض ذلك رواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ أن قَبيصة حدثه، أنه بَلَغه عن النبيّ - ﷺ -، وهذا أصحّ؛ لأن يونس أحفظ لرواية الزهريّ من الأوزاعيّ، والظاهر أن الذي بَلَّغَ قبيصةَ ذلك صحابيّ، فيكون الحديث على شرط الصحيح؛ لأن إبهام الصحابيّ لا يضرّ، وله شاهد أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، قال: حَدَّثت به ابن المنكدر، فقال: تُرِك ذلك، قد أُتي رسول الله - ﷺ - بابن نعيمان، فجلده ثلاثًا، ثم أُتي به في الرابعة، فجلده، ولم يزده. ووقع عند النسائي من طريق محمد بن إسحاق، عن ابن المنكدر، عن جابر: «فأُتي رسول الله - ﷺ - برجل منا قد شرب في الرابعة، فلم يقتله»، وأخرجه من وجه آخر عن محمد بن إسحاق، بلفظ: «فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه، فضربه رسول الله - ﷺ - أربع مرات، فرأى المسلمون أن الحدّ قد وقع، وأن القتل قد رُفِع». قال الشافعيّ بعد تخريجه: هذا ما لا اختلاف فيه بين أهل العلم عَلِمته، وذكره أيضًا عن أبي الزبير مرسلًا، وقال: أحاديث القتل منسوخة، وأخرجه أيضًا من رواية ابن أبي ذئب، حدّثني ابن شهاب: «أُتي النبيّ - ﷺ - بشارب فجلده، ولم يضرب عنقه». وقال الترمذيّ: لا نعلم بين أهل العلم في هذا اختلافًا في القديم والحديث، قال: وسمعت محمدًا يقول: حديث معاوية في هذا أصحّ، وإنما كان هذا في أول الأمر، ثم نُسِخ بعدُ، وقال في «العلل» آخر الكتاب: جميع ما في هذا الكتاب قد عَمِل به أهل العلم، إلا هذا الحديث، وحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر. وتعقبه النوويّ ، فسَلَّم قوله في حديث الباب دون الآخَر. ومال الخطابيّ إلى تأويل الحديث في الأمر بالقتل، فقال: قد يَرِد الأمر بالوعيد، ولا يُراد به وقوع الفعل، وإنما قُصِد به الردع والتحذير، ثم قال: ويَحْتَمِل أن يكون القتل في الخامسة كان واجبًا، ثم نُسخ بحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يُقتل، وأما ابن المنذر فقال: كان العمل فيمن شرب الخمر أن يُضْرَب، ويُنَكَّل به، ثم نُسِخ بالأمر بجَلده، فإن تكرر ذلك أربعًا قُتِل، ثم نُسخ ذلك بالأخبار الثابتة، وبإجماع أهل العلم إلا من شذّ ممن لا يُعَدّ خلافه خلافًا. قال الحافظ: وكأنه أشار إلى بعض أهل الظاهر، فقد نُقِل عن بعضهم، واستمرّ عليه ابن حزم منهم، واحتَجّ له، وادَّعَى أن لا إجماع، وأورد من مسند الحارث بن أبي أسامة ما أخرجه هو والإمام أحمد، من طريق الحسن البصريّ، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: ائتوني برجل أُقيمَ عليه الحدّ - يعني: ثلاثًا - ثم سَكِر، فإن لم أقتله فأنا كذّاب. وهذا منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو، كما جزم به ابن المدينيّ وغيره، فلا حجة فيه، وإذا لم يصح هذا عن عبد الله بن عمرو لم يبق لمن رَدّ الإجماع على ترك القتل متمسَّك، حتى ولو ثبت عن عبد الله بن عمرو لكان عُذْره أنه لم يبلغه النسخ، وعُدّ ذلك من نزره المخالف. وقد جاء عن عبد الله بن عمرو أشدّ من الأول، فأخرج سعيد بن منصور عنه، بسند لَيِّن قال: لو رأيت أحدًا يشرب الخمر، واستطعت أن أقتله لقتلته. وأما قول بعض من انتصر لابن حزم، فطعن في النسخ بأن معاوية إنما أسلم بعد الفتح، وليس في شيء من أحاديث غيره الدالة على نسخه التصريح بأن ذلك متأخر عنه. وجوابه أن معاوية أسلم قبل الفتح، وقيل: في الفتح، وقصة ابن النعيمان كانت بعد ذلك؛ لأن عقبة بن الحارث حضرها، إما بحُنَيْن، وإما بالمدينة، وهو إنما أسلم في الفتح، وحُنَيْن، وحضور عقبة إلى المدينة كان بعد الفتح جزمًا، فثبت ما نفاه هذا القائل. وقد عَمِل بالناسخ بعض الصحابة، فأخرج عبد الرزاق في «مصنفه» بسند لَيِّن عن عمر بن الخطاب أنه جلد أبا مِحْجَن الثقفيّ في الخمر ثمان مرار، وأورد نحو ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأخرج حماد بن سلمة في «مصنفه» من طريق أخرى رجالها ثقات، أن عمر جلد أبا محجن في الخمر أربع مرار، ثم قال له: أنت خليع، فقال: أما إذ خلعتني فلا أشربها أبدًا. انتهى ما في «الفتح»، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من التحقيقات أن ما ذهب إليه الجمهور من نسخ قتل شارب الخمر في المرّة الرابعة، أو الخامسة هو الصحيح؛ لوضوح حجته، من الأدلّة التي تقدّم بيانها، فتأملها بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٤٥٠] (١٧٠٧ م) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنْتُ أُقِيمُ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا، فَيَمُوتَ فِيه، فَأَجِدَ مِنْهُ فِي نَفْسِي إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ؛ لأَنَّهُ إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ؛ لأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَسُنَّهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ) التميميّ، أبو عبد الله، أو أبو جعفر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م دس) تقدم في «الإيمان» ٦٠/ ٣٣٦. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ) تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (أَبُو حَصِينٍ) - بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين - عثمان بن عاصم بن حصين الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، وربما دلّس [٤] (ت ١٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. ٥ - (عُمَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ) النخعيّ الصَّهبانيّ - بضمّ الصاد المهملة، وسكون الهاء، بعدها موحّدة - أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عليّ، وأبي موسى، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، والحسن بن عليّ، وعلقمة، ومسروق، وغيرهم. وروى عنه الشعبيّ، والسَّبِيعيّ، والأعمش، وأبو حَصِين، والزبير بن عديّ، وطلحة بن مصرِّف، ومطرف بن طريف، وفِطر بن خليفة، وغيرهم. قال شعبة عن الحكم بن عتيبة: قال عُمير بن سعيد، وحسبك به ، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: عُمير بن سعد ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة سبع ومائة في ولاية ابن هُبيرة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، ومات سنة (١١٥). أخرج له البخاريّ، والمصنف، وأبو داود، والنسائيّ في «مسند عليّ»، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا هذا الحديث. و«عليّ بن أبي طالب» - ﵁ - ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالكوفيين، غير الأوَّلَيْن، فبصريّان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع نسخ مسلم: «عُمير بن سعيد» بالياء في عمير، وفي سعيد، وهكذا هو في «صحيح البخاريّ»، وجميع كتب الحديث، والأسماء، ولا خلاف فيه، ووقع في «الجمع بين الصحيحين»: «عُمير بن سَعْد» بحذف الياء من سعيد، وهو غلط، وتصحيف، إما من الحميديّ، وإما من بعض الناقلين عنه، ووقع في «المهذب» من كُتب أصحابنا في المذهب في باب التعزير: عُمَر بن سَعْد بحذف الياء من الاثنين، وهو غلط فاحش، والصواب إثبات الياء فيهما، كما سبق. انتهى . وقال الحافظ في «الفتح»: ووقع في بعض النسخ من البخاري كما ذكر الحميديّ، ثم رأيته في تقييد أبي عليّ الجيانيّ منسوبًا لأبي زيد المروزيّ، قال: والصواب سعيد، وجزم بذلك ابن حزم، وأنه في البخاريّ: سعد بسكون العين، فلعله سلف الحميديّ، ووقع للنسائيّ، والطحاويّ عُمَر - بضم العين، وفتح الميم - كما في «المهذب»، لكن الذي عندهما في أبيه سعيد، ووقع عند ابن حزم في النسائيّ عَمْرو - بفتح أوله، وسكون الميم - والمحفوظ عُمير كما قال النوويّ، وقد أَعَلّ ابن حزم الخبر بالاختلاف في اسم عمير، واسم أبيه، وليست بعلة تقدح في روايته، وقد عَرَفه، ووثَّقه مَن صحح حديثه، وقد عُمِّر عُمير المذكور، وعاش إلى سنة خمس عشرة ومائة. انتهى . (عَنْ عَلِيِّ) بن أبي طالب - ﵁ - أنه (قَالَ: مَا كُنْتُ أُقِيمُ) وفي رواية البخاريّ: «لأقيم»، باللام، وهي لتأكيد النفي، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] (عَلَى أَحَدٍ حَدًّا، فَيَمُوتَ فِيه، فَأَجِدَ مِنْهُ) بنصب «يموتَ»، و«أجد» بـ «أن» مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية في جواب النفي، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ وقوله: «فيه»؛ أي: بسببه، فـ «في» سببيّة، وقوله: «منه»؛ أي: بسببه، فـ «من» سببيّة أيضًا. وقال في «الفتح»: قوله: «فيموتَ، فأجدَ» بالنصب فيهما، ومعنى «أَجِد» من الوَجْد، وله معان، اللائق منها هنا الحزن، وقوله: «فيموت» مسبَّب عن «أقيم»، وقوله: «فأجد» مسبَّب عن السبب والمسبب معًا. انتهى . وقوله: (فِي نَفْسِي) متعلّق بـ «أَجِدَ»، (إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ)؛ أي: شاربها، وهو بالنصب، ويجوز الرفع، والاستثناء منقطع؛ أي: لكن أجد مِن حدّ شارب الخمر إذا مات، ويَحْتَمِل أن يكون التقدير: ما أجد من موت أحد يقام عليه الحدّ شيئًا، إلا من موت شارب الخمر، فيكون الاستثناء على هذا متصلًا، قاله الطيبيّ . (لأنَّهُ إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ) بتخفيف الدال؛ أي: غَرِمتُ ديته لمن يستحقّ قبضها، وقد جاء مفسرًا من طريق أخرى أخرجها النسائيّ، وابن ماجه، من رواية الشعبيّ، عن عمير بن سعيد، قال: سمعت عليًّا يقول: «من أقمنا عليه حدًّا فمات، فلا دية له، إلا من ضربناه في الخمر». وقال النوويّ ﵀: قوله: «لأنه إن مات وديته»: قال بعض العلماء: وجه الكلام أن يقال: «فإنه إن مات وديته» بالفاء، لا باللام، وهكذا هو في رواية البخاريّ بالفاء. انتهى . وقوله: (لأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَسُنَّهُ) تعليل لأدائه الدية لمن مات مِن حدّ الشرب، يعني: أنه - ﷺ - لم يَسُنّ فيه عددًا معيّنًا، وفي رواية شريك: «فإن رسول الله - ﷺ - لم يستنّ فيه شيئًا»، ووقع في رواية الشعبيّ: «فإنما هو شيء صنعناه». قال النوويّ ﵀: أجمع العلماء على أن من وجب عليه الحدّ، فجَلَده الإمام، أو جَلّاده الحدَّ الشرعيَّ، فمات فلا دية فيه، ولا كفارة، لا على الإمام، ولا على جلّاده، ولا في بيت المال، وأما من مات من التعزير فمذهبنا وجوب ضمانه بالدية، والكفارة، وفي محل ضمانه قولان للشافعيّ: أصحهما تجب ديته على عاقلة الإمام، والكفارة في مال الإمام، والثاني تجب الدية في بيت المال، وفي الكفارة على هذا وجهان لأصحابنا: أحدهما: في بيت المال أيضًا، والثاني: في مال الإمام، هذا مذهبنا، وقال جماهير العلماء: لا ضمان فيه، لا على الإمام، ولا على عاقلته، ولا في بيت المال، والله أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: اتفقوا على أن من مات من الضرب في الحدّ لا ضمان على قاتله، إلا في حدّ الخمر، فعن عليّ - ﵁ - ما تقدم، وقال الشافعيّ: إن ضُرب بغير السوط فلا ضمان، وإن جُلد بالسوط ضُمِن، قيل: الدية، وقيل: قَدْر تفاوت ما بين الجلد بالسوط وبغيره، والدية في ذلك على عاقلة الإمام، وكذلك لو مات فيما زاد على الأربعين. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قول عليّ - ﵁ -: «ما كنت لأقيم على أحد حدًّا. . . إلخ» يدلُّ على أن ما كان فيه حدٌّ محدود، فأقامه الإمام على وجهه، فمات المحدود بسببه؛ لم يلزم الإمام شيء، ولا عاقلته، ولا آل بيت المال، وهذا مجتمعٌ عليه؛ لأنَّ الإمام قام بما وجب عليه، والميت قتيل الله، وأمَّا حدّ الخمر فقد ظهر: أن رسول الله - ﷺ - لم يحدّ فيه حدًّا، فلمّا قَصَرته الصحابة - ﵃ - على عدد محدود، وهو الثمانون، وجد عليّ - ﵁ - في نفسه من ذلك شيئًا، فصرَّح بالتزام الدِّية إن وقع له موت المجلود احتياطًا، وتوقيًّا، لكن ذلك - والله أعلم - فيما زاد على الأربعين إلى الثمانين، وأمَّا الأربعون: فقد صرَّح هو على أن رسول الله - ﷺ - وأبا بكر جلداها، وسَمَّى ذلك سُنَّة، فكيف يخاف من ذلك؟. وهذا هو الذي فهمه الشافعيّ من فِعل عليّ - ﵁ - هذا، فقال: إن حُدَّ أربعين بالأيدي، والنعال، والثياب فمات؛ فالله قتله، وإن زِيدَ على الأربعين بذاك، أو ضُرب أربعين بسوط فمات؛ فَدِيَتُه على عاقلة الإمام. قال القرطبيّ ﵀: ويظهر لي مِن فِعل عمر - ﵁ - خلافُ ذلك: إنه لمّا شُهِدَ على قُدامة بشُرب الخمر استشار من حضره في جَلْدِه، فقال القوم: لا نرى أن تَجْلِدَه ما دام وَجِعًا، فسكت عمر عن جلده أيامًا، ثم أصبح يومًا وقد عزم على جلده، فاستشارهم، فقالوا: لا نرى أن تجلده ما دام وَجِعًا، فقال عمر - ﵁ -: والله لأن يلقى الله تحت السياط أحبُّ إليَّ من أن ألقى الله وهي في عنقي، والله لأجلدنَّه، فجلده بسوط بين سوطين. وهذا يدلُّ على أنَّه لا يلزم في ذلك دية لا على العاقلة، ولا في بيت المال؛ لأنَّ عمر سلك في حد الخمر مسلك الحدود المحدودة بالنصّ، وأمَّا حدّ عمر لقدامة على ما ذكروا له من وَجَعِه، فكأنه فَهِم أن وجعه لم يكن بحيث يبالى به، ولا يُخاف منه، وكأنهم اعتذروا به ليتأخر ضَرْبه شفقةً عليه، وحُنُوًّا، وقد ظهر ذلك منهم لمّا أَتَوه بسوطٍ دقيق صغير، فقال لِأَسْلَم: أخذتك دِقْرارة أهلك؛ أي: حميّتهم الحاملة على المخالفة. واختلفوا فيمن مات من التعزير، فقال الشافعي: عَقْلُه على الإمام، وعليه الكفارة، وقيل: على بيت المال، وجمهور العلماء: على أنَّه لا شيء عليه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور، من عدم وجوب شيء في موت من مات في التعزير هو الأرجح عندي؛ لأن هذا التعزير بأمر الشارع، وإن لم يكن محدّدًا، فكيف يجب عليه الضمان في المأذون له؟ فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ بن أبي طالب - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٤٤٥٠ و٤٤٥١] (١٧٠٧)، و(البخاريّ) في «الحدود» (٦٧٧٨)، و(أبو داود) في «الحدود» (٤٤٨٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥٢٧١ و٥٢٧٢)، و(ابن ماجه) في «الحدود» (٢٥٦٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٧/ ٣٧٨ و٩/ ٤٥٧)، و(ابن
مصادر المؤلف (٣٣)

١. «سنن البيهقي الكبرى» ٨/ ٣١٩.

٢. الداناج بالدال المهملة، والنون، والجيم، ويقال له أيضًا: الدانا، بحذف الجيم، والداناه بالهاء، ومعناه بالفارسيّة: العالم. انتهى. «شرح النوويّ» ١١/ ٢١٩.

٣. ذُكر في الباب قبله: إسحاق بن راهويه، وعليّ بن أبي طالب - ﵁ -.

٤. «المفهم» ٥/ ١٣٣.

٥. «الفتح» ٨/ ٣٩٥ - ٣٩٦، كتاب «فضائل الصحابة» رقم (٣٦٩٣).

٦. راجع: «تاريخ الطبريّ» ٣/ ٣٣٠ - ٣٣١.

٧. «الفتح» ٨/ ٣٩٨ - ٣٩٩، كتاب «فضائل الصحابة» رقم (٣٦٩٦).

٨. هو صاحب «تكملة فتح الملهم». راجع ما كتبه في ٢/ ٥٠٠ - ٥٠٢.

٩. «المفهم» ٥/ ١٣٣ - ١٣٤.

١٠. «شرح مسلم» ١١/ ٢١٩.

١١. «المفهم» ٥/ ١٣٤ - ١٣٥.

١٢. «شرح النوويّ» ١١/ ٢١٩.

١٣. «المفهم» ٥/ ١٣٥.

١٤. «المفهم» ٥/ ١٣٥ - ١٣٦.

١٥. راجع: «الفتح» ٨/ ٣٩٨، كتاب «فضائل الصحابة» رقم (٣٦٩٦).

١٦. «شرح النوويّ» ١١/ ٢١٩ - ٢٢٠.

١٧. «شرح النوويّ» ١١/ ٢١٦ - ٢١٧.

١٨. «المفهم» ٥/ ١٣٦ - ١٣٧.

١٩. «المفهم» ٥/ ١٣٦.

٢٠. الذي تقدّم له هناك توهيم رواية: «جلد ثمانين»، وأن بعض الرواة أخطأ فيه، والصواب رواية: «جلد أربعين».

٢١. يعني به: الحديث الآتي في الباب التالي عن أبي بردة بن نيار - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يُجلَد أحدٌ فوق عشرة أسواط إلا في حدّ من حدود الله».

٢٢. راجع: «الفتح» ١٥/ ٥٢٦ - ٥٣٦، كتاب «الحدود» (٦٧٧٩).

٢٣. «شرح مسلم» ١١/ ٢١٦.

٢٤. «معالم السنن» ٣/ ٢٩٣.

٢٥. قال الحافظ ﵀ في «تهذيب التهذيب ٨/ ١٢٩»: وأفرط أبو محمد بن حزم في الكلام على الملائكة من كتاب «الملل والنحل»، فقال: إنه مجهول، وإنه روى حديثين عن علي، ما نعلم له غيرهما، أحدهما في ذِكر شارب الخمر؛ يعني: الذي أخرجه البخاريُّ، والآخر في قصة هاروت وماروت، وقال: وكلاهما كذب، كذا قال، ولقد استعظمت هذا القول، ولولا شَرْطي في كتابي هذا ما عرّجت عليه، فإنه من أشنع ما وقع لابن حزم سامحه الله، وقد وقفنا له عن عليّ على حديث آخر أنه كبَّر على يزيد بن المكفف أربعًا، وله روايات عن غير عليّ، فما أدري هذا الجزم من ابن حزم. انتهى.

٢٦. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٢٠ - ٢٢١.

٢٧. «الفتح» ١٥/ ٥٢٣ - ٥٢٤، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٧٨).

٢٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٥٤٣.

٢٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٥٤٣.

٣٠. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٢١.

٣١. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٢١.

٣٢. «الفتح» ١٥/ ٥٢٤، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٧٨).

٣٣. «المفهم» ٥/ ١٣٧ - ١٣٨.