HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧١١

حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ. ولكن اليمين على المدعى عليه).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص128
ج ٣ ص ١٣٣٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص١٤
أن يقلد غيره، ويحكم بقولِ سواه، سواء ظهر له الحق فخالفه غيره فيه، أو لم يظهر له شيء، وسواء ضاق الوقت، أو لم يضق، وكذلك ليس للمفتي الفتيا بالتقليد، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو يوسف، ومحمد، وقال أبو حنيفة: إذا كان الحاكم من أهل الاجتهاد جاز له تركُ رأيه لرأي من هو أفقه منه عنده، إذا صار إليه، فهو ضربٌ من الاجتهاد، ولأنه يَعتقد أنَّه أعرف منه بطريق الاجتهاد. وحجة الأولين أنَّه من أهل الاجتهاد، فلم يجز له تقليد غيره، كما لو كان مثله كالمجتهدين في القِبلة، وما ذَكَره ليس بصحيح، فإن من هو أفقه منه، يجوز عليه الخطأ، فإذا اعتقد أن ما قاله خطأ، لم يجز له أن يعمل به، وإن كان لم يَبِنْ له الحق، فلا يجوز له أن يحكم بما يجوز أن يَبِين له خطؤه إذا اجتهد. قاله ابن قُدامة - ﵀ - ، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) - (بَابٌ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٦٢] (١٧١١) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمَّد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابد فقيه [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٤ - (ابْنُ أَبي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مُليكة زُهير بن عبد الله المكيّ، ثقةٌ فقيه أدرك ثلاثين من الصحابة [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٢. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر، ترجمان القرآن الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بالطائف سنة (٦٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنَّه مسلسل بالمكيين غير الأوَّلَين، فمصريّان، وفيه ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، واحد المشهورين بالفتوى. شرح الحديث: (عَن) عبد الله بن عبيد الله (بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) زُهير بن عبد الله بن جُدْعان (عَن) عبد الله (ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ) هكذا ساقه المصنّف مختصرًا، وكذا البخاريّ في موضعين، وساقه مطوّلًا في»التفسير«، فقال: حدّثنا نصر بن عليّ بن نصر، حدّثنا عبد الله بن داود، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة: أن امرأتين كانتا تَخْرُزان بيت، أو في الحجرة، فخرجت إحداهما، وقد أُنْفِذَ بإشفى في كفها، فادَّعت على الأخرى، فرُفع أمرهما إلى ابن عباس، فقال ابن عباس: قال رسول الله - ﷺ -:»لو يعطى الناس بدعواهم، لذهب دماء قوم وأموالهم«، ذَكِّروها بالله، واقرؤوا عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، فذَكَّروها، فاعترفت، فقال ابن عباس: قال النبيّ - ﷺ -:»اليمين على المدعَى عليه«. ولفظ النسائيّ من طريق نافع بن عُمر، عن ابن أبي مُليكة قال: كانت جاريتان تخرْزان بالطائف، فخرجت إحداهما ويدها تَدْمَى، فزعمت أن صاحبتها أصابتها، وأنكرت الأخرى، فكتبتُ إلى ابن عباس في ذلك، فكتب:«أن رسول الله - ﷺ - قَضَى أن اليمين على المدعَى عليه، ولو أن الناس أُعْطُوا بدعواهم لادَّعَى ناس أموال ناس ودماءهم»، فادعُها، واتل عليها هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] حتى ختم الآية، فدَعَوْتُها، فتلوتُ عليها، فاعترفتْ بذلك، فَسَرَّهُ. انتهى . وقوله: (لَوْ يُعْطَى) - بضمّ أوله، وفتح ثالثه -، مبنيًّا للمفعول، (النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ) متعلّق بـ«يُعْطى»، والباء سببيّة، و«الناس»: اسم وُضع للجمع، كالقوم، والرهط، وواحده إنسانٌ من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينُوس: إذا تدلّى، وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، قال تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥]، ثمَّ فسّر الناس بالجنّ والإنس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦]. (لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ) بتشديد النون، (الْيَمِينَ) بالنصب على أنَّه اسم«لكنّ»، وخبرها قوله: (عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ«) بصيغة اسم المفعول، ورواه الطبراني من رواية سفيان، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -، بلفظ: »البينةُ على المدعِي، واليمين على المدعَى عليه«، وقال: لم يروه عن سفيان إلا الفريابيّ، وأخرجه الإسماعيليّ من رواية ابن جريج، بلفظ: »ولكن البينة على الطالب، واليمين على المطلوب«، وأخرجه البيهقيّ من طريق عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، وعثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة: كنت قاضيًا لابن الزبير على الطائف، فذكر قصة المرأتين، فكتبت إلى ابن عباس، فكتب إليّ: أن رسول الله - ﷺ - قال: »لو يُعطَى الناس بدعواهم لادّعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أَنْكَر«، وهذه الزيادة ليست في »الصحيحين«، وإسنادها حسن، قاله في »الفتح« . وقال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام، يقتضي ألا يُحكَم لأحد بدعواه - وإن كان فاضلًا شريفًا - في حقٍّ من الحقوق - وإن كان محتقَرًا يسيرًا - حتَّى يستند المدَّعي إلى ما يقوّي دعواه، وإلا فالدَّعاوي متكافئة، والأصل: براءة الذمم من الحقوق، فلا بدَّ مما يدلّ على تعلُّق الحق بالذمَّة، وتترجَّحُ به الدعوى. انتهى . [تنبيهان]: (الأوّل): الحكمة في كون البينة على المدعِي، واليمين على المدعَى عليه، هو ما بيّنه النبيّ - ﷺ -: «لو يُعطَى الناس بدعواهم لادَّعَى ناس دماء رجال، وأموالهم». وقال العلماء: الحكمة في ذلك أن جانب المدعِي ضعيف؛ لأنه يقول خلاف الظاهر، فكُلّف الحجة القوية، وهي البينة؛ لأنها لا تجلُب لنفسها نفعًا، ولا تدفع عنها ضررًا، فيقوى بها ضَعف المدعِي، وجانب المدعَى عليه قويّ؛ لأنَّ الأصل فراغ ذمته، فاكتُفي منه باليمين، وهي حجة ضعيفة؛ لأنَّ الحالف يجلب لنفسه النفع، ويدفع الضرر، فكان ذلك في غاية الحكمة. (الثاني): اختَلَف الفقهاء في تعريف المدّعِي، والمدّعَى عليه، والمشهور فيه تعريفان: [الأول]: المدعِي: من يخالف قولُه الظاهرَ، والمدعَى عليه بخلافه. [والثاني]: المدعِي: من إذا سكت تُرك وسكوتَهُ، والمدعَى عليه: من لا يُخَلَّى إذا سكت، والأول أشهر، والثاني أسلم، وقد أُورد على الأوّل: أن المودَع إذا ادّعى الردّ، أو التلَف، فإن دعواه تخالف الظاهر، ومع ذلك فالقول قوله، وقيل في تعريفهما غير ذلك. قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: هكذا رَوَى هذا الحديثَ البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما» مرفوعًا، من رواية ابن عباس - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ -، وهكذا ذكره أصحاب «السنن»، وغيرهم، قال القاضي عياض - ﵀ -: قال الأصيليّ: لا يصح مرفوعًا، إنما هو قول ابن عباس - ﵄ -، كذا رواه أيوب، ونافع الْجُمَحيّ، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس - ﵄ -. قال القاضي: قد رواه البخاريّ ومسلم من رواية ابن جريج، مرفوعًا. هذا كلام القاضي. قال النوويّ: وقد رواه أبو داود، والترمذيّ بأسانيدهما عن نافع بن عمر الجمحيّ، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - مرفوعًا، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح، وجاء في رواية البيهقيّ وغيره بإسناد حسن، أو صحيح زيادة، عن ابن عباس، عن النبيّ - ﷺ - قال: «لو يُعْطَى الناسُ بدعواهم لادَّعَى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعِي، واليمين على من أنكر». انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ - بعد ذكر كلام الأصيليّ المذكور - ما نصّه: إذا صحَّ رَفْعه بشهادة الإمامين فلا يضرُّه مَنْ وَقَفه، ولا يكون ذلك تعارضًا، ولا اضطرابًا، فإن الرَّاوي قد يَعْرِض له ما يوجب السكوت عن الرفع من نسيان، أو اكتفاءً بعلم السَّامع، أو غير ذلك، والرَّافع عدلٌ، ثبتٌ، ولم يكذّبه الآخر فلا يُلتفت إلى الوقف، إلا في الترجيح عند التعارض، كما بيَّنَّاه في الأصول. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن دعوى الأصيليّ تضعيفَ رَفْع هذا الحديث، وطعْنَه في الشيخين، حيث أخرجاه في «صحيحيهما» مرفوعًا دعوى باطلة، تنادي يكون بضاعته مزجاة، فهو كما قال القائل [من البسيط]: كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُوهِنَهَا … فَلَمْ يَضِرْهَا وَأَوْهَى قَرْنَهُ الْوَعِلُ (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٤٦٢ و٤٤٦٣] (١٧١١)، و(البخاريّ) في «الرهن» (٢٥١٤) و«الشهادات» (٢٦٦٨) و«التفسير» (٤٥٥٢)، و(أبو داود) في «الأقضية» (٣٦١٩)، و(الترمذيّ) في «الأحكام» (١٣٤٢)، و(النسائيّ) في «أداء القضاة» (٥٤٢٧) و«الكبرى» (٥٩٩٤)، و(ابن ماجه) في «الأحكام» (٢٣٢١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٥١٩٣)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ١٨٠ - ١٨١)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٤٣ و٣٥١ و٣٥٦ و٣٦٣)، و(ابن حبَّان) في «صحيحه» (٥٠٨٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١١٢٢٤ و١١٢٢٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٥٥)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٩١ و٢٠٢)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٤/ ١٥٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٢٥٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٢٥٠١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن اليمين على المدّعى عليه، والبيّنة على المدّعي. ٢ - (ومنها): ما قال النوويّ - ﵀ -: وهذا الحديث قاعدة كبيرةٌ من قواعد أحكام الشرع، ففيه أنَّه لا يُقْبَل قول الإنسان فيما يدّعيه بمجرد دعواه، بل يَحتاج إلى بيّنة، أو تصديق المدعَى عليه، فإن طلب يمين المدعَى عليه فله ذلك، وقد بَيَّن - ﷺ - الحكمة في كونه لا يُعْطَى بمجرد دعواه؛ لأنه لو كان أُعطي بمجردها لادَّعَى قوم دماء قوم وأموالهم، واستبيح، ولا يمكن المدعَى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعي فيمكنه صيانتهما بالبينة. انتهى . ٣ - (ومنها): أنَّه استُدِلّ بقوله: «اليمين على المدعَى عليه» للجمهور بحمله على عمومه، في حقّ كل واحد، سواء كان ببن المدعي والمدعى عليه اختلاط أم لا، وعن مالك: لا تتوجه اليمين إلا على من بينه وبين المدعي اختلاط؛ لئلا يَبتَذِل أهل السَّفَه أهلَ الفضل بتحليفهم مرارًا، وقريب من مذهب مالك قول الإصطخري من الشافعية: إن قرائن الحال إذا شهدت بكذب المدَّعي، لم يُلتفت إلى دعواه، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ - ﵀ -: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعيّ، والجمهور، مِنْ سلف الأمة وخلفها، أن اليمين تتوجه على كل مَن ادُّعِي عليه حقّ، سواء كان بينه وبين المدعِي اختلاط أم لا، وقال مالك، وجمهور أصحابه، والفقهاء السبعة، فقهاء المدينة: إن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه وبينه خُلْطة؛ لئلا يَبتذِل السفهاءُ أهلَ الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد، فاشتُرطت الخلطة دفعًا؛ لهذه المفسدة، واختلفوا في تفسير الْخُلْطة، فقيل: هي معرفته بمعاملته، ومداينته، بشاهد، أو بشاهدين، وقيل: تكفي الشبهة، وقيل: هي أن تليق به الدعوى بمثلها على مثله، وقيل: أن يليق به أن يعامله بمثلها، ودليل الجمهور حديث الباب، ولا أصل لاشتراط الْخُلطة في كتاب، ولا سُنَّة، ولا إجماع. انتهى . ٤ - (ومنها): أنَّه استُدِلّ بقوله: «لادّعَى ناس دماء ناس وأموالهم» على إبطال قول المالكية في التدمية، ووجه الدلالة تسويته - ﷺ - بين الدماء والأموال. [وأجيب]: بأنهم لم يُسندوا القصاص مثلًا إلى قول المدعي، بل للقَسامة، فيكون قوله ذلك لَوْثًا يقوّي جانب المدعي في بداءته بالأيمان، ذَكَره في «الفتح» . ٥ - (ومنها): ما قال ابن دقيق العيد - ﵀ -: الحديث دليل على أنَّه لا يجوز الحكم إلا بالقانون الشرعيّ الذي رُتِّب، وإن غلب على الظنّ صِدْق المدعِي، ويدل على أن اليمين على المدعَى عليه مطلقًا، وقد اختلف الفقهاء في اشتراط أمر آخر في وجه اليمين على المدعى عليه. وفي مذهب مالك وأصحابه: تصرفات بالتخصيصات لهذا العموم، خالفهم فيها غيرهم. منها: اعتبار الخلطة بين المدعي والمدعى عليه في اليمين. ومنها: أن من ادعى سببًا من أسباب القصاص: لم تجب به اليمين، إلا أن يقيم على ذلك شاهدًا فتجب اليمين. ومنها: إذا ادعى رجل على امرأة نكاحًا، لم يجب له عليها اليمين في ذلك، قال سحنون منهم: إلا أن يكونا طارئين. ومنها: أن بعض الأمناء - ممن يَجعل القول قوله - لا يوجبون عليه يمينًا. ومنها: دعوى المرأة طلاقًا على الزوج. وكل من خالفهم في شيء من هذا يستدل بعموم هذا الحديث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح؛ لعموم حديث الباب، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): ما تقدَّم في قصّة المرأتين، أن فيه مشروعيّة وَعْظ من تتوجّه عليه اليمين بالآية الكريمة، ونحوها؛ ليرتدع عن الإقدام على اليمين الكاذبة، كما اتّفق لهذه المرأة، فقد اعترفت لَمّا وعظوها بالآية. ٧ - (ومنها): أن في أمر ابن عبّاس - ﵄ - بتلاوة الآية الإشارة إلى العمل بعموم الآية، دون النظر إلى خصوص سببها، فإنها كما تقدَّم نزلت في الأشعث بن قيس - ﵁ - كانت بينه وبين رجل أرض، فجحده إياها، وقد تقدّمت قصّته في «المساقاة»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٦٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) بن عبد الله بن جَمِيل بن عامر بن حِذْيَم بن سلامان بن ربيعة بن سعد بن جُمَح الْجُمَحيّ المكيّ الحافظ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٢.
مصادر المؤلف (١٥)

١. «المغني» ١٤/ ٢٦ - ٢٩.

٢. «الإشفى»بالكسر: هو الْمِخْرَزُ، آلة للإسكاف، والجمع: الأشافي.

٣. «صحيح البخاريّ»٤/ ١٦٥٦.

٤. من بابي ضرب، ونصر.

٥. «سنن النسائيّ، المجتبى» ٨/ ٢٤٨.

٦. ٦/ ٥٤٨، كتاب «الشهادات» رقم (٢٦٦٨).

٧. «المفهم» ٥/ ١٤٨.

٨. ٦/ ٥٤٨ - ٥٤٩، كتاب «الشهادات» رقم (٢٦٦٨).

٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ٢.

١٠. «المفهم» ٥/ ١٤٧ - ١٤٨.

١١. «شرح النوويّ» ١٢/ ٣.

١٢. «الفتح» ٦/ ٥٤٩، كتاب «الشهادات» رقم (٢٦٦٨).

١٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ٣.

١٤. ٦/ ٥٤٩، كتاب «الشهادات» رقم (٢٦٦٨).

١٥. «إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام» ٣/ ١٦١ - ١٦٢.