HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧١٥

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قال رسول الله ﷺ (إن الله يرضى لكم وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا. فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا. وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وقال. وكثرة السؤال. وإضاعة المال).
ج ٣ ص ١٣٤٠

سلسلة الرواة

التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٨٥
[٣٧٣] حديث أبي هريرة: (إضَاعَة المَالِ) ، فيه وجهان: أحدهما: أن يُنْفَق في معاصي الله، وهو السرف الذي عابه الله ونهى عنه، والوجه الآخر: دفع المال إلى ربه وليس بموضع، ألا تراه قال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، قال مجاهد: الرشد: العقل . وأما: (كَثرَةَ السُّؤَالِ) فيحتمل أنه سؤال الناس أموالَهم، ويحتمل أن يكون من السؤال عن الأمور وكثرة البحث عنها؛ كما قال: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. والاعتصام بحبل الله يجمع جميع الخيرات، ومناصحةُ الولاة تجمع القيام بالواجب والمندوب إليه.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٨٤
النسخ، وهو صحيح، ومعناه: لا حرج، ثم ابتدأ، فقال: «إلَّا بالمعروف»؛ أي: لا تنفقي إلَّا بالمعروف، أو لا حرج إذا لَمْ تنفقي إلَّا بالمعروف. انتهى . والحديث متَّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قريبًا، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بابُ النَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَالنَّهْي عَنْ مَنْعٍ، وَهَاتٍ، وَهُوَ الامْتِنَاعُ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ لَزِمَهُ، أَوْ طَلَبُ مَا لا يَسْتَحِقُّهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٤٧٣] (١٧١٥) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَن أَبِيه، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا: فَيَرْضَى لَكُمْ أنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا، وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ، وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَال، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ح) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ح) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦١. ٣ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبت [٣] (ت ١٠١) (ح) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. ٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. و«زُهير» ذُكر في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، وجرير، فكوفيّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ يَرْضَى) - بفتح أوله، وثالثه - من باب تَعِبَ، يقال: رَضِيتُ الشيءَ، ورَضِيتُ به رِضًا: اخترته، وارتضيته مثله، ورَضِيتُ عن زيد، ورَضِيتُ عليه لغة لأهل الحجاز، والرِّضوان - بكسر الراء، وضمّها - لغة قيس وتميم، بمعنى الرضا، وهو خلاف السَّخَط، وشيءٌ مرضيٌّ أكثر من مَرْضُوٍّ، قاله الفيّوميّ . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«إن الله يرضى لكم ثلاثًا»؛ أي: شَرَع هذه الثلاثة، وأَمَر بها، وجعلها سببًا لكل ما عنده من الكرامة في الدنيا والآخرة. انتهى. (لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ) - بفتح أوله، وثالثه أيضًا - من باب تَعِبَ، يقال: كرهت الأمر أَكْرَهُهُ كُرْهًا بضمّ الكاف، وفتحها: ضدّ أحببته، فهو مكروه . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«ويكره لكم ثلاثًا»، وفي الرواية الأخرى:«يَسخَط»؛ أي: نهى عنها، وحرَّمها، وجعلها سبب إهانته، وعقوبته في الدنيا والآخرة، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]، هذا أولى مما قيل فيه وقد تقدم القول على الرضا والسَّخط، وعلى العبادة والشرك في الإيمان. انتهي . قال النوويّ: قال العلماء: الرضا، والسخط، والكراهة من الله تعالى المراد بها: أمره، ونهيه، وثوابه، وعقابه، أو إرادته الثواب لبعض العباد، والعقاب لبعضهم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدَّم الردّ لهذا التفسير في «كتاب الإيمان» مستوفًى، وأن الرضا، والسخط، والكراهة من الصفات التي أثبتها الله لنفسه في كتابه، وأثبتها النبيّ - ﷺ - في أحاديثه الصحيحة، فهي ثابتة له على ظاهرها، على ما يليق بجلاله، وأما قوله: «قال العلماء» فأراد به العلماء المتأخرين من الأشاعرة، وغيرهم الذين يؤولون هذه الصفات، ولا يُثبتونها لله - ﷿ -، فإن أردت تحقيق المسألة، واستيفاء البحث فيها، فراجع شرح كتاب الإيمان، وبالله تعالى التوفيق. (لَكُمْ ثَلَاثًا: فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ) العبادة عمل الطاعة، واجتناب المعاصي، وقد تقدّم في «كتاب الإيمان» تمام البحث في ذلك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) لأنَّ من أشرك معه في عبادته غيره لَمْ يعبده، فقوله: «شيئًا» يَحْتَمل أن يكون مفعولًا مطلقًا؛ أي: شركًا، وَيحتَمل أن يكون مفعولًا به؛ أي: أيّ شيء كان: كثيرًا أو قليلًا. (وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا)؛ أي: تتمسّكوا بعهده، وهو اتّباع كتابه العزيز، وحدوده، والتأدب بآدابه، والحبل يُطلق على العهد، وعلى الأمان، وعلى الوصلة، وعلى السبب، وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور؛ لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم، ويوصلون بها المتفرّق، فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور، قاله النوويّ . وقال القرطبيّ - ﵀ -: الاعتصام بالشيء: هو التمسُّك به، والتحرز بسببه من الآفات، وأصل العصمة: المنع. تقول العرب: عصم فلانًا الطعامُ؛ أي: منعه من الجوع، وكَنُّوا السَّويق بأبي عاصم لذلك، فالمعتصم بالشيء يمتنع به من أسباب الهلاك والشدائد. و«حبل الله» هنا: شَرْعُهُ الذي شَرَعَهُ، ودينه الذي ارتضاه. قال قتادة: هو القرآن. وهو بمعنى القول الأول. والحبل ينصرف على وجوه: منها: العهد والوصل، وما يُنْجَى به من المخاوف. ومنها: الأمان. وكلُّها متقاربة المعنى؛ لأنَّ الحبل في الأصل: واحد الحبال التي تُرْبَط بها الآلات، وتُجمع بها المتفرقات، ثمَّ استعير لكل ما يُعَوَّل عليه، ويُتمسك به، ثمَّ كثر استعماله في العهد ونحوه. ومعنى هذا: أن الله تعالى أوجب علينا التمسُّك بكتابه، وسُنَّة نبيّه - ﷺ -، والرجوع إليهما عند الاختلاف. انتهى . وقال الزرقانيّ - ﵀ -: اختُلِف في المراد بحبل الله، فقال ابن مسعود، وقتادة، وغيرهما: هو القرآن، ورُجِّح لقوله - ﷺ -: «إن هذا القرآن هو حبل الله»، وفي لفظ: «القرآن حبل الله المتين»، حتى زعم بعضهم أن تفسيره بخلافه غفلة؛ إذ لا عِطر بعد عَروس. وعن قتادة أيضًا وغيره: هو عهد الله، وأَمْره، وعن ابن مسعود: أنه الجماعة، قال ابن عبد البرّ: وهو الظاهر في الحديث، والأشبه بسياقه. وأما القرآن فمأمور بالاعتصام به في غير ما آية، وغير ما حديث، غير أن المراد هنا: الجماعة على إمام يُسمَع له ويطاع، فيكون وليّ من لا ولي له في نكاح، وتقديم قضائه للعقد على أيتام، وسائر الإحكام، ويقيم الجمعة والعيد، وَيأْمن به السبل، وينتصف به المظلوم، ويجاهد عن الأمة عدوّها، ويقسم بينهما فيهما؛ لأنَّ الاختلاف والفُرقة هَلَكَةٌ، والجماعة نجاة، قال: وهو عندي معنى متداخل متقارب؛ لأنَّ القرآن يأمر بالأُلْفة، وينهى عن الفرقة. انتهى . وقال في «التمهيد» - بعد ذكر ما تقدّم -: قال ابن المبارك - ﵀ -[من البسيط]: إِنَّ الْجَمَاعَةَ حَبْلُ اللهِ فَاعَتَصِمُوا … مِنْهُ بِعُرْوَتهِ الْوُثْقَى لِمَنْ دَانَا كَمْ يَرْفَعِ اللهُ بِالسُّلْطَانِ مَظْلَمَةً … فِي دِينِنَا رَحْمَةً مِنْهُ وَدُنْيَانَا لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَمْ تُؤمَنْ لَنَا سُبُلٌ … وَكَانَ أَضْعَفُنَا نَهْبًا لِأَقْوَانَا وقوله: (وَلَا تَفَرَّقُوا)؛ أي: اجتمعوا على الاعتصام بالكتاب والسُّنة اعتقادًا، وعملًا، فتَتّفق كلمتكم، وينتظم شتاتكم، فتَتمّ لكم مصالح الدنيا والدِّين، وتَسْلَمون من الاختلاف والافتراق الذي حصل لأهل الكتابَيْن، وفيه دليلٌ على صحة الإجماع، قاله القرطبيّ - ﵀ - . وقال النوويّ: هو أمر بلزوم جماعة المسلمين، وتألّف بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام. [واعلم]: أن الثلاثة المرضية: إحداها: أن يعبدوه، الثانية: أن لا يشركوا به شيئًا، الثالثة: أن يعتصموا بحبل الله، ولا يتفرقوا. انتهى . (وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ، وَقَالَ)؛ أي: الخوض في أخبار الناس، وحكايات ما لا يَعْني، من أحوالهم، وتصرفاتهم، واختلفوا في حقيقة هذين اللفظين على قولين: أحدهما: أنهما فعلان، فـ«قيل» مبنيّ لِمَا لَمْ يُسَمّ فاعله، و«قال» فعل ماض، والثاني: أنهما اسمان مجروران منوَّنَان؛ لأنَّ القيل، والقال، والقول، والقالة كله بمعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ومنه قولهم: كَثُرَ القيل، والقال، قاله النوويّ . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «وكره لكم: قيل وقال»؛ كلاهما مبنيٌّ على الفتح، فِعْل ماضٍ، هكذا الرواية التي لا يُعرف غيرها، ومعناه: أن الله تعالى حرَّم الخوض في الباطل، وفيما لا يعني من الأقوال، وحكايات أحوال الناس التي لا يَسْلَم فاعلها من الغِيبة، والنميمة، والبهتان، والكذب. «ومن كثر كلامه كَثُر سَقَطُه، ومن كثر سقطه كانت النار أَولى به» . قال القاضي عياض: «قيل» منصوبة، فعلُ ما لَمْ يُسَمّ فاعله، «قال»: فعل ماض أيضًا. ويصحُّ أن يكونا اسمين، ويكونا مخفوضين؛ يعني: على رواية من رواه: «نَهَى عن قيل وقال». قال القرطبيّ - ﵀ -: هكذا وجدنا هذا الكلام في «الإكمال»، وهو كلام مُخْتلٌّ؛ لأنهما لو كانا اسمين لَنُوِّنا؛ إذ لا مانع لهما من الصرف، ولكانا منصوبين نكرةً؛ ولا موجب لِخَفْضهما، وأظنُّ أن هذا خللٌ وقع من بعض النُّسَّاخ، ثم قال بعد هذا: والقيل، والقال، والقول: كلُّه بمعنى، وكذلك القالة، وهذا كلُّه صحيحٌ؛ فإن مصدر«قال»يقال فيه ذلك كلُّه، لكن لا يصلح شيء منه هنا، فإنَّ الرواية كما أخبرتك. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ -، وهو بحث نفيسٌ. وقال ابن عبد البرّ - ﵀ -: وأما قوله:«ويكره لكم قيل، وقال»، فمعناه - والله أعلم - الخوض في أحاديث الناس التي لا فائدة فيها، وإنما جُلّها الغلط، وحَشْوٌ، وغِيبةٌ، وما لا يُكتب فيه حسنة، ولا يَسْلم القائل، والمستمع فيه من سيئة. قال الشاعر [من الوافر]: وَمَن لَا يَمْلِكِ الشَّفَتَيْنِ يُسْحَقْ … بِسُوءِ اللَّفْظِ مِنْ قِيلٍ وَقَالِ وقال أبو العتاهية [من الطويل]: عَلَيْكَ بِمَا يَعْنِيكَ مِنْ كُلِّ مَا تَرَى … وَبِالصَّمْتِ إِلَّا عَنْ جَمِيلٍ تَقُولُهُ تَزَوَّدْ مِنَ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ التُّقَى … فُكُلٌّ بِهَا ضَيْفٌ وَشِيكٌ رَحِيلُهُ (وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) قال القرطبيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أوجهًا: أحدها: أن يريد به كثرة سؤال الناس الأموال، والحوائج إلحاحًا، واستكثارًا. وثانيها: أن يكثر من المسمائل الفقهية تنطُّعًا وتكلُّفًا فيما لَمْ يَنْزل، وقد كان السَّلف يَكْرَهون ذلك، وَيرَوْنه من التكلُّف، وقال مالك في هذا الحديث: لا أدري أهو ما أنهاكم عنه من كثرة المسائل، فقد كره رسول الله - ﷺ - المسائل وعابها، أو هو: مسألة الناس أموالهم؟ وثالثها: أن يُكثر من السؤال عمَّا لا يعنيه من أحوال الناس، بحيث يُؤذي ذلك إلى كشف عوراتهم، والاطلاع على مساوئهم. قال القرطبي: والوجه حَمْل الحديث على عمومه، فيتناول جميع تلك الوجوه كلِّها. انتهى كلام القرطبيّ ، وهو بحث نفيسٌ. وقال النوويّ: قيل: المراد به: القطع في المسائل، والإكثار من السؤال عما لَمْ يقع، ولا تدعو إليه حاجة، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك، وكان السلف يكرهون ذلك، ويرونه من التكلف المنهيّ عنه، وفي الصحيح: كره رسول الله - ﷺ - المسائل وعابها، وقيل: المراد به: سؤال الناس أموالهم، وما في أيديهم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهيّ عن ذلك، وقيل: يَحْتَمِل أن المراد: كثرة السؤال عن أخبار الناس، وأحداث الزمان، وما لا يَعني الإنسان، وهذا ضعيف؛ لأنه قد عُرف هذا من النهي عن قيل وقال، وقيل: يَحْتَمِل أن المراد: كثرة سؤال الإنسان عن حاله، وتفاصيل أمره، فيدخل ذلك في سؤاله عما لا يعنيه، ويتضمن ذلك حصول الحرج في حق المسؤول، فإنه قد لا يُؤْثِر إخباره بأحواله، فإن أخبره شقّ عليه، وإن كَذَبه في الإخبار، أو تكلف التعريض لَحِقَته المشقة، وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب. (وَإِضَاعَةَ الْمَالِ») هو صَرْفه في غير وجوهه الشرعية، وتعريضه للتلف، وسبب النهي أنه إفساد، والله لا يجب المفسدين، ولأنه إذا أضاع ماله تعرَّض لِمَا في أيدي الناس، قاله النوويّ - ﵀ -. وقال القرطبيّ - ﵀ -: إضاعة المال: إتلافه وإهلاكه، كما قد حُكي عن بعض جُهَّال المتزهدة أنه رَمَى مالًا كان عنده، وحرَّق آخرُ منهم كُتُبَ عِلْمِ الحديث كانت عنده، وربما أمر بهذا بعض الشيوخ الْجُهَّالَ، وهذا محرَّم بإجماع الفقهاء، ويلحق بإتلاف عينه منع صرفه في وجوهه من مصالح دنياه ودِينه، كما يفعله أهل البُخل، ودناءة الهمم؛ يدَّخرون المال، ويكثرونه، ولا ينفعون نفوسهم بإنفاق شيء منه، ولا يصونون به وجوههم، ولا أديانهم، فهذا المصنّف هو المحروم الخاسر؛ الذي قال فيه الشاعر [من البسيط]: رُزِقْتَ مَالًا وَلَمْ تُرْزَقْ مَنَافِعَهُ … إنَّ الشقيَّ هُوَ الْمَحْرُومُ مَا رُزِقَا وأشدُّ من هذا كلِّه قبحًا وإثْمًا من يُتلف ماله في معاصي الله تعالى، فيستعين بمال الله على معاصيه، ويخرجه في شهواته المحرمة، ولا يباليه، ويَدخُل في عموم النهي عن إضاعة المال: القليل منه والكثير؛ لأنَّ المال هنا: هو كلُّ ما يُتَمَوَّل؛ أي: يُتَملَّك؛ حتى لو رمى بثمن درهم في البحر مثلًا لكان ذلك محرمًا، وكذلك لو منعه مِنْ صرفه في وجهه الواجب، وكذلك لو أنفقه في معصية، ولا خلاف في هذا إن شاء الله. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحث مفيد. وقال ابن عبد البرّ - ﵀ -: قوله: «وإضاعة المال» للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن المال أريد به مِلك اليمين، من العبيد، والاماء، والدوابّ، وسائر الحيوان الذي في ملكه أن يُحْسِن إليه، ولا يُضيعهم، فيضيعون، وهو قول السَّرِيّ بن إسماعيل، عن الشعبيّ، واحتَجَّ من ذهب هذا المذهب بحديث أنس، وأم سلمة، أن عامة وصية رسول الله - ﷺ - حين حضرته الوفاة كانت قوله: «اللهَ اللهَ، الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم». والقول الثاني: إضاعة المال: ترك إصلاحه، والنظر فيه، وتنميته، وكسبه. والقول الثالث: إضاعة المال: إنفاقه في غير حقه، من الباطل، والإسراف، والمعاصي، وهذا هو الصواب عند ذوي الدِّين والالباب. رَوَى ابن وهب قال: حدّثنا إبراهيم بن نشيط، قال: سألت عمر مولى عُفْرة عن الإسراف ما هو؟ فقال: كلّ شيء أنفقته في غير طاعة الله، وفي غير ما أباحه الله فهو إسراف، وإضاعة للمال. ورَوَى أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا يعلى بن عبيد، عن محمد بن سُوقة، عن سعيد بن جبير أنه سأله رجل عن إضاعة المال، فقال: أن يرزقك الله رزقًا، فتنفقه في ما حرّم الله عليك، وهكذا قال مالك - ﵀ - ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. [تنبيه]: رَوَى يحيى بن يحيى الليثيّ هذا الحديث في «الموطّأ» مرسلًا، قال الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ -: هكذا روى يحيى هذا الحديث مرسلًا، لَمْ يذكر أبا هريرة، وتابعه ابن وهب، من رواية يونس بن عبد الأعلى عنه، والقعنبيّ، ومُطَرِّف، وابن نافع، وأسنده عن ابن وهب: أحمد بن صالح، والربيع بن سليمان، ذكرا فيه أبا هريرة، وكذلك رواه ابن بكرٍ، وأبو المصعب، ومصعب الزبيريّ، وعبد الله بن يوسف التيميّ، وسعيد بن عُفير، وابن القاسم، ومَعْن بن عيسى، وأبو قُرّة موسى بن طارق، والأويسيّ، وابن عبد الحكم، والحنينيّ، وأكثر الرواة عن مالك، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - مسندًا. قال: والحديث مسندٌ محفوظٌ لمالك وغيره عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -. انتهى كلام ابن عبد البرّ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٤٤٧٣ و٤٤٧٤] (١٧١٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٢٧ و٣٦٠ و٣٦٧)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩٩٠)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (٤٤٢)، و(ابن حبَّان) في «صحيحه» (٣٣٨٩ و٥٧٢٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٦٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٦٣)، و«شعب الإيمان» (٦/ ٢٥)، و(البغويّ) في «شرح السَّنة» (١٠١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن الله تعالى يحب من عباده الإخلاص في عبادته في التوحيد، وسائر الأعمال كلِّها التي يُعبَد بها، وفي الإخلاص طرح الرياء كلّه؛ لأنَّ الرياء شرك، أو ضرب من الشرك، قال أهل العلم بالتأويل: إن قول الله - ﷿ -: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، نزلت في الرياء، ويدخل في الإخلاص أيضًا التوكل على الله، وأنه لا يضرّ، ولا ينفع، ولا يعطي، ولا يمنع على الحقيقة غيره؛ لأنه لا مانع لما أعطي، ولا معطي لما منع، لا شريك له . ٢ - (ومنها): الحضّ على الاعتصام، والتمسك بحبل الله تعالى في حال اجتماع، وائتلاف، قال ابن عبد البرّ - ﵀ -: وحبل الله في هذا الموضع فيه قولان: أحدهما: كتاب الله، والآخر: الجماعة، ولا جماعة إلَّا بإمام، وهو عندي معنى متداخل متقارب؛ لأنَّ كتاب الله يأمر بالأُلفة، وينهى عن الفرقة، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٥]، وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. انتهى . ٣ - (ومنها): النهي عن كثرة الكلام بما لا يعني؛ لأنه إن كان مباحًا ففيه إضاعة الوقت، وإن كان حرامًا، ففيه كثرة المآثم. ٤ - (ومنها): النهي عن كثرة السؤال عن أموال الناس، فقد وردت نصوص كثيرة في ذمّ كثرة السؤال، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من سأل الناس تكثّرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقلّ، أو ليستكثر»، رواه مسلم. وعن سمرة بن جندب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن المسألة كَدّ يَكُدّ بها الرجل وجهه، إلَّا أن يسأل الرجلُ سلطانًا، أو في أمر لا بدَّ منه»، رواه الترمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح، والكَدّ: الْخَدْش ونحوه. وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أصابته فاقة، فأنزلها بالناس، لَمْ تُسَدّ فاقته، ومن أنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل، أو آجل»، رواه أبو داود، والترمذيّ، وقال: حديث حسن، يوشك - بكسر الشين؛ أي: يُسرع . والحاصل أن كثرة الكلام بما لا معنى له، ولا فائدة فيه، من أحاديث الناس لا يخلو أكثرها من أن يكون غِيبة، ولَغَطًا، وكذبًا، ومَن أكثر من القيل والقال مع العامة لَمْ يَسْلم من الخوض في الباطل، ولا من الاغتياب، ولا من الكذب، وقد صحّ عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا، أو ليصمت»، متَّفقٌ عليه، وقال - ﷺ -: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع»، رواه مسلم. ومكتوب في حكمة داود وفي صحف إبراهيم - ﵇ -: «مَن عَدَّ كلامه من عمله، قَلّ كلامه، إلَّا فيما يعنيه»، وفي المَثَل السائر: التقيُّ مُلْجَم . هذا إذا حملنا الحديث على سؤال أموال الناس، وأما إذا حملناه على سؤال المسائل العلميّة، وهو الذي عزاه ابن عبد البرّ إلى أكثر العلماء، حيث قال: وأما كثرة السؤال فمعناه عند أكثر العلماء التكثير في السؤال من المسائل، والنوازل، والأغلوطات، وتشقيق المولَّدات، وقال ما لك: أما نهي رسول الله - ﷺ - عن كثرة السؤال، فلا أدري، أهو الذي أنهاكم عنه من كثرة المسائل، فقد كره رسول الله - ﷺ - المسائل وعابها، أم هو مسألة الناس؟. قال ابن عبد البرّ: الظاهر في لفظ هذا الحديث كراهة السؤال عن المسائل، إذا كان ذلك على الإكثار، لا على الحاجة عند نزول النازلة؛ لأنَّ السؤال في مسألة الناس إذا لَمْ يَجُز فليس يُنْهَى عن كثرته دون قلّته، بل الآثار في ذلك آثار عموم، لا تفزق بين القلة والكثرة لمن كُرِه له ذلك. قال: وكان الأصل في هذا أنهم كانوا يسألون رسول الله - ﷺ - عن أشياء، ويُلِحُّون فيها، فينزل تحريمها، قال الله - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة: ١٠١]، وثبت عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «أعظم المسلمين في المسلمين جُرْمًا، من سأل عما لَمْ يُحَرَّم، فحُرِّم على الناس من أجل مسألته» . ٥ - (ومنها): تحريم إضاعة المال، سواء كان بإلقائه في البحر، أو إحراقه في النار، أو صرفه في المحرّمات، أو الإسراف في الإنفاق فوق الحاجة، أو غير ذلك من وجوه إتلافه، فكلّه محرّم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوَّل الكتاب قال: [٤٤٧٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا»، وَلَمْ يَذْكُرْ: «وَلَا تَفَرَّقُوا»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦)، وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، ثقةٌ ثبت [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ح) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. و«سُهيلٌ» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن سهيل بن أبي صالح هذه لَمْ أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٧٥] (٥٩٣) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَات، وَوَأْدَ الْبَنَات، وَمَنْعًا وَهَات، وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَال، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) أبو محمد المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ حافظٌ إمام مجتهد [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضل [٦] (١٣٢) (ح) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٢٩٦. ٣ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيه فاضل مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٤ - (وَرَّادٌ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) وكاتبه، أبو سعيد، أو أبو الورد الثقفيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٦/ ١٣٤١. ٥ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن معتّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، ومات - ﵁ - سنة خمسين على الصحيح (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. و«جرير» بن عبد الحميد ذُكر قبل حديث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، كما أسلفته آنفًا، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الشعبيّ، عن ورّاد، أو ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على قول من يقول: إن منصورًا تابعيّ صغير. شرح الحديث: (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ)»العقوق«بضمّ العين المهملة: مشتقّ من العقّ، وهو القطع، والمراد به: صدور ما تتأذّى به، وقال القرطبيّ - ﵀ -: العقوق مصدر عقّ يعُقّ؛ أي: قطع وشقّ، فكأن العاقّ لوالديه يقطع ما أمره الله تعالى به من صِلَتهما، ويشُقّ عصا طاعتهما. انتهى . و«الأمهات»: جمع أُمَّهَةٍ، وهي لمن يعقل، بخلاف لفظ الأم، فإنه أعمّ، قاله في«الفتح». وقال الفيّوميّ - ﵀ -: أُمُّ الشَّيءِ: أصله، والأمّ: الوالدة، وقيل: أصلها أُمَّهَة، ولهذا تُجْمَع على أُمَّهَاتٍ، وأجيب بزيادة الهاء، وأنَّ الأصل: أُمَّاتٌ، قال ابن جني: دعوى الزيادة أسهل من دعوى الحذف، وكَثُرَ في الناس أُمَّهَاتٌ، وفي غير الناس أُمَّاتٌ؛ للفرق، والوجه ما أورده في«البارع: أن فيها أربع لغات: أُمٌّ بضم الهمزة، وكسرها، وأُمَّةٌ، وأُمَّهَةٌ، فالأُمَّهَاتُ، والأُمَّاتُ لغتان، ليست إحداهما أصلًا للأخرى، ولا حاجة إلى في عوى حذف، ولا زيادة. انتهى . وتخصيص الأمهات، من تخصيص الشيء بالذكر؛ إظهارًا لعظم شأنه، وقيل: خصّ الأمهات بالذكر؛ لأنَّ العقوق إليهنّ أسرع من الآباء؛ لِضَعف النساء، وليُنبّه على أنَّ برّ الأمّ مقدّم على برِّ الأب في التلطّف، والحنُوّ، ونحو ذلك . وقال الطيبيّ نقلًا عن الخطابيّ: لَمْ يَخُصّ الأمهات بالعقوق، فإن عقوق الآباء محرّم أيضًا، ولكن نبّه بأحدهما على الآخر، فإن برّ الأم مقدّم على برّ الأب؛ لأنَّ لعقوق الأمهات مزيّة في القبح، وحقّ الأب مقدّم في الطاعة، وحسن المتابعة لرأيه، والنفوذ لأمره، وقبول الأدب منه. انتهى . (وَوَأْدَ الْبَنَاتِ) - بسكون الهمزة - هو دفن البنات بالحياة، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك؛ كراهةً فيهنّ، ويقال: إن أول من فعل ذلك قيس بن عاصم التميميّ، وكان بعض أعدائه أغار عليه، فَأسَر بنته، فاتخذها لنفسه، ثم حصل بينهم صلح، فَخَيَّر ابنته، فاختارت زوجها، فآلى قيس على نفسه أن لا تولد له بنت إلَّا دفنها حية، فتبعه العرب في ذلك، وكان من العرب فريق ثان يقتلون أولادهم مطلقًا؛ إما نَفَاسَةً منه على ما ينقصه من ماله، وإما من عدم ما ينفقه عليه، وقد ذكر الله أمرهم في القرآن في عدة آيات، وكان صعصعة بن ناجية التميميّ، وهو جدّ الفرزدق همام بن غالب بن صعصعة أوّلَ من فَدَى الموؤودة، وذلك أنه يَعْمِد إلى من يريد أن يفعل ذلك، فيفدي الولد منه بمال يتفقان عليه، وإلى ذلك أشار الفرزدق بقوله [من المتقارب]: وَجَدِّي الَّذِي مَنَعَ الْوَائِدَاتِ … وَأَحْيَا الْوَئِيدَ فَلَمْ يُوأَدِ وهذا محمول على الفريق الثاني، وقد بقي كلٌّ من قيس وصعصعة إلى أن أدركا الإسلام، ولهما صحبة. وإنما خَصّ البنات بالذكر؛ لأنه كان الغالب من فعلهم؛ لأنَّ الذكور مظنة القدرة على الاكتساب، وكانوا في صفة الوأد على طريقين: أحدهما: أن يأمر امرأته إذا قَرُب وضعها أن تُطْلَق بجانب حَفِيرة، فإذا وضعت ذكرًا أبقته، وإذا وضعت أنثى طرحتها في الحفيرة، وهذا أليق بالفريق الأول. ومنهم من كان إذا صارت البنت سُدَاسيّة قال لأمها: طيِّبيها، وزيِّنيها لأزور بها أقاربها، ثم يَبْعُد بها في الصحراء، حتى يأتي البئر، فيقول لها: انظري فيها، ويدفعها من خلفها، وَيطُمُّها، وهذا اللائق بالفريق الثاني، والله أعلم . وقال الطيبيّ - ﵀ -: قيل: قدّم عقوق الأمهات؛ لأنهنَّ الأصول، وعقّبه بوأد البنات؛ لأنهنّ الفروع، وكان ذلك تنبيهًا على أنَّ أكبر الكبائر هو قطع النسل الذي هو موجب لخراب العالم. انتهى . (وَمَنْعًا وَهَاتِ) قال في «الفتح»: وقع في رواية غير أبي ذرّ، وفي «الاستقراض»: «ومَنْعَ» بغير تنوين، وهي في الموضعين بسكون النون، مصدرُ مَنَعَ يَمْنَع. وأما «هات» فبكسر المثناة: فعلُ أمر من الإيتاء، قال الخليل: أصل هات: آت، فقُلبت الألف هاء. والحاصل من النهي منعُ ما أُمر بإعطائه، وطلب ما لا يستحقّ أخذه. ويَحْتَمِل أن يكون النهي عن السؤال مطلقًا، ويكون ذَكَرَه هنا مع ضدّه، ثم أعيد تأكيدًا للنهي عنه، ثم هو مُحْتَمِل أن يدخل في النهي ما يكون خطابًا لاثنين، كما ينهى الطالب عن طلب ما لا يستحقه، وينهى المطلوب منه عن إعطاء ما لا يستحقه الطالب؛ لئلا يعينه على الإثم. انتهى . وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «ومنعًا وهات»؛ أي: حرّم عليكم منع ما عليكم إعطاؤه، وطلب ما ليس لكم أخذه، وقيل: نهي عن منع الواجب من ماله، وأقواله، وأفعاله، وأخلاقه من الحقوق اللازمة فيها، ونهي عن استدعاء ما لا يجب عليهم من الحقوق، وتكليفه إياهم بالقيام بما لا يجب عليهم، وهذا من أسمج الخلال. انتهى . (وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث خصال (قِيلَ وَقَالَ) في رواية: «وكان ينهى عن قيل وقال»، قال في «الفتح»: كذا للأكثر في جميع المواضع بغير تنوين، ووقع في رواية الكشميهنيّ هنا: «قيلًا، وقالًا»، والأول أشهر، وفيه تعقُّب على من زعم أنه جائز، ولم تقع به الرواية. قال الجوهريّ: «قيل، وقال» اسمان، يقال: كثير القيل والقال، كذا جزم بأنهما اسمان، وأشار إلى الدليل على ذلك بدخول الألف واللام عليهما. وقال ابن دقيق العيد: لو جمانا اسمين بمعنى واحد كالقول، لَمْ يكن لِعَطف أحدهما على الآخر فائدة، فأشار إلى ترجيح الأول. وقال المحب الطبريّ: في «قيل وقال» ثلاثة أوجه: أحدها: أنهما مصدران للقول، تقول: قلت قولًا، وقيلًا، وقالًا، والمراد في الأحاديث: الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام؛ لأنَّها تؤول إلى الخطأ، قال: وإنما كرره للمبالغة في الزجر عنه. ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس، والبحث عنها؛ ليُخبِر عنها، فيقول: قال فلان كذا، وقيل كذا، والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه، وإما لشيء مخصوص منه، وهو ما يكرهه المحكيّ عنه. ثالثها: أن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدِّين، كقوله: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، ومحل كراهة ذلك أن يُكثِر من ذلك، بحيث لا يؤمَن مع الإكثار من الزلل، وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبت، ولكن يقلّد من سمعه، ولا يحتاط له. قال الحافظ: ويؤيد ذلك الحديث الصحيح: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدِّث بكل ما سمع»، أخرجه مسلم. وفي «شرح المشكاة»: قوله: «وكَرِهَ» بكسر الراء، وفي نسخة بتشديدها، مع فتحها، قال في «القاموس»: كَرِهه، كسَمِعه، وكَرَّهه إليه تكريهًا صَيَّره كَرِيها، وقوله: «لكم»؛ أي: لأجلكم، وقوله: «قيل، وقال» بصيغتي المجهول، والمعلوم للماضي، قال في «الفائق»: نَهْيٌ عن فضول ما يتحدث به المجالسون من قولهم: قيل كذا، وقال كذا، وبناؤهما على كونهما فعلين محكيين متضمِّنين للضمير، والإعراب على إجرائهما مُجْرَى الأسماء، خاليين من الضمير، ومنه قوله: «إنما الدنيا قال وقيل»، وإدخال حرف التعريف عليهما لذلك في قولهم: ما يَعْرِف من القيل. وقال في «النهاية»: وهذا النهي إنما يصح في قولٍ لا يصحّ، ولا يُعْلَم حقيقته، فأما مَن حَكَى ما يصح، وَيعرف حقيقته، وأسنده إلى ثقة صادق فلا وجه للنهي عنه، ولا ذمّ. وقال أبو عبيد: فيه تجوّز عربيةً، وذلك أنه جعل كلًّا من القيل والقال مصدرًا، كأنه قال: نهى عن قيل وقال، يقال: قلت قولًا وقالًا وقيلًا، وهذا التأويل على أنَّهما اسمان، وقيل: أراد النهي عن كثرة الكلام، مبتدئًا، ومجيبًا، وقيل: هذا الكلام يتضمّن بعمومه حرمة النميمة والغيبة، فإن تبليغ الكلام من أقبح الخصال، والإصغاء إليها من أفحش الفعال. انتهى . (وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) قال في «الفتح»: اختُلف في المراد منه، وهل هو سؤال المال، أو السؤال عن المشكلات، والمعضلات، أو أعمّ من ذلك؟ والأَولى حَمْله على العموم، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد به: كثرة السؤال عن أخبار الناس، وأحداث الزمان، أو كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله، فإن ذلك مما يَكره المسؤول غالبًا. وقد ثبت النهي عن الأغلوطات، أخرجه أبو داود، من حديث معاوية - ﵁ -، وثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادةً، أو يندر جدًّا، وإنما كَرِهوا ذلك لِمَا فيه من التنطّع، والقول بالظنّ؛ إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ، وأما ما تقدم في اللِّعان: «فَكَرِه النبيّ - ﷺ - المسائل وعابها»، وكذا في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فذلك خاصّ بزمان نزول الوحي، ويشير إليه حديثُ: «أعظم الناس جُرْمًا عند الله من سأل عن شيء لَمْ يُحَرَّم، فحُرِّم من أجل مسألته». وثبت أيضًا ذمّ السؤال للمال، ومدحُ من لا يُلْحِف فيه، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وفي «الصحيحين»: حديث: «لا تزال المسألة بالعبد حتى يأتي يوم القيامة، وليس في وجهه مُزْعة لحم». وفي «صحيح مسلم»: «إن المسألة لا تَحِلّ إلَّا لثلاثة: لذي فقر مُدْقِع، أو غُرْم مُفْظِع، أو جائحة». وفي «جامع الترمذيّ»: قوله - ﷺ - لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله»، وفي «سنن أبي داود»: «إن كنت لا بد سائلًا، فاسأل الصالحين». وقد اختلف العلماء في ذلك، والمعروف عند الشافعية أنه جائز؛ لأنه طلب مباح، فأشبه العارية، وحملوا الأحاديث الواردة على من سأل من الزكاة الواجبة، ممن ليس من أهلها، لكن قال النوويّ في اتفاق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضوورة، قال: واختلف أصحابنا في سؤال القادر على الكسب على وجهين: أصحهما التحريم؛ لظاهر الأحاديث، والثاني يجوز مع الكراهة بشروط ثلاثة: أن لا يُلِحّ، ولا يُذِلّ نفسه زيادة على ذلّ نفس السؤال، ولا يُؤدِّيَ المسؤول، فإن فُقِد شرط من ذلك حَرُم. وقال الفاكهانيّ: يُتَعَجَّب ممن قال بكراهة السؤال مطلقًا، مع وجود السؤال في عصر النبيّ - ﷺ -، ثم السلف المصالح من غير نكير، فالشارع لا يُقِرّ على مكروه. قال الحافظ: لعل من كره مطلقًا أراد أنه خلاف الأَولي، ولا يلزم من وقوعه أن تتغير صفته، ولا من تقريره أيضًا، وينبغي حمل حال أولئك على السداد، وأن السائل منهم غالبأَ ما كان يسأل إلَّا عند الحاجة الشديدة. وفي قوله: من غير نكير نَظَر، ففي الأحاديث الكثيرة الواردة في ذم السؤال كفاية في إنكار ذلك. [تنبيه]: جميع ما تقدم فيما سأل لنفسه، وأما إذا سأل لغيره، فالذي يظهر أيضًا أنه يختلف باختلاف الأحوال. انتهى . (وَإِضَاعَةَ الْمَالِ») قال في«الفتح»: حَمَله الأكثر على الإسراف في الإنفاق، وقيَّده بعضهم بالإنفاق في الحرام، والأقوى أنه ما أُنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعًا، سواء كانت دينية، أو دنيوية، فمُنِع منه؛ لأنَّ الله تعالى جعل المال قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح، إما في حق مضيِّعها، وإما في حق غيره، ويستثنى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البرّ؛ لتحصيل ثواب الآخرة، ما لَمْ يفوت حقًّا أخرويًا أهم منه. والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثة أوجه: الأول: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعًا، فلا شك في منعه. والثاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعًا، فلا شك في كونه مطلوبًا بالشرط المذكور. والثالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة، كملاذّ النفس، فهذا ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق، وبقَدْر ماله، فهذا ليس بإسراف. والثاني: ما لا يليق به عُرفًا، وهو ينقسم أيضًا إلى قسمين: أحدهما: ما يكون لدفع مفسدة، إما ناجزة، أو متوقَّعة، فهذا ليس بإسراف. والثاني: ما لا يكون في شيء من ذلك، فالجمهور على أنَّه إسراف، وذهب بعض الشافعية إلى أنه ليس بإسراف، قال: لأنه تقوم به مصلحة البدن، وهو غرض صحيح، في ذا كان في غير معصية فهو مباح له. قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قال. انتهى، وقد صرّح بالمنع القاضي حسين، فقال في «كتاب قسم الصدقات»: هو حرام، وتبعه الغزاليّ، وجزم به الرافعيّ في الكلام على المغارم، وصحح في باب الحَجْر من الشرح، وفي المحرَّر أنه ليس بتبذير، وتبعه النوويّ، والذي يترجح أنه ليس مذمومًا لذاته، لكنه يفضي غالبًا إلى ارتكاب المحذور، كسؤال الناس، وما أبي إلى المحذور فهو محذور. وقد تقدم في «كتاب الزكاة»البحث في جواز المتصدق بجميع المال، وأن ذلك يجوز لمن عَرَفَ من نفسه الصبر على المضايقة، وجزم الباجيّ من المالكية بمنع استيعاب جميع المال بالصدقة، قال: ويُكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا، ولا بأس به إذا وقع نادرًا لحادث يحدث، كضيف، أو عيد، أو وليمة. ومما لا خلاف في كراهته: مجاوزة الحد في الإنفاق على البناء زيادة على قدر الحاجة، ولا سيما إن أضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة. ومنه احتمال الغبن الفاحش في البياعات بغير سبب. وأما إضاعة المال في المعصية فلا يختص بارتكاب الفواحش، بل يدخل فيها سوء القيام على الرقيق، والبهائم حتى يهلكوا، ودفع مال من لَمْ يؤنس منه الرشد إليه، وقَسْمه ما لا ينتفع بجزئه، كالجوهرة النفيسة. وقال السبكيّ الكبير في «الحلبيات»: الضابط في إضاعة المال أن لا يكون لغرض دينيّ، ولا دنيويّ، فإن انتفيا حَرُم قطعًا، وإن وُجد أحدهما وجودًا له بال، وكان الإنفاق لائقًا بالحال، ولا معصية فيه جاز قطعًا، وبين الرتبتين وسائط كثيرة، لا تدخل تحت ضابط، فعلى المفتي أن يرى فيما تيسّر منها رأيه، وأما ما لا يتيسر فقد تعرض له، فالإنفاق في المعصية حرام كله، ولا نظر إلى ما يحصل في مطلوبه من قضاء شهوة، ولذة حسنة، وأما إنفاقه في الملاذّ المباحة فهو موضع الاختلاف، فظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧] أن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف، ثم قال: ومن بذل مالًا كثيرًا في غرض يسير تافه عَدَّه العقلاء مضيِّعًا، بخلاف عكسه، والله أعلم . وقال الطيبيّ - ﵀ -: قيل: والتقسيم الحاصر فيه - أي: في إضاعة المال - الحاوي بجميع أقسامه أن تقول: إن الذي يُصْرَف إليه المال إما أن يكون واجبًا، كالنفقة، والزكاة، ونحوهما، فهذا لا ضياع فيه، وهكذا إذا كان مندوبًا إليه، وإما أن يكون حرامًا، أو مكروهًا، وهذا قليله وكثيره إضاعة وسرف، وإما أن يكون مباحًا، ولا إشكال إلَّا في هذا القسم؛ إذ كثير من الأمور يَعُدّه بعض الناس من المباحات، وعند التحقيق ليس كذلك، كتشييد الأبنية، وتزيينها، والإسراف في النفقة، والتوسع في لبس الثياب الناعمة، والأطعمة الشهيّة اللذيذة، وأنت تعلم أن قساوة القلب، وغِلَظ الطبع يتولد من لبس الرِّقَاق، وأكل الرِّقَاق، وسائر أنواع الارتقاق، ويدخل فيه تمويه الأواني، والسقوف بالذهب، والفضة، وسوء القيام على ما يملكه من الرقيق، والدوابّ حتى تضيع، وتهلك، وقسمة ما لا ينتفع الشريك به، كاللؤلؤة، والسيف يُكْسَران، وكذا احتمال الغبن الفاحش في البياعات، وإيتاء المال صاحبه، وهو سفيه، حقيقٌ بالحَجر. قال: وهذا الحديث أصل في معرفة حُسن الخُلُق الذي هو منبع الأخلاق الحميدة، والخلال الجميلة. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٤٤٧٥ و٤٤٧٦ و٤٤٧٧ و٤٤٧٨] (٥٩٣)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٨٤٤) و«الزكاة» (١٤٧٧)، و«الاستقراض» (٢٤٠٨) و«الأدب» (٥٩٧٥) و«الدعوات» (٦٣٣٠) و«الرقاق» (٦٤٧٣) و«القدر» (٦٦١٥) و«الاعتصام» (٧٢٩٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٤٦ و٢٥٠ - ٢٥١ و٢٥٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣١٠ - ٣١١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١/ ٣٦٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٥٥ و٥٥٥٦ و٥٧١٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢/ ٩٠١)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٤/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٦٦)، و(البيهقيّ) في «الآداب» (١٠٥) و«شُعب الإيمان» (٦/ ١٩١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٣٤٢٦)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث أورده المحدّثون مقطَّعًا في عدَّة مواضع، ولعل أجمع الروايات - كما قال بعضهم - ما أخرجه الإمام أحمد في «مسنده»، فقال: (١٨٢٥٨) - حدّثنا عليّ بن عاصم، ثنا المغيرة بن شِبْل، أخبرنا عامر، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: اكتب إليّ بما سمعت من رسول الله - ﷺ -، فدعاني المغيرة، قال: فكتبت إليه: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول إذا انصرف من الصلاة قال: «لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، اللهم لا مانع لِما أعطيت، ولا معطي لِمَا منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ»، وسمعته ينهى عن قيل وقال، وعن كثرة السؤال، وإضاعة المال، وعن وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومَنْع وهات. انتهى . (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): تحريم عقوق الأمهات، وهو من الكبائر بإجماع العلماء، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على عدّه من الكبائر، وكذلك عقوق الآباء من الكبائر، وإنما اقتصر هنا على الأمهات؛ لأنَّ حرمتهن آكد من حرمة الآباء، ولهذا قال - ﷺ - حين قال له السائل: مَن أَبَرّ؟ قال: «أمك، ثم أمك»، ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: «ثم أباك»، ولأن أكثر العقوق يقع للأمهات. ٢ - (ومنها): تحريم وأد البنات - بالهمز - وهو دفنهن في حياتهن، فيمتن تحت التراب، وهو من الكبائر الموبقات؛ لأنه قتل نفس بغير حقّ، ويتضمن أيضًا قطيعة الرحم، وإنما اقتصر على البنات؛ لأنه المعتاد الذي كانت الجاهلية تفعله غالبًا. ٣ - (ومنها): تحريم «منعٍ، وهات»، وهو أن يمنع الرجل ما توجّه عليه من الحقوق، أو يطلب ما لا يستحقه. ٤ - (ومنها): تحريم كثرة السؤال، وقد مضى تفصيله. ٥ - (ومنها): تحريم إضاعة المال، وقد مضى تفصيل أيضًا. ٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: وفي قوله - ﷺ -: «حرّم ثلاثًا»، و«كَرِه ثلاثًا» دليل على أنَّ الكراهة في هذه الثلاثة الأخيرة للتنزيه، لا للتحريم. انتهى قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «لا للتحريم» محلّ تأمّل، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٧٦] (…) - (وَحَدَّثَني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -»، وَلَمْ يَقُلْ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما نُسب لجدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. و«منصور» هو: ابن المعتمر، ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية شيبان عن منصور هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (١٨١٧٢) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا حسين، ثنا شيبان، عن منصور، عن الشعبيّ، عن ورّاد، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله كَرِه لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وحَرَّم عليكم رسول الله - ﷺ -: وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومَنْع وهات». انتهى . وساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه» ، وإنما عدلت عنها؛ لمخالفتها رواية المصنّف، حيث جعلته: عن شيبان عن منصور، عن المسيّب بن رافع، ولذا انتقد الدارقطنيّ الرواية بأن سعد بن حفص شيخ البخاريّ فيها أخطأ في ذلك، والصواب: عن شيبان، عن منصور، عن الشعبيّ، كما هو عند مسلم، فتنبّه ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٧٧] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذاء، حَدَّثَنِي ابْنُ أَشْوَعَ، عَنِ الشَّعْبِيّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَال، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ قال الجامع: مما يؤيّد اعتراض الدارقطنيّ صنيع الإمام مسلم - ﵀ - حيث أحال رواية شيبان على رواية جرير السابقة، وهي عن منصور، عن الشعبيّ، لا عن المسيّب، ومن الغريب ما نبّه الحافظ في «الفتح» على هذا، فليُتفطّن. مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣)، وهو ابن (٨٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٣ - (خَالِدُ الْحَذَّاءُ) ابن مِهْران، أبو الْمُنازل البصريّ، ثقةٌ حافظ، تغير حفظه في الأخير [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. ٤ - (ابْنُ أَشْوَعَ) هو: سعيد بن عمرو بن أشوع الْهَمْدانيّ الكوفيّ، قاضيها، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٦] مات في حدود (١٢٠) (خ م ت) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٩. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث فيه أربعةٌ تابعيّون يروي بعضهم عن بعض، وهم: خالد، وسعيد بن عمرو بن أشوع، وهو تابعيّ، سمع يزيد بن سلمة الْجُعفيّ الصحابيّ - ﵁ -، والثالث: الشعبي، والرابع: كاتب المغيرة، وهو ورّاد. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ: «إن سعيد بن عمرو بن أشوع تابعيّ، سمع يزيد … إلخ» فيه نظر، فقد نصّ الترمذيّ في «الجامع» (٥/ ٤٩) على أنَّه لَمْ يدركه، وحكم على الحديث الذي أخرجه من طريقه مرسلًا، وكذا نصّ عليه الحافظ المزيّ في «تهذيب الكمال» (١١/ ١٥)، والحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (٢/ ٣٥)، ولذا جعله في «التقريب» من الطبقة السادسة، كما أسلفته آنفًا، وعلى هذا فرواية خالد الحذّاء عنه هنا من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأنه من الطبقة الخامسة، كما أسلفته أيضًا آنفًا، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: (كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية للبخاريّ: «عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: أملى عليّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبيّ - ﷺ - …»، قال في «الفتح»: وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قِبَل معاوية، وقد جاء بيان سبب الكتابة في رواية أخرى، وهو أن معاوية كتب إليه: اكتب لي بحديث سمعته من رسول الله - ﷺ -، وفي رواية قال: «كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت النبيّ - ﷺ - يقول خلف الصلاة». واستُدِلّ به على العمل بالمكاتَبة، وإجرائها مجرى السماع في الرواية، ولو لَمْ تقترن بالإجازة، وعلى الاعتماد على خبر الشخص الواحد. انتهى . وقال في «الفتح» في موضع آخر: قوله: «فكتب إليه المغيرة» ظاهره أن المغيرة باشر الكتابة، وليس كذلك، فقد أخرجه ابن حبان من طريق عاصم الأحول، عن الشعبيّ أن معاوية كتب إلى المغيرة: اكتب إلي بحديث سمعته، فدعا غلامه ورّادًا، فقال: اكتب فذكره. قال الحافظ: ولم أقف على تسمية من كتب لمعاوية صريحًا، إلَّا أن المغيرة كان معاوية أَمَّره على الكوفة في سنة إحدى وأربعين إلى أن مات سنة خمسين، أو في التي بعدها، وكان كاتب معاوية إذ ذاك عُبيد بن أوس الْغَسّاني. وفي الحديث حجة على من لَمْ يعمل في الرواية بالمكاتَبة، واعتلّ بعضهم بأن العمدة حينئذ على الذي بَلَّغ الكتاب، كأن يكون الذي أرسله أمَرَه أن يوصل الكتاب، وأن يبلّغ ما فيه مشافهة. وتُعُقِّب بأن هذا يحتاج إلى نقل، وعلى تقدير وجوده، فتكون الرواية عن مجهول، ولو فُرِض أنه ثقةٌ عند من أرسله، ومن أرسل إليه فتجيء فيه مسألة التعديل على الإبهام، والمرجَّح عدم الاعتداد به. انتهى . [تنبيه]: زاد البخاريّ في «القدر» في آخر هذا الحديث أن ورّادًا قال: «ثم وَفَدت بعدُ على معاوية، فسمعته يأمر الناس بذلك». وذكر بعضهم أن معاوية - ﵁ - كان قد سمع الحديث المذكور، وإنما أراد استثبات المغيرة، واحتجّ بما في «الموطأ» من وجه آخر عن معاوية - ﵁ - أنه كان يقول على المنبر: أيها الناس إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله، ولا ينفع ذا الجَد منه الجَد، من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ثم يقول: سمعته من رسول الله على هذه الأعواد، أفاده في «الفتح» . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤٧٨] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ وَرَّادٍ قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ:«إِنَّ اللهَ حَرَّمَ ثَلَاثًا، وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ: حَرَّمَ عُقُوقَ الْوَالِدِ ، وَوَأْدَ الْبَنَات، وَلَا وَهَات، وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ: قِيلٍ وَقَالٍ، وَكَثْرَةِ السُّؤَال، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في«المقدمة»٥/ ٣١. ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دِمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في«الإيمان» ٨/ ١٣٨. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ) - بضمّ السين المهملة - الْغَنَويّ - بفتح الغين المعجمة، والنون الخفيفة - أبو بكر الكوفيّ العابد، ثقةٌ مرضيّ، عابد [٥]. رَوَى عن أنس، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن دينار، وأبي صالح السمان، ونافع بن جبير بن مُطعم، وإبراهيم النخعيّ، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. ورَوَى عنه مالك بن مِغْوَل، والثوريّ، وابن المبارك، ومروان بن معاوية الفزاريّ، وأبو المغيرة النضر بن إسماعيل، وعطاء بن مسلم الخفاف، وابن عيينة، وغيرهم. قال محمد بن عبيد: سمعت الثوريّ يقول: حدّثني الرضيّ محمد بن سوقة، قال: ولم أسمعه يقول ذلك لعربيّ، ولا لمولي، وقال الحسين بن حفص: قال الثوريّ: أُخرج إليكم كتاب خير رجل بالكوفة، فأخرج كتاب محمد بن سوقة، وقال طلحة بن مُصَرِّف: ما بالكوفة رجلان يزيدان على محمد بن سوقة، وعبد الجبار بن وائل بن حجر، وقال الحميديّ، عن ابن عيينة: كان بالكوفة ثلاثة لو قيل لأحدهم: إنك تموت غدًا ما كان يقدر أن يزيد في عمله: محمد بن سوقة، وعمرو بن قيس الْمُلائيّ، وأبو حيّان التيميّ، قال سفيان: وكان محمد بن سوقة لا يُحسن أن يعصي الله، وقال العجليّ: كوفيّ ثَبْت، وكان خزازًا جمع من الخز مائة ألف، ثم أتى مكة، فقال: ما اجتمعت هذه لخير، فتصدق بها، وكان صاحب سُنَّة، وعبادة، وخير كثير، في عداد الشيوخ، وليس بكثير الحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ مرضيّ، وذكره ابن حبان في «الثقات» في الطبقة الثالثة في أتباع التابعين، وقال: قد قيل: إنه رأى أنسًا، وأبا الطفيل، ومقتضاه أن تكون روايته عنده عن أنس مرسلة، وقال أيضًا: كان من أهل العبادة، والفضل، والدِّين، والسخاء، وقال يعقوب بن سفيان: محمد بن سوقة من خيار أهل الكوفة، وثقاتهم، وقال الدارقطنيّ: كوفيّ، فاضلٌ، ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ) أبو عون الكوفيّ الأعور، ثقةٌ [٤] (خ م د ت س) تقدم في «الصلاة» ٣٥/ ١٠٢٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ) فيه استحباب المكاتَبة على هذا الوجه، فيبدأ: «سلام عليك»، كما كتب النبيّ - ﷺ - إلى هرقل: «سلامٌ على من اتبع الهدى» . وقوله - ﷺ -: (إِنَّ اللهَ حَرَّمَ ثَلَاثًا، وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ … إلخ)، قال النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث دليل لمن يقول: إن النهي لا يقتضي التحريم، والمشهور أنه يقتضي التحريم، وهو الأصح، ويجاب عن هذا بأنه خرج بدليل آخر. انتهى . وقوله: (حَرَّمَ عُقُوقَ الوَالِدِ) وفي بعض النسخ: «عقوق الوالدات». وقوله: (وَلَا وَهَاتِ)؛ أي: وحرّم «لا»؛ يعني: الامتناع عن أداء ما توجّه عليه من الحقوق، يقول في الحقوق الواجبة: لا أُعطي، ويقول فيما ليس له حقّ فيه: أَعْطِ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ) (اعلم): أن «الحكم» - بضمّ، فسكون -: القضاء، وأصله: المنع، يقال: حكمتُ عليه بكذا: إذا منعته من خلافه، فلم يَقدِر على الخروج من ذلك، وحكمتُ بين القوم: فَصَلت بينهم، فأنا حاكمٌ، وحَكَم - بفتحتين -، والجمع: حُكّام، وحُكّامون، أفاده في «المصباح». وقال في «الفتح»: الحكم الشرعيّ عند الأصوليين: خطاب الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء، أو التخيير، ومادّة الحُكْم من الإحكام، وهو الإتقان للشيء، ومَنْعه من العيب. انتهى. وقد ترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: «باب أجر الحاكم، إذا اجتهد فأصاب، أو أخطأ». قال في «الفتح»: يشير به إلى أنه لا يلزم مِنْ ردّ حكمه، أو فتواه إذا اجتهد فأخطأ، أن يأثم بذلك، بل إذا بذل وسعه أُجِر، فإن أصاب ضوعف أجره، لكن لو أقدم فحكم، أو أفتى بغير علم، لَحِقه الإثم، كما تقدمت الإشارة إليه. قال ابن المنذر: وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ، إذا كان عالمًا بالاجتهاد فاجتهد، وأما إذا لَمْ يكن عالمًا فلا، واستدَلّ بحديث: «القضاة ثلاثة» وفيه: «وقاضٍ قضى بغير حق فهو في النار، وقاض قضي، وهو لا يعلم فهو في النار»، وهو حديث أخرجه أصحاب «السنن»، عن بريدة - ﵁ - بألفاظ مختلفة، قال الحافظ: وقد جمعت طرقه في جزء مفرد، ويؤيد حديث الباب ما وقع في قصة سليمان في حُكم داود - عليهما الصلاة والسلام - في أصحاب الحرث. وقال الخطابي في «معالم السنن»: إنما يؤجَر المجتهد إذا كان جامعًا لآلة الاجتهاد، فهو الذي نعذره بالخطإ، بخلاف المتكلف فيُخاف عليه الإثم، وإنما يؤجر العالم؛ لأنَّ اجتهاده في طلب الحق عبادة، هذا إذا أصاب، وأما إذا أخطأ فلا يؤجر على الخطإ، بل يوضع عنه الإثم فقط، كذا قال، وكأنه يرى
مصادر المؤلف (٥٠)

١. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠.

٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٩.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥٣١ - ٥٣٢.

٤. «المفهم» ٥/ ١٦٢ - ١٦٣.

٥. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٠ - ١١.

٦. راجع: ١/ ٦٢٠.

٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ١١.

٨. «المفهم» ٥/ ١٦٣.

٩. «شرح الزرقانيّ على الموطأ» ٤/ ٥٢٧.

١٠. «التمهيد» ٢١/ ٢٧٥.

١١. «المفهم في ٥/ ١٦٣.

١٢. «شرح النوويّ»١٢/ ١١.

١٣. «شرح النوويّ»١٢/ ١١.

١٤. ضعَّفه الشيخ الألبانيّ - ﵀ - في«السلسلة الضعيفة».

١٥. «الاستذكار» ٨/ ٥٧٩.

١٦. «المفهم» ح/١٦٤.

١٧. «المفهم» ٥/ ١٦٤ - ١٦٥.

١٨. «الاستذكار» ٨/ ٥٧٩ - ٥٨٠.

١٩. «التمهيد» ٢١/ ٢٦٩ - ٢٧٠.

٢٠. «التمهيد» لابن عبد البرّ - ﵀ - ٢١/ ٢٧٢.

٢١. «التمهيد» ٢١/ ٢٧٢.

٢٢. «رياض الصالحين» للنووي - ﵀ - ١/ ١٥٤.

٢٣. «التمهيد» ٢١/ ٢٨٩.

٢٤. حديث صحيح، أخرجه أبو داود في «سننه» ٤/ ٢٠١.

٢٥. هذا رقم مكرّر، قد تقدّم، فتنبّه.

٢٦. «المفهم» ٥/ ١٦٥.

٢٧. «الفتح» ١٣/ ٥٠١، كتاب «الأدب» رقم (٥٩٧٥).

٢٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٣.

٢٩. «الفتح» ٦/ ٢١٧، كتاب «الاستقراض» رقم (٢٤٠٨).

٣٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٥٧.

٣١. «الفتح» ١٣/ ٥٠٢ رقم (٥٩٧٥).

٣٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٥٧.

٣٣. «الفتح» ١٣/ ٥٠١، كتاب «الأدب» رقم (٥٩٧٥).

٣٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٥٧.

٣٥. «مرقاة المفاتيح» ١٤/ ١٩٠.

٣٦. «الفتح» ١٣/ ٥٠٣ - ٥٠٤، كتاب «الأدب» رقم (٥٩٧٥).

٣٧. «الفتح» ١٣/ ٥٠٤ - ٥٠٥، كتاب «الأدب» رقم (٥٩٧٥).

٣٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٥٨، و«مرقاة المفاتيح» ١٤/ ١٩٦.

٣٩. سقط لفظ «أخبرنا» من النسخة، وهو موجود في نسخة تحقيق شعيب الأرنؤوط، فتنبّه.

٤٠. «مسند أحمد بن حنبل» ٤/ ٢٥٤.

٤١. «شرح النوويّ»١٢/ ١٢.

٤٢. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٤/ ٢٤٦.

٤٣. قال - ﵀ -: (٥٦٣٠) - حدّثنا سعد بن حفص، حدّثنا شيبان، عن منصور، عن المسيَّب، عن وراد، عن المغيرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن الله حَرَّم عليكم عقوق الأمهات، ومنعًا وهات، ووأد البنات، وكَرِه لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». انتهى.

٤٤. ذكر الحافظ في «النكت الظراف» (٧/ ٤٩٦) ما نصّه: قوله: وفي الأدب عن سعد بن حفص … إلى آخره، قلت: ذكر الدارقطنيّ أن سعد بن حفص أخطأ فيه، والصواب رواية عبيد الله بن موسى «الشعبي»، لا المسيّب بن رافع. انتهى.

٤٥. راجع: «الفتح» ٣/ ٨٥ - ٨٦، كتاب «الأذان» رقم (٨٤٤).

٤٦. «الفتح» ١٤/ ٦١٧، كتاب «الرقاق» رقم (٦٤٧٣).

٤٧. «الفتح (٣/ ٨٥ - ٨٦) كتاب»الأذان«رقم (٨٤٤).

٤٨. وفي نسخة: «حرّم عقوق الوالدات».

٤٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٣.

٥٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٢.