HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧١٦

حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَي التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الهاد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ. وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أجر).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص131
ج ٣ ص ١٣٤٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٨٤
[٣٧٢] حديث عمرو بن العاص ﵁: (إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ) ، إنما يجوز الاجتهاد إذا كان عالما بالكتاب والسنة، أو أكثرهما مما لابد منه، الصحابة وبأقاويل الصحابة وبلسان العرب، وكان له معرفةٌ؛ يفصل بين الصحيح والسقيم، وبين القوي من الأقاويل والضعيف، فإذا كان كذلك ثم حكم بحكم؛ فإن كان مصيبا كان له أجران، وإن كان مخطئا فله أجر على اجتهاده. ومن باب الأمر بالاعتصام بحبل الله
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص١١٣
أن قوله: «فله أجر واحد» مجاز عن وضع الإثم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قول الخطابيّ: «فلا يؤجر» فيه نظر لا يخفى؛ لمصادمته ظاهر النصّ، فلا تلتفت إليه، والله تعالى أعلم بالصواب. [٤٤٧٩] (١٧١٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَاد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاص، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَان، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدراورديّ المدنيّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ) الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٥ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) العابد، مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الصلاة» ٣١/ ١٠٠١. ٦ - (أَبُو قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) اسمه عبد الرَّحمن بن ثابت، وقيل: ابن الحكم، وهو غلطٌ [٢] (ت ٥٤) (ع) تقدم في «الصيام» ٩/ ٢٥٥٠. ٧ - (عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ) بن وائل السَّهْميّ الصحابيّ المشهور، أسلم عام الحديبية، وولي إمرة مصر مرّتين، وهو الذي فتحها، ومات بها سنة نيّف وأربعين، وقيل: بعد الخمسين (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٨. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه أربعة من التابعين روى بعضهم عن بعض: يزيد، عن محمد بن إبراهيم، عن بُسر، عن أبي قيس، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، ليس لأبي قيس عند مسلم في «صحيحه» إلَّا حديثان، هذا، وحديث آخر مضى في «الصيام» برقم (١٠٩٦)، وليس له في «صحيح البخاريّ» إلَّا حديث الباب، كما نبَّه عليه في «الفتح» . شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) هو التيميّ التابعيّ المدنيّ، المشهور، وأبو صحابيّ، (عَنْ بُسْرِ) بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة، (ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) قال في «الفتح»: لا يُعرف اسمه، كذا قاله البخاريّ، وتبعه الحاكم أبو أحمد، وجزم ابن يونس في «تاريخ مصر» بأنه عبد الرَّحمن بن ثابت، وهو أعرف بالمصريين من غيره، ونَقَلَ عن محمد بن سحنون أنه سَمَّى أباه الحكم، وخظأه في ذلك، وحَكَى الدمياطيّ أن اسمه سعد، وعزاه لمسلم في «الكنى»، قال الحافظ: وقد راجعت نُسخًا من «الكنى» لمسلم، فلم أر ذلك فيها، منها نسخة بخط الدارقطنيُّ الحافظ، وقرأت بخط المنذريّ: وقع عند البستيّ - يعني: ابن حبان في «صحيحه» - عن أبي قابوس بدل أبي قيس، كذا جزم به، قال الحافظ: وقد راجعت عدّة نسخ من «صحيح ابن حبان» فوجدت فيها عن أبي قيس، إحداها صححها ابن عساكر. انتهى . (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - ﵁ - (أنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكمُ)؛ أي: أراد أن يحكم، ووقع في بعض النسخ:»وإذا حكم الحاكم«بواو العطف، والظاهر أنه غلط، والله تعالى أعلم. (فَاجْتَهَدَ)؛ أي: بذل وسعه وطاقته في طلب الحق؛ ليبلغ مجهوده، وَيصِل إلى نهايته، والجهد بالضمّ في الحجاز، وبالفتح في غيرهم: الوسع والطاقة. وقيل: المضموم: الطاقة، والمفتوح: المشقّة، والجهد بالفتح، لا غير: النهاية، والغاية، وهو مصدرٌ من جَهَد في الأمر جَهْدًا، من باب نفع: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب، وجَهَده الأمرُ والمرضُ جَهدًا أيضًا: إذا بلغ منه المشقّة. قاله الفيّوميّ . (ثُمَّ أَصَابَ) وفي رواية أحمد:«فأصاب»، قال القرطبيّ - ﵀ -: هكذا وقع في الحديث، بدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس، فإن الاجتهاد يتقدم الحكم؛ إذ لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد اتفاقًا، لكن التقدير في قوله:«إذا حكم»: إذا أراد أن يحكم، فعند ذلك يجتهد، قال: ويؤيده أن أهل الأصول قالوا: يجب على المجتهد أن يجدد النظر عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدّم؛ لإمكان أن يظهر له ثانيًا خلاف ما ظهر له أَوّلًا، اللهمّ إلَّا أن يكون ذاكرًا لأركان اجتهاده، مائلًا إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في إمارة أخرى. انتهى . قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن تكون الفاء - أي: في قوله: فاجتهد - تفسيرية، لا تعقيبية، وقوله:«فأصاب»؛ أي: صادف ما في نفس الأمر، من حكم الله تعالى، يقال: أصاب بغيته إصابةً: نالها، وأصاب السهمُ إصابةً: وصل الغرَضَ، وفيه لغتان أُخريان: إحداهما: صابه صوبًا، من باب قال، والثانية: يصيبه صَيْبًا، من باب باع. انتهى . (فَلَهُ أَجْرَانِ) أجر لاجتهاده، وأجر لإصابته الحقّ، (وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ)؛ أي: ظنّ أن الحقّ في جهة، فصادف أن الذي في نفس الأمر بخلاف ذلك (فَلَهُ أَجْرٌ)؛ أي: له أجر اجتهاده فقط، وقد تقدمت الإشارة إلى وقوع الخطأ في الاجتهاد في حديث أم سلمة - ﵄ -: «إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض». وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «فأصاب»؛ أي: حكم، فأصاب وجه الحكم، وهو أن يحكم بالحقّ لمستحقّه في نفس الأمر عند الله تعالى، فهذا يكون له أجر بحسب اجتهاده، وأجر بسبب إصابة ما هو المقصود لنفسه، والخطأ الذي يناقض هذا هو أن يجتهد في حُجج الخصمين، فيظنّ أن الحقّ لأحدهما، وذلك بحَسَب ما سَمع من كلامه وحجته، فيقضي له، وليس كذلك عند الله تعالى، فهذا له أجر اجتهاده خاصّةً؛ إذ لا إصابة، وهذا المعنى هو الذي أراده النبيّ - ﷺ - بقوله: «فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له على حسب ما أسمع»، وفي الأخرى: «فأحسب أنه صادق، فأقضي له»، وهذا في الحاكم بين الخصوم واضحٌ؛ لأنَّ هناك حقًّا معيّنًا عند الله تعالى، تنازعه الخصمان؛ لأنَّ أحد الخصمين مُبطلٌ قطعًا؛ لأنهما تقاسما الصدق والكذب، فمتى صَدَق أحدهما كذب الآخر، والحاكم إنما يجتهد في تعيين الحقّ، فقد يصيبه، وقد يُخطئه، وعلى هذا فلا ينبغي أن يُختَلَف هنا في أن المصيب واحدٌ، وأن الحقّ في طرف واحد، وإنما ينبغي أن يختصّ الخلاف بالمجتهد في استخراج الإحكام من أدلّة الشريعة؛ بناءً على الخلاف في أن النوازل غير المنصوص عليها، هل لله تعالى فيها أحكام معيّنة، أم لا؟، وللمسألة غور، وفيها أبحاث، استوفيناها في كتابنا في الأصول. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . [تنبيه]: وقد ذُكر لحديث الباب سبب، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه: «قال: جاء رجلان إلى رسول الله - ﷺ - يختصمان، فقال لعمرو: اقض بينهما يا عمرو، قال: أنت أولى بذلك مني يا رسول الله، قال: وإن كان، قال: فإذا قضيتُ بينهما فما لي؟» فذكر نحوه، لكن قال في الإصابة: «فلك عشر حسنات». وعن عقبة بن عامر نحوه بغير قصة، بلفظ: «فلك عشرة أجور»، قال الحافظ: وفي سند كلّ منهما ضَعف، قال: ولم أقف على اسم من أُبهم في هذين الحديثين. انتهى . [تنبيه]: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا أخرجه النسائيّ - ﵀ - في «المجتبى»، فقال: (٥٣٨١) - أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد، فأخطأ، فله أجر». انتهى . [تنبيه آخر]: رواية مسلم صريحة في كون حديث أبي هريرة - ﵁ - متَّصلًا، وهكذا رواية البخاريّ، لكنه أشار بعدها إلى رواية الإرسال، حيث قال: «وقال عبد العزيز بن المطّلب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبي سلمة، عن النبيّ - ﷺ - مثله». قال في «الفتح»: قوله: «وقال عبد العزيز بن المطلب»؛ أي: ابن عبد الله بن حنطب المخزوميّ قاضي المدينة، «وكنيته أبو طالب، وهو من أقران مالك، ومات قبله، وليس له في البخاريّ سوى هذا الموضع الواحد المعلَّق، وعبد الله بن أبي بكر، وهو ولد الراوي المذكور في السند الذي قبله، أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان قاضي المدينة أيضًا. قوله:«عن أبي سلمة، عن النبيّ - ﷺ - »يريد أن عبد الله بن أبي بكر خالف أباه في روايته عن أبي سلمة، وأرسل الحديث الذي وصله، قال الحافظ: وقد وجدت ليزيد بن الهاد فيه متابعًا، أخرجه عبد الرزاق، وأبو عوانة من طريقه، عن معمر، عن يحيى بن سعيد، هو الأنصاريّ، عن أبي بكر بن محمد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث مثله، بغير قصة، وفيه:«فله أجران اثنان»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمرو بن العاص، وأبي هريرة - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في«تخريجه»: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٤٤٧٩ و٤٤٨٠ و٤٤٨١] (١٧١٦)، و(البخاريّ) في«الاعتصام»(٧٣٥٢)، و(أبو داود) في«الأقضية»(٣٥٧٤)، و(الترمذيّ) في«الإحكام»(١٣٢٦)، و(النسائيّ) في«آداب القضاة»(٨/ ٢٢٣ - ٢٢٤) و«الكبرى»(٣/ ٤٦١)، و(ابن ماجة) في«الإحكام»(٢٣١٤)، و(الشافعيّ) في«مسنده»(٢/ ١٧٦ - ١٧٧)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ١٩٨ و٢٠٤ و٢٠٥)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(٩٩٦)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٥٠٦٠ و٥٠٦١)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤/ ١٦٧ - ١٦٨)، و(الطبرانيّ) في«الأوسط»(٣/ ٢٩٢)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(١٠/ ٣٥٩)، و(الدارقطنيّ) في«سننه»(٤/ ٢٠٤)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١٠/ ١١٩)، و(البغويّ) في«شرح السُّنّة» (٢٥٠٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الحاكم إذا اجتهد يستحقّ أجرين، أجرًا على اجتهاده، وأجرًا على إصابته الحقّ، وإذا اجتهد، فأخطأ فله أجر على اجتهاده. ٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم، فإن أصاب فله أجر باجتهاده، وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده، وفي الحديث محذوف، تقديره: إذا أراد الحاكم فاجتهد، قالوا: فأما من ليس بأهل للحكم، فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل هو آثم، ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا؛ لأنَّ إصابته اتفاقيّة، ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاص في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يُعذَر في شيء من ذلك، وقد جاء في الحديث في «السنن»: «القضاة ثلاثة: قاض في الجَنَّة، واثنان في النار: قاض عرف الحق، فقضى به، فهو في الجَنَّة، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه، فهو في النار، وقاض قضى على جهل، فهو في النار». ٣ - (ومنها): ما قال ابن العربيّ - ﵀ -: عندي في هذا الحديث فائدة زائدة حاموا عليها، فلم يُسْقَوا، وهي: أن الأجر على العمل القاصر على العامل واحد، والأجر على العمل المتعدي يضاعَف، فإنه يؤجر في نفسه، وينجرّ له كلّ ما يتعلق بغيره من جنسه، فإذا قضى بالحق، وأعطاه لمستحقه، ثبت له أجر اجتهاده، وجرى له مثل أجر مستحق الحق، فلو كان أحد الخصمين ألحن بحجته من الآخر، فقضى له والحق في نفس الأمر لغيره، كان له أجر الاجتهاد فقط. انتهى. قال الحافظ - مؤيِّدًا لكلام ابن العربيّ المذكور -: وتمامه: أن يقال: ولا يؤاخذ بإعطاء الحقّ لغير مستحقه؛ لأنه لَمْ يتعمد ذلك، بل وِزر المحكوم له قاصر عليه، ولا يخفى أن محل ذلك أن يبذل وُسعه في الاجتهاد، وهو من أهله، وإلا فقد يَلْحَق به الوزر إن أخلّ بذلك، والله أعلم. انتهى ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان شروط المجتهد: قال العلّامة ابن قُدامة - ﵀ -: يُشترط في القاضي ثلاثة شروط: [أحدها]: الكمال، وهو نوعان: كمال الإحكام، وكمال الْخِلْقة: أما كمال الإحكام فيُعتبر في أربعة أشياء: أن يكون بالغًا عاقلًا حرًّا ذكرًا، وحُكي عن ابن جرير أنه لا تشترط الذكورية؛ لأنَّ المرأة يجوز أن تكون مُفتية، فيجوز أن تكون قاضية، وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود؛ لأنه يجوز أن تكون شاهدة فيه، ولنا قول النبيّ - ﷺ -: «ما أفلح قوم وَلَّوا أمرهم امرأة»، ولأن القاضي يحضره محافل الخصوم والرجال، ويحتاج فيه إلى كمال الرأي، وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي، ليست أهلًا للحضور في محافل الرجال، ولا تُقبل شهادتها، ولو كان معها ألف امرأة مثلها، ما لَمْ يكن معهنّ رجل، وقد نبَّه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن، بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولا تصلح للإمامة العظمى، ولا لتولية البلدان، ولهذا لَمْ يُوَلّ النبيّ - ﷺ -، ولا أحد من خلفائه، ولا مَنْ بَعدهم امرأة قضاءً، ولا ولاية بلدٍ فيما بَلَغنا، ولو جاز ذلك لَمْ يخلُ منه جميع الزمان غالبًا. وأما كمال الخلقة: فأن يكون متكلمًا، سميعًا، بصيرًا؛ لأنَّ الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميعُ الناس إشارته، والأصم لا يسمع قول الخصمين، والأعمى لا يعرف المدعي من المدعى عليه، والمُقَرّ له من المُقِرّ، والشاهد من المشهود له. وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز أن يكون أعمي، لأنَّ شعيبًا - ﵇ - كان أعمي، ولهم في الأخرس الذي تفهم إشارته وجهان. ولنا أن هذه الحواس تؤثّر في الشهادة، فيَمنع فَقْدها ولاية القضاء كالسمع، وهذا لأنَّ منصب الشهادة دون منصب القضاء، والشاهد يشهد في أشياء يسيرة، يُحتاج إليها فيها، وربما أحاط بحقيقة علمها، والقاضي ولايته عامة، وَيحكم في قضايا الناس عامة، فإذا لَمْ يُقبل منه الشهادة، فالقضاء أَولى، وما ذكروه عن شعيب - ﵇ - فلا نسلِّم فيه فإنه لَمْ يثبت أنه كان أعمى، ولو ثبت فيه ذلك، فلا يلزم ههنا، فإن شعيبًا - ﵇ - كان مَنْ آمن معه من الناس قليلًا، وربما لا يحتاجون إلى حَكَم بينهم؛ لقلّتهم، وتناصفهم فلا يكون حجة في مسألتنا. [الشرط الثاني]: العدالة، فلا يجوز تولية فاسق، ولا من فيه نقص يمنع الشهادة، وحُكي عن الأصم أنه قال: يجوز أن يكون القاضي فاسقًا؛ لِمَا رُوي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «سيكون بعدي أمراء، يؤخرون الصلاة عن أوقاتها، فصَلّوها لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سُبْحَة». ولنا قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية [الحجرات: ٦]، فأمر بالتبيّن عند قول الفاسق، ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يُقبل قوله، ويجب التبيّن عند حُكمه، ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهدًا، فلئلا يكون قاضيًا أَولى، فأما الخبر فأخبر بوقوع كونهم أمراء، لا بمشروعيته، والنزاع في صحة توليته، لا في وجودها. [الشرط الثالث]: أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وبعض الحنفية، وقال بعضهم: يجوز أن يكون عاميًّا، فيحكم بالتقليد؛ لأنَّ الغرض منه فصل الخصائم، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز، كما يَحكم بقول المقوِّمين. ولنا قول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولم يقل بالتقليد، وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، ورَوَى بُريدة، عن رسول اللُّه - ﷺ - أنه قال: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجَنَّة: رجل عَلِم الحقّ فقضى به فهو في الجَنَّة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جارَ في الحكم فهو في النار»، حديث صحيحٌ، رواه أبو داود، وابن ماجة، والعاميّ يقضي على جهل، ولأن الحُكم آكد من الفتيا؛ لأنه فتيا وإلزام، ثم المفتي لا يجوز أن يكون عاميًّا مقلِّدًا فالحُكم أَولى. [فإن قيل]: فالمفتي يجوز أن يُخبِر بما سَمِع. [قلنا]: نعم، إلَّا أنه لا يكون مفتيًا في تلك الحال، وإنما هو مخبِر، فيحتاج أن يخبر عن رجل بعينه، من أهل الاجتهاد، فيكون معمولًا بخبره، لا بفتياه، ويخالف قول معرفته المقولين؛ لأنَّ ذلك لا يُمْكن الحاكم معرفته بنفسه، بخلاف الحكم. إذا ثبت هذا فمِن شَرْط الاجتهاد معرفة ستة أشياء: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والاختلاف، والقياس، ولسان العرب: أما الكتاب فيحتاج أن يَعرف منه عشر أشياء: الخاص والعام، والمُطلَق والمقيَّد، والمحكَم والمتشابِه، والمُجمَل والمفسَّر، والناسخ والمنسوخ، في الآياتِ المتعلقة بالأحكام، وذلك نحو خمسمائة، ولا يلزمه معرفة سائر القرآن. وأما السُّنَّة فيحتاج إلى معرفته ما يتعلق منها بالأحكام، دون سائر الأخبار، من ذكر الجَنَّة والنار والرقائق، ويحتاج أن يَعرف منها ما يَعرف من الكتاب، ويزيد معرفة التواتر والآحاد، والمرسَل والمتصل، والمسنَد والمنقطع، والصحيح والضعيف، ويحتاج إلى معرفة ما أُجمع عليه وما اختُلف فيه، ومعرفة القياس وشروطه، وأنواعه، وكيفية استنباطه الإحكام، ومعرفة لسان العرب فيما يتعلق بما ذكرنا؛ ليتعرف به استنباط الإحكام من أصناف علوم الكتاب والسُّنَّة، وقد نصّ أحمد على اشتراط ذلك للفتيا والحكم في معناه. [فإن قيل]: هذه شروط لا تجتمع، فكيف يجوز اشتراطها؟. [قلنا]: ليس من شرطه أن يكون محيطًا بهذه العلوم إحاطة تجمع أقصاها، وإنما يحتاج إلى أن يعرف من ذلك ما يتعلق بالأحكام، من الكتاب والسُّنَّة ولسان العرب، ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة في هذا، فقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب - ﵄ - خليفتا رسول الله - ﷺ -، ووزيراه، وخير الناس بعده في حال إمامتهما يُسألان عن الحكم فلا يعرفان ما فيه من السُّنَّة، يَسألا الناس فيُخْبَران، فسئل أبو بكر عن ميراث الجَدَّة، فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولا أعلم لك في سُنَّة رسول الله - ﷺ - شيئًا، ولكن ارجعي حتى أسأل الناس، ثم قام، فقال: أنشد الله من يعلم قضاء رسول الله - ﷺ - في الجَدَّة، فقام المغيرة بن شعبة، فقال: أشهد أن رسول الله - ﷺ - أعطاها السدس. وسأل عمر عن إملاص المرأة، فأخبره المغيرة بن شعبة، أن النبيّ - ﷺ - قضى فيه بِغُرّة. ولا يُشترط معرفة المسائل التي فرّعها المجتهدون في كُتُبهم، فإن هذه فروع فَرّعها الفقهاء بعد حيازة منصب الاجتهاد، فلا تكون شرطًا له، وهو سابق عليها، وليس من شرط الاجتهاد في مسألة أن يكون مجتهدًا في كلّ المسائل، بل من عرف أدلة مسألة، وما يتعلق بها فهو مجتهد فيها، وإن جهل غيرها كمن يعرف الفرائض وأصولها، ليس من شرط اجتهاده فيها معرفته بالبيع، ولذلك ما من إمام إلَّا وقد توقف في مسائل، وقيل: من يجيب في كلّ مسألة فهو مجنون، وإذا ترك العالم «لا أدري» أصيبت مَقَاتِله. وحُكي أن مالكًا سئل عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري، ولم يُخرِجه ذلك عن كونه مجتهدًا، وإنما المعتبَر أصول هذه الأمور، وهو مجموع مدوَّن في فروع الفقه وأصوله، فمن عرف ذلك، ورُزق فهمه، كان مجتهدًا، له الفتيا، وولاية الحكم إذا وَلِيه، والله أعلم. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - ، وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم. وقال الشوكانيّ - ﵀ -: قال أيو عليّ الكرابيسيّ، صاحب الشافعيّ، في «كتاب أدب القضاء» له: لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافًا، أن أحق الناس أن يقضي بين المسلمين مَنْ بَانَ فضله، وصدقه، وعلمه، وورعه، وأن يكون عارفًا بكتاب الله، عالمًا بأكثر أحكامه، عالمًا بسنن رسول الله - ﷺ -، حافظًا لأكثرها، وكذا أقوال الصحابة، عالمًا بالوفاق والخلاف، وأقوال فقهاء التابعين، يَعرف الصحيح من السقيم يتتبّع النوازل من الكتاب، فإن لَمْ يجد ففي السُّنَّة، فإن لَمْ يجد عَمِل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن، ثم بالسُّنَّة، ثم بفتوى أكابر الصحابة عَمِل به، ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم، والمشاورة لهم، مع فضل، وورع، ويكون حافظًا للسانه ونُطقه وفرجه، فَهِمًا لكلام الخصوم، ثم لا بد أن يكون عاقلًا، مائلًا عن الهوي، ثم قال: وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يُطلب من أهل كلّ زمان أكملهم وأفضلهم. وقال المهلّب: لا يكفي في استحباب القضاء أن يرى نفسه أهلًا لذلك، بل أن يراه الناس أهلًا له. وقال ابن حبيب، عن مالك: لا بد أن يكون القاضي عالمًا عاقلًا، قال ابن حبيب: فإن لَمْ يكن عِلمٌ فعقلٌ ووَرَع؛ لأنه بالورع يقف، وبالعقل يسأل، وهو إذا طلب العلم وجده، فإذا طلب العقل لَمْ يجده. انتهى. وتعقّبه الشوكانيّ، قائلًا: ماذا يصنع الجاهل العاقل عند ورود مشكلات المسائل؟ وغاية ما يفيده العقل التوقف عند كلّ خصومة تَرِدُ عليه، وملازمة سؤال أهل العلم عنها، والأخذ بأقوالهم، مع عدم المعرفة لحقّها من باطلها، وما بهذا أمر الله عباده، فإنه أمر الحاكم أن يحكم بالحق، وبالعدل، وبالقسط، وبما أنزل، ومن أين لمثل هذا العاقل العاطل عن حلية الدلائل، أن يعرف حقية هذه الأمور؟ بل من أين له أن يتعقل الحجة إذا جاءته من كتاب أو سُنَّة، حتى يحكم بمدلولها؟ ثم قد عُرف اختلاف طبقات أهل العلم في الكمال والقصور، والإنصاف والاعتساف، والتثبت والاستعجال، والطيش والوقار، والتعويل على الدليل، والقنوع بالتقليد، فمن أين لهذا الجاهل العاقل معرفة العالي من السافل، حتى يأخذ عنه أحكامه، وينيط به حَلَّه وإبرامه؟ فهذا شيء لا يُعرف بالعقل، باتفاق العقلاء، فما حالُ هذا القاضي إلَّا كَحالِ من قال فيه من قال: كَبَهِيمَةٍ عَمْيَاءَ قَادَ زِمَامَهَا … أَعْمَى عَلَى عِوَج الطَّرِيقِ الْحَائِرِ انتهى كلام الشوكانيّ - ﵀ - وهو تحقيق حسن جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في: هل كلّ مجتهد مصيبٌ؟: قال النوويّ - ﵀ -: اختَلَفَ العلماءُ في أن كلّ مجتهد مصيب أم المصيب واحد؟ وهو من وافق الحكم الذي عند الله تعالى، والآخر مخطئ، لا إثم عليه؛ لِعُذره، والأصح عند الشافعيّ وأصحابه أن المصيب واحد، وقد احتجت الطائفتان بهذا الحديث، أما الأولون القائلون: كلّ مجتهد مصيب، فقالوا: قد جُعِل للمجتهد أجرٌ، فلولا إصابته لَمْ يكن له أجر، وأما الآخرون، فقالوا: سمّاه مخطئًا، ولو كان مصيبًا لَمْ يسمّه مخطئًا، وأما الأجر فإنه حصل له على تعبه في الاجتهاد، قال الأولون: إنما سماه مخطئًا؛ لأنه محمول على من أخطأ النص، أو اجتهد فيما لا يَسُوغ فيه الاجتهاد، كالمجمَع عليه وغيره، وهذا الاختلاف إنما هو في الاجتهاد في الفروع، فأما أصول التوحيد فالمصيب فيها واحد، بإجماع من يُعْتَدّ به، ولم يخالِف إلَّا عبد الله بن الحسن العنبريّ، وداود الظاهريّ، فصوّبا المجتهدين في ذلك أيضًا، قال العلماء: الظاهر أنهما أرادا المجتهدين من المسلمين، دون الكفار، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال أبو بكر بن العربي ﵀: تعلق بهذا الحديث من قال: إن الحقّ في جهة واحدة؛ للتصريح بتخطئة واحد لا بعينه، قال: وهي نازلة في الخلاف عظيمة. وقال المازريّ ﵀: تمسّك به كلٌّ من الطائفتين: من قال: إن الحق في طرفين، ومن قال: إن كل مجتهد مصيب، أما الأُولى: فلأنه لو كان كلٌّ مصيبًا، لم يُطلق على أحدهما الخطأ؛ لاستحالة النقيضين في حالة واحدة، وأما المصوِّبة، فاحتجوا بأنه - ﷺ -، جعل له أجرًا، فلو كان لم يُصِب لم يؤجَر، وأجابوا عن إطلاق الخطإ في الخبر على مَن ذَهِل عن النص، أو اجتهد فيما لا يسوغ الاجتهاد فيه، من القطعيات فيما خالف الإجماع، فإن مثل هذا إن اتفق له الخطأ فيه فُسخ حكمه وفتواه، ولو اجتهد بالإجماع، وهو الذي يصح عليه إطلاق الخطأ، وأما من اجتهد في قضية، ليس فيها نص، ولا إجماع، فلا يُطلق عليه الخطأ. وأطال المازريّ في تقرير ذلك، والانتصار له، وختم كلامه بأن قال: إن من قال: إن الحق في طرفين، هو قول أكثر أهل التحقيق، من الفقهاء، والمتكلمين، وهو مروي عن الأئمة الأربعة، وإن حُكي عن كل منهم اختلاف فيه. قال الحافظ ﵀: والمعروف عن الشافعيّ ﵀ الأول. انتهى . وقال القرطبيّ في «المفهم»: الحكم المذكور ينبغي أن يختص بالحاكم بين الخصمين؛ لأن هناك حقًّا معيَّنًا في نفس الأمر، يتنازعه الخصمان، فإذا قُضِي به لأحدهما بَطَل حقّ الآخر قطعًا، وأحدهما فيه مُبطل لا محالة، والحاكم لا يطّلع على ذلك، فهذه الصورة لا يُختَلَف فيها أن المصيب واحد؛ لكون الحقّ في طرف واحد، وينبغي أن يختص الخلاف بأن المصيب واحد؛ إذ كل مجتهد مصيب بالمسائل التي يُستخرج الحقّ منها بطريق الدلالة. انتهى، وإلى هذه المسألة أشار السيوطيّ ﵀ في «الكوكب الساطع»، حيث قال: وَاحِدٌ الْمُصِيبُ فِي أَحْكَامِ … عَقْلِيَّةٍ وَمُنكِرُ الإسْلَامِ مُخْطٍ أَثِيمٌ كَافِرٌ لَمْ يُعْذَرِ … وَقَدْ رَأَى الْجَاحِظُ ثُمَّ الْعَنْبَرِي لَا إِثْمَ فِي الْعَقْلِيِّ ثُمَّ الْمُنْتَقَى … إِنْ يَكُ مُسْلِمًا وَقِيلَ مُطْلَقَا وَقِيلَ زَادَ الْعَنْبَرِي كُلٌّ مُصِيبْ … وَفِي الَّتِي لَا قَاطِعٌ فِيهَا مُصِيبْ كُلٌّ لِذِي صَاحِبَي النُّعْمَانِ … وَالْبَازِ وَالشَّيْخِ وَبَاقِلَّانِي فَذَانِ قَالَا إِنَّ حُكْمَ اللهِ … تَابِعُ ظَنِّهِ بِلَا اشْتِبَاهِ وَالأَوَّلُونَ ثَمَّ أَمْرٌ لَوْ حَكَمْ … كَانَ بِهِ مَنْ لَمْ يُصَادِفْهُ اتَّسَمْ أَصَابَ لَا حُكْمًا وَلَا انْتِهَاءَ … بَلِ اجْتِهَادًا فِيهِ وَابْتِدَاءَ وَالأَكْثَرُونَ وَاحِدٌ وَفِيهِ … لِلهِ حُكْمٌ قَبْلَهُ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ وَقِيلَ لَا وَالْمُعْتَمَدْ … كُلِّفَ أَنْ يُصِيبَهُ مَنِ اجْتَهَدْ وَأَنَّ مَنْ أَخْطَأَهُ لَا يَأْثَمُ … بَلْ أَجْرُهُ لِقَصْدِهِ مُنْحَتِمُ وَفَرْدٌ الْمُصِيبُ بِالإِجْمَاعِ … مَعْ قَاطِعٍ وَقِيلَ بِالنِّزَاعِ وَنَفْيُ إِثْمِ مُخْطِيءٍ ذُو الانْتِقَا … وَإِنْ يُقَصِّرْ فَعَلَيْهِ اتُّفِقَا قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح ما ذهب إليه الأكثرون، وهو ما دلّ عليه ظاهر الحديث من أن المصيب واحد، وأن الآخر المخطئ معذور مأجور بأجر واحد؛ لاجتهاده، وقد حققت المسألة، وفصّلتها في «التحفة المرضيّة»، وشَرْحها، فراجعها تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في الاجتهاد، والمجتهد على ما ذُكر في كتب أصول الفقه: الاجتهاد لغةً: بذل الجهد فيما فيه كُلْفة، وهو مأخوذ من جهاد النفس، وكدّها في طلب المراد، وفي الاصطلاح: بذل الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم، قاله في «جمع الجوامع»، زاد ابن الحاجب: والمراد ببذل الوسع: بذل تمام الطاقة في النظر في الأدلّة بحيث تُحسّ النفس بالعجز عن الزيادة، وإلى هذا التعريف أشار في «الكوكب الساطع» بقوله: بَذْلُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ فِي تَحْصِيلِ … ظَنٍّ بِالأحْكَامِ مِنَ الدَّلِيلِ فخرج بذل غير الفقيه، وبذل الفقيه لتحصيل قطعٍ بحكم عقليّ. والمراد بالفقيه هنا: المتهيّئ للفقه مجازًا شائعًا، ويكون بما يُحصّله فقيهًا حقيقةً. والمجتهد: هو الفقيه، وشرطوا له أن يكون بالغًا عاقلًا، فقيه النفس؛ أي: شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام، بحيث يكون له قدرة على التصرّف؛ لأن غيره لا يتأتى له الاستنباط المقصود بالاجتهاد، عارفًا بالدليل العقليّ، وهو البراءة الأصليّة، وبأنا مكلّفون بالتمسّك به ما لم يَرِد ناقل عنه، متوسّطًا في معرفة الآلات من اللغة، والنحو إعرابًا وتصريفًا، وأصول الفقه، والمعاني، والبيان؛ لتوقّف الاستنباط عليها، وأن يعرف من الكتاب والسُّنّة ما يتعلّق بالأحكام، ولا يُشترط حفظها، وقال السبكيّ: لا يكفي في المجتهد التوسط في العلوم المذكورة، بل لا بدّ أن تكون هذه العلوم مَلَكة له، ويكون مع ذلك قد أحاط بمعظم قواعد الشرع، ومارسها بحيث اكتسب قوّةً، يفهم بها مقاصد الشرع، قال: وأن يعرف مواقع الإجماع، كي لا يخرقه بالمخالفة، فخَرْقه حرام، وقال الشيخ وليّ الدين: ولا يُشترط حفظها، بل يكفي معرفته بأن ما أفتى به ليس مخالفًا للإجماع، إما بأن يَعلم موافقته لعالم، أو يظنّ أن تلك الواقعة حادثة لم يَسبق لأهل الأعصار المتقدّمة فيها كلام، وأن يعرف أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والأحاديث الصحيحة من الضعيفة، والمتواتر من الآحاد، وحال الرواة جرحًا وتعديلًا، ومراتب الجرح والتعديل، ويكتفي في هذا وما قبله بالكتب المصنّفة في ذلك، والرجوع إلى أئمة هذا الشأن، ولا يُشترط معرفة تفاريع الفقه، ولا معرفة علم الكلام، ولا الحرية، ولا الذكورة، قيل: ولا العدالة. وبالجملة فالاجتهاد مرتبة صعبة المنال، عزيزة الإدراك، لا ينالها إلا من يسّر الله ﷾ عليه أسبابها، ولا ينبغي أن يدّعيه كلّ من انتسب إلى العلم، بل الواجب على من لم يتّصف بصفة الاجتهاد أن يقف عند حدّه، وهو أن يسأل العلماء، كما قال ﷿: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧]، ومع هذا فليس الاجتهاد محصورًا في فئة معيّنة، ولا في عصر معيّن، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى. وإلى ما تقدّم من شروط المجتهد أشار في «الكوكب الساطع» حيث قال: ثُمَّ الْفَقِيهُ اسْمٌ عَلَى الْمُجْتَهِدِ … الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَالْعَقْلَ احْدُدِ مَلَكَةٌ يُدْرَكُ مَعْلُومٌ بِهَا … وَقِيلَ الإدْرَاكُ وَقِيلَ مَا انْتَهَى إِلَى الضَّرُورِيِّ فَقِيهُ النَّفْسِ لَوْ … يَنْفِي الْقِيَاسَ لَوْ جَلِيًّا قَدْ رَأَوْا يَدْرِي دَلِيلَ الْعَقْلِ وَالتَّكْلِيفَ بِهْ … حَلَّ مِنَ الآلَاتِ وُسْطَى رُتَبِهْ مِنْ لُغَةٍ وَالنَّحْوِ وَالْمَعَانِي … وَمِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْبَيَانِ وَمِنْ كِتَابٍ وَالأَحَادِيثِ الَّتِي … تَخُصُّ الَاحْكَامَ بِدُونِ حِفْظِ ذِي وَحَقَّقَ السُّبْكِيُّ أَنَّ الْمُجْتَهِدْ … مَنْ هَذِهِ مَلَكَةٌ لَهُ وَقَدْ أَحَاطَ بِالْمُعْظَمِ مِنْ قَوَاعِدِ … حَتَّى ارْتَقَى لِلْفَهْمِ لِلْمَقَاصِدِ وَلْيُعْتَبَرْ قَالَ لِفِعْلِ الاجْتِهَادْ … لَا كَوْنِهِ وَصْفًا غَدَا فِي الشَّخْصِ بَادْ أَنْ يَعْرِفَ الإِجْمَاعَ كَيْ لَا يَخْرِقَهْ … وَسَبَبَ النُّزُولِ قُلْتُ أطْلَقَهْ وَنَاسِخَ الْكُلِّ وَمَنْسُوخًا وَمَا … صُحِّحَ وَالآحَادَ مَعْ ضِدِّهِمَا وَحَالَ رَاوِي سُنَّةٍ وَنَكْتَفِي … الآنَ بِالرُّجُوعِ لِلْمُصَنَّفِ لَا الْفِقْهُ وَالْكَلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ … وَلَا الذُّكُورَةُ وَلَا الْعَدَالَةُ وَالْبَحْثَ عَنْ مُعَارِضٍ فَلْيَقْتَفِي … وَاللَّفْظِ هَلْ مَعْهُ قَرِينَةٌ تَفِي والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في تقسيمهم المجتهد إلى قسمين: قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: المجتهد ضربان: [أحدهما]: المجتهد المطلق، وهو المستقلّ باستنباط الأحكام من أدلّتها، فهذا لا شكّ في أنه مجتهد مأجور، كما قدّمناه، لكنه يعِزّ وجوده، بل قد انعدم في هذه الأزمان، فلو لم يَنْفذ إلا حكم من كان كذلك، لتعطّلت الأحكام، وضاعت الحقوق. [وثانيهما]: مجتهد في مذهب إمام، وهذا غالب قُضاة العدل في هذا الزمان، وشرطُ هذا أن يُحقّق أصول إمامه، وأدلّته، وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصًا من مذهبه، وأما ما وجده منصوصًا، فإن لم يختلف قول إمامه عمل على ذلك النصّ، وقد كُفي مؤنة البحث، والأَولى به تعرّف وجه ذلك الحكم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التعرّف ليس بأَولى، وإنما الأولى بل الواجب عليه ما دام أهلًا للنظر في الأدلّة أن ينظر فيها حتى يظهر له وجه الحكم، فلا يجوز له أن يكتفي بمجرّد التقليد، فتبصّر. والله تعالى أعلم. قال: وأما إذا اختلف قول إمامه، فهناك يجب عليه البحث في تعيين الأَولى من القولين على أصول إمامه، واختلف أصحابنا فيمن يحفظ أقوالَ إمامه فقط، هل يصلح للحكم عند الضرورة أو لا؟ على قولين، فمن أجاز شَرَط فيه أنه لا يخرج عن نصوص إمامه، أو نصوص من فَهِم عن إمامه، فإذا تعارض عنده الأقوال لم يحكم بشيء منه أصلًا حتى يسأل عن الأرجح مَنْ له أهليّة الترجيح، ولا يَحكم بنظره أصلًا، إذ لا نظر له، ومتى فعل شيئًا من ذلك كان حكمه منقوضًا، وقوله مردودًا. وقد كان أهل الأندلس يرجّحون الأقوال بالناقلين لها من غير نظر في توجيه شيء منها، فيقولون: إن قول ابن القاسم، ونَقْله أَولى من نَقْل غيره، وقوله؛ بناءً على أن ابن القاسم اقتصر على مالك، ولم يتفقّه بغيره، ولطول ملازمته له، فإن لم نجد لابن القاسم قولًا كان قول أشهب أَولى من قول ابن عبد الحكم؛ لأنه أخذ عن الشافعيّ، فخلّط، وهكذا، وقد بلغني أنهم كانوا بالأندلس يشترطون على القضاة في سجلّاتهم مراعاة ذلك الترتيب. قال القرطبيّ: وهذه رتبة لا أخسّ منها؛ إذ صاحبها معزول عن رتبة الفقهاء، ومنخرطٌ في زمرة الأغبياء، إذ لا يفهم معاني الأقوال، ولا يعرف فَصْل ما بين الحلال والحرام، فَحَقُّ هذا أن لا يتعاطى منصب الأحكام، فإنه من جملة العوامّ، والمشهور أنه لا يُستقضى مَن عرِي عن الاجتهاد المذكور، ولذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهّاب: ولا يُستقضى إلا فقيه من اْهل الاجتهاد، وهذا محمول على ما تقدّم. والله تعالى أعلم. والاجتهاد المعنيّ في هذا الباب هو: بذل الوسع في طلب الحكم الشرعيّ في النوازل على ما قلناه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نقله القرطبيّ عن الأندلسيين قولٌ ظاهر البطلان، كما أشار إليه القرطبيّ في تعقّبه المذكور، فقد أجاد، وأحسن. والله تعالى أعلم. وقد قسم النوويّ في «شرح المهذب» المفتين إلى قسمين: مستقلّ، وغير مستقلّ، ثم ذكر شرط المستقلّ، وهو المجتهد المطلق، ثم قال: [القسم الثاني]: المفتي الذي ليس بمستقلّ، ومِن دَهْر طويل عُدم المفتي المستقلّ، وصارت الفتوى إلى المنتسبين إلى المذاهب المتبوعة، وللمفتي المنتسب أربعة أحوال: [أحدها]: أن لا يكون مقلّدًا لإمامه، لا في المذهب، ولا في دليله؛ لاتصافه بصفة المستقلّ، وإنما يُنسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يا للعجب! ما فائدة عدّ مثل هذا من المنتسبين؟، أفما يَحْسُن أن يقال: هو مجتهد مستقلّ، له آراؤه مثل الإمام الذي تفقّه عليه، وتخرّج من مدرسته؟ فما المانع من هذا؟ حتى يقال له: إنه منتسب إلى مذهب فلان، إن هذا لهو العجب العجاب. ثم قال: [الحالة الثانية]: أن يكون مجتهدًا مقيَّدًا في مذهب إمامه، مستقلًّا بتقرير أصوله بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلّته أصول إمامه وقواعده، وشَرْطه كونه عالمًا بالفقه وأصوله، وأدلّة الأحكام تفصيلًا، بصيرًا بمسالك الأقيسة والمعاني، تامّ الارتياض في التخريج والاستنباط، قيّمًا بإلحاق ما ليس منصوصًا عليه لإمامه بأصوله، ولا يَعرَى عن شوب تقليد له، لإخلاله ببعض أدوات المستقلّ، بأن يُخلّ بالحديث، أو العربيّة، وكثيرًا ما أخلّ بهما المقيَّد، ثم يتّخذ نصوص إمامه أصولًا يَستنبط منها، كفعل المستقلّ بنصوص الشرع، وربّما اكتفى في الحكم بدليل إمامه، ولا يبحث عن معارض كفعل المستقلّ في النصوص، وهذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه … إلى آخر كلامه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ فيه نظرٌ من وجوه: [الأول]: قولهم: فُقِد المجتهد المستقلّ من دهر طويل قولٌ لا برهان له، وهو نظير قول بعضهم: إن شرائط المجتهد التي ذكروها في هذا الباب لم توجد منذ أن نشأ الإسلام إلى الآن إلا في الأئمة الأربعة، وهو كلام يكذّبه الواقع في كلّ عصر ومصر، فقد وُجد ممن يتّصف بمثل أوصافهم، كثيرون ممن عاصرهم، أو سبقهم، أو تأخر عنهم، وإنما ميزتهم أن أتباعهم أكثر من غيرهم. [الثاني]: أن الشروط التي ذكرها النوويّ للمجتهد المقيّد هي الشروط المذكورة للمطلَق إلا التي استثناها أخيرًا، وهي موجودة بكثرة في كثير من الأعصار عند كثير من أهل العلم. [الثالث]: قوله: لا يتجاوز في أدلّته أصول إمامه قولٌ لا يخفى فساده، فإن من كان بهذه الرتبة لا يجوز له أن يقلّد أحدًا، دون شكّ، ولا ريب؛ لأن الله ﷾ قال في محكم كتابه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧]، فقد قَسَم الناس إلى قسمين: عالم، وجاهل، فأما العالم فواجبه العمل بعلمه، لا بعلم غيره، وأما الجاهل فواجبه أن يسأل أهل العلم، فيعمل بما أفتوه به، وهذا الشخص الذي وصفه النوويّ بهذه الأوصاف العليّة لا أحد ممن له وعيٌ يقول: إنه من القسم الثاني، فوجب كونه من القسم الأول، فلا يجوز له أن يقلّد أحدًا غيره، بل يجب عليه العمل بعلمه. [الرابع]: أن هذا التقسيم الذي ذكروه للمجتهد ليس قولَ أحد من علماء السلف، لا الإمام الشافعيّ، ولا غيره من الأئمة، بل كانوا ينهون تلاميذهم الذين جعلهم المتأخرون مجتهدين في المذهب، كالمزنيّ، وغيره أن يقلّدوهم، كما هو معروف في سِيَرِهم، وتراجمهم رحمهم الله تعالى. [الخامس]: أن هذا الكلام مناقض لِمَا ثبت في أصول الفقه من تعريف التقليد بأنه: الأخذ بقول الغير من غير معرفة دليله، فإن من الواضح أن من وَصَفه النوويّ بهذه الصفات قد عرف أدلّة إمامه: منطوقها، ومفهومها، واستطاع أن يستخرج من منصوصها ما لم ينصّ عليه إمامه، فكيف يسمّى هذا مقلِّدًا؟، هيهات هيهات. [السادس]: أن من توافرت فيه هذه الصفات التي ذكرها النوويّ للمقيّد حسب زعمه لو اجتهد بدراسة النصوص من الكتاب والسُّنَّة، مراعيًا ما يُراعيه في دراسة نصوص إمامه كما ذكره النوويّ في كلامه السابق، باذلًا جهده كلّ البذل، لاستطاع أن يستنبط الأحكام منها، بل الآيات القرآنيّة، والأحاديث النبويّة أسهل على مثله بكثير من كلام الأئمة، وهذا لا يُنكره إلا مقلّد جامد، أو متعصّب معاند. والحاصل أن هذه المزاعم مجرّد خيال، لا رَوَاج لها في سوق التحقيق، بل هي آراء متناقضة، ينقضى بعضها بعضًا، كما أشرنا إليه آنفًا، وعوائق صادّة عن إعمال ما آتى الله تعالى بعض عباده من الفهم، والعلم في استنباط الأحكام من كتاب الله ﷾، ومن سُنَّة نبيّه - ﷺ -، وصرفٌ لِهمّته إلى الاشتغال برأي فلان، وفلان، وتزهيدٌ لكثير ممن له قريحة صافية، وهمّة عالية عن الانتفاع بنصوص الكتاب والسُّنَّة. وبالجملة فالعلم مواهب من الله تعالى، ولا تَقِف مواهبه ﷾ عند أحد، ولا يحدّها زمان، ولا يقيّدها مكان، ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩] ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم: هل يجوز خلوّ العصر عن المجتهدين، أم لا؟، وهي مكمّلة للبحث المذكور في المسألة السابقة: ولقد أجاد الشوكانيّ ﵀ في كتابه «إرشاد الفحول» حيث نقل أقوال العلماء في ذلك، مع المناقشة لها، فقال: ذهب جَمْع إلى أنه لا يجوز خلوّ الزمان عن مجتهد، قائم بحجج الله، يبيّن للناس ما نُزّل إليهم، قال بعضهم: ولا بدّ أن يكون في كلّ قطر من يقوم به الكفاية؛ لأن الاجتهاد من فروض الكفايات، قال ابن الصلاح: الذي رأيته في كلام الأئمة يُشعر بأنه لا يتأتّى فرض الكفاية بالمجتهد المقيّد، قال: والظاهر أنه لا يتأتّى في الفتوى. وقال بعضهم: الاجتهاد في حقّ العلماء على ثلاثة أضرب: فرض عين، وفرض كفاية، وندب: فالأول: على حالين: اجتهاد في حقّ نفسه عند نزول الحادثة. والثاني: اجتهاد فيما تعيّن عليه الحكم فيه، فإن ضاق فَرْضُ الحادثة كان على الفور، وإلا كان على التراخي. والثاني: على حالين: أحدهما: إذا نزلت بالمستفتي حادثة، فاستفتى أحد العلماء، توجّه الفرض على جميعهم، وأَخَصّهم بمعرفتها من خُصّ بالسؤال عنها، فإن أجاب هو أو غيره سقط الفرض، وإلا أثموا جميعًا. والثاني: أن يتردّد الحكم بين قاضيين مشترِكَين في النظر، فيكون فرض الاجتهاد مشتركًا بينهما، فأيهما تفرّد بالحكم فيه سقط فرضه عنها. والثالث: على حالين: أحدهما: فيما يَجتهد فيه العالم من غير النوازل، يسبق إلى معرفة حكمه قبل نزوله. والثاني: أن يستفتيه قبل نزولها. انتهى. ولا يخفاك أن القول بكون الاجتهاد فرضًا يستلزم عدم خلوّ الزمان عن مجتهد، ويدلّ على ذلك ما صحّ عنه - ﷺ - من قوله: «لا تزال طائفة من أمّتي على الحقّ، ظاهرين حتى تقوم الساعة». متّفقٌ عليه وقد حَكَى الزركشيّ في «البحر» عن الأكثرين أنه يجوز خلوّ العصر عن المجتهد، وبه جزم صاحب «المحصول». قال الرافعيّ: الخَلْق كالمتّفقين على أنه لا مجتهد اليوم. قال الزركشيّ: ولعله أخذه من كلام الإمام الرازيّ، أو من قول الغزاليّ في «الوسيط»: قد خلا العصر عن المجتهد المستقلّ. قال الزركشيّ: ونقلُ الاتفاق عجيب، والمسألة خلافيّة بيننا وبين الحنابلة، وساعدهم بعض أئمتنا، والحقّ أن الفقيه الفطن للقياس كالمجتهد في حقّ العاميّ، لا الناقل فقط. وقالت الحنابلة: لا يجوز خلوّ العصر عن مجتهد، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق، والزبيريّ، ونسبه أبو إسحاق إلى الفقهاء، قال: ومعناه: أن الله تعالى لو أخلى زمانًا من قائم بحُجة زال التكليف، إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت الشريعة. قال الزبيريّ: لن تخلو الأرض من قائم بالحجة في كلّ وقت ودهر وزمان، وذلك قليل في كثير، فأما أن يكون غير موجود كما قال الخصم، فليس بصواب؛ لأنه لو عُدم الفقهاء لم تقم الفرائض كلّها، ولو عُطِّلت الفرائض كلها لحلّت النقمة بالخَلْق، كما جاء في الخبر: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس». رواه مسلم. ونحن نعوذ بالله أن نؤخَّر مع الأشرار. انتهى. قال ابن دقيق العيد ﵀: هذا هو المختار عندنا، لكن إلى الحدّ الذي ينتقض به القواعد، بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان. وقال في «شرح خطبة الإلمام»: والأرض لا تخلو من قائم لله بالحجة، والأمة الشريفة لا بدّ لها من سالك إلى الحقّ على واضح الحجة، إلى أن يأتي أمر الله في أشراط الساعة الكبرى. انتهى. وما قاله الغزاليّ ﵀ من أنه قد خلا العصر عن المجتهد، قد سبقه إلى القول به القفّال، ولكنه ناقض ذلك، فقال: إنه ليس بمقلّد للشافعيّ، وإنما وافق رأيه رأيه، كما حَكَى ذلك عنه الزركشيّ، وقال: قول هؤلاء القائلين بخلوّ العصر عن المجتهد مما يُقضَى منه العجب، فإنهم إن قالوا ذلك باعتبار المعاصرين لهم، فقد عاصر القفّال، والغزاليّ، والرازيّ، والرافعيّ من الأئمة القائمين بعلوم الاجتهاد على الوفاء والكمال جماعة منهم، ومن كان له إلمام بعلم التاريخ، واطّلاع على أحوال علماء الإسلام في كلّ عصر لا يخفى عليه مثل هذا، بل قد جاء بعدهم من أهل العلم من جمع الله له من العلوم فوق ما اعتبره أهل العلم في الاجتهاد. وإن قالوا ذلك، لا بهذا الاعتبار، بل باعتبار أن الله ﷿ رفع ما تفضّل به على مَنْ قَبْل هؤلاء من هذه الأمة من كمال الفهم، وقوّة الإدراك، والاستعداد للمعارف، فهذه دعوى من أبطل الباطلات، بل هي جهالة من الجهالات. وإن كان ذلك باعتبار تيسّر العلم لمن قَبْل هؤلاء المنكرين، وصعوبته عليهم، وعلى أهل عصورهم، فهذه أيضًا دعوى باطلة، فإنه لا يخفى على من له أدنى فهم أن الاجتهاد قد يسّره الله للمتأخّرين تيسيرًا لم يكن للسابقين؛ لأن التفاسير للكتاب العزيز قد دُوّنت، وصارت في الكثرة إلى حدّ لا يمكن حصره، والسُّنَّة المطهّرة قد دُوّنت، وتكلّم الأئمة على التفسير، والترجيح، والتصحيح، والتجريح بما هو زيادة على ما يحتاج إليه المجتهد، وقد كان السلف الصالح، ومَنْ قَبْل هؤلاء المنكرين يرحل للحديث الواحد من قُطر إلى قطر، فالاجتهاد على المتأخّرين أيسر، وأسهل من الاجتهاد على المتقدّمين، ولا يخالف في هذا من له فهم صحيح، وعقلٌ سويّ. وإذا أمعنت النظر وجدت هؤلاء المنكرين، إنما أوتوا من قبل أنفسهم، فإنهم لمّا عكفوا على التقليد، واشتغلوا بغير علم الكتاب والسُّنّة، حكموا على غيرهم بما وقعوا فيه، واستصعبوا ما سهّله الله تعالى على من رزقه العلم والفهم، وأفاض على قلبه أنواع علوم الكتاب والسُّنّة، ولَمّا كان هؤلاء الذين صرّحوا بعدم وجود المجتهدين شافعيّة، فها نحن نوضّح لك من وُجد من الشافعيّة بعد عصرهم ممن لا يخالف مخالف في أنه جمع أضعاف علوم الاجتهاد. فمنهم: ابن عبد السلام، وتلميذه ابن دقيق العيد، ثم تلميذه ابن سيّد الناس، ثم تلميذه زين الدين العراقيّ، ثم تلميذه ابن حجر العسقلانيّ، ثم تلميذه السيوطيّ، فهؤلاء ستة أعلام، كلّ واحد منهم تلميذ مَنْ قَبْله، قد بلغوا من المعارف العلميّة ما يعرفه من يعرف مصنّفاتهم حقّ معرفتها، وكلّ واحد منهم إمام كبير في الكتاب والسُّنّة، محيط بعلوم الاجتهاد، إحاطةً متضاعفة، عالم بعلوم خارجة عنها. ثم في المعاصرين لهؤلاء كثير من المماثلين لهم، وجاء بعدهم مَنْ لا يقصر عن بلوغ مراتبهم، والتعداد لبعضهم، فضلًا عن كلّهم يحتاج إلى بسط طويل. وقد قال الزركشيّ في «البحر المحيط» ٦/ ٢٠٩ ما لفظه: ولم يختلف اثنان في أن ابن عبد السلام بلغ رتبة الاجتهاد، وكذلك ابن دقيق العيد. انتهى. وحكاية هذا الإجماع من هذا الشافعيّ يكفي في مقابلة حكاية الاتفاق من ذلك الشافعيّ الرافعيّ. وبالجملة فتطويل البحث في مثل هذا لا يأتي بكثير فائدة، فإن أَمْره أوضح من كلّ واضح، وليس ما يقوله من كان من أُسراء التقليد بلازم لمن فتح الله عليه أبواب المعارف، ورزقه من العلم ما يخرُج به عن تقليد الرجال، وما هذه بأوّل فاقرة جاء بها المقلّدون، ولا هي بأول مقالة قالها المقصّرون، ومن حصر فَضْل الله تعالى على بعض خلقه، وقَصَر فَهْم هذه الشريعة المطهّرة على من تقدّم عصره، فقد تجرّأ على الله ﷿، ثم على شريعته الموضوعة لكلّ عباده، ثم على عباده الذين تعبّدهم الله تعالى بالكتاب والسُّنّة. ويا لله العجب من مقالات هي جهالات وضلالات، فإن هذه المقالة تستلزم رفع التعبّد بالكتاب والسُّنّة، وأنه لم يبق إلا تقليد الرجال الذين هم متعبَّدون بالكتاب والسُّنّة، كتعبّد من جاء بعدهم على حدّ سواء، فإن كان التعبّد بالكتاب والسُّنّة مختصًّا بمن كانوا في العصور السابقة، ولم يبق لهؤلاء إلا التقليد لمن تقدّمهم، ولا يتمكّنون من معرفة أحكام الله من كتاب الله ﷿، وسُنَّة رسوله - ﷺ - فما الدليل على هذه التفرقة الباطلة، والمقالة الزائفة؟، وهل النسخ إلا هذا، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ في كتابه النفيس: «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم الأصول» ، وهو كلام نفيس، وبحث أنيس. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وبالجملة فهذا التحقيق الذي أفاض به الإمام المحقق الشوكانيّ ﵀ هو الحق الحقيق بالقبول، وما خالفه هو التهور المخذول، فعليك باتباع الحقّ، وإن قلّ أصحابه، واجتناب الباطل، وإن كَثُر أحزابه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. وإلى الاختلاف في خلوّ العصر عن مجتهد أشار السيوطيّ ﵀ في «الكوكب الساطع» حيث قال: جَازَ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدِ … وَمُطْلَقًا يَمْنَعُ قَوْمُ أَحْمَدِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَا إِنْ أَتَتِ … أَشْرَاطُهَا وَالْمُرْتَضَى لَمْ يَثْبُتِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٤٨٠] (…) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي عَقِبِ الْحَدِيثِ: قَالَ يَزِيدُ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ) العدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. و«عبد العزيز بن محمد» الدراورديّ ذُكر قبله. وقوله: (وَزَادَ فِي عَقِبِ الْحَدِيثِ) هكذا النُّسخ: «زاد» بلفظ الإفراد، والظاهر أن فاعله ضمير عبد العزيز، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ يَزِيدُ)؛ أي: ابن عبد الله بن أسامة، في محل نصب مفعول «زاد» محكيّ؛ لقصد لفظه. وقوله: (فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ) وفي بعض النسخ: «بهذا الحديث» بزيادة الباء الموحّدة، وهما لغتان، يقال: حدّثته الحديثَ، وحدّثته به، أفاده في «اللسان» . وقوله: (أَبا بَكْرِ بنَ مُحَمَّدِ بنِ عَمْروِ بنِ حَزْمٍ) الأنصاري النجّاري المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، تقدمت ترجمته في «الإيمان» ٨٠/ ٤٢٢. (فقال) أبو بكر بن محمد (هكذا حدَّثني أبو سَلَمَة) بن عبد الرحمن بن عوف الفقيه المدني، تقدمت ترجمته في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. (عن أبي هُرَيرةَ) - ﵁ -؛ يعني: أنه حدَّثه بمثل حديث عمرو بن العاص - ﵁ -. [تنبيه]: رواية إسحاق ، عن عبد العزيز الدراورديّ هذه ساقها الإمام الشافعيّ ﵀ في «مسنده»، فقال: (٥٩١٨) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عبد العزيز بن محمد، قال: حدّثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بُسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب، فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد، فأخطأ، فله أجر واحد»، قال ابن الهاد: فحَدّثت أبا بكر بن عمرو بن حزم، فقال: هكذا حدّثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال إسحاق: لم أفهم عمرو بن العاص من عبد العزيز. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٤٨١] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ - حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ بِهَذَا الْحَدِيث، مِثْلَ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِميُّ) أبو محمد السمرقنديّ، ثقة ثبتٌ، حافظ فاضل، متقن [١١] (ت ٢٥٥) (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) الطاطريّ، ثقة [٩] (ت ٢١٠) (م ٤) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ) بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. و«يزيد بن عبد الله» ذُكر قبله. وقوله: (بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا)؛ أي: بالإسنادين السابقين لعبد العزيز الدراورديّ، وهما: إسناده لحديث عمرو بن العاص - ﵁ -، وإسناده لحديث أبي هريرة - ﵁ -، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله هذه، ساقها الطبرانيّ في «المعجم الأوسط»، فقال: (٣١٩٠) - حدّثنا بكر، قال: نا عبد الله بن يوسف، قال: نا الليث بن سعد، قال: حدّثني ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بُسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد، ثم أخطأ، فله أجر»، فحَدَّثت به أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فقال: هكذا حدّثني أبو سلمة، عن أبي هريرة. ثم قال الطبرانيّ: لا يُرْوَى هذا الحديث عن عمرو بن العاص إلا بهذا الإسناد، تفرّد به يزيد بن الهاد. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٣)

١. «الفتح» ١٧/ ٢٤١ - ٢٤٢، كتاب «الاعتصام» رقم (٧٣٥٢).

٢. وفي نسخة: «وإذا حكم الحاكم» بزيادة عاطف.

٣. «الفتح»١٧/ ٢٤٢ رقم (٧٣٥٢).

٤. «الفتح»١٧/ ٢٤٢ رقم (٧٣٥٢).

٥. «المصباح المنير» ١/ ١١٢.

٦. «المفهم» ٥/ ١٦٦ - ١٦٧.

٧. «الفتح» ١٧/ ٢٤٢ رقم (٧٣٥٢) بزيادة من غيره.

٨. «المفهم» ٥/ ١٦٧.

٩. «الفتح» ١٧/ ٢٤٢ - ٢٤٣ رقم (٧٣٥٢).

١٠. «سنن النسائيّ، المجتبى»٨/ ٢٢٣، وأخرجه الترمذيّ أيضًا في«الجامع»برقم (١٣٢٦).

١١. «الفتح» ١٧/ ٢٤٣ - ٢٤٤ رقم (٧٣٥٢).

١٢. «المغني» ١٢/ ١٤ - ١٦.

١٣. «نيل الأوطار» ٨/ ٢٧٦ - ٢٧٧.

١٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٤.

١٥. «فتح» ١٥/ ٢٥٩.

١٦. «المفهم» ٥/ ١٦٨ - ١٦٩.

١٧. «شرح المهذب» ١/ ٧٥ - ٧٧.

١٨. «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم الأصول» ٢/ ٣٠٤ - ٣١٠ بتحقيق د. شعبان محمد إسماعيل.

١٩. وفي نسخة: «بهذا الحديث».

٢٠. «لسان العرب» ٢/ ١٣٣.

٢١. قال الجامع: لم أجد من ساق رواية محمد بن أبي عمر، لا مع إسحاق، ولا وحده، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

٢٢. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٣/ ٤٦١.

٢٣. «المعجم الأوسط» للطبرانيّ ٣/ ٢٩٢.