HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٢٦

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. قَالَ: قَرَأْتُ على مالك بن أنس عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قَالَ (لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ. أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ إِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ. فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ ماشية أحد إلا بإذنه).
ج ٣ ص ١٣٥٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن أبي داود
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٢٤٩
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زيد بن خالد الجهنيّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٤٥٠٢] (١٧٢٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥٨٠٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١١٦/ ٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٥٢٨١ و٥٢٨٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٨٩٧)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٣٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٨٢)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٧٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٩١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ تَحْرِيمِ حَلْبِ الْمَاشِيَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥٠٣] (١٧٢٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؛ إِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلُكَانَ أحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في«الإيمان»٢٨/ ٢٢٢. ٢ - (ابْنِ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب العَدَويّ، أبو عبد الرَّحمن المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات في آخر سنة (٧٣) أو أول التي قبلها (ع) تقدم في«الإيمان» ١/ ١٠٢. والباقيان تقدّما قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٩٤) من رباعيّات الكتاب، وأنه أصحّ الأسانيد مطلقًا، على ما نُقل عن الإمام البخاريّ - ﵀ -، وأن صحابيّه من أفاضل الصحابة - ﵃ -، وُلد قبل المبحث بيسير، واستُصغر يوم أُحد، وهو ذو أربع عشرة سنة، وهو أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوي، وكان من أشدّ الناس اتّباعًا للأثر - ﵁ -. شرح الحديث: (عَنْ نَافِعٍ) وفي «موطأ» محمد بن الحسن: «عن مالك، أخبرنا نافع»، وفي رواية أبي قطن في «الموطآت» للدارقطنيّ: «قلت لمالك: أحدّثك نافع؟»، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ) وفي رواية يزيد بن الهاد، عن مالك، عن الدارقطنيّ أيضًا: «أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول»، («لَا يَحْلُبَنَّ) بضم اللام، من باب نصر، وكذا هو عند البخاريّ، وأكثر»الموطّآت«، وفي رواية ابن الهاد المذكورة:»لا يحتلبنّ«بكسر اللام، وزيادة المثنّاة قبلها، (أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ) وفي رواية البخاريّ:»ماشية امرئ«، وفي رواية ابن الهاد، وجماعة من رواة»الموطأ«:»ماشية رجل«، وهو كالمثال، وإلا فلا اختصاص لذلك بالرجال، وذكره بعض شراح»الموطأ«بلفظ:»ماشية أخيه«، وقال: هو للغالب؛ إذ لا فرق في هذا الحكم بين المسلم والذميّ. وتُعُقّب بأنه لا وجود لذلك في«الموطأ»، وبإثبات الفرق عند كثير من أهل العلم، كما سيأتي في فوائد هذا الحديث. وقد رواه أحمد من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، بلفظ:«نَهَى أن يحتلب مواشي الناس، إلَّا بإذنهم»، والماشية تقع على الإبل، والبقر، والغنم، ولكنه في الغنم يقع أكثر، قاله في«النهاية». (إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ أَيُحِبَّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى) بالبناء للمجهول، (مَشْرُبَتُهُ) - بضم الراء، وقد تُفتح -؛ أي: غرفته، والْمَشربة: مكان الشَّرَب - بفتح الراء - خاصّة، والْمِشربة بالكسر: إناء الشرب. (فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ) - بكسر الخاء المعجمة، بعدها زاي -: المكان، أو الوعاء الذي يُخْزَن فيه ما يراد حفظه، وفي رواية أيوب، عند أحمد:«فيُكسَر بابها». وقال القرطبيّ - ﵀ -: المشربة: سقيفة يُخْتَزَن فيها الطعام، وقيل: كالغرفة، وتقال بضمّ الراء، وفتحها. انتهى. (فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ) - بالنون، والقاف، وضم أوله - مبنيًّا للمجهول، من النقل؛ أي: تُحَوَّل من مكان إلى آخر، هكذا في رواية مالك، والليث بن سعد، كما يأتي للمصنّف، ورواه الآخرون:«فَيُنتَثَل»- بثاء مثلّثة - بدل القاف، والنثل: النثر مرّة واحدة بسرعة، وقيل: الاستخراج، وهو أخصّ من النقل. وقال في«الفتح»: كذا في أكثر«الموطآت»عن مالك، ورواه بعضهم، كما حكاه ابن عبد البرّ، وأخرجه الإسماعيليّ، من طريق رَوْح بن عُبادة، وغيره، بلفظ:«فَيُنْتَثَلَ»، وهكذا أخرجه مسلم من رواية أيوب، وموسى بن عقبة، وغيرهما، عن نافع، ورواه عن الليث، عن نافع بالقاف، وهو عند ابن ماجة من هذا الوجه بالمثلثة. انتهى . (إِنَّمَا تَخْزُنُ) - بالخاء المعجمة الساكنة، والزاي المضمومة، بعدها نون - يقال: خَزَنَ المال يَخْزُنُهُ، من باب نصر: أحرزه، كاختزنه، والخِزانة بالكسر، كالكتابة: فعل الخازن، ومكان الخزن، ولا يُفتح، كالْمَخْزَن، كمقعَد، أفاده المجد: - ﵀ - . قال في «الفتح»: وفي رواية الكشميهنيّ: «تُحْرِز» بضم أوله، وإهمال الحاء، وكسر الراء، بعدها زاي، (لَهُمْ ضُرُوعُ) بالضمّ: جمع ضَرْع، كفَلْس وفُلُوس، وهو لذوات الظِّلْف، كالثدي للمرأة. (مَوَاشِيهِمْ) بالفتح: جمع ماشية، وهي المال من الإبل، والغنم، قاله ابن السّكّيت، وجماعة، وبعضهم يجعل البقر من الماشية، قاله الفيّوميّ ، فقوله: «مواشيهم» مرفوع على الفاعليّة لـ «تَخْزُنُ»، وقوله: (أَطْعِمَتَهُمْ) منصوب على المفعوليّة له، ولفظ البخاريّ: «أطعماتهم»، وهو جمع أطعمة، والأطعمة: جمع طعام، والمراد به هنا اللبن. وقال القرطبيّ - ﵀ -: ظاهر تشبيه ضرع الماشية بالخزانة يقتضي: أنّ مَن حَلَب ماشية أحد في خفية، وكان قيمة ما حَلَب نصابًا قُطِعَ، كما يُقطع مَنْ أخذه من خزانته، فيكون ضرع الماشية حرزًا، وقد قال به بعض العلماء، فأمَّا مالك: فلم يقل به، إلَّا إذا كانت الغنم في حرز. انتهى . (فَلَا يَحْلُبَنَّ) بضمِّ اللام، كما سبق قريبًا، ونون التوكيد الثقيلة، (أحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ»)؛ أي: صريحًا، ويَحْتَمِل أن يكون أيضًا دلالة، كما إذا جرى العرف بذلك، والأول أظهر. فقوله:«فلا يحلُبنّ … إلخ»مكرّر تأكيدًا للنهي الأول، فتنبّه. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«لا يحلبن أحد ماشية أحدٍ إلَّا بإذنه»إنَّما كان هذا؛ لأنَّ أصل الأملاك بقاؤها على ملك مُلَّاكِها، وتحريمها على غيرهم، كما قال - ﷺ -:«إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا»، وكما قد تقدم من قوله - ﷺ -:«إنَّه لا يحل مال امرئ مسلم إلَّا عن طيب نفسٍ منه»، إلى غير ذلك، وهذا أصل ضروريّ معلومٌ من الشرائع كلها، وإنما خصَّ اللَّبن بالذكر لتساهل الناس في تناوله، ولا فرق بين اللَّبن والثمرة وغيرها في ذلك، غير أن العلماء قد اختلفوا فيهما، فذهب الجمهور إلى أنَّه لا يحل شيء من لبن الماشية، ولا من التمر إلَّا إذا عُلِم طيب نفس صاحبه به؛ تمسُّكًا بالأصل المذكور، وبهذا الحديث، وذهب بعض المحدثين: إلى أن ذلك يحل، وإن لَمْ يُعلم حال صاحبه؛ لأنَّ ذلك حقٌّ جعله الشرع له؛ تمسُّكًا بما رواه أبو داود، عن الحسن، عن سمرة - ﵁ -: أن النبيّ - ﷺ - قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية؛ فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أَذِن له فليحلب، وليشرب، وإن لَمْ يكن فيها فليصوِّت ثلاثًا؛ فإن أجاب فليستأذنه، فإن أذن له، وإلا فليحتلب، وليشرب ولا يَحْمِل». وذكر الترمذيّ عن يحيى بن سُليم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ - ﷺ - قال: «من دخل حائطًا فليأكل، ولا يتخذ خُبْنةً»، قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث يحيى بن سُليم، وذكر من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أن النَّبيَّ - ﷺ - سئل عن الثمر المعلق، فقال: «من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خُبنةً، فلا شيء عليه»، قال فيه: حديث حسن. قال القرطبيّ - ﵀ -: ولا حجَّة في شيء من هذه الأحاديث لأوجه: أحدها: أن التمسك بالقاعدة المعلومة أولى. وثانيها: أن حديث النهي أصحُّ سندًا، فهو أرجح. وثالثها: أن ذلك محمولٌ على ما إذا عُلِم طيب نفوس أرباب الأموال بالعادة، أو بغيرها. ورابعها: أن ذلك محمول على أوقات المجاعة والضرورة، كما كان ذلك في أول الإسلام، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: لو اضطر فلم يجد ميتة وجب عليه إحياء رَمَقِهِ من مال الغير، وهل يلزمه قيمة ما أكل أم لا؟ والجمهور على وجوبها عليه إذا أمكنه ذلك، فإن وجد ميتة وطعامًا للغير؛ فإن أَمِن على نفسه من القطع والضرر أَكَلَ الطعام وَيغْرَم قيمته، وقيل: لا يلزم، وإن لَمْ يأمن على نفسه أَكَلَ الميتة، قاله مالك. قال القرطبيّ: غير أنه قد جرت عادة بعض الناس بالمسامحة في أكل بعض الثمر، كما قد اتفق في بعض بلادنا، وفي شُرب بعض لبن الماشية، كما كان ذلك في أهل الحجاز، فيكون استمرار العادة بذلك هـ وترك النكير فيه دليلًا على إباحة ذلك، ولذلك شرب النبيّ - ﷺ -، وأبو بكر - ﵁ - من لبن غنم الراعي في طريق الهجرة. ويمكن أن تُحمل الأحاديث المتقدمة على العادة الجارية عندهم في اللبن والثمرة. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ -، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - ما هذا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٤٥٠٣ و٤٥٠٤] (١٧٢٦)، و(البخاريّ) في «اللقطة» (٢٤٣٥)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٦٢٣)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩٧١)، و(ابن ماجة) في «التجارات» (٢٣٠٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٦ و٥٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥١٧١ و٥٢٨٢)، و(الطحاويُّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٤١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٨٣ و١٨٤)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٨/ ١٢٩)، و(البيهقيُّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٥٨) و«شعب الإيمان» (٤/ ٣٨٧)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢١٦٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم حلب مواشي الناس بغير إذنهم. ٢ - (ومنها): ضرب الأمثال للتقريب للأفهام، وتمثيل ما قد يخفى بما هو أوضح منه، واستعمال القياس في النظائر. ٣ - (ومنها): ذِكْر الحكم بعلّته، وإعادته بعد ذكر العلة تأكيدًا وتقريرًا. ٤ - (ومنها): أن القياس لا يُشترط في صحته مساواة الفرع للأصل بكل اعتبار، بل ربما كانت للأصل مزية لا يضر سقوطها في الفرع، إذا تشاركا في أصل الصفة؛ لأنَّ الضرع لا يساوي الخزانة في الحرز، كما أن الصّرّ لا يساوي الْقَفْل فيه، ومع ذلك فقد الحق الشارع الضرع المصرور في الحكم بالخزانة المقفلة في تحريم تناول كلّ منهما بغير إذن صاحبه، أشار إلى ذلك ابن الْمُنَيِّر - ﵀ -. ٥ - (ومنها): إباحة خزن الطعام، واحتكاره إلى وقت الحاجة إليه، خلافًا لغلاة المتزهدة المانعين من الادّخار مطلقًا، قاله القرطبيّ - ﵀ -. ٦ - (ومنها): أن اللبن يسمى طعامًا، فيحنث به مَن حلف لا يتناول طعامًا، إلَّا أن يكون له نية في إخراج اللبن، قاله النوويّ - ﵀ -. ٧ - (ومنها): أن فيه أن بيع لبن الشاة بشاة في ضرعها لبن باطل، وبه قال الشافعيّ، والجمهور، وأجازه الأوزاعيّ، قاله النوويّ أيضًا. وقال القرطبيّ - ﵀ -: وفي الحديث حجَّة لمن منع بيع الشاة اللبون باللَّبن إذا كان في ضرعها لبن حاضر، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، فإن لَمْ يكن فيها لبن حاضر أجازه مالك نقدًا، ومنعه إلى أجل، واختَلَف أصحابه، فحمله جلُّهم على عمومه، وقال بعضهم: إنَّما هذا إذا قدَّم الشاة، فلو كانت هي المؤخَّرة جاز، وأجاز بيعها بالطعام نقدًا، وإلى أجل، وأجاز الأوزاعيّ شراءها باللبن، وإن كان في ضرعها لبن، ورأوه لغوًا وتابعًا، ولم يجز الشافعيّ، ولا أبو حنيفة بيعها بطعام إلى أجلٍ. انتهى . ٨ - (ومنها): أن الشاة إذا كان لها لبن مقدور على حلبه قابله قسط من الثمن، قاله الخطابيّ - ﵀ -، وهو يؤيد خبر المصرّاة، ويُثبت حكمها في تقويم اللبن. ٩ - (ومنها): أن من حلب من ضرع ناقة، أو غيرها مصرورة، مُحْرَزة بغير ضرورة، ولا تأويل، ما تبلغ قيمته ما يجب فيه القطع أن عليه القطعَ، إن لَمْ يأذن له صاحبها تعيينًا، أو إجمالًا؛ لأنَّ الحديث قد أفصح بأن ضروع الأنعام خزائن الطعام، وحَكَى القرطبيّ عن بعضهم وجوب القطع، ولو لَمْ تكن الغنم في حرز؛ اكتفاء بحرز الضرع للبن، وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث، قاله في «الفتح» ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم حلب الماشية بغير إذن مالكها: قال الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ -: في الحديث النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئًا إلَّا بإذنه، وإنما خَصّ اللبن بالذِّكر؛ لتساهل الناس فيه، فنبّه به على ما هو أولى منه، وبهذا أخذ الجمهور، لكن سواء كان بإذن خاصّ، أو إذن عامّ، واستثنى كثير من السلف ما إذا عَلِم بطيب نفس صاحبه، وإن لَمْ يقع منه إذن خاصّ، ولا عامّ، وذهب كثير منهم إلى الجواز مطلقًا، في الأكل، والشرب، سواء علم بطيب نفسه، أو لَمْ يعلم، والحجة لهم ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وصححه، من رواية الحسن عن سمرة - ﵁ -، مرفوعًا: «إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن لَمْ يكن صاحبها فيها، فَلْيُصَوِّت ثلاثًا، فإن أجاب، فليستاذنه، فإن أَذِن له، وإلا فليحلُب، وليشرب، ولا يحمل»، إسناده صحيح إلى الحسن، فمن صحح سماعه من سمرة صححه، ومن لا أعله بالانقطاع، لكن له شواهد، من أقواها حديث أبي سعيد - ﵁ - مرفوعًا: «إذا أتيت على راع فناده ثلاثًا، فإن أجابك، وإلا فاشرب من غير أن تُفسد، وإذا أتيت على حائط بستان» فذكر مثله، أخرجه ابن ماجة، والطحاويّ، وصححه ابن حبان، والحاكم. وأجيب عنه بأن حديث النهي أصحّ، فهو أولى بأن يُعْمَل به، وبأنه معارِضٌ للقواعد القطعية في تحريم مال المسلم بغير إذنه، فلا يُلتَفَت إليه. ومنهم من جمع بين الحديثين بوجوه من الجمع، منها: حمل الإذن على ما إذا عَلِم طيب نفس صاحبه، والنهي على ما إذا لَمْ يعلم. ومنها تخصيص الإذن بابن السبيل، دون غيره، أو بالمضطر، أو بحال المجاعة مطلقًا، وهي متقاربة. وحكى ابن بطال عن بعض شيوخه: أن حديث الإذن كان في زمنه - ﷺ -، وحديث النهي أشار به إلى ما سيكون بعده من التَّشاحِّ، وترك المواساة. ومنهم من حَمَل حديث النهي على ما إذا كان المالك أحوج من المارّ؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -: بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - في سفر إذ رأينا إبلًا مصرورةً، فثُبْنا إليها، فقال لنا رسول الله - ﷺ -: «إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين، هو قوتهم، أيَسُرُّكُمْ لو رجعتم إلى مزاودكم، فوجدتم ما فيها قد ذهب؟» قلنا: لا، قال: «فإن ذلك كذلك»، أخرجه أحمد، وابن ماجة، واللفظ له، وفي حديث أحمد: «فابتدرها القوم ليحلبوها»، قالوا: فَيُحْمَل حديث الإذن على ما إذا لَمْ يكن المالك محتاجًا، وحديث النهي على ما إذا كان محتاجًا. ومنهم من حمل الإذن على ما إذا كانت غير مصرورة، والنهي على ما إذا كانت مصرورة؛ لهذا الحديث، لكن وقع عند أحمد في آخره: «فإن كنتم لا بُدّ فاعلين، فاشربوا، ولا تحملوا»، فدل على عموم الإذن في المصرورة وغيرها، لكن بقيد عدم الحمل، ولا بُدّ منه. واختار ابن العربيّ الحمل على العادة، قال: وكانت عادة أهل الحجاز والشام وغيرهم المسامحة في ذلك، بخلاف بلدنا، قال: ورأى بعضهم أن ما كان على طريق لا يُعْدَل إليه، ولا يُقْصَد جاز للمارّ الأخذ منه، وفيه إشارة إلى قَصْر ذلك على المحتاج، وأشار أبو داود في «السنن» إلى قصر ذلك على المسافر في الغزو، وآخرون إلى قصر الإذن على ما كان لأهل الذِّمة، والنهي على ما كان للمسلمين، واستؤنس بما شرطه الصحابة على أهل الذِّمة من ضيافة المسلمين، وصحّ ذلك عن عمر. وذكر ابن وهب عن مالك في المسافر، ينزل بالذميّ، قال: لا يأخذ منه شيئًا إلَّا بإذنه، قيل له: فالضيافة التي جُعلت عليهم؟ قال: كانوا يومئذ يخفف عنهم بسببها، وأما الآن فلا. وجنح بعضهم إلى نسخ الإذن، وحملوه على أنَّه كان قبل إيجاب الزكاة، قالوا: وكانت الضيافة حينئذ واجبةً، ثم نُسخ ذلك بفرض الزكاة، قال الطحاويّ: وكان ذلك حين كانت الضيافة واجبة، ثم نُسخت، فنُسخ ذلك الحكم، وأورد الأحاديث في ذلك. وسيأتي الكلام على حكم الضيافة في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -. وقال النوويّ - ﵀ - في «شرح المهذَّب»: اختَلَف العلماء فيمن مَرّ ببستان، أو زَرْعٍ، أو ماشية، قال الجمهور: لا يجوز أن يأخذ منه شيئًا، إلَّا في حال الضرورة، فيأخذ، وَيغْرَم، عند الشافعيّ، والجمهور، وقال بعض السلف: لا يلزمه شيء، وقال أحمد: إذا لَمْ يكن على البستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة الرطبة، في أصح الروايتين، ولو لَمْ يحتج لذلك، وفي الأخرى: إذا احتاج، ولا ضمان عليه في الحالين، وعَلَّق الشافعيّ القول بذلك على صحة الحديث، قال البيهقيّ: يعني: حديث ابن عمر مرفوعًا: «إذا مر أحدكم بحائط، فليأكل، ولا يتخذ خَبِيئة»، أخرجه الترمذيّ، واستغربه، قال البيهقيّ: لَمْ يصحّ، وجاء من أوجه أُخر غير قوية. قال الحافظ: والحقّ أن مجموعها لا يقصر عن درجة الصحيح، وقد احتجوا في كثير من الإحكام بما هو دونها، وقد بيّنت ذلك في كتابي «المنحة فيما علّق الشافعيّ القول به على الصحّة». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن حديث الباب وإن كان أصحّ من أحاديث الإباحة، إلَّا أنَّها بمجموع طرقها تصلح للاحتجاج بها، فالأَولى سلوك مسلك الجمع بينهما، وأظهر الجمع أن يُحمل الإذن على ابن السبيل ونحوه عند الحاجة، فهذا أولى الأوجه عندي. والحاصل أن حلب ماشية الناس ممنوع، إلَّا لمن كان مسافرًا، أو نحوه من ذوي الحاجة، وكذا التناول من ثمار البستان، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥٠٤] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وحَذَثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ (ح) وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (ح) وحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيع، وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّاد (ح) وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يعني: ابْنَ عُلَيَّةَ - جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ (ح) وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ (ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَن فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: «فَيُنْتَثَلَ »، إِلَّا اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: «فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ»، كَرِوَايَةِ مَالِكٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة وعشرون: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن مهاجر التجيبيّ المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ الإمام الحجة الفقيه المشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ٢ ص ٤١٢. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبت [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٥ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود العتكيّ الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٦ - (أَبُو كَامِلٍ) فضيل بن حسين الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٧ - (حَمَّادُ) بن زيد بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٨ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من [٨] (١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٩ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضل [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٠٥. ١٠ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ١١ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة المثبت الفقيه المشهور، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٨٣. ١٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) الأمويّ المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (١٤٤) أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ١٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريجٍ الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيه فاضل، لكنه يدلّس ويرسل [٥] (١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. والباقون تقدّموا في الأبواب الأربعة الماضية، و«ابن نمير» هو: محمد بن عبد الله بن نمير، و«موسى» هو: عقبة بن أبي عيّاش. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) يعني: أن كلًّا من عليّ بن مسهر، وعبد الله بن نمير رويا هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر العمريّ. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ) يعني: أن حماد بن زيد، وإسماعيل ابن عُليّة رويا هذا الحديث عن أيوب السختيانيّ. وقوله: (وَابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى) بجرّ «ابن جريجٍ» عطفًا على معمر، فعبد الرزاق يروي عن معمر، عن أيوب السختيانيّ، وعن ابن جريجٍ عن موسى بن عقبة، فما وقع في النسخ المطبوعة برفع «ابن جريجٍ»، غلطٌ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ) يعني: أن هولاء الخمسة، وهم: الليث بن سعد، وعبيد الله بن عمر، وأيوب السختيانيّ، واسماعيل بن أميّة، وموسى بن عقبة رووا هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -. [تنبيه]: رواية الليث بن سعد، عن نافع ساقها ابن ماجة - ﵀ - في «سننه»، فقال: (٢٣٠٢) - حدَّثنا محمد بن رُمْح، قال: أنبأنا الليث بن سعد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله - ﷺ - أنه قام، فقال: «لا يحتلبنّ أحدكم ماشية رجل بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تُؤْتَى مَشربته، فيكسر باب خِزانته، فَيُنتثل طعامه؟ فإنما تخزُن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم، فلا يحتلبنّ أحدكم ماشية امرئ بغير إذنه». انتهى . ورواية عبيد الله بن عمر، عن نافع ساقها ابن حبّان - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٥١٧١) - أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «نَهَى رسول الله - ﷺ - أن تحتلب مواشي الناس، إلَّا بإذن أربابها - وقال -: أيحب أحدكم أن تُؤْتَى مشربته، فيكسر بابها، فيُنتثل ما فيها من الطعام؟ إنما ضروع مواشيهم هو طعام أحدهم، فلا أعرفنّ أحدًا حَلَب ماشية أحد بغير إذنه». انتهى . ورواية أيوب السختيانيّ، عن نافع ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٦٤٤٦) - حدّثنا الصغانيّ، وأبو أمية، قالا: ثنا أبو النعمان (ح) وحدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قثنا سليمان بن حرب، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: «ألا لا يحتلب ماشيةَ امرئ إلَّا بإذنه، أيحبّ أحدكم أن تُؤتَى مشربته، فيكسر بابها، وينتثل ما فيها من الطعام؟ وإن ما في ضروعها طعام أحدهم، ألا لا يحتلب ماشية امرئ إلا بإذنه». انتهى . ورواية إسماعيل بن أُميّة، عن نافع، ساقها الحميديّ - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٦٨٣) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يَحْلُبَنّ أحدٌ ماشيةَ امرئ بغير إذنه، أيحبّ أحكم أن يُؤْتَى إلى باب مشربته، فيُكسر بابها، فيُنتثل طعامه؟ إلا إنما أطعمتهم في ضروع مواشيهم». انتهى . ورواية موسى بن عقبة، عن نافع لَمْ أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤) - (بَابُ الضِّيَافَة، وَنَحْوِهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٥٠٥] (٤٨» - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيّ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ»، قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ - وَقَالَ -: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ«). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في«الإيمان»٣٦/ ٢٥٠. ٢ - (أَبُو شُرَيْحٍ الْعَدَوِيُّ) الْخُزَاعيِّ الْكَعبيّ، اسمه خُويلد بن عمرو، أو عكسه، وقيل: عبد المرحمن بن عمرو، وقيل: هانئ، وقيل: كعب، صحابيّ نزل المدينة، ومات سنة (٦٨) على الصحيح (ع) تقدم في«شرح المقدمة»ج ٢ ص ٤٨٣. والباقيان تقدّما في الحديث الماضي. تنبيه: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٩٥) من رباعيّات الكتاب، وأن صحابيّه ممن اشتهر بكنيته، واختُلف في اسمه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ) تقدّم الخلاف في اسمه آنفًا، وفي رواية عبد الحميد بن جعفر الآتية:«حدّثنا أبو سعيد المقبريّ، أنه سمع أبا شُريح الْخُزاعيّ»(أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ) بالفعل على الفاعليّة لـ«سمعت»، مرفوع بالألف؛ لأنه من المثنّى الذي رَفْعُه بالألف، وجرّه، ونصبه بالياء، كما قال في«الخلاصة»: بِالأَلِفِ ارْفَعِ الْمُثَنَى و«كِلَا»… إِذَا بِمُضْمَرٍ مُضَافًا وُصِلَا«كِلْتَا»كَذَاكَ«اثْنَانِ»و«اثْنَتَانِ»… كَـ«ابْنَيْنِ»و«ابْنَتَيْنِ»يَجْريَانِ وَتَخْلُفُ الْيَا فِي جَمِيعِهَا الأَلِفْ جَرًّا … وَنَصْبًا بَعْدَ فَتْحٍ قَدْ أُلِفْ وهو مضاف إلى ياء المتكلّم المفتوحة لالتقاء الساكنين، وكذا قوله: (وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)«حين»ظرف تنازعه كلّ من«سمعت»، و«أبصرت»، (فَقَالَ) - ﷺ - («مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) المراد بقوله: «يؤمن»الإيمان الكامل، وخصّه بالله، واليوم الآخر؛ إشارة إلى المبدإ والمعاد؛ أي: من آمن بالله الذي خلقه، وآمن بأنه سيجازيه بعده، فليفعل الخصال المذكورات، قاله في «الفتح» . وقال في موضع آخر؛ قال الطوفيّ: ظاهر الحديث انتفاء الإيمان عمن لَمْ يفعل ذلك، وليس مرادًا، بل أراد به المبالغة، كما يقول القائل: إن كنت ابني، فاطعمني، تهييجًا له على الطاعة، لا أنه بانتفاء طاعته ينتفي أنه ابنه. انتهى . (فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) قال القرطبيّ - ﵀ -: قد تقدم القول في حكم الضيافة، وأن الأمر بها عند الجمهور على جهة الندب، لأنَّها من مكارم الأخلاق، إلَّا أن تتعين في بعض الأوقات بحسب ضرورة أو حاجة، فتجب حينئذ. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في كتاب الإيمان ترجيح القول بوجوبها؛ لقوّة حجته، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. قال: وقد أفاد هذا الحديث أنَّها من أخلاق المؤمنين، ومما لا ينبغي لهم أن يتخلَّفوا عنها؛ لِمَا يحصل عليها من الثواب في الآخرة، ولمَا يترب عليها في الدنيا من إظهار العمل بمكارم الأخلاق، وحُسن الأحدوثة الطيبة، وطِيْب الثناء، وحصول الرَّاحة للضيف المتعوب بمشقَّات السَّفر، المحتاج إلى ما يخفِّف عليه ما هو فيه من المشقَّة، والحاجة. ولم تزل الضيافة معمولًا بها في العرب من لدن إبراهيِم - ﷺ -؛ لأنَّه أول من ضيَّف الضيف، وعادة مستمرة فيهم، حتى إنَّ من تركها يُذمُّ عُرْفًا، ويُبَخَّلُ ويُقَبَّحُ عليه عادة، فنحن وإن لَمْ نقل: إنَّها واجبة شرعًا فهي متعيِّنة لِمَا يحصل منها من المصالح، ويندفع بها من المضارّ عادة وعُرفًا. انتهى كلام القرطبيّ ، وقد عرفت ما في قوله: «وإن لَمْ نقل: إنها واجبة … إلخ»، فلا تغفل. (جَائِزَتَهُ») بالنصب على أنَّه بدل اشتمال من «ضيفه»، وقال القرطبيّ - ﵀ -: و«الجائز»: العطيّة، يقال: أجزته جائزة، كما تقول: أعطيته عطية. و«جائزته» هنا منصوب، إما على إسقاط لفظ حرف الجر، فكأنه قال: فليكرم ضيفه بجائزته، وإما بأن يُشْرِبَ «فليكرم» معنى «فليُعط»، فيكون مفعولًا ثانيًا لـ «يكرم». انتهى . ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: «جائزته يومٌ وليلة»، فقال السهيليّ - ﵀ -: رُوي «جائزته» بالرفع على الابتداء، وهو واضح، وبالنصب على بدل الاشتمال؛ أي: يكرم جائزته يومًا وليلةً. انتهى. (قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) «ما» استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء جائزة الضيف؟ (قَالَ) - ﷺ - («يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ) بالرفع على أنَّه خبر لمحذوف؛ أي: هي يومه وليلته (وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صدَقَةٌ عَلَيْهِ)؛ أي: على الضيف، قال ابن بطال : سئل عنه مالك؟ فقال: يُكرِمه ويُتحفه يومًا وليلةً، وثلاثة أيام ضيافة. وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله:«وما جائزته؟ »استفهام عن مقدار الجائزة، لا عن حقيقتها، ولذلك أجابهم بقوله:«يومه وليلته»؛ أي: القيام بكرامته في يومه وليلته؛ أي: أقلّ ما يكون هذا القدر، فإنَّه إذا فعل هذا حصلت له تلك الفوائد. قال: وفي قوله بعد ذلك:«والضيافة ثلاثة أيام»يعني بها: الكاملة التي إذا فعلها المضيف فقد وصل إلى غاية الكمال، وإذا أقام الضيف إليها لَمْ يلحقه ذمٌّ بالمقام فيها؛ فإن العادة الجميلة جاريةٌ بذلك، وأمَّا ما بعد ذلك فخارج عن هذا كله، وداخل في باب إدخال المشاقِّ والكُلَف على الْمُضيِّف، فإنَّه يتأذى بذلك من أوجه متعددة، وهو المعنى بقوله - ﷺ -:«ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه»؛ أي: حتى يَشُقّ عليه، ويثقل، لا سيما مع رقة الحال، وكثرة المكلف. وقيل: معنى«يؤثمه»: يحرجه، فيقع في الإثم، وقد جاء ذلك مفسَّرًا في بعض الروايات:«حتى يحرجه»، فإن تحمَّل الْمُضِيف شيئًا من ذلك؛ فهو صدقةٌ منه على الضيف، فحقُّه أن يأنف منها، ولا يقبلها، لا سيما إن لَمْ يكن أهلًا لها، فإنَّها تَحْرُم عليه. وقيل: معنى قوله:«جائزته يوم وليلة»أن ذلك حقّ المجتاز، ومن أراد الإقامة فثلاثة أيام. و«جائزته»هنا: مرفوعٌ بالابتداء، وخبره:«يوم وليلة»، وقيل: لجائزة غير الضيافة، يضيفه ثلاثة أيام، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلتين، قال الهرويّ: والجيزة: قدر ما يجوز به المسافر من مَنْهَل إلى مَنْهَل، وما ذكرناه أولى للمساق والمعنى. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . وقال في«الفتح»: واختلفوا هل الثلاث غير الأول، أو يُعَدّ منها؟ فقال أبو عبيد: يَتكلَّف له في اليوم الأول بالبرّ والألطاف، وفي الثاني، والثالث، يُقَدِّم له ما حضره، ولا يزيده على عادته، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة، وتسمى الجيزة، وهي قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل، ومنه الحديث الآخر:«أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم»، متّفقٌ عليه. وقال الخطابيّ: معناه: أنه إذا نزل به الضيف أن يُتحفه، ويزيده في البرّ على ما بحضرته يومًا وليلةً، وفي اليومين الأخيرين يُقَدِّم له ما يحضره، فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقّه، فما زاد عليها مما يُقَدِّمه له يكون صدقة. وقد وقع في رواية عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبريّ، عن أبي شريح، عند أحمد، ومسلم، بلفظ:«الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة»، وهذا يدلّ على المغايرة، ويؤيد ما قال أبو عبيد. وأجاب الطيبيّ بأنها جملة مستأنفة، بيان للجملة الأولى، كأنه قيل: كيف يكرمه؟ قال: جائزته، ولا بُدّ من تقدير مضاف؛ أي: زمان جائزته؛ أي: بِرِّه، وألطافه يوم وليلة، فهذه الرواية محمولة على اليوم الأول، ورواية عبد الحميد على اليوم الأخير؛ أي: قدر ما يجوز به المسافر ما يكفيه يومًا وليلةً، فينبغي أن يحمل على هذا عملًا بالروايتين. انتهى . قال في«الفتح»: ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله:«وجائزته»بيانًا لحالة أخرى، وهي أن المسافر تارةً يقيم عند من ينزل عليه، فهذا لا يزاد على الثلاث بتفاصيلها، وتارةً لا يقيم، فهذا يعطى ما يجوز به قدر كفايته يومًا وليلةً، ولعل هذا أعدل الأوجه، والله أعلم. (وَقَالَ) - ﷺ - («مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ») - بضم الميم - ، يقال: صَمَتَ صَمْتًا، من باب قتل: سكت، وصُمُوتًا، وصُماتًا، فهو صامت، وأصمته غيره، وربّما استُعمل الرباعيّ لازمًا أيضًا، قاله الفيّوميّ . قال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله:«فليقل خيرًا أو ليصمت»: يعني: أن المصدِّق بالثواب والعقاب الْمُترتِّبَيْن على الكلام في الدَّار الآخرة لا يخلو من إحدى الحالتين: إما أن يتكلَّم بما يُحَصِّل له ثوابًا، وخيرًا فَيَغْنَم، أو يسكت عن شيء يجلُب له عقابًا وشرًّا فَيَسْلَم، وعلى هذا فتكون«أو»للتنويع والتقسيم، وقد أكثر الناس في تفصيل آفات الكلام، وهي أكثر من أن تدخل تحت حصر ونظام. وحاصل ذلك أن آفات اللسان أسرع الآفات للإنسان، وأعظمها في الهلاك والخسران. فالأصل: ملازمة الصمت إلى أن تتحقق السلامة من الآفات، والحصول على الخيرات، فحينئذ تخرج تلك الكلمة مخطومة، وبأزمَّة التقوى مزمومة، والله تعالى وليّ التوفيق. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . وقال في«الفتح»: وهذا من جوامع الكلم؛ لأنَّ القول كله إما خير، وإما شرّ، وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كلّ مطلوب من الأقوال: فَرْضِها، ونَدْبِها، فَأَذِن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شرّ، أو يؤول إلى الشرّ، فَأَمَر عند إرادة الخوض فيه بالصمت. وقد أخرج الطبرانيُّ، والبيهقيّ في«الزهد»من حديث أبي أمامة نحو حديث الباب، بلفظ:«فليقل خيرًا؛ لِيَغْنَمَ، أو ليسكت عن شرّ؛ لِيَسْلَم». واشتمل حديث الباب من الطريقين على أمور ثلاثة، تَجمع مكارم الأخلاق الفعلية، والقولية، أما الأولان فمن الفعلية، وأولهما يرجع إلى الأمر بالتخلي عن الرذيلة، والثاني يرجع إلى الأمر بالتحلي بالفضيلة، وحاصله: من كان حامل الإيمان فهو متصف بالشفقة على خلق الله، قولًا بالخير، وسكوتًا عن الشرّ، وفعلًا لِمَا ينفع، أو تركًا لِمَا يضرّ، وفي معنى الأمر بالصمت عدّة أحاديث. منها: حديث أبي موسى، وعبد الله بن عمرو بن العاص: «المسلم من سَلِم المسلمون من يده ولسانه»، وقد تقدما في «كتاب الإيمان». وللطبرانيِّ عن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ فذكر فيها: «أن يَسلم المسلمون من لسانك»، ولأحمد، وصححه ابن حبان، من حديث البراء، رفعه في ذكر أنواع من البرّ، قال: «فإن لَمْ تُطِق ذلك، فكُفّ لسانك إلَّا من خير»، وللترمذيّ من حديث ابن عمر: «من صمت نجا»، وله من حديثه: «كثرة الكلام بغير ذكر الله تُقسي القلب»، وله من حديث سفيان الثقفيّ: قلت: يا رسول الله، ما أكثرُ ما تخاف عليّ؟ قال: «هذا»، وأشار إلى لسانه، وللطبرانيّ مثله، من حديث الحارث بن هشام، وفي حديث معاذ، عند أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ: أخْبِرني بعمل يُدخلني الجَنَّة، فذكر الوصية بطولها، وفي آخرها: «أَلا أُخبرك بملاك ذلك كلِّه؟ كُفّ عليك هذا، وأشار إلى لسانه …» الحديث، وللترمذيّ من حديث عقبة بن عامر: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك» . قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي شُريح العدويّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، وما يتعلّق به من المباحث في «كتاب الإيمان» مع حديث أبي هريرة - ﵁ - برقم [٢١/ ١٨١ و١٨٤] (٤٧ و٤٨)، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥٠٦] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٌ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثمَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: «يُقِيم عِنْدَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدَّم قبل بابين. ٣ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرِ) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالقدر، وربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٥٣) (خت م ٤) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٤/ ١١٥٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ) وفي رواية البخاريّ: «ولا يحل له أن يثوي عنده»، قال ابن التين: هو بكسر الواو، وبفتحها في الماضي، وبكسرها في المضارع، وهو بمعنى «يقيم»، والثواء - بالتخفيف، والمدّ -: الإقامة بمكان معين. وقوله: (حَتَّى يُؤْثِمَهُ) ولفظ البخاريّ: «حتى يُحرجه» بحاء مهملة، ثم جيم، من الحَرَج، وهو الضِّيق، وقال النووي: قوله: «حتى يؤثمه»؛ أي: يوقعه في الإثم؛ لأنه قد يغتابه؛ لطول مقامه، أو يُعَرِّض له بما يؤذيه، أو يظنّ به ظنًّا سيئًا، وهذا كله محمول على ما إذا لَمْ تكن الإقامة باختيار صاحب المنزل، بأن يطلب منه الزيادة في الإقامة، أو يغلب على ظنه أنه لا يكره ذلك، وهو مستفاد من قوله: «حتى يحرجه»؛ لأنَّ مفهومه إذا ارتفع الحرج أن ذلك يجوز. وقوله: (قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: «يُقِيمُ عِنْدَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ») - بفتح حرف المضارعة -، يقال: قريتُ الضيفَ أقريه، من باب رَمَي، قِرًى، بالكسر والقصر، والاسم: الْقَرَاءُ بالفتح والمدّ؛ أي: أضفته، والمعنى: أنه لا يجد شيئًا يقدّمه له. قال ابن بطال: إنما كَرِه له المقام بعد الثلاث؛ لئلا يؤذيه، فتصير الصدقة منه على وجه المنّ والأذى. وتعقَّبه الحافظ: فقال: وفيه نظر؛ فإن في الحديث: «فما زاد فهو صدقة»، فمفهومه أن الذي في الثلاث لا يسمى صدقة، فالأولى أن يقول: لئلا يؤذيه، فيوقعه في الإثم بعد أن كان مأجورًا. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في «كتاب الإيمان» برقم [٢١/ ١٨١] [٨] (٤٧) فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٥٠٧] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ - يعني: الْحَنَفِي - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبا شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَبَصُرَ عَيْنِي ، وَوَعَاهُ قَلْبي، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْث، وَذَكَرَ فِيهِ: «وَلَا يَحِلُّ لأَحَدِكُمْ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثمَهُ»، بِمِثْلِ مَا فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريبًا. ٢ - (أبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ) عبد الكبير بن عبد المجيد، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَبَصُرَ عَيْنِي) وفي بعض النسخ: «وبصرت عينايَ»، و«بَصُر» - بضمّ الصاد، وكسرها -، يقال: بَصُر به، ككرُم، وفَرِحَ بَصَرًا، وبِصَارةً،
مصادر المؤلف (٢٧)

١. «الفتح»٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩، كتاب«اللقطة»رقم (٢٤٣٥).

٢. «الفتح» ٦/ ٢٤٩، كتاب «اللقطة» رقم (٢٤٣٥).

٣. راجع: «القاموس المحيط» ص ٣٦٨.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٤.

٥. «المفهم» ٥/ ١٩٦.

٦. «المفهم» ٥/ ١٩٧.

٧. «الفتح» ٦/ ٢٥١ - ٢٥٢، كتاب «اللقطة» رقم (٢٤٣٥).

٨. «الفتح» ٦/ ٢٥١ - ٢٥٢، كتاب «اللقطة» رقم (٢٤٣٥).

٩. وفي نسخة: «فيُنتثل طعامه».

١٠. «سنن ابن ماجه»٢/ ٧٧٢.

١١. «صحيح ابن حبان» ١١/ ٥٧٤.

١٢. «مسند أبي عوانة» ٤/ ١٨٣.

١٣. «مسنذ الحميدي» ٢/ ١٠٣٠٠.

١٤. هذا مكرّر، فقد تقدَّم الحديث في كتاب «الإيمان» بالرقم المذكور.

١٥. «الفتح» ١٣/ ٥٦٦، كتاب «الأدب» رقم (٦٠١٩).

١٦. «الفتح» ١٣/ ٧١٠، كتاب الأدب«رقم (٦١٣٥).

١٧. «المفهم»٥/ ١٩٧ - ١٩٨.

١٨. «المفهم»٥/ ١٩٨.

١٩. «شرح البخاريّ»لابن بطال ٩/ ٣٠٩.

٢٠. «المفهم»٥/ ١٩٨ - ١٩٩.

٢١. «الكاشف عن حقائق السنن»٩/ ٢٨٦٦.

٢٢. هذا هو الذي أثبته في كتب اللغة:«الصحاح»، و«القاموس»، و«المصباح»، ففي كلها أنه بضمّ الميم، وأما ما قاله في«الفتح»من جواز كسر الميم، ففيه نظر، فتنبّه.

٢٣. «المصباح المنير»١/ ٣٤٦ - ٣٤٧.

٢٤. «المفهم»٥/ ١٩٩ - ٢٠٠.

٢٥. «الفتح» ١٣/ ٥٦٧، كتاب «الأدب» رقم (٦٠١٨ - ٦٠١٩).

٢٦. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢٧. وفي نسخة: «وبصر عيناي».