HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٤٢

وحدثني محمد بن رافع. حدثنا عبد الرزاق. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ كِتَابِ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى. فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، حِينَ سَارَ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ. يُخْبِرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ، فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، يَنْتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ فَقَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ. فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ). ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ (اللَّهُمَّ! مُنْزِلَ الْكِتَابِ. وَمُجْرِيَ السَّحَابِ. وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ. اهْزِمْهُمْ وانصرنا عليهم).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص143
ج ٣ ص ١٣٦٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٣٧٢
قال النوويّ ﵀: قوله: «فاصبروا» هذا حثّ على الصبر في القتال، وهو آكد أركانه، وقد جمع الله ﷾ آداب القتال في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنفال: ٤٥ - ٤٧] ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٦/ ٤٥٣١] (١٧٤١)، و(البخاريّ) معلّقًا في «الجهاد» (٣٥٢٦)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٨/ ٨٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢١٦، ٢١٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ١٥٢)، وفوائد الحديث تأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٣٢] (١٧٤٢) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ كِتَابِ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِي - ﷺ - يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ الله، حِينَ سَارَ إِلَى الْحَرُورِيَّة، يُخْبِرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ فِي بَعْضِ أيَّامِهِ الَّتي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ يَنْتَظِرُ، حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُو، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَن الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ»، ثُمَّ قَامَ النّبِيُّ - ﷺ -، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَاب، وَمُجْرِيَ السَّحَاب، وَهَازِمَ الأَحْزَاب، اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ الصحابيّ، شهِد الحديبية، وعُمّر بعد النبيّ - ﷺ - دهرًا، مات سنة (٨٧)، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالكوفة (ع) تقدم في «الصلاة» ٤١/ ١٠٧٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) سالم بن أبي أميّة، (عَنْ كِتَابِ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ) القبيلة المعروفة، (مِنْ أَصْحَابِ النَبِيِّ - ﷺ - يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) - ﵁ -، وفي رواية البخاريّ: «عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، وكان كاتبه …». ومن الغريب أن الحافظ في «الفتح» أعاد الضمير في «كاتبه» لعبد الله بن أبي أوفى، وقال: أي: أن سالمًا كان كاتب عبد الله بن أبي أوفى، وكذا قال العينيّ في «العمدة» ، متعقّبًا لكرمانيّ حيث جعل الضمير لعمر بن عبيد الله، وعندي أن هذا غلط، والصواب أن الضمير لعمر بن عبيد الله، فسالم كان كاتبًا لعمر بن عبيد الله؛ لأنه مولاه، وكان عمر أميرًا في حرب الخوارج، ومما يؤيّد كونه غلطًا: ما جاء في «الفتح» نفسه بعد أسطر، أن سالمًا كان كاتب عمر بن عبيد الله، فتبيّن أن الأول غلط بلا شكّ، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَكَتَبَ)؛ أي: عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ -، (إِلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بن معمر التيميّ، (حِينَ سَارَ اِلَى الْحَرُورِيَّةِ)؛ أي: إلى قتال الحروريّة، وهم الخوارج الذين خرجوا بحروراء - بالمدّ -: قرية بقرب الكوفة، وهو أول مكان خروجهم، كان عمر بن عبيد الله هذا أميرًا على حرب الخوارج . [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: قال الدارقطنيّ: هذا الحديث صحيح، قال: واتفاق البخاريّ ومسلم على روايته حجة في جواز العمل بالمكاتبة، والإجازة، وقد جَوَّزوا العمل بالمكاتبة والإجازة، وبه قال جماهير العلماء، من أهل الحديث، والأصول، والفقه، ومنعت طائفة الرواية بها، وهذا غلط، والله أعلم، انتهى . وقال في «الفتح»: قال الدارقطنيّ ﵀ في «التتبع»: أخرجا حديث موسى بن عقبة، عن أبي النضر، مولى عمر بن عبيد الله، قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى، فقرأته … الحديث، قال: وأبو النضر لم يسمع من ابن أبي أوفى، فهو حجة في رواية المكاتبة. وتُعُقّب بأن شرط الرواية بالمكاتبة عند أهل الحديث أن تكون الرواية صادرة إلى المكتوب إليه، وابن أبي أوفى لم يكتب إلى سالم، إنما كتب إلى عمر بن عبيد الله، فعلى هذا تكون رواية سالم له عن عبد الله بن أبي أوفى من صُوَر الوجادة. ويمكن أن يقال: الظاهر أنه من رواية سالم، عن مولاه عمر بن عبيد الله، بقراءته عليه؛ لأنه كان كاتبه، عن عبد الله بن أبي أوفى، أنه كتب إليه، فيصير حينئذ من صور المكاتبة. قال: وفيه تعقّب على مَن صَنَّف في رجال «الصحيحين»، فإنهم لم يذكروا لعمر بن عبيد الله ترجمة، وقد ذكره ابن أبي حاتم، وذكر له رواية عن بعض التابعين، ولم يذكر فيه جَرْحًا. انتهى . (يُخْبِرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ)؛ أي: الكفّار في الغزو، (يَنْتَظِرُ، حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْس)؛ أي: ليطيب الوقت، ويؤدّي الصلاة، وقال القرطبيّ ﵀: يعني أنه كان يؤخر القتال عن الهاجرة إلى أن تميل الشمس؛ ليبرد الوقت على المقاتِلة، ويخفّ عليهم حمل السلاح التي يؤلم حملها في شدَّة الهاجرة؛ ولأن ذلك الوقت وقت الصلاة، وهو مظنَّة إجابة الدعاء، وقيل: بل كان يفعل ذلك لانتظار هبوب ريح النصر التي نُصر بها، كما قال: «نُصِرت بالصَّبا»، وفي حديث آخر: أنه - ﷺ - كان ينتظر حتى تزول الشمس، وَتَهُبّ رياح النصر. انتهى . وقال النوويّ ﵀: وقد جاء في غير هذا الحديث أنه - ﷺ - كان إذا لم يقاتل أول النهار، انتظر حتى تزول الشمس، قال العلماء: سببه أنه أمكن للقتال، فإنه وقت هبوب الريح، ونشاط النفوس، وكلما طال ازدادوا نشاطًا، وإقدامًا على عدوهم، وقد جاء في «صحيح البخاريّ»: «أَخَّر حتى تَهُبّ الأرواح، وتحضر الصلاة»، قالوا: وسببه فضيلة أوقات الصلوات، والدعاء عندها. انتهى . قال الطيبيّ ﵀: وفي قوله: «انتظر حتى مالت الشمس» إشارة إلى الفتح والنصرة؛ لأنه وقت هبوب الرياح، ونشاط النفوس، وقالوا: سببه فضيلة أوقات الصلاة، والدعاء عندها، والوجه الجمع بينهما؛ لِمَا نُصّ عليه في الحديث الآخر المخرَّج في «صحيح البخاري» من طريق النعمان بن مُقَرِّن، قال: «شهدت القتال مع رسول الله - ﷺ -، فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تَهُبّ الأرياح، وتحضر الصلاة»، وفي رواية أبي داود: «حتى تزول الشمس، وتَهُبّ الرياح، وينزل النصر»، قال التوربشتيّ ﵀: مصداق ذلك قوله - ﷺ -: «نُصِرْتُ بالصبا»، وفيه استحباب الدعاء، والاستغفار عند القتال، انتهى . (قَامَ)؛ أي: خطيبًا (فِيهِمْ)؛ أي: في الصحابة الذين غزوا معه، (فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) قال القاري: ولعلّ العدول عن يا أيها المؤمنون؛ ليعمّ المنافقين . (لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ) تقدّم شرح هذه الجملة في الحديث الماضي، (وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ)؛ أي: أن يعافيكم من الفتن، والْمِحن، وقال القاري: أي: اطلبوا منه كفاية شرّ الأعداء ، قال النوويّ ﵀: وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية، وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات، في البدن، والباطن، في الدِّين، والدنيا، والآخرة، اللهم إني أسألك العافية العامة لي، ولأحبائي، ولجميع المسلمين. انتهى . (فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا) تقدّم شرحه أيضًا، (وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ») قال القاري ﵀: أي: كون المجاهد بحيث تعلوه سيوف الأعداء سبب للجنّة، أو المراد: سيوف المجاهدين، وإنما ذَكر السيوف؛ لأنها أكثر آلات الحرب. انتهى . وقال في«النهاية»: هو كناية عن الدنوّ من الضراب في الجهاد حتى يعلوه السيف، ويصير ظلّه عليه، والظلّ: الفيء الحاصل الحاجز بينك وبين الشمس؛ أيَّ شيء كان، وقيل: هو مخصوص بما كان منه إلى زوال الشمس، وما كان بعده فهو الفيء. انتهى . وقال النوويّ ﵀: معناه: أن ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنّة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله تعالى، ومشي المجاهدين في سبيل الله، فاحضروا فيه بصدق، واثبتوا. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «الجنَّة تحت ظلال السيوف»: هذا من الكلام النفيس البديع، الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ، وعذوبته، وحسن استعارته، وشمول المعاني الكثيرة، مع الألفاظ المعسولة الوجيزة؛ بحيث يعجز الفصحاء اللُّسْن البلغاء عن إيراد مثله، أو أن يأتوا بنظيره وشكله، فإنه استفيد منه مع وجازته الحضُّ على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحضّ على مقاربة العدو، واستعمال السّيوف، والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزحف، بعضهم لبعض، حتى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدوّ، وبعضها يرتفع عنهم؛ حتى كأن السيوف أظلَّت الضاربين بها، ويعني: أن الضارب بالسيف في سبيل الله يدخله الله الجنة بذلك، وهذا كما قاله في الحديث الآخر: «الجنة تحت أقدام الأمهات» ؛ أي: مَن برَّ أمَّه، وقام بحقها، دخل الجنَّة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . (ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ) اسم فاعل من أنزل الرباعيّ، والمراد: جنس الكتاب، أو هو القرآن الكريم، (وَمُجْرِيَ السَّحَابِ) اسم فاعل من أجرى، رباعيًّا أيضًا، (وَهَازِمَ الأَحْزَابِ) اسم فاعل من هزم الثلاثيّ، من باب ضرب، و»الأحزاب«: بفتح الهمزة: جمع حزب، وهم الجمع والقطعة من الناس، ويعني بهم: الذين تحزبوا عليه في المدينة فهزمهم الله تعالى بالريح. وقال القاري ﵀: قوله:«وهازم الأحزاب»؛ أي: أصناف الكفّار السابقين، من قوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم . (اهْزِمْهُمْ)؛ أي: اكسر شوكة هؤلاء الكفّار، يقال: هَزَمتُ الجيشَ هَزْمًا، من باب ضرب: كسرته، والاسم: الهزيمة . (وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)؛ أي: ليكون لنا أجر الغزو بسبب المباشرة، ورَوَى الإسماعيليّ في هذا الحديث، من وجه آخر: أنه - ﷺ - دعا أيضًا، فقال:«اللهم أنت ربنا وربهم، ونحن عبيدك، وهم عبيدك، نواصينا ونواصيهم بيدك، فاهزمهم، وانصرنا عليهم»، ولسعيد بن منصور، من طريق أبي عبد الرحمن الحبليّ، عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا نحوه، لكن بصيغة الأمر؛ عطفًا على قوله: مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٤٥٣٢ و٧/ ٤٥٣٣ و٤٥٣٤ و٤٥٣٥] (١٧٤٢)، و(البخاريّ) في«الجهاد»(٢٨١٨ و٢٨٢٣ و٢٩٦٥ و٢٩٦٦ و٣٠٢٤) و«المغازي»(٤١١٥) و«التوحيد»(٧٢٣٧)، و(أبو داود) في«الجهاد»(٢٦٣١)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٥/ ٢٤٩)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٤/ ٢٢٤ و٦/ ٤٧٨)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ٣٥٣)، و(الحاكم) في«المستدرك»(٢/ ٨٧)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤/ ٢١٨)، و(البزّار) في«مسنده»(٨/ ٢٩٠)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٩/ ٧٦ و١٥٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قال في«الفتح»: أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم، فبالكتاب إلى قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٤]، وبمجري السحاب إلى القدرة الظاهرة في تسخير السحاب، حيث يحرك الريح بمشيئة الله تعالى، وحيث يستمر في مكانه مع هبوب الريح، وحيث تمطر تارةً، وأخرى لا تمطر، فأشار بحركته إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال، وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم، وبإنزال المطر إلى غنيمة ما معهم حيث يتفق قتلهم، وبعدمه إلى هزيمتهم، حيث لا يحصل الظفر بشيء منهم، وكلها أحوال صالحة للمسلمين، وأشار بهازم الأحزاب إلى التوسل بالنعمة السابقة، وإلى تجريد التوكل، واعتقاد أن الله هو المنفرد بالفعل. انتهى . ٢ - (ومنها): ما قال في «الفتح» أيضًا: إن فيه التنبيهَ على عِظَم هذه النعم الثلاث المذكورة في هذا الدعاء، فإن بإنزال الكتاب حصلت النعمة الأخروية، وهي الإسلام، وبإجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية، وهي الرزق، وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعمتين، وكأنه قال: اللهم كما أنعمت بعظيم النعمتين الأخروية والدنيوية، وحَفِظْتهما، فأبقهما . ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز السَّجع في الدعاء إذا لم يُتَكَلَّف. ٤ - (ومنها): الحثّ على الصبر عند القتال. ٥ - (ومنها): الدعاء على المشركين بالهزيمة. ٦ - (ومنها): استحباب الدعاء عند اللقاء، والاستنصار، ووصية المقاتلين بما فيه صلاح أمرهم، وتعليمهم ما يحتاجون إليه. ٧ - (ومنها): استحباب سؤال الله تعالى بصفاته الحسنى، وبنعمه السالفة. ٨ - (ومنها): مراعاة نشاط النفوس لفعل الطاعة. ٩ - (ومنها): الحث على سلوك الأدب بالاعتماد على الله ﷾، لا على النفس والقوّة. ١٠ - (ومنها): أن الانتصار على الأعداء ليس بكثرة العَدَد، والْعُدَد، وإنما هو بالالتجاء إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، فينبغي التوجّه إليه تعالى بالدعاء، والتضرّع، ولا ينبغي الثقة بالقوّة، وقد أخبر الله تعالى بما حصل من سوء نتيجة الاعتماد على ذلك، فقال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التبة: ٢٥، ٢٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ بِالنَّصْرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ) وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٣٣] (…) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى الأَحْزَاب، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ، وَزَلْزِلْهُمْ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّف، وكان لا يتراجع عمّا كتبه؛ لشدّة وثوقه به [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم، أبو الهيثم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٧. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٩. والصحابيّ ذُكر في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀ كالإسنادين التاليين، وهو (٢٩٩) وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) - ﵁ - أنه (قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى الأَحْزَابِ) بالفتح: جمع حِزْب بكسر، فسكون؛ أي: القوم المتحزّبين، والمجتمَعين عليه، (فَقَالَ: «اللَّهُمَّ) أصله: يا ألله، فحُذفت»يا«، وعُوّضت عنها الميم، ولا يُجمع بينهما إلا في الشعر، كما قال في»الخلاصة«: وَالأَكْثَرُ«اللَّهُمَّ»بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ«يَا اللَّهُمَّ»فِي قَرِيضِ وقوله: (مُنْزِلَ الْكِتَابِ) منصوب بحذف حرف النداء، كما قال الحريريّ ﵀ في«ملحته»: وَحَذْفُ«يَا»يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ«رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي»وقال في«الْخُلاصة»: وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا وكذا إعراب قوله: (سَرِيعَ الْحِسَاب) قال القرطبيّ ﵀: وصف الله ﷾ بأنه سريع الحساب؛ يعني به أنه يعلم الأعداد المتناهية وغيرها في آن واحد، فلا يَحتاج لأي ذلك إلى فكر، ولا عَقْد، كما يفعله الْحُسّاب منّا. انتهى . وقوله: (اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ، وَزَلْزِلْهُمْ»)؛ أي: أزعجهم، وحرّكهم بالشدائد، قال أهل اللغة: الزلزال، والزَّلْزَلة: الشدائد التي تُحرّك الناس، قاله النوويّ ﵀ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في الباب الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٣٤] (…) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاح، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: دَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، بِمِثْلِ حَدِيثِ خَالِدٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «هَازِمَ الأَحْزَابِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: «اللَّهُمَّ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، ولاحقه، وهو (٣٠٠) من رباعيّات الكتاب. [تنبيه آخر]: رواية وكيع بن الجرّاح، عن إسماعيل بن أبي خالد هذه ساقها ابن أبي شيبة ﵀ في «مصنّفه»، فقال:
مصادر المؤلف (٢٣)

١. «شرح النوويّ» ١٢/ ٤٥.

٢. راجع: «عمدة القاري» ١٤/ ١٦١.

٣. «الفتح» ٧/ ٨٦، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨١٨).

٤. شرح النوويّ«١٢/ ٤٧.

٥. «الفتح»٧/ ٨٦، كتاب«الجهاد» رقم (٢٨١٨).

٦. «المفهم» ٣/ ٥٢٤.

٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ٤٦.

٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٦٩٨، و«مرقاة المفاتيح» ٧/ ٤٧٨.

٩. «المرقاة» ٧/ ٤٧٨.

١٠. «مرقاة المفاتيح» ٧/ ٤٧٨.

١١. «شرح النوويّ» ١٢/ ٤٦.

١٢. «مرقاة المفاتيح» ٧/ ٤٧٨.

١٣. «النهاية» في الحديث ٣/ ١٥٩، و«الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٦٩٧.

١٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ٤٦.

١٥. حديث حسن، أخرجه النسائيّ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ، وأقرّه المنذريّ.

١٦. «المفهم»٣/ ٥٢٥ - ٥٢٦.

١٧. «مرقاة المفاتيح»٧/ ٤٧٨.

١٨. «المصباح المنير»٢/ ٦٣٨.«وسلوا الله العافية، فإن بليتم بهم، فقولوا: اللهم … »، فذكره، وزاد:«وغُضُّوا أبصاركم، واحملوا عليهم على بركة الله»، قاله في«الفتح»(^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

١٩. «الفتح» ٧/ ٢٨١، كتاب «الجهاد» رقم (٣٠٢٤).

٢٠. «الفتح» ٧/ ٢٨٠ - ٢٨١، كتاب «الجهاد» رقم (٣٠٢٤).

٢١. «الفتح» ٧/ ٢٨٠ - ٢٨١، كتاب «الجهاد» رقم (٣٠٢٤).

٢٢. «المفهم» ٣/ ٥٢٥.

٢٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ٤٧ - ٤٨.