HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٤٦

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سعيد. حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ إن رسول الله ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ. وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ. زَادَ قُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْحٍ فِي حَدِيثِهِمَا: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وليخزي الفاسقين﴾ [٥٩ /الحشر / ٥].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص145
ج ٣ ص ١٣٦٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٣٩٧
أَغَارَتْ مِنَ اللَّيْل، فَأَصَابَتْ مِنْ أبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: «هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين. وقوله: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قِيلَ لَهُ) تقدّم أن القائل هو الصعب - ﵁ - نفسه. وقوله: (لَوْ أَنَّ خَيْلًا) المراد بالخيل: المجاهدون الذين يركبون الخيل. وقوله: (مِنَ اللَّيْلِ) «من» بمعنى «في»، أو هي للتبعيض. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «لو أن خيلًا أغارت من الليل»: أي: أسرعت طالبةً غِرَّة العدوّ، والإغارة: سرعة السير، ومنه قولهم: «أَشْرِقْ ثبير كيما نُغِير»: أي: نسرع في النَّفْر. والغارة: الخيل نفسها، وشَنّ الغارة؛ أي: أرسل الخيل مسرعة، ويقال: أغارت الخيل ليلًا، وضُحًى، ومساءً، إذا كان ذلك في تلك الأوقات، فأما البيات: فهو أن يؤخذ العدوّ على غِرّة بالليل، انتهى . وقوله: (مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ) «من» هنا بمعنى بعض. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ جَوَازِ قَطْعِ أَشْجَارِ الْكُفَّار، وَتَحْرِيقِهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٤٢] (١٧٤٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِير، وَقَطَعَ، وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ»، زَادَ قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ فِي حَدِيثِهِمَا: فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الحشر: ٥]). رجال هذا الإسناد: ستة: وقد تقدّم السند نفسه قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣٠٣) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن عمر - ﵄ -؛ لِمَا تقدّم قريبًا، (أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - حَرَّقَ) بتشديد الراء، (نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ) - بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة -: هم قبيلة كبيرة من اليهود، قال في «الفتح»: كان الكفار بعد الهجرة مع النبيّ - ﷺ - على ثلاثة أقسام: قسم وادَعَهم على أن لا يحاربوه، ولا يمالئوا عليه عدوّه، وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة، والنضير، وقينقاع، وقسم حاربوه، ونصبوا له العداوة، كقريش، وقسم تاركوه، وانتظروا ما يئول إليه أمره، كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن، كخزاعة، وبالعكس، كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرًا، ومع عدوه باطنًا، وهم المنافقون، فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر، فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم، فاستوهبهم منه عبد الله بن أُبَيّ، وكانوا حلفاءه، فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات، ثم نقض العهد بنو النضير، وكان رئيسهم حُيَيَّ بن أخطب، ثم نقضت قريظة. - وأخرج عبد الرزاق في «مصنفه»: عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة: «ثم كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم، ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله - ﷺ - حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقَلَّت الإبل من الأمتعة، والأموال، لا الحلقة - يعني: السلاح - فأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ١، ٢]، وقاتَلَهم حتى صالَحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سِبْطٍ لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسباء. وذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيره من أهل العلم: أن عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لَمَّا قَتَل أهل بئر معونة عن رقبة كانت على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة، فصادف رجلين من بني عامر، معهما عَقد وعَهد من رسول الله - ﷺ - لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: ممن أنتما؟ فذكرا أنهما من بني عامر، فتركهما حتى ناما، فقتلهما عمرو، وظنّ أنه ظَفِرَ ببعض ثأر أصحابه، فأُخبِر رسول الله - ﷺ - بذلك، فقال: «لقد قتلت قتيلين لَأُودِيَنَّهما». انتهى. قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله - ﷺ - إلى بني النضير يستعينهم في ديتهما، فيما حدثني يزيد بن رُومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحِلْف، فلما أتاهم يستعينهم قالوا: نعم، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذه الحال، قال: وكان جالسًا إلى جانب جدار لهم، فقالوا: مَن رجلٌ يعلو على هذا البيت، فيلقي هذه الصخرة عليه، فيقتله، ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فأتاه الخبر من السماء، فقام مظهرًا أنه يقضي حاجة، وقال لأصحابه: «لا تبرحوا»، ورجع مسرعًا إلى المدينة، واستبطأه أصحابه، فأُخبروا أنه توجه إلى المدينة، فلحقوا به، فأَمر بحربهم، والمسير إليهم، فتحصّنوا، فأمر بقطع النخل والتحريق. وذكر ابن إسحاق أنه حاصرهم ست ليال، وكان ناس من المنافقين بعثوا إليهم أن اثبتوا، وتمنَّعوا، فإن قوتلتم قاتلنا معكم، فتربصوا، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فلم ينصروهم، فسألوا أن يُجلوا عن أرضهم، على أن لهم ما حَمَلت الإبل، فصولحوا على ذلك. وروى البيهقيّ في «الدلائل» من حديث محمد بن مسلمة: أن رسول الله - ﷺ - بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام. قال ابن إسحاق: فاحتملوا إلى خيبر، وإلى الشام، قال: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر أنهم جلوا عن الأموال من الخيل، والمزارع، فكانت لرسول الله - ﷺ - خاصّة. قال ابن إسحاق: ولم يُسْلم منهم إلا يامين بن عمير، وأبو سعيد بن وهب، فأحرزا أموالهما. ورَوَى ابن مردويه قصة بني النضير بإسناد صحيح، إلى معمر، عن الزهريّ: أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ - قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أُبَيّ وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبيّ - ﷺ - وأصحابه، ويتوعدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، فهَمّ ابن أُبَيّ ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبيّ - ﷺ -، فقال: «ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن تُلْقُوا بأسكم بينكم»، فلما سمعوا ذلك عرفوا الحقّ، فتفرقوا، فلما كانت وقعة بدر كتبت كفار قريش بعدها إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة، والحصون، يتهددونهم، فأجمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إلى النبيّ - ﷺ -: اخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك، ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، ففعل فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبيّ - ﷺ - قبل أن يصل إليهم، فرجع، وصَبّحهم بالكتائب، فحصرهم يومه، ثم غدا علي بني قريظة، فحاصرهم، فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلّت الإبل، إلا السلاح، فاحتَمَلوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يُخْرِبون بيوتهم بأيديهم، فيهدمونها، ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام. وكذا أخرجه عبد بن حميد في «تفسيره»، عن عبد الرزاق. انتهى . (وَقَطَعَ) بفتح القاف، والطاء المهملة، مبنيًّا للفاعل، ويَحتَمِل تشديد الطاء للمبالغة؛ أي: قطع النبيّ - ﷺ - أشجارهم، (وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ) بالموحدة مصغرُ بُؤرَة، وهي الْحُفْرة، وهي هنا مكان معروف بين المدينة وبين تيماء، وهي من جهة قبلة مسجد قباء إلى جهة الغرب، ويقال لها أيضًا: البويلة باللام بدل الراء، قاله في «الفتح» . (زَادَ قُتَيْبَةُ) بن سعيد (وَ) محمد (بْنُ رُمْحٍ فِي حَدِيثِهِمَا) وقوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿) مفعول «زاد» محكيّ لِقَصْد لفظه، وقوله: (﴿مَا قَطَعْتُمْ﴾) الآية مفعول «أَنْزَلَ» محكيّ أيضًا؛ لقصد لفظه. وقال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في «تفسيره»: قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ «ما» في محل نصب بـ «قطعتم»، كأنه قال: أي شيء قطعتم، وذلك أن النبيّ - ﷺ - لمّا نزل على حصون بني النضير - وهي البويرة - حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أُحد، أمر بقطع نخيلهم، وإحراقها، واختلفوا في عدد ذلك، فقال قتادة والضحاك: إنهم قطعوا من نخيلهم، وأحرقوا ست نخلات، وقال محمد بن إسحاق: إنهم قطعوا نخلة، وأحرقوا نخلة، وكان ذلك عن إقرار رسول الله - ﷺ - أو بأمره، إما لإضعافهم بها، وإما لسعة المكان بقطعها، فشقّ ذلك عليهم، فقالوا - وهم يهود أهل الكتاب -: يا محمد، ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل الله عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على النبيّ - ﷺ -، ووجد المؤمنون في أنفسهم حتى اختلفوا، فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا، وقال بعضهم: اقطعوا لنُغيظهم بذلك، فنزلت الآية بتصديق مَن نَهَى عن القطع، وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن قَطْعه وتَرْكه بإذن الله، وقال شاعرهم سماك اليهوديّ في ذلك: أَلَسْنَا وَرِثْنَا الْكِتَابَ الْحَكِيمْ … عَلَى عَهْدِ مُوسَى وَلَمْ نُصْدِفِ وَأَنْتُمْ رِعَاءُ لِشَاءٍ عِجَافْ … بِسَهْل تِهَامَةَ وَالأَخْيَفِ تَرَوْنَ الرِّعَايَةَ مَجْدًا لَكُمْ … لَدَى كُلِّ دَهْرِ لَكُمْ مُجْحِفِ فَيَا أَيُّهَا الشَّاهِدُونَ اْنَتُهوا … عَنِ الظُّلْمِ وَالْمَنْطِقِ الْمُؤنِفِ لَعَلَّ اللَّيَالِي وَصَرْفَ الدُّهُورْ … يُدِلْنَ مِنَ الْعَادِلِ الْمُنْصِفِ بقَتْلِ النَّضِيرِ وَإِجْلَائِهَا … وَعَقْرِ النَّخِيلِ وَلَمْ تُقْطَفِ فأجابه حسان بن ثابت - ﵁ -: تَفَاقَدَ مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشًا … وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِيرُ هُمُو أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ … وَهُمْ عُمْيٌ عَنِ التَّوْرَاةِ بُورُ كَفَرْتُمْ بِالْقُرَانِ وَقَدْ أَبَيْتُمْ … بِتَصْدِيقِ الَّذِي قَالَ النَّذِيرُ وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ … حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: أَدَامَ اللهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ … وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ … وَتَعْلَمُ أَيُّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ فَلَوْ كَانَ النَّخِيلُ بِهَا رِكَابًا … لَقَالُوا لَا مُقَامَ لَكُمْ فَسِيرُوا انتهى . (﴿مِنْ لِينَةٍ﴾) بكسر اللام: هي صنف من النخل، قال السهيليّ: في تخصيصها بالذكر إيماءٌ إلى أن الذي يجوز قطعه من شجر العدوّ ما لا يكون مُعَدًّا للاقتيات؛ لأنهم كانوا يقتاتون العجوة، والْبَرْنيّ دون اللينة، وفي «الجامع»: اللينة: النخلة، وقيل: الدقل، وعن الفرّاء: كل شيء من النخل سوى العجوة فهو من اللين. انتهى . وقال النوويّ ﵀: اللينة المذكورة في القرآن هي أنواع الثمر كلّها، إلا العجوة، وقيل: كرام النخل، وقيل: كلُّ النخل، وقيل: كلّ الأشجار؛ للينها، وقد ذكرنا قبل هذا أن أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعًا. انتهى . وقال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في «تفسيره»: اختُلِف في «اللينة» ما هي؟، على أقوال عشرة: الأول: - النخل كله إلا العجوة، قاله الزهري، ومالك، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والخليل، وعن ابن عباس، ومجاهد، والحسن: أنها النخل كله، ولم يستثنوا عجوة ولا غيرها، وعن ابن عباس أيضًا: أنها لون من النخل، وعن الثوري: أنها كرام النخل. وعن أبي عبيدة: أنها جميع ألوان التمر سوى العجوة والبرنيّ . وقال جعفر بن محمد: إنها العجوة خاصة. وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح ﵇ في السفينة، والعتيق: الفحل. وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شَقّ على اليهود قطعها، حكاه الماوردي. وقيل: هي ضرب من النخل يقال لتمره: اللون، تمره أجود التمر، وهو شديد الصفرة، يُرى نواه من خارجه ويغيب فيه الضرس، النخلة منها أحب إليهم من وصيف . وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. وأنشد الأخفش [من الخفيف]: قَدْ شَجَانِي الْحَمَامُ حِينَ تَغَنَّى … بِفِرَاقِ الأَحْبَابِ مِنْ فَوْقِ لِينِهْ وقيل: إن اللينة: الْفَسِيلة؛ لأنها ألين من النخلة. ومنه قول الشاعر [من الخفيف]: غَرَسُوا لِينَهَا بِمَجْرًى مَعِينٍ … ثُمَّ حَفَّوا النَّخِيلَ بِالآجَامِ وقيل: إن اللينة الأشجار كلها للينها بالحياة، قال ذو الرمة [من الطويل]: طِرَاقُ الْخَوَافِي وَاقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ … نَدَى لَيْلَهُ فِي رِيشِهَ يَتَرَقْرَقُ والقول العاشر: أنها الدَّقَلُ، قاله الاصمعيّ، قال: وأهل المدينة يقولون: لا تنتفخ الموائد حتى توجد الألوان، يعنون الدَّقَلَ. قال ابن العربيّ: والصحيح ما قاله الزهريّ، ومالك ؛ لوجهين: أحدهما: أنهما أعرف ببلدهما، وأشجارهما. الثاني: أن الاشتقاق يَعْضِده، وأهل اللغة يصححونه، فإن اللينة وزنها = البرنيّ بفتح فسكون: ضرب من التمر أحمر مشرب بصفرة كثير اللحاء، عذب الحلاوة. لُونة، واعتَلَّت على أصولهم فآلت إلى لِينة، فهي لَوْن، فإذا دخلت الهاء كسر أولها، كَبَرْك الصدر (بفتح الباء) وبِرْكه (بكسرها)؛ لأجل الهاء. وقيل: لينة أصلها لِوْنة، فقلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، وجمع اللينة لِينٌ، وقيل: ليان، قال امرؤ القيس يصف عُنُق فرسه [من المتقارب]: وَسَالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللَّيَا … نِ أَضْرَمَ فِيهَا الْغَوِيُّ السُّعُرْ وقال الأخفش: إنما سمِّيت لِينة اشتقاقًا من اللون، لا من اللين. وقال المهدويّ: واختُلف في اشتقاقها، فقيل: هي من اللون، وأصلها لونة. وقيل: أصلها لينة، من لان يلين. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . (﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾)؛ أي: لم تقطعوها (﴿قَائِمَةً﴾) منصوب على الحال (﴿عَلَى أُصُولِهَا﴾)؛ أي: على سُوقها (﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾)؛ أي: فبأمره تعالى (﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾) [الحشر: ٥])؛ أي: ليُذلّ اليهود الكفّار به تعالى، وبنبيّه - ﷺ -، وبكتابه. وقال الحافظ ابن كثير ﵀: في «تفسيره»: قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ اللين: نوع من التمر، وهو جيّد، قال أبو عبيدة: وهو ما خالف العجوة، والبرنيّ من التمر، وقال كثيرون من المفسرين: اللينة ألوان التمر، سوى العجوة، قال ابن جرير: هو جميع النخل، ونقله عن مجاهد، وهو البويرة أيضًا، وذلك أن رسول الله - ﷺ - لمّا حاصرهم أمر بقطع نخيلهم؛ إهانةً لهم، وإرهابًا، وإرعابًا لقلوبهم. فروى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، وقتادة، ومقاتل بن حيان: أنهم قالوا: فبعث بنو النضير يقولون لرسول الله - ﷺ -: إنك تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة؛ أي: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾، وما تركتم من الأشجار، فالجميع بإذنه، ومشيئته، وقدره، ورضاه، وفيه نكاية بالعدوّ، وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم. وقال مجاهد: نَهَى بعض المهاجرين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق مَن نَهَى عن قَطْعه، وتحليل من قَطَعه من الإثم، وإنما قَطْعه وتَرْكه بإذنه، وقد رُوي نحو هذا مرفوعًا، فقد أخرج النسائي بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾، قال: يستنزلونهم من حصونهم، وأمروا بقطع النخل، فحاك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضًا، وتركنا بعضًا، فلنسألن رسول الله - ﷺ -: هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزْل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. وأخرج أبو يعلى في «مسنده» عن جابر - ﵁ - قال: رُخِّص لهم في قطع النخل، ثم شُدِّد عليهم، فأتوا النبيّ - ﷺ -، فقالوا: يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا، أو علينا وزر فيما تركنا؟ فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وأخرج البخاريّ من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: حاربت النضير، وقريظة، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومَنّ عليهم، حتى حارب قريظة، فقَتَل رجالهم، وقسم نساءهم، وأولادهم، وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبيّ - ﷺ -، فآمنهم، وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهود بالمدينة ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٤٥٤٢ و٤٥٤٣ و٤٥٤٤] (١٧٤٦)، و(البخاريّ) في «الحرث والمزارعة» (٢٣٢٦) و«الجهاد» (٣٠٢١) و«المغازي» (٤٠٣١ و٤٠٣٢) و«التفسير» (٤٨٨٤)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٦١٥)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٢٩٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٨٦٠٨ و٨٦٠٩)، و(ابن ماجه) في «الجهاد» (٢٨٤٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٧ و٥٢ و٨٠ و٨٦ و١٢٣ و١٤٠)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (٢/ ٢٨٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٢٤ و٢٢٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٨٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه يدلّ على جواز قطع شجر الكفّار، وإحراقه، وبه قال عبد الرحمن بن القاسم، ونافع، مولى ابن عمر، ومالك، والثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والجمهور، وقال أبو بكر الصدّيق - ﵁ -، والليث بن سعد، وأبو ثور، والأوزاعيّ في رواية عنهم: لا يجوز . وقال القرطبيّ ﵀ في «تفسيره»: واختَلَف الناس في تخريب دار العدوّ، وتحريقها، وقَطْع ثمارها على قولين: الأول: أن ذلك جائز، قاله في «المدونة». الثاني: إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن يئسوا فعلوا، قاله مالك في «الواضحة»، وعليه يناظر أصحاب الشافعيّ. قال ابن العربيّ: والصحيح الأول، وقد عَلِم رسول الله - ﷺ - أن نخل بني النضير له، ولكنه قَطَعَ وحَرَّقَ؛ ليكون ذلك نِكاية لهم، ووَهْنًا فيهم، حتى يخرجوا عنها، وإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحةٌ جائزةٌ شرعًا، مقصودةٌ عقلًا. انتهى ، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): ما ذكر القرطبيّ عن الماورديّ قال: إن في هذه الآية دليلًا على أن كل مجتهد مصيب، وقاله إلكيا الطبريّ، قال: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبيّ - ﷺ - بين أظهرهم، ولا شك أن رسول الله - ﷺ - رأى ذلك، وسكت، فتلقّوا الحكم من تقريره فقط. قال ابن العربيّ: وهذا باطل؛ لأن رسول الله - ﷺ - كان معهم، ولا اجتهاد مع حضور رسول الله - ﷺ -، وإنما يدل على اجتهاد النبيّ - ﷺ - فيما لم ينزل عليه، أخذًا بعموم الأذيّة للكفار، ودخولًا في الإذن للكل بما يقضي عليهم بالاجتياح والبوار، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: مسألة أن كلّ مجتهد مصيب قد تقدّم البحث فيها غير مرّة، وأن الصحيح أنه إن أريد به إصابة الأجر، فهو كلام صحيح، وإن أريد به إصابة الحقّ، فهو باطل، فإن الحقّ واحد لا يتعدّد، فمن أصابه حصل له أجران، ومن أخطأه من المجتهدين عُفي عنه خطأه، وله أجر باجتهاده، فتبصّر لهذه الدقيقة، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي للمسلمين السعي فيما يُضعف شوكة الكفّار بأي وسيلة يصلون إليه، ومن ذلك تخريب دورهم، وتحريق أموالهم، ونحو ذلك، مما يزعجهم، ويورثهم القلق، ويدعوهم إلى الاستسلام للحقّ، إما بالإسلام، أو أداء الجزية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٤٣] (…) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَك، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِير، وَحَرَّقَ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ: وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ … حَرِيقٌ بالْبُويرَةِ مُسْتَطِيرُ وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ الآيةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مصعب التميميّ، أبو السَّريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وله (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. ٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) عبد الله الإمام المشهور، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ)؛ أي: من أجل البويرة؛ أي: من أجل حرقها قال حسّان بن ثابت بن المنذر بن حَرَام الأنصاريّ الْخَزْرَجيّ، أبو عبد الرحمن، أو أبو الوليد، الصحابيّ المشهور، شاعر رسول الله - ﷺ - المتوفّى سنة (٥٤) وله مائة وعشرون سنة، وستأتي ترجمته في «كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -» إن شاء الله تعالى. وقوله: (وَهَانَ) قال في «الفتح»: كذا للأكثر، وفي رواية الكشميهنيّ: «لَهَانَ» باللام بدل الواو، وسقطت اللام والواو من رواية الإسماعيليّ. وقوله: (عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ) - بفتح المهملة، وتخفيف الراء -: جمع سَرَيّ، وهو الرئيس. وقوله: (حَرِيقٌ بِالْبُويرَةِ مُسْتَطِيرُ)؛ أي: مُشتعِلٌ، وإنما قال حسان - ﵁ - ذلك؛ تعييرًا لقريش؛ لأنهم كانوا أغروهم بنقض العهد، وأمروهم به، ووعدوهم أن ينصروهم إن قصدهم النبيّ - ﷺ - . [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ ﵀ قوله: قال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث: أدَامَ اللهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ … وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ سَتْعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ … وَتَعْلَمُ أيُّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ وقوله: «فأجابه أبو سفيان بن الحارث»؛ أي: ابن عبد المطلب، وهو ابن عمّ النبيّ - ﷺ -، وكان حينئذٍ لم يسلم، وقد أسلم بعدُ في الفتح، وثبت مع النبيّ - ﷺ - بحنين، وذكر إبراهيم بن المنذر أن اسمه المغيرة، وجزم ابن قتيبة أن المغيرة أخوه، وبه جزم ابن عبد البرّ، والسهيليّ. وقوله: «ستعلم أينا منها بنزه» بنون، ثم زاي ساكنة؛ أي: بِبُعْد وزنًا ومعنًى، ويقال: بفتح النون أيضًا. وقوله: «وتعلم أيّ أرضينا» بالتثنية، وقوله: «تَضِير» بفتح المثناة، وكسر الضاد المعجمة، من الضير، وهو بمعنى الضّرّ، ويُطلَق الضير، ويراد به المضرّة. قال الحافظ ﵀: ونسبة هذه الأبيات لحسان بن ثابت، وجوابها لأبي سفيان بن الحارث هو المشهور، كما وقع في «صحيح البخاريّ»، وعند مسلم بعض ذلك، وعند شيخ شيوخنا أبي الفتح بن سيّد الناس في «عيون الأثر» له عن أبي عمرو الشيبانيّ أن الذي قال له: «وهان على سراة بني لؤيّ» هو أبو سفيان بن الحارث، وأنه إنما قال: «عَزَّ» بدل «هان»، وأن الذي أجاب بقوله: أدام الله ذلك من صنيع … البيتين هو حسان، قال: وهو أشبه من الرواية التي وقعت في البخاريّ. انتهى. قال الحافظ: ولم يذكر مستندًا للترجيح، والذي يظهر أن الذي في «الصحيح» أصحّ، وذلك أن قريشًا كانوا يظاهرون كلَّ من عادى النبيَّ - ﷺ - عليه، وَيعِدُونهم النصر، والمساعدة، فلمّا وقع لبني النضير من الخذلان ما وقع قال حسان الأبيات المذكورة، مُوَبِّخًا لقريش، وهم بنو لؤيّ، كيف خَذَلوا أصحابهم، وقد ذكر ابن إسحاق أن حسان قال ذلك في غزوة بني قريظة، وأنه إنما ذكر بني النضير استطرادًا، فمن الأبيات المذكورة: أَلَا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ … فَمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وفيها: وَقَدْ قَالَ الْكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ … أَقِيمُوا قَيْنُقَاعُ وَلَا تَسِيرُوا وأولها: تَقَاعَدَ مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشًا … وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِيرُ هُمُ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ … فَهُمْ عُمْيٌ عَنِ التَّوْرَاةِ بُورُ كَفَرْتُمْ بِالْقُرْآنِ لَقَدْ لَقِيتُمْ … بِتَصْدِيِق الَّذِي قَالَ النَّذِيرُ وفي جواب أبي سفيان بن الحارث في قوله: «وتعلم أيُّ أرضينا تَضِير» ما يُرَجِّح ما وقع في «الصحيح»؛ لأن أرض بني النضير مجاورة لأرض الأنصار، فماذا خَرِبت أضرت بما جاورها، بخلاف أرض قريش، فإنها بعيدة منها بُعْدًا شديدًا، فلا تبالي بخرابها، فكان أبو سفيان يقول: تخربت أرض بني النضير، وتخريبها إنما يَضُرّ أرض من جاورها، وأرضكم هي التي تجاورها، فهي التي تتضرر، لا أرضنا، ولا يتهيأ مثل هذا في عكسه، إلا بتكلف، وهو أن يقال: إن الْمِيرةَ كانت تُحْمَل من أرض بني النضير إلى مكة، فكانوا يرتفقون بها، فإذا خَرِبت تضرّهم بخلاف المدينة، فإنها في غُنية عن أرض بني النضير بغيرها، كخيبر ونحوها، فيتجه بعض اتجاه، لكن إذا تعارضا كان ما في «الصحيح» أصحّ. ويَحْتَمِل إن كان ما قال أبو عمرو الشيبانيّ محفوظًا أن أبا سفيان بن الحارث ضَمَّن في جوابه بيتًا من قصيدة حسان، فاهتدمه، فلما قال حسان: «وهان على سراة بني لؤيّ» اهتدمه أبو سفيان، فقال: «وعَزّ على سراة بني لؤي»، وهو عمل سائغ، وكأن من أنكر ذلك استبعد أن يدعو أبو سفيان بن الحارث على أرض الكفرة مثله بالتحريق في قوله: «أدام الله ذلك من صنيع». والجواب عنه أن اسم الكفر، وإن جَمَعهم لكن العداوة الدينية كانت قائمة بينهم، كما بين أهل الكتاب وعبدة الأوثان من التباين، وأيضًا فقوله: «وحرّق في نواحيها السعير» يريد بنواحيها المدينة، فيرجع ذلك دعاء على المسلمين أيضًا. ولكعب بن مالك في هذه القصة قصيدة على هذا الوزن والرَّوِيّ أيضًا ذكرها ابن إسحاق، أولها: لَقَدْ مُنِيَتْ بِغَدْرَتهَا الْحُبُورُ … كَذَاكَ الدَّهْرُ ذُو صَرْفٍ يَدُورُ يقول فيها: فَغُودِرَ مِنْهُمْ كَعْبٌ صَرِيعًا … فَذَلَّتْ عِنْدَ مَصْرَعِهِ النَّضِيرُ يشير إلى كعب بن الأشرف الذي قُتِل، وفيها: فَذَاقُوا غِبَّ أَمْرِهِمْ وَبَالًا … لِكُلِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ بَعِيرُ فَأُجْلُوا عَامِدِينَ بِقَيْنُقَاعٍ … وَغُودِرَ مِنْهُمْ نَخْلٌ وَدُورُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٥٤٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ السَّكُونيُّ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ).
مصادر المؤلف (١٨)

١. «المفهم» ٣/ ٥٢٨ - ٥٢٩.

٢. «الفتح» ٩/ ٨٥ - ٨٨، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٢٨).

٣. «الفتح» ٩/ ٩٠، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٢٨).

٤. وفي «سيرة ابن هشام»: «وَأَحْلَافِهَا».

٥. «الجامع لأحكام القرآن» ١٨/ ٦.

٦. «الفتح» ٩/ ٩٠ - ٩١، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٣١).

٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ٥٠.

٨. «تفسير القرطبي» ١٨/ ٩.

٩. الوصيف: الخادم غلامًا كان أو جاريةً.

١٠. وفي بعض النسخ: «بالآكام».

١١. أي: أن اللينة: هي النخل كلّه إلا العجوة.

١٢. «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ١٨ - ١٠.

١٣. راجع: «تفسير ابن كثير» ٤/ ٣٣٤.

١٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ٥٠.

١٥. «الجامع لأحكام القرآن» ١٨/ ٨.

١٦. «الجامع لأحكام القرآن» ١٨/ ٨.

١٧. «الفتح» ٩/ ٩١.

١٨. «الفتح» ٩/ ٩١ - ٩٢، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٣٢).