HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٦٣

حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ. حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ. حَدَّثَنِي سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عمر ابن الْخَطَّابِ. قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ. ح وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بن عَمَّارٍ. حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ (هُوَ سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ). حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْقِبْلَةَ. ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ (اللَّهُمَّ! أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي. اللَّهُمَّ! آتِ مَا وَعَدْتَنِي. اللَّهُمَّ! إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ) فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ. فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ. فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ. وقال: يا نبي الله! كذاك مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ. فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [٨ / الأنفال] فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ. قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ. إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ. وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ. فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا. فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ. فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ. فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فقال (صدقت. ذلك مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ) فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ. وَأَسَرُوا سَبْعِينَ. قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ. أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً. فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ. فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا تَرَى؟ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟) قُلْتُ: لا. والله! مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ. وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ. فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ. وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ (نَسِيبًا لِعُمَرَ) فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا. فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ. وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ. فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ. وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ. لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) (شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ) وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يثخن في الأرض. إلى قوله: فكوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [٨ /الأنفال - ٦٩] فَأَحَلَّ اللَّهُ الغنيمة لهم.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص156
ج ٣ ص ١٣٨٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٦٠١
(١٨) - (بَابُ الإِمْدَادِ بِالْمَلَائِكَةِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَإِبَاحَةِ الْغَنَائِمِ) [٤٥٧٨] (١٧٦٣) - (حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَك، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَني أَبُو زُمَيْلٍ - هُوَ سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْه، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَام، لَا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّه، مَادًّا يَدَيْه، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَة، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْه، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْه، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِه، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩]، فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ. قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ؛ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ، فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْه، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ؛ كَضَرْبَةِ السَّوْط، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»، فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ. قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَي، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الأُسَارَى؟»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ الله، هُمْ بَنُو الْعَمِّ، وَالْعَشِيرَة، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً، فَتَكُونُ لنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّار، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإسْلَام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ما تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟»، قُلْتُ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ الله، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا، فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ، فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ - نَسِيبًا لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْر، وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَان، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَي شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ»، شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، وَأنزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إِلَى قَوْلهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]، فَأَحَلَّ اللهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) التميميّ، أبو السّريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وله (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. ٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) عبد الله، تقدّم قبل باب. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ) اليماميّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٥ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب. ٦ - (أَبُو زُمَيْلٍ سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ) هو: سماك بن الوليد اليماميّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٣٤/ ٢٤١. ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، تقدّم قريبًا. ٨ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) - ﵁ -، تقدّم قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وتابعيّ عن تابعيّ، وأنه مسلسل بالتحديث. شرح الحديث: عَنْ عبد الله (ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) - ﵁ - (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ) برفع «يوم» على أن «كان» تامّة؛ أي: لَمّا جاء، وحضر يوم بدر، وَيَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، و«يومُ» بالرفع اسمها، وخبرها محذوف؛ أي: حاضرًا، وَيَحْتَمِل أن يكون اسمها محذوفًا؛ أي: لما كان الوقت، و«يوم» بالنصب خبرها. قال النوويّ - ﵀ -: (اعلم): أن بدرًا هو موضع الغزوة العظمى المشهورة، وهو ماء معروف، وقرية عامرة، على نحو أربع مراحل من المدينة، بينها وبين مكة، قال ابن قتيبة: بدر بئر كانت لرجل يسمى بدرًا، فسُمّيت باسمه، قال أبو اليقظان: كانت لرجل من بني غِفَار، وكانت غزوة بدر يوم الجمعة، لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، وروى الحافظ أبو القاسم بإسناده في «تاريخ دمشق»، فيه ضعفاء: أنَّها كانت يوم الاثنين، قال الحافظ: والمحفوظ أنَّها كانت يوم الجمعة، وثبت في «صحيح البخاري»: عن ابن مسعود - ﵁ - أن يوم بدر كان يومًا حارًّا. انتهى . (نَظَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْمُشْرِكينَ)؛ أي: مشركي مكة، وهم قريش، (وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا) قال القرطبيّ - ﵀ -: هذه رواية شاذّة، والمشهور بين أهل التواريخ أن جميع مَن شَهِدَ بدرًا مع مَن ضَرَبَ له رسول الله - ﷺ - بسهمه وأجره، في عدّ ابن إسحاق: ثلاثمائة وأربعة عشر، وفي عدّ موسى بن عقبة: ثلاثمائة وستة عشر. انتهى . (فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْه، فَجَعَلَ يَهْتِفُ) بفتح أوله، وكسر التاء المثناة، فوقُ بعد الهاء، ومعناه: يصيح، ويستغيث بالله بالدعاء، قاله النوويّ . وقال الفيّوميّ: هَتَفَ به هَتْفًا، من باب ضَرَبَ: صاح به، ودعاه، وهَتَفَ به هاتفٌ: سمع صوته، ولم يَرَ شَخْصَهُ، وهَتَفَت الحمامة: صَوَّتت. انتهى . وقوله: (بِرَبِّهِ) متعلِّق بـ «يهتف»، (اللَّهُمَّ أَنْجِزْ)؛ أي: عَجِّل (لِي مَا وَعَدْتَنِي)؛ أي: من النصر على أعدائي، وكأنه - ﷺ - لَمْ يتبيّن له وقت نصره، فطلب تعجيله . (اللَّهُمَّ آتِ)؛ كأعط وزنًا ومعنًى، (مَما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب، ويَحْتَمل أن يكون بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإهلاك، قال النوويّ: ضبطوه «تَهْلِك» بفتح التاء، وضمّها، فعلى الأول تُرفع «العصابةُ» على أنَّها فاعل، وعلى الثاني تُنصب، وتكون مفعولة. انتهى. (هَذِهِ الْعِصَابَةُ) بكسر العين المهملة: الجماعة، وقال القرطبيّ - ﵀ -: العصابة: الجماعة من الناس، واعصَوْصَب القوم: صاروا عصابة، وعصب القوم بفلان؛ أي: أحاطوا به، وبه سُميت قرابة الرَّجل: عصبة. انتهى . وقوله: (مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ) بيان للعصابة، وقوله: (لَا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ»)«لا»نافية، و«تعبد»بالبناء للمفعول مجزوم على أنَّه جواب«إن». قال الحافظ - ﵀ - في«الفتح»: إنما قال ذلك؛ لأنه عَلِمَ أنه خاتم النبيين، فلو هَلَك هو ومن معه حينئذ لَمْ يُبْعَث أحدٌ ممن يدعو إلى الإيمان، ولاستمرّ المشركون يعبدون غير الله، فالمعنى لا يعبد في الأرض بهذه الشريعة. انتهى . وقال القرطبيُّ - ﵀ -: وقد أشكل هذا الحديث على طوائف من العلماء، ووجه الإشكال أنه - ﷺ - أشار إلى أصحابه من أهل بدر، مع أنه قد كان انتشر الإسلام بمكة والمدينة، وكَثُر أهله في مواضع كثيرة، بحيث يكون أهل بدر بالنسبة إليهم قليلًا، وعلى تقدير هلاك هؤلاء المشار إليهم، فيبقى من كان بالمدينة من المسلمين، وبمكة، وغيرهما من المواضع التي أسلم أهلها. ولو لَمْ يكن في الوجود مسلم غير أهل بدر تقديرًا، ففي الإمكان إيجاد قوم آخرين يعبدون الله، والقدرة صالحة لذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وإذا كانت قدرة الله صالحة لهذا، فمن أين يجزم بذلك؟ ومن أين يلزم من هلاك هؤلاء عدم عبادة الله تعالى في الأرض؟. وقد رَسَخَ هذا الإشكال عند بعض المتشدِّقين، وقال: إنها بادرة بَدَرَت من رسول الله - ﷺ -، وقدَّر معاتبة له من الله له على ذلك في كلام تفاصَحَ فيه، فَعُدّ ذلك من زلَّات هذا القائل؛ إذ قد جَهِلَ من حال رسول الله - ﷺ - ما نزهه الله تعالى عنه بقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣]، وقد قال - ﷺ - حين قال له عبد الله بن عمرو - ﵄ -: أنكتب عنك في السخط والرضى؟ قال: «نعم، لا ينبغي لي أن أقول إلَّا حقًّا» . وقد انفصل أهل التحقيق عن ذلك بأوجهٍ: [أحدها]: أنه يَحْتَمِل أن يكون قال ذلك عن وحي، أوحي إليه بذلك، فمن الإشكال الجائز أن يكون: لو هلكت تلك العصابة في ذلك الوقت على يدي عدوّهم؛ أن يفتتن غيرهم، فلا يبقى على الأرض مسلم يعبد الله، ثم لا يُبعَث نبي آخر، وتنقطع العبادة. [والثاني]: أن هذا اللفظ وَهَمٌ من بعض الرُّواة في حديث عُمَر؛ وإلا فقد رُوي هذا الحديثُ من جهات متعددة من حديث أنس، وابن عباس، وليس فيها هذا اللفظ، وإنما فيها: «اللهم إنك إن تشأ لا تعبدْ في الأرض» ، وقد تقدم الكلام عليه. [وثالثها]: أن هذه العصابة ليس المراد بها الحاضرون في بدر فقط، بل المسلمون كلهم في المدينة وغيرها، وسمّاهم عصابة بالنسبة إلى كثرة عدوّهم، كما قال - ﷺ -: «عُصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض، بيت كسرى» ، فقلّلهم بالنسبة إلى عدوهم، فكأنه - ﷺ - لَمّا عَلِم أنه لا نبيَّ بعده، وقدَّر في نفسه الهلاك عليه، وعلى كلّ من آمن به، ونظر إلى سُنَّة الله في العبادة التي لا تُتلقّى إلَّا من جهة الأنبياء، لزم من ذلك نفي العبادة جزمًا، والله تعالى أعلم، وهذا أحسن الأوجه، وأولاها. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ) حال كونه (مَادًّا يَدَيْه، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَة، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ) قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا منه - ﷺ - قيامٌ بوظيفة ذلك الوقت، من الدُّعاء، والالتجاء إلى الله تعالى، وتعليم لأمته ما يلجؤون إليه عند الشدائد، والكرب الواقعة بهم، فإن ذلك الوقت كان وقت اضطرار، وشدة، وقد وعد الله المضطرّ بالإجابة، حيث قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]؛ يعني: عن المضطرّ عند الدُّعاء، فقام بعبادة ذلك الوقت، ولا يلزم من اجتهاده في الدعاء في ذلك الوقت أن يكون ارتاب في أن الله سينجز له ما وعده به، كما ظهر مما وقع لأبي بكر - ﵁ - حيث قال له: «كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك»، كما لا يلزم من دعائه في أن يدخله الله الجَنَّة، وينجيه من النار، ويغفر له ذنوبه أن يكون في شكّ من شيء من ذلك، فإن الله قد أعلمه قطعًا أنه يدخله الجَنَّة، وينجيه من النار، ويغفر له، لكنه قام بحقّ العبودية، من إظهار الفاقة، وامتثال العبادة؛ فإن الدعاء مُخّ العبادة، فقلبه - ﷺ - مستغرق بمعرفة الواعد، وإنجاز الموعود، ولسانه، وجوارحه مستغرقة بالقيام بحقّ عبادة المعبود، فقام في كلّ جارحة بوظيفتها، ولكل عبادة بحقيقتها. وسقوط ردائه - ﷺ - عن منكبيه أوجبه غَيْبة عن ظاهره بما وجده في باطنه، وردُّ أبي بكر - ﵁ - رداء رسول الله - ﷺ - على منكبيه بعد سقوطه أوجبه مراعاة أبي بكر - ﵁ - أحوال رسول الله - ﷺ - حتى تتحفظ عليه محاسن آدابه، والتزامه إيَّاه، وتثبيته له بما قاله له أوجبه فرط محبته، وشفقته، وقصرُ نظره على ظاهره، مع ذهوله بما استغرقه من ذلك عن الالتفات إلى ما ذكرناه من المعاني، والأسرار التي لاحت للنبيِّ - ﷺ - في باطنه. ولا يَظُنّ أحدٌ أن أبا بكر - ﵁ - كان في تلك الحالة أقوى من النبيِّ - ﷺ -، وأوثق بما وعده الله به من النصر، فإن ذلك ظنُّ مَن لَمْ يَعْرِف محمدًا - ﷺ - حقّ معرفته، ولا قَدَره حقّ قدره. وكيف يصير إلى غير هذا المعنى مَن سمع قوله له في الغار، ويوم سراقة: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وكيف يَظُنُّ ذلك مَن يعلم أن رسول الله - ﷺ - سيد ولد آدم، وأكملهم، وأقواهم، ولو وُزِن بجميع أمته لرجحهم، وبلا شك أن الأنبياء أفضل الناس، وأعلمهم بالله، وبحدوده، ولا شكّ في أنه - ﷺ - أفضل الأنبياء، وأجلّهم، وإذا كانت هذه حاله - ﷺ - مع الأنبياء، فحاله مع من ليس بنبيٍّ أعلى، وأكمل، وهو فيها أقوى. وكيف لا يكون - ﷺ - في هذه القصة حاله أتمّ، وأقوى من حال أبي بكر - ﵁ -؟ وقبل ذلك الوقت بيسير كان قد أخبر أصحابه بأن الله ينصره على عدوه ذلك، ذلك حتى أراهم مصارعَهُم واحدًا واحدًا باسمه وعينه، فكان الأمر كما ذُكِرَ، فثبت ما قلناه. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْه، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِه، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ كَذَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا وقع لجماهير رُواة مسلم: «كذاك» بالذال، ولبعضهم: «كفاك» بالفاء، وفي رواية البخاريّ: «حَسْبُك مناشدتك ربك»، وكلٌّ بمعنًى. وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: «كفاك مناشدتك ربك»، هكذا رواية العذريّ: «كفاك» بالفاء، ورواية الكافّة: «كذاك مناشدتك ربك»، ورواه البخاريّ: «حَسْبُك»، وكلها متقاربة، إلَّا أن «كذاك» بابُها باب الإغراء، كـ«إليك»، كما أنشدوا [من الوافر]: يَقُلْنَ وَقَدْ تَلَاحَقَتِ الْمَطَايَا … كَذَاكَ الْقَوْلَ إِنَّ عَلَيْكَ عَيْنَا قال: والرواية: «مناشدَتُك» بالرفع، على أنَّه فاعلٌ بما في «كفاك»، و«كذاك» من معنى الفعل، وقد ضُبِط عن أبي بحر بالنصب على المفعول، ويكون الفاعل مضمرًا في الأمر المقدَّر الذي ناب «كذاك» عنه. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . وقال النوويّ - ﵀ -: والمناشدة: السؤال، مأخوذة من النَّشِيد: وهو رفع الصوت. قال: وضبطوا «مناشدتك» بالرفع، والنصب، وهو الأشهر، قال القاضي: من رفعه جعله فاعلًا بـ «كفاك»، ومن نصبه فعلى المفعول بما في «حسبك»، و«كفاك»، و«كذاك» من معنى الفعل، من الكفّ، قال العلماء: هذه المناشدة إنما فعلها النبيّ - ﷺ - ليراه أصحابه بتلك الحال، فتَقْوَى قلوبهم بدعائه، وتضرعه، مع أن الدعاء عبادة، وقد كان وعده الله تعالى إحدى الطائفتين: إما الْعِير، وإما الجيش، وكانت العِير قد ذهبت، وفاتت، فكان على ثقةٌ من حصول الأخرى، لكن سأل تعجيل ذلك، وتنجيزه من غير أَذًى يلحق المسلمين. انتهى . وقال البغويُّ - ﵀ - في «شرح السُّنَّة»: ليس قول أبي بكر - ﵁ - هذا لأنَّ حاله في الثقة بربّه كان أرفع منه - ﷺ -، ولا يجوز لأحد أن يَظُنّ ذلك، وإنما المعنى فيه الشفقة منه - ﷺ - على قلوب أصحابه، والتقوية لِمُنّتهم ؛ إذ كان أول مشهد شهدوه، وكانوا مكثورين بأضعاف من أعدائهم، فابتهل - ﷺ - في الدعاء والمسألة، يُسكّن بذلك ما في نفوسهم؛ إذ كانوا يعلمون أن دعوته مستجابة، فلما قال له أبو بكر: حسبك كفّ عن الدعاء؛ إذ قد عَلِم أنه قد استجيب دعاؤه بما وجده أبو بكر في نفسه من الْمُنّة والقوّة، حتى قال هذا القول. انتهى . (فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَما وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾)؛ أي: تطلبون الغَوْثَ، وهو النصر (﴿رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾)؛ أي: أجابكم (﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾)؛ أي: مقوّيكم، ومُعِينكم، والإمداد: الإعانة، (﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾) [الأنفال: ٩])؛ أي: متتابعين، وقيل غير ذلك، قاله النوويّ - ﵀ -. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ - بفتح الدال - اسم مفعول؛ أي: أردف الله بهم المسلمين، وبكسر الدال: اسم فاعل، قال أبو علي: يحتمل وجهين: [أحدهما]: مردفين مثلهم، يقال: أردفت زيدًا دابتي، فيكون المفعول الثاني محذوفًا. [والثاني]: أن يكون المعنى: جاؤوا بعدكم، تقول العرب: بنو فلان مردفونا؛ أي: يجيئون بعدنا، ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾: وجههم وحينهم، ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ - بفتح الواو -: اسم مفعول؛ أي: معلَّمين، من السِّيما، وهي العلامة؛ أي: قد عُلّموا بعلامة، وبكسر الواو: اسم فاعل؛ أي: عَلَّموا أذناب خيلهم بصوف أبيض، وقيل: أنفسهم بعمائم صفر. انتهى . (فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَة، قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ) هو سماك بن الوليد، (فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرف الرجلين . (مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بحال مقدَّر؛ أي: حال كونه أمامه، (إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ) قال القرطبيّ - ﵀ -: ضُبط عن أبي بحر بضمّ الدال من «اقْدُم»، فيكون من القدوم، بمعنى التقدّم؛ كقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: ٩٨]؛ أي: يتقدّمهم إلى النار، وقال ابن دريد بقطع الألف، وكسر الدال، من الإقدام . وقوله: (حَيْزُومُ) قال النوويّ - ﵀ -: هو بحاء مهملة، مفتوحة، ثم مثناة تحتُ، ساكنةٍ، ثم زاي مضمومة، ثم واو، ثم ميم، قال القاضي: وقع في رواية العذريّ: «حيزون» بالنون، والصواب الأول، وهو المعروف لسائر الرواة، والمحفوظ، وهو اسم فرس الملَك، وهو منادى بحذف حرف النداء؛ أي: يا حيزوم، وأما «أقدم» فضبطوه بوجهين: أصحهما، وأشهرهما، ولم يَذكر ابن دريد، وكثيرون، أو الأكثرون غيره، أنه بهمزة قطع، مفتوحة، وبكسر الدال، من الإقدام، قالوا: وهي كلمة زجر للفرس، معلومة في كلامهم، والثاني: بضم الدال، وبهمزة وصل مضمومة، من المتقدم. انتهى . (فَنَظَرَ) ذلك الرجلُ (إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ، فَخَرَّ)؛ أي: سقط ذلك المشرك (مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْه، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أثّر فيه أثرًا؛ كالخطام، وهو الزمام، إلَّا أنه أرقّ منه، والخطم، والخرطوم: الأنف . (وَشُقَّ وَجْهُهُ) ببناء الفعل للمفعول أيضًا، (كَضَرْبَةِ السَّوْط، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ) وفي بعض النسخ: «فحدّث ذلك»، (رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ) - ﷺ - («صَدَقْتَ)؛ أي: في هذا الذي أخبرت به، من هذه القصّة، (ذَلِكَ)؛ أي: القائل: أقدم حيزوم، وقاتِل ذلك الرجل بضربه، (مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»)؛ أي: من ملائكة السماء الثالثة التي أُمِدُّوا بهم، وهذا يدلّ على أنهم كانوا أُمدّوا بملائكة من كلّ سماء، ويدلّ هذا الخبر على أنَّ الملائكة قاتلت يومئذ، وهو قول أكثر أهل العلم، قاله القرطبيُّ - ﵀ - . (فَقَتَلُوا) بالبناء للفاعل؛ أي: قتل المسلمون (يَوْمَئِذٍ)؛ أي: يوم بدر، (سَبْعِينَ) من المشركين، (وَأَسَرُوا)؛ أي: أخذوا من المشركين (سَبْعِينَ. قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ) سماك الحنفيّ (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى) بضمّ الهمزة: جمع أسير، ويُجمع أيضًا على أَسْرَي، كسُكَارَي، وسَكْرَي، (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) - ﵄ - («مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الأُسَارَى؟») «ما» استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء ترون فيهم؟. قال القرطبيُّ - ﵀ -: هذا يدلّ على أنَّه - ﷺ - ما كان أُوحي إليه في أمرهم بشيء، فاستشارهم لينظروا في ذلك بالنظر الأصلح، فاختلف نظر أبي بكر وعمر، فمال أبو بكر إلى الإبقاء طمعًا في إسلامهم، وإلى الفداء؛ ليكون ذلك قوة عليهم، ومال عمر إلى القتل محْقًا للكفر، وقصاصًا منهم، وردعًا لأهله، فمال رسول الله - ﷺ - إلى ما قال أبو بكر على مقتضى رأفته، ورحمته بالمؤمنين؛ ليتقوَّوا على عدوهم، وعلى مقتضى حرصه على إيمان من أُسر منهم. وكلٌّ من النظرين له أصول تشهد بصحته، بل نقول: إن نظر أبي بكر يشهد لصحته قضية سَرِيّة عبد الله بن جحش، وكانت قبل بدر بنحو ثلاثة أشهر، قُتِل فيها ابنُ الحضرميّ، وأُسِر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأخذوا عِيْرهم، وقَدِمُوا على رسول الله - ﷺ -، فَقِبل فداء الأسيرين، ولَمّا عَظُم على الناس قتل ابن الحضرميّ في الشهر الحرام، سألوا النبيِّ - ﷺ - عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]، وسوَّغ الله لهم الفداء، فكان ذلك دليلًا على صحة ما اختاره أبو بكر - ﵁ -، وكذلك مال إليه رسول الله - ﷺ - وهَويَه. وعند هذا يُشكل ما جاء في آخر هذا الحديث من عتب الله لنبيّه - ﷺ - بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وبقوله - ﷺ -: «لقد عُرِضَ عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة». ووجه هذا الإشكال: أن هذا الاجتهاد الذي صدر من أبي بكر - ﵁ -، ووافقه عليه رسول الله - ﷺ - إما أن يكون الله قد سوَّغه لهم أو لا، فإن كانت الأُولي، فكيف يعاقبون؟، ويُتَوعّدون على ما سُوّغ لهم؟ وإن لَمْ يكن مسوَّغًا، فكيف يُقْدِمون عليه؟ لا سيما النبيّ - ﷺ - الذي قد برأ الله نطقه عن الهوي، واجتهاده عن الخطأ؟!. ولمّا أشكل هذا اختَلَفت أجوبة العلماء عنه، فقيل فيه أقوال: [أحدهما]: أنهم أقدموا عليه لأنه أمر مَصْلَحيّ دنيويّ، والأمور المصلحية الإقدام عليها مسوّغ، ولا يُعَدّ في العتب على تركهم المصلحة الراجحة، وإن كانت دنيوية، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن هذا الاجتهاد منهم إنما كان في أمر شرعيّ حكميّ؛ لأنه يقتضي سفك دماء واستباحة أموال، وإرقاق أحرار، وهذه لا تستباح إلَّا بالشرع. وثانيهما: أن العتب الشرعيّ لا يتوجه على ترك مصلحة دنيوية، لا يتعلّق بها مقصود شرعيّ، كما لَمْ يتوجه على النبيِّ - ﷺ - عتب في قضية إبَار النخل، وإن كان عدلَ فيه عن المصلحة الدنيوية الراجحة، وهذا من نوع الأول. [الثاني]: إنهم إنما عوتبوا؛ لأنَّ قضية بدر عظيمة الموقع، والتصرف في صناديد قريش، وساداتهم وأموالهم بالقتل، والاسترقاق، والتملك، ذلك كله عظيم الموقع، فكان حقهم أن ينتظروا الوحي، ولا يستعجلوا، فلما استعجلوا، ولم ينتظروا توجّه عليهم ما توجه. وهذا أيضًا فاسد؛ لأنه لا يلزم منه أن يكونوا أقدموا على ما لا يجوز لهم شرعًا، ووافقهم على ذلك النبيِّ - ﷺ -، وكلُّ ذلك عليهم مُحال بما قدّمناه من وجوب عصمة النبيِّ - ﷺ - عن الخطأ في الشريعة، ومن ظهور الأدلة المرجحة بما قدمناه. [الثالث]: أن ذلك إنما توجه على من أراد بفعله عَرَض الدنيا، ولم يُرد الدِّين ولا الدَّار الآخرة، بدليل قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، ولم يكن النبيّ - ﷺ -، ولا أبو بكر، ولا من نحا نحوهما ممن يريد عرض الدنيا، فالوعيد، والتوبيخ والوعيد متوجهان إلى غيرهم ممن أراد ذلك، وهذا أحسنها، والله تعالى أعلم. وبكاء النبيّ - ﷺ - وأبي بكر لَمْ يكن لأنهما دخلا فيمن تُوُعِّد بالعذاب، بل شفقة على غيرهما ممن توعد بذلك؛ بدليل قوله - ﷺ -: «أبكي للذي عَرَضَ عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة»، لا سيما وقد أُوحي إليه: أنه يُقْتَل منهم عامًا قابلًا مثلهم، فبكى لذلك. وأما قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، فليس بتوبيخ، ولا ذمّ، وإنما هو من باب التنبيه على أنَّ القتل كان الأَولي، والأردع، مع أنه ما كان الله تعالى تقدَّم له في ذلك بشيء، كما قررناه، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، فقدَّم العفو على المعاتبة؛ إذ لَمْ يتقدَّم له في إذنهم بشيء، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ . (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ الله، هُمْ بَنُو الْعَمِّ، وَالْعَشِيرَةِ)؛ أي: القبائل، ولا واحد لها من لفظها، والجمع: عَشِيرات، وعشائر. (أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً) بكسر الفاء، وسكون الدال المهملة: اسم للمال الذي يُدفع عِوَضَ الأسير، وجمعها: فِدًى، وفِدْيَاتٌ، مثلُ سِدْرة، وسِدَرٍ، وسِدْرات، يقال: فداه من الأسر يَفْديه فِدًى مقصورًا، وتُفتح الفاء، وتُكْسَر: إذا استنقذته بمال، وفاديته مُفاداةً، وفِداءً، مثلُ قاتلته مُقاتلةً وقِتالًا: أطلقته، وأخذتُ فِديته، وقال المبرّد: المفاداة: أن تَدْفع رجلًا، وتأخذ رجلًا، والفِدى أن تشتريه، وقيل: هما واحد، أفاده الفيّوميّ . (فَتَكُونُ لَنَا) تلك الفديةُ (قُوَّةً عَلَى الْكُفَّار، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإسْلَام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ما تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّاب؟»، قُلْتُ: لَا)؛ أي: لا نأخذ منهم الفدية، ونطلقهم (وَاللهِ يَا رَسُولَ الله، مَا أَرَى الَّذِي رَأى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا) بتشديد الكاف، والنون، وأصله تُمكّننا بنونين: الأولى لام الكلمة، والثانية نون الضمير، أدغمت الأولى في الثانية، وهو جائز في سعة الكلام. (فَنَضْرِبَ) بالنصب عطفًا على المنصوب، (أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا)؛ أي: ابن أبي طالب (مِنْ عَقِيلٍ) بفتح العين، وكسر القاف، هو أخو عليّ، (فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفه . (نَسِيبًا لِعُمَرَ)؛ أي: قريبًا لعمر بن الخطّاب - ﵁ -، (فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْر، وَصَنَادِيدُهَا) قال النوويّ - ﵀ -: يعني أشرافها، الواحد صِنْدِيد، بكسر الصاد، والضمير في «صناديدها» يعود على أئمة الكفر، أو مكة. انتهى . (فَهَوِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) بكسر الواو من «هَوِيَ»؛ أي: أحب ذلك، واستحسنه، يقال: هَوِيَ الشيءَ، بكسر الواو، يَهْوَاهُ، بفتحها، هَوًى، والهوى: المحبة، قاله النوويّ . وأما هَوَى يَهْوِي، من باب ضرب، هُوِيًّا بضمَ الهاء، وفتحها، وهَوَاءً: فإنه بمعنى سقط، وكذا هَوَى يَهْوِي بمعنى ارتفع، من باب ضرب أيضًا، أفاده الفيّوميّ . (مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ) «ما» اسم موصول مفعول «هَوِيَ»؛ أي: أحبّ النبيّ - ﷺ - القول الذي قاله أبو بكر الصدّيق - ﷺ -، (وَلَمْ يَهْوَ) بفتح أوله، وثالثه؛ أي: لَمْ يُحِبّ، هكذا هو في بعض النسخ: «ولم يهو»، وفي كثير منها: «ولم يهوى» بالألف، وهي لغة قليلة، إثبات حرف العلّة مع الجازم، ومنه قراءة من قرأ: (إنه من يتّقي ويصبر) بإثبات الياء، ومنه قوله الشاعر: أَلَمْ تأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي … بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ (مَا قُلْتُ) هو من كلام عمر - ﵁ -، (فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ) يَحْتَمل أن تكون «من» بمعنى بعض، وَيَحْتَمل أن تكون زائدة، و«كان» فيهما تامّة، أو ناقصة، كما تقدّم توجيهه في أول الحديث. (جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ) - ﵁ - (قَاعِدَيْنِ) منصوب على الحال، (يَبْكِيَانِ) جملة حاليّة، (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أي شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟)؛ يعني: أبا بكر - ﵁ -، (فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ)؛ أي: تكلّفت البكاء (لِبُكَائِكمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ) بفتح العين، والراء مبنيًّا للفاعل؛ أي: أظهر (عَلَيَّ أَصْحَابُكَ)؛ يعني: أبا بكر، ومن مال إلى رأيه (مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ) بالبناء للمفعول، (عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ«، شَجَرَةٍ) بدل مما قبله، (قَرِيبَةٍ) بالجرِّ صفة لـ»شجرة«، (مِنْ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -) متعلِّق بقريبة، (وَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ - ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾) جمعٌ أسير، وأصل الأسر: الشدّ، والرَّبط، وقرأ أبو جعفر: ﴿أُسْارَى﴾، قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: أُسَارَى، وأهل نجد يقولون: أَسْرَى في أكثر كلامهم، وهو أصوبها في العربية؛ لأنه بمنزلة جريح، وجَرْحَى، قال الزجاج: فَعْلَى: جمعٌ لكل ما أصيب به الناس في أبدانهم، وعقولهم، يقال: هالك وهَلْكَى، ومَرِيض ومرْضى، ومن قرأ: ﴿أُسْارَى﴾ فهو جمع الجمع؛ لأنَّ جَمْع أَسِير: أسرى، وجَمْع أسرى: أُسارى، قال أبو عمرو: أُسارى في الْقِدِّ، وأَسْرَى في اليد. انتهى . (﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾)؛ أي: يُكثر القتل، والقهر في العدوّ، قال القرطبيّ: «الإثخان»: إكثار القتل، والمبالغة فيه، ومنه الثخانة في الثوب، وهي: غِلَظه، وكثرة سُداه. انتهى . (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، فَأَحَلَّ اللهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ). ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في قهر الأعداء ﴿حَكِيمٌ﴾ في عتاب الأولياء. [تنبيه]: قال أبو العبّاس القرطبيُّ - ﵀ - في «المفهم»: قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨]، فيها أربعة أقوال: [أحدها]: لولا أنه سبق في أم الكتاب: أنه سيُحِلّ لهم الغنائم والفداء، قاله ابن عباس - ﵄ -. [الثاني]: لولا ما سبق لأهل بدر من أنه لا يعذبهم؛ قاله الحسن. [الثالث]: لولا ما سبق من أنه لا يُعَذِّب من غير أن يتقدَّم بالإنذار، قاله ابن إسحاق. [الرابع]: لولا ما سبق من أنه يَغْفِر لمن عمل الخطايا ممن تاب؛ قاله الزجاج. فيتخرَّج على هذه الأقوال في الكتاب قولان: أحدهما: أنه كتاب مكتوب. والثاني: أنه قضاء مقضّى. وقد أفاد هذا الحديث: أن الإمام مخير في الأسارى بين الفداء، والقتل، والمنّ، فإنه قَتَلَ منهم، وفَدَى، ومَنَّ، وقد سوغَّ الله تعالى لهم كلَّ ذلك. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٤٥٧٨] (١٧٦٣)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٦٩٠)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٠٨١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٤/ ٣٦٥ و٣٦٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٧٩٣)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١٦٢٩٤)، و(أبو نعيم) في «الدلائل» (٤٠٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٢١) و«الدلائل» (٣/ ٥١ - ٥٢)، و(البغويّ) في «التفسير» - (٢/ ٢٣٥) - و«شرح السُّنَّة» (٣٧٧٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الدعاء والتضرّع عند ملاقاة العدوّ. ٢ - (ومنها): استحباب المبالغة في التضرّع عند الدعاء؛ والإلحاح فيه؛ لقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الآية [النمل: ٦٢]. ٣ - (ومنها): استحباب استقبال القبلة في الدعاء. ٤ - (ومنها): استحباب رفع اليدين في الدعاء. ٥ - (ومنها): أنه لا بأس برفع الصوت في الدعاء. ٦ - (ومنها): بيان ما صدق الله تعالى رسوله - ﷺ - والمؤمنين حيث وعدهم أن ينصرهم، ويمدّهم بمدد الملائكة، فظهر مصداق ذلك، حيث إن بعض الصحابة شاهد قتالهم في المعركة، فأخبر به النبيّ - ﷺ -. ٧ - (ومنها): بيان عظيم نصر الله تعالى في بدر، حيث قتلوا سبعين، وأسروا سبعين، مع قلّة عددهم، وعُددهم. ٨ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من الشفقة والعطف على أمته حيث بكى لمّا عُرض عليه عقابهم في هذه القضيّة، وهو مصداق قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٩ - (ومنها): بيان منقبة أبي بكر - ﵁ -، حيث إنه جُبل على الرأفة واللين، ولذا هَوِيَ النبيِّ - ﷺ - رأيه في الأسرى. ١٠ - (ومنها): بيان ما جُبل عليه عمر - ﵁ - من الشدّة والغلظة لأعداء الدين، ولذا جاء من الله تعالى تصويب رأيه فيهم. ١١ - (ومنها): أن فيه حبّ عمر - ﷺ - موافقة النبيّ - ﷺ -، وأبا بكر في كلّ شيء حتى في البكاء. ١٢ - (ومنها): بيان عظيم نعمة الله تعالى على هذه الأمة حيث أباح لهم في تلك الغزوة الغنائم، بعد أن كانت محرَّمة على الأنبياء الأولين، فهي من خصائصه - ﷺ -، كما قال في الحديث المتّفق عليه: «وأُحلّت لي الغنائم»، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب﴾.
مصادر المؤلف (٣٣)

١. وفي نسخة:«فحدّث ذلك».

٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ٨٤.

٣. «المفهم» ٣/ ٥٧٢.

٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ٨٤.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٣.

٦. «المفهم» ٣/ ٥٧٢.

٧. «المفهم» ٣/ ٥٧٢ - ٥٧٣.

٨. راجع: «تحفة الأحوذيّ» ٨/ ٣٧٣.

٩. حديث صحيح، رواه أحمد في «مسنده» (٢/ ٢٠٧ و٢١٥)، وأبو داود في «سننه» (٣٦٤٦).

١٠. رواه مسلم برقم (١٣١٣)، وأحمد ٣/ ١٥٢.

١١. رواه مسلم برقم (١٨٢٢).

١٢. «المفهم» ٣/ ٥٧٣ - ٥٧٤.

١٣. «المفهم» ٣/ ٥٧٤ - ٥٧٦.

١٤. «المفهم» ٣/ ٥٧٦.

١٥. «شرح النوويّ» ١٢/ ٨٥.

١٦. «الْمُنّةُ» بالضمّ: القوّة. اهـ. «القاموس».

١٧. راجع: «شرح السُّنَّة» ١٣/ ٣٨١.

١٨. «المفهم» ٣/ ٥٧٦ - ٥٧٧.

١٩. «تنبيه المعلم» ص ٣٠٦.

٢٠. «المفهم» ٣/ ٥٧٧.

٢١. «شرح النوويّ» ١٢/ ٨٥.

٢٢. «المفهم» ٣/ ٥٧٧.

٢٣. «المفهم» ٣/ ٥٧٧.

٢٤. «المفهم» ٣/ ٥٧٨ - ٥٨١.

٢٥. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٥.

٢٦. «تنبيه المعلم» ص ٣٥٦.

٢٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ٨٦.

٢٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ٨٦.

٢٩. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٣.

٣٠. راجع: «شرح النوويّ» ١٢/ ٨٦ - ٨٧.

٣١. «المفهم» ٣/ ٥٨١.

٣٢. «المفهم» ٣/ ٥٨١.

٣٣. «المفهم» ٣/ ٥٨١ - ٥٨٢.