HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٦٦

وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ (قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر؛ أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُنِيَ النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ. حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بعد ذلك. فقتل رجالهم. وقسم نسائهم وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا. وَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِي قَيْنُقَاعَ (وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ). وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ. وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص159
ج ٣ ص ١٣٨٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٦٤٧
فليبعه«؛ دليل على أنَّهم كان لهم عهد على نفوسهم، وأموالهم، لا على المقام في أرضهم، ولذلك أجلاهم منها، وهؤلاء هم يهود بني قينقاع، وبنو حارثة، ويهود المدينة المذكورون بعد هذا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله:»هم بنو قينقاع … إلخ « فيه نظر لا يخفى - كما تقدّم عن الحافظ - لأنَّ هذه القصّة قد شهدها أبو هريرة - ﵁ -، وهو ما أسلم إلَّا بعد خيبر، وهؤلاء كان إجلاؤهم قبل خيبر، فلا يصحّ أن يكونوا معنيين بهذه القصّة، اللهمّ إلَّا أن يريد أنهم من بقاياهم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن من نقض العهد من العدوّ جاز قتله وإجلاؤه من البلد، ولا خلاف فيه إذا حاربوا، أو عاونوا أهل الحرب، قال أبو عبيد: وكذلك لو تيقّن غدرًا أو غشًّا، قال الأوزاعيّ - ﵀ -: وكذلك لو اطّلع أهل الحرب على عورة المسلمين، أو آووا عيونهم، وليس هذا نقضًا عند الشافعيّ - ﵀ - ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥٨٢] (١٧٦٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ يَهُودَ بَنى النَّضِير، وَقُرَيْظَةَ، حَارَبُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَجْلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَنِي النَّضِير، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَآمنَهُمْ، وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَهُودَ الْمَدِينَة، كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ - وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ - وَيَهُودَ بَني حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش، تقدَّم قريبًا. ٦ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قبل بابين. ٧ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله - ﵄ -، تقدَّم أيضًا قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالمدنيين من موسى بن عقبة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: موسى، عن نافع، وفيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهور بشدّة اتّباعه للآثار، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَن يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ) بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة: هم قبيلة كبيرة من اليهود، (وَقُرَيْظَةَ) بصيغة التصغير، وهم إخوة بني النضير، وهم حيّان من اليهود، كانوا بالمدينة، ويقال: إنهم دخلوا في العرب مع بقائهم في أنسابهم . وقال في «الفتح»: وذكر عبد الملك بن يوسف في «كتاب الأنواء» له أنهم كانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب، نبيّ الله - ﵇ -، وهو مُحْتَمِلٌ، وأن شعيبًا كان من بني جُذَام القبيلة المشهورة، وهو بعيد جدًّا، وكان توجَّه النبيّ - ﷺ - إليهم لسبع بقين من ذي القعدة، وأنه خرج إليهم في ثلاثة آلاف، وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسًا. انتهى . (حَارَبُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) ذكر ابن إسحاق - ﵀ - في قصته أن النبيّ - ﷺ - لمّا أرسل إلى بني النضير أن اخرجوا، وأَجَّلهم عَشْرًا، وأرسل إليهم عبد الله بن أُبَيّ يثبّطهم، أرسلوا إلى النبيّ - ﷺ -: إنا لا نخرج، فاصنع ما بدا لك، فقال: «الله أكبر، حاربت يهود»، فخرج إليهم، فخذلهم ابن أُبَيّ، ولم تُعِنْهم قريظة. وروى عبد بن حميد في «تفسيره»، من طريق عكرمة: أن غزوة بني النضير كانت صبيحة قتل كعب بن الأشرف؛ يعني: الآتي ذكره . [تنبيه]: قال في «الفتح»: كان الكفار بعد الهجرة مع النبيّ - ﷺ - على ثلاثة أقسام: قسم وادعهم على أنَّ لا يحاربوه، ولا يمالئوا عليه عدوّه، وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة، والنضير، وقينقاع. وقسم حاربوه، ونصبوا له العداوة، كقريش. وقسم تاركوه، وانتظروا ما يئول إليه أمره؛ كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحبّ ظهوره في الباطن؛ كخزاعة، وبالعكس كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرًا، ومع عدوه باطنًا، وهم المنافقون. فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر، فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم، فاستوهبهم منه عبد الله بن أُبَيّ، وكانوا حلفاءه، فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات، ثم نقض العهد بنو النضير، وكان رئيسهم حُيَيّ بن أخطب، ثم نقضت قريظة. انتهى . (فَأَجْلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) قال الفيّوميّ - ﵀ -: جَلَوْتُ عن البلد جَلاءً بالفتح، والمدّ: خرجت، وأَجْلَيْتُ بالألف مثله، ويستعمل الثلاثيّ والرباعيّ متعديين أيضًا، فيقال: جَلَوْتُهُ، وأَجْلَيْتُهُ، والفاعل من الثلاثيّ جَالٍ، مثل قاضٍ، والجماعة: جَالِيَةٌ، ومنه قيل لأهل الذِّمة الذين أجلاهم عمر - ﵁ - عن جزيرة العرب: جَالِيَةٌ، ثم نُقِلت الجَالِيَةُ إلى الجزية التي أُخذَتْ منهم، ثم استُعملت في كلّ جزية تؤخذ، وإن لَمْ يكن صاحبها جَلا عن وطنه، فيقال: استُعْمِل فلانٌ على الجَالِيَة، والجمع: الجَوَالِي. انتهى . (بَنِي النَّضِيرِ)؛ أي: أخرجهم من ديارهم، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٢]، قال البخاريّ - ﵀ -: قال الزهريّ: كانت - يعني: قصّة إخراجهم - على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل وقعة أُحد، وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأُحد. قال في «الفتح»: قول الزهريّ المذكور وصله عبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر، عن الزهريّ، أتمّ من هذا، ولفظه: عن الزهريّ، وهو في حديثه عن عروة، ثم كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم، ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله - ﷺ - حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنَّ لهم ما أقلّت الإبل من الأمتعة، والأموال، لا الحلقة - يعني: السلاح - فأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ إلى قوله ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ١، ٢] وقاتلهم حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبطٍ لَمْ يُصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذّبهم في الدنيا بالقتل والسباء. انتهى . وقد ذكر ابن إسحاق - ﵀ - قصّة محاربتهم، وسبب إجلائهم، فذكر عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيره من أهل العلم، أن عامر بن الطُّفيل أعتق عمرو بن أمية لَمّا قَتَل أهل بئر معونة عن رقبة كانت على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة، فصادف رجلين من بني عامر، معهما عقد، وعهد من رسول الله - ﷺ - لَمْ يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: ممن أنتما؟ فذكرا أنهما من بني عامر، فتركهما حتى ناما، فقتلهما عمرو، وظَنّ أنه ظَفِر ببعض ثأر أصحابه، فأَخْبَر رسول الله - ﷺ - بذلك، فقال: لقد قتلت قتيلين لَأُودِيَنَّهما. انتهى. قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله - ﷺ - إلى بني النضير يستعينهم في ديتهما، فيما حدّثني يزيد بن رُومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد، وحِلْف، فلمّا أتاهم يستعينهم، قالوا: نعم، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذه الحال. قال: وكان جالسًا إلى جانب جدار لهم، فقالوا: مَن رجلٌ يعلو على هذا البيت، فيلقي هذه الصخرة عليه، فيقتله، ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فأتاه الخبر من السماء، فقام مظهرًا أنه يقضي حاجة، وقال لأصحابه: لا تبرحوا، ورجع مسرعًا إلى المدينة، واستبطأه أصحابه، فأُخبروا أنه توجه إلى المدينة، فلحقوا به، فأمر بحربهم، والمسير إليهم، فتحصّنوا، فأمر بقطع النخل والتحريق. وذكر ابن إسحاق أنه حاصرهم ست ليال، وكان ناس من المنافقين بَعَثُوا إليهم أن اثبتوا، وتمنّعوا، فإن قوتلتم قاتلنا معكم، فتربصوا، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فلم ينصروهم، فسألوا أن يُجْلَوا عن أرضهم، على أنَّ لهم ما حملت الإبل، فصولحوا على ذلك. وروى البيهقيّ في «الدلائل» من حديث محمد بن مسلمة أن رسول الله - ﷺ - بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام. قال ابن إسحاق: فاحتملوا إلى خيبر، وإلى الشام، قال: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر أنهم خَلَّوا الأموال من الخيل والمزارع، فكانت لرسول الله - ﷺ - خاصّة، قال ابن إسحاق: ولم يُسْلِم منهم إلَّا يامين بن عمير، وأبو سعيد بن وهب، فأحرزا أموالهما. وروى ابن مردويه قصة بني النضير بإسناد صحيح إلى معمر، عن الزهريّ، أخبرني عبد الله بن عبد الرَّحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ -، قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أُبَيّ وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يُهَدِّدونهم بإيوائهم النبيّ - ﷺ - وأصحابه، ويتوعدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، فَهَمّ ابن أُبَيّ ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبيّ - ﷺ -، فقال: ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن تُلْقُوا بأسكم بينكم، فلما سمعوا ذلك عرفوا الحقّ، فتفرقوا، فلما كانت وقعة بدر كتبت كفار قريش بعدها إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، يتهددونهم، فاجمع بنو النضير على الغدر، فارسلوا إلى النبيّ - ﷺ -: اخرُجْ إلينا في ثلاثة من أصحابك، ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن أَمنوا بك اتّبعناك، ففعل، فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبيّ - ﷺ - قبل أن يَصِلَ إليهم، فرجع، وصَبَّحَهم بالكتائب، فحصرهم يومه، ثم غدا علي بني قريظة، فحاصرهم، فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنَّ لهم ما أقلّت الإبل، إلَّا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يُخْرِبون بيوتهم بأيديهم، فيهدمونها، ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام، وكذا أخرجه عبد بن حميد في «تفسيره» عن عبد الرزاق، وفي ذلك ردّ على ابن التين في زعمه أنه ليس في هذه القصّة حديث بإسناد. قال الحافظ: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق، من أن سبب غزوة بني النضير طَلَبه - ﷺ - أن يُعِينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابنّ إسحاق جلُّ أهل المغازي، فالله أعلم. وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير ما ذُكِر من همَّهم بالغدر به - ﷺ -، وهو إنما وقع عندما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلي عمرو بن أمية، تعيَّن ما قال ابن إسحاق؛ لأنَّ بئر معونة كانت بعد أُحد بالاتفاق، وأغرب السهيليّ، فرجّح ما قال الزهريّ، ولولا ما ذُكر في قصة عمرو بن أمية، لأمكن أن يكون ذلك في غزوة الرجيع، والله أعلم. انتهى . (وَأقَرَّ قُرَيْظَةَ)؛ أي: تركهم في ديارهم، ولم يُخرجهم كما أخرج النضير، (وَمَنَّ عَلَيْهِمْ) بسبب أن عبد الله بن أُبَيّ استوهبهم منه - ﷺ -؛ لأنهم حلفاؤه، فوهبهم له، (حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ) ذكر ابن سعد من طريق سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال: «كان بين بني قريظة وبين النبيّ - ﷺ - عهد، فلما جاءت الأحزاب نقضوه، وظاهروهم، فلما هَزَم الله - ﷿ -، الأحزاب تحصَّنوا، فجاء جبريل، ومن معه من الملائكة، فقال: يا رسول الله انْهَضْ إلى بني قريظة، فقال: إن في أصحابي جَهْدًا، قال: انهض إليهم، فلأُضعضعنّهم، قال: فأدبر جبريل، ومن معه من الملائكة، حتى سطع الغبار في زُقاق بني غنم من الأنصار، وقوله: (بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: المنّ المذكور؛ يعني: أن إقراره - ﷺ -، ومَنّه عليهم إلى أن حاربوا، (فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ)؛ أي: فلما حاربوا رسول الله - ﷺ - حاصرهم رسول الله - ﷺ - خمسة وعشرين يومًا حتى جهدهم الحصار، وقَذَف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله - ﷺ - فقتل رجالهم (وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ)؛ أي: بعدما أخرج الخمس، فأعطى للفارس ثلاثة أسهم: سهمين للفرس، وسهمًا لفارسه، وسهمًا للراجل، وكانت الخيل ستة وثلاثين. (إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ)؛ أي: بعض بني قريظة (لَحِقُوا) بكسر الحاء المهملة، من باب تَعِبَ، (بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) عدّاه بالباء؛ لأنه يجوز أن يتعدّى به، وبنفسه، يقال: لَحِقته، ولَحِقت به أَلْحَقُ، لَحَاقًا بالفتح: أدركته، وألحقته بالألف مثله، قاله الفيّوميّ . وقوله: (فَآمَنَهُمْ) بالمدِّ؛ أي: أعطاهم الأمان، وقوله: (وَأَسْلَمُوا) من عَطْف السبب على المسبّب، فإن سبب إعطائهم الأمان هو إسلامهم، (وَأَجْلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَهُودَ الْمَدِينَة، كُلَّهُمْ)، وقوله: (بَنِي قَيْنُقَاعَ) منصوب على البدليّة من «يهود المدينة»، ونون قينقاع مثلّثة، والأشهر فيها الضمّ، (وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) - ﵁ -، وهم أول من نقض العهد من اليهود، وأول من أُخرج من المدينة كما تقدم قريبًا. وروى ابن إسحاق في «المغازي» عن أبيه، عن عبادة بن الوليد، عن عبادة بن الصامت - ﵁ -، قال: لَمّا حاربت بنو قينقاع، قام بأمرهم عبد الله بن أُبَيّ، فمشى عبادة بن الصامت، وكان له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أُبَيّ، فتبرأ عبادة منهم، قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ الآية [المائدة: ٥١ - ٥٢]، وكان عبد الله بن أُبيّ لمّا سأل النبيّ - ﷺ - أن يَمُنّ عليهم، قال: يا محمد إنهم منعوني من الأسود والأحمر، وإني امرؤ أخشى الدوائر، فوهبهم له. وذكر الواقديّ أن إجلاءهم كان في شوال سنة اثنتين - يعني: بعد بدر بشهر - ويؤيده ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن، عن ابن عباس - ﵄ - قال: لما أصاب رسول الله - ﷺ - قريشًا يوم بدر، جمع يهود في سوق بني قينقاع، فقال: يا يهود أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشًا يوم بدر، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتلتنا لعرفت أنّا الرجال، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٢، ١٣]. وأغرب الحاكم، فزعم أن إجلاء بني قينقاع، وإجلاء بني النضير، كان في زمن واحد، ولم يوافَق على ذلك؛ لأنَّ إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر، على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة، على قول ابن إسحاق، قاله في «الفتح» . وقال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله - ﷺ -، وحاربوا فيما بين بدر وأُحد، قال ابن هشام: وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة، عن أبي عون قال: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجَلَب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديًّا، وشدّت اليهود على المسلم، فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع، واستعمل رسول الله - ﷺ - على المدينة في محاصرته إياهم بشير بن عبد المنذر، وكانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلة. قال ابن إسحاق: وحدّثني أبي إسحاقُ بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: لمَّا حاربت بنو قينقاع رسول الله - ﷺ - تشبّث بأمرهم عبد الله بن أُبَيِّ ابن سَلُول، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله - ﷺ -، وكان أحد بني عوف لهم من حِلْفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبيّ، فخلعهم إلى رسول الله - ﷺ -، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله - ﷺ - من حِلْفهم، وقال: يا رسول الله أتولى الله رسوله - ﷺ - والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار، وولايتهم، قال: ففيه وفي عبد الله بن أُبَيّ نزلت هذه القصة من المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المائدة: ٥١، ٥٢]؛ أي: لعبد الله ابن أُبَيّ وقوله: «إني أخشى الدوائر»، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢، ٥٣]، ثم القصة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ [المائدة: ٥٥]، وذَكَر لتولّي عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا وتبرّئه من بني قينقاع وحِلْفهم وولايتهم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٦]. انتهى . (وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ)، وقوله: (وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ) هذا من باب التعميم بعد التخصيص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٤٥٨٢ و٤٥٨٣] (١٧٦٦)، و(البخاريّ) في «المغازي» (٤٠٢٨)، و(أبو داود) في «الخراج» (٣٠٠٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٦/ ٥٤ و١٠/ ٣٥٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٤٩)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٧٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٥٩ و٢٦٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٢٣ و٩/ ٦٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إجلاء اليهود من المدينة؛ لاعتدائهم بنقض العهود. ٢ - (ومنها): بيان شدّة عداوة اليهود للمسلمين، كما قال الله - ﷿ -: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ الآية [المائدة: ٨٢]. ٣ - (ومنها): بيان أن المعاهَد، والذميّ إذا نقض العهد صار حربيًّا، وجَرَت عليه أحكام أهل الحرب، وللإمام سبي من أراد منهم، وله المنّ على من أراد. ٤ - (ومنها): أنه إذا منّ على ناقض العهد، ثم ظهرت منه محاربة انتقض عهده، وإنما ينفع المنّ فيما مضي، لا فيما يُستقبل، فكانت قريظة في أمان، ثم حاربوا النبيّ - ﷺ -، ونقضوا العهد، وظاهروا قريشًا على قتال النبيّ - ﷺ - قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)﴾ إلى آخر الآية الأخرى [الأحزاب: ٢٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٥٨٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى، بِهَذَا الإِسْنَاد، هَذَا الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ ابْنُ جُرَيْجٍ أَكْثَرُ، وَأَتَمُّ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) الحافظ العابد الفقيه المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦١. و«موسى بن عقبة» ذُكر قبله. وقوله: (وَحَدِيثُ ابْنُ جُرَيْجٍ أَكْثَرُ، وَأَتَمُّ)؛ يعني: أن حديث ابن جريجٍ الماضي أكثر، وأتمّ من حديث حفص بن ميسرة، كما يظهر لك الفرق بينهما في التنبيه التالي. [تنبيه]: رواية حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٦٧٠٢) - حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، في المغازي، قال: أنبأ ابن وهب، قال: حدّثني حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -، أن يهود بني النضير، وقريظة، قَتَلَ رجالهم، وقسم نساؤهم،
مصادر المؤلف (١٢)

١. «المفهم» ٣/ ٥٨٨.

٢. راجع: «المفهم» ٣/ ٥٨٨.

٣. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٩.

٤. «الفتح» ٩/ ٢٠٦، كتاب «المغازي» رقم (٤١١٧).

٥. «الفتح» ٩/ ٨٩، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٢٨).

٦. «الفتح» ٩/ ٨٥ - ٨٦، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٢٨).

٧. «المصباح المنير» ١/ ١٠٦.

٨. «الفتح» ٩/ ٨٥ - ٨٦، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٢٨).

٩. «الفتح» ٩/ ٨٧ - ٨٨، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٢٨).

١٠. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٠.

١١. «الفتح» ٩/ ٨٧ - ٨٨، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٢٨).

١٢. «سيرة ابن هشام» ٣/ ٣١٦.