HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٨٠

حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ. وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. فَكَانَ يَصْنَعُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ الطَّعَامَ. فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَنَا إِلَى رَحْلِهِ. فَقُلْتُ: أَلَا أَصْنَعُ طَعَامًا فَأَدْعُوَهُمْ إِلَى رَحْلِي؟ فَأَمَرْتُ بِطَعَامٍ يُصْنَعُ. ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ مِنَ الْعَشِيِّ. فَقُلْتُ: الدَّعْوَةُ عِنْدِي الليلة. فقال: سبقتني. قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَوْتُهُمْ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ؟ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ! ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ فَقَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ. فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ. وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى. وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ. فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كَتِيبَةٍ. قَالَ: فَنَظَرَ فَرَآنِي. فَقَالَ (أَبُو هُرَيْرَةَ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ (لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ). زَادَ غَيْرُ شَيْبَانَ: فَقَالَ (اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ) قَالَ: فَأَطَافُوا بِهِ. وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا. فَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ. فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ. وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ) ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ، إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى. ثُمَّ قَالَ (حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا) قَالَ: فَانْطَلَقْنَا. فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ. وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا. قَالَ: فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ. لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. ثُمَّ قَالَ (مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ) فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَجَاءَ الْوَحْيُ. وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا. فَإِذَا جَاءَ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْوَحْيُ. فَلَمَّا انْقَضَى الْوَحْيُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ!) قَالُوا: لَبَّيْكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ (قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ). قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ. قَالَ (كَلَّا. إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ. وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ. وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ). فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ! مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ) قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ. وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ. قَالَ: وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى أقبل الْحَجَرِ. فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ. قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ. قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْسٌ. وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ. فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُهُ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ). فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ. حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ. وَرَفَعَ يَدَيْهِ. فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص170
ج ٣ ص ١٤٠٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن أبي داود, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤١٢
[٤١٩] حديث أبي هريرة ﵁، قوله: (أَوبَاشًا) ، قال أبو عبيد: ، الأَوْباش: الأخلاط من الناس، وقوله: (فَبَعَثَ الزُّبَيرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبْتَينِ) قيل: المُجَنِّبة اليمنى هي المَيْمَنة، والمُجَنِّبة اليسرى هي المَيْسَرة، قال ابن الأعرابي : أرسلوا مُجَنِّبَتين، أي: كَتيبتين أخذتا ناحتَيْ الطريق، وقوله: (وَبَعَثَ أَبَا عُبَيدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ)، الحُسَّر: جمع حاسر؛ وهو الذي لا سلاح معه. وقوله: (أُبِيحَت خَضرَاءُ قُرَيشٍ) يقال: كتيبةٌ خضراءُ: إذا عَلِيَها سواد الحديد، والعرب تسمي الأسود أخضر؛ والأخضر أسود، ومنه قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]، أي: خضراوتان من الرِّي، وفي الحديث: (ومَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كَتِيبَتِهِ الخَضرَاءِ) . وقوله: (سِيَةِ القَوْسِ) أي: طَرَفها، وقوله: (احصُدُوهُمْ حَصدًا) أي: اقتلوهم قتلًا، يقال: حَصَدتُ الزَّرع وغيرَه حصدًا، وقوله: (فَمَا اسْمِي إِذًا؟ كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) أي: إني لا أغدر؛ ولا أخالف الوَعد، (هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَإِلَيكُم، المَحيَا مَحيَاكُم، وَالمَمَاتُ مَمَاتُكُم) أي: أكون معكم حيّا وميِّتا، وقوله: (مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ) أي: إلا للضن بالله وبرسوله، أي: نفاسة، وقوله: (فَمَا أَشْرَفَ لَهُم أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ)، أي: قتلوه، وقوله: (أُبِيدَت خَضَرَاءُ قُرَيشٍ) أي: أُهْلِكت. ومن باب ذكر الحديبية
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص١٤٣
قال ابن إسحاق: فقال له رسول الله - ﷺ -: نُصِرتَ يا عمرو بن سالم، فكان ذلك ما هاج فتح مكة. وقد رَوَى البزار من طريق حماد بن سلمة، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - بعض الأبيات المذكورة في هذه القصة، وهو إسناد حسن موصول، ولكن رواه ابن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلًا، وأخرجه أيضًا من رواية أيوب، عن عكرمة مرسلًا مطوَّلًا، قال فيه: لمّا وادع رسول الله - ﷺ - أهل مكة، وكانت خزاعة في صُلحه، وبنو بكر في صلح قريش، فكان بينهم قتال، فأمدتهم قريش بسلاح وطعام، فظهروا على خزاعة، وقتلوا منهم، قال: وجاء وفد خزاعة إلى النبيّ - ﷺ -، فدعاه إلى النصر، وذكر الشعر، وأخرجه عبد الرزاق، من طريق مِقْسَم، عن ابن عباس - ﵄ - مطوّلًا، وليس فيه الشعر. وأخرجه الطبرانيّ من حديث ميمونة بنت الحارث مطوّلًا، وفيه أيضًا: أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ليلًا وهو في متوضئه: «نُصِرتَ، نُصِرت»، فسألته، فقال: «هذا راجز بني كعب يستصرخني، وزعم أن قريشًا أعانت عليهم بني بكر»، قالت: فأقمنا ثلاثًا، ثمَّ صلى الصبح بالناس، ثمَّ سمعت الراجز ينشده. وعند موسى بن عقبة في هذه القصّة: قال: ويذكرون أن ممن أعانهم من قريش: صفوان بن أمية، وشيبة بن عثمان، وسهل بن عمرو، ذكره في «الفتح» . [٤٦١٣] (١٧٨٠) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ يَصْنَعُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ الطَّعَامَ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَنَا إِلَى رَحْلِه، فَقُلْتُ: أَلَا أَصْنَعُ طَعَامًا، فَأَدْعُوَهُمْ إِلَى رَحْلِي، فَأَمَرْتُ بِطَعَامٍ يُصْنَعُ، ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ مِنَ الْعَشِيّ، فَقُلْتُ: الدَّعْوَةُ عِنْدِي اللَّيْلَةَ، فَقَالَ: سَبَقْتَنِي، قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَار، ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْن، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّر، فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي كَتِيبَةٍ، قَالَ: فَنَظَرَ، فَرَآنِي، فَقَالَ: «أَبُو هُرَيْرَةَ؟»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ: «لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ»، زَادَ غَيْرُ شَيْبَانَ، فَقَالَ: «اهْتِفْ لِي بِالأَنْصَارِ»، قَالَ: فَأَطَافُوا بِه، وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا، فَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلَاء، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ؟»، ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْه، إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: «حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا»، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا، قَالَ: فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْم، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِه، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِه، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَجَاءَ الْوَحْيُ، وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا ، فَإِذَا جَاءَ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى يَنْقَضِيَ الْوَحْيُ، فَلَمَّا انْقَضَى الْوَحْيُ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ»، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ»، قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ، قَالَ: «كَلَّا، إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى الله، وَإِلَيْكُمْ، وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ»، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ، وَيَقُولُونَ: وَاللهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا، إِلَّا الضِّنَّ بِالله، وَبِرَسُولِه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ، وَيَعْذِرَانِكُمْ»، قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ، قَالَ: وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَر، فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْت، قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ ، كَانُوا يَعْبُدُونَهُ، قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَوْسٌ، وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْس، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُهُ فِي عَيْنِه، وَيَقُولُ: «جَاءَ الْحَقُّ، وَزَهَقَ الْبَاطِلُ»، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَا عَلَيْه، حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْت، وَرَفَعَ يَدَيْه، فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللهَ، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمَّد الأُبُليّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتمٍ: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الْقَيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١١. ٣ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) بن أسلم البصريّ المذكور في السند الماضي. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاحٍ) الأنصاريّ، أبو خالد المدنيّ، سكن البصرة، ثقةٌ [٣] قتله الأزارقة (م ٤) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٧/ ١٥٦٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنَّه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ) بفتح الراء، وتخفيف الموحّدة الأنصاريّ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (قَالَ: وَفَدَتْ) يقال: وَفَدَ إليه، وعليه، يَفِدُ وَفْدًا، ووُفُودًا، ووِفَادةً، وإفادةً: إذا قَدِمَ، وورَدَ، وأوفد عليه، وإليه، وهم: وُفُودٌ، ووَفْدٌ، وأوفادٌ، ووُفَّدٌ، قاله المجد - ﵀ - . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: وَفَدَ على القوم وَفْدًا، من باب وَعَدَ، ووُفُودًا، فهو وافد، وقد يُجْمَعُ على وُفّاد، ووُفَّدٍ، وعلى وَفْدٍ، مثلُ صاحب وصَحْبٍ، ومنه: «الحاجّ وَفْدُ الله»، وجمع الْوَفْد: أوفادٌ، ووُفُودٌ. انتهى . (وُفُودٌ) بضمّ الواو: جمع وافد، أو وَفْد، كما سبق آنفًا. (إِلَى مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان - ﵄ - المتوفّى في رجب سنة (٦٠ هـ) تقدّمت ترجمته في «الصلاة» ٨/ ٨٥٨. وفي الرواية الآتية من طريق حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح قال: «وفَدْنا إلى معاوية بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة»، (وَذَلِكَ)؛ أي: وُفودهم (فِي) شهر (رَمَضَانَ) قاله عبد الله بن رَبَاح، وقوله: (فَكَانَ) هي هنا شأنيّة؛ أي: كان الشأن والحال، (يَصْنَعُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ الطَّعَامَ) وفي الرواية التالية: «كان كلُّ رجل منَّا يصنع طعامًا يومًا لأصحابه، فكانت نوبتي»، قال القرطبيّ - ﵀ -: هذه المناوبة في الطعام كانت منهم على جهة المكارَمة، والمطايبة، والتبرك بالمؤاكلة، والمشاركة فيها، لا على جهة المعاوضة، والمشاحَّة؛ ولذلك قال أبو هريرة - ﵁ - للذي دعاه: «سبقتني»، ففيه ما كان السلف عليه من حسن التودد، والمزاورة، والمواصلة، والمكارمة. انتهى . (فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (مِمَّا يُكْثِرُ) «ما» هنا مستعملة في العاقل؛ أي: ممن يُكثر (أَنْ يَدْعُوَنَا إِلَى رَحْلِهِ) بفتح، فسكون؛ أي: مكان نزوله، قال الفيّوميّ - ﵀ -: رَحْلُ الشخص: مأواه في الحضر، ثمّ أُطلق على أمتعة المسافر؛ لأنها هناك مأواه. انتهى . (فَقُلْتُ: أَلَا) بفتح الهمزة، وتخفيف اللام: أداة عَرْض، وتحضيض، والمراد: حضّ نفسه، وحثّها على صنع الطعام لهم. (أَصْنَعُ طَعَامًا، فَأَدْعُوَهُمْ) بالنصب بـ«أن» مضمرةً بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب العرض، كما في قول الشاعر: يَا ابْنَ الْكِرَامِ أَلَا تَدْنُو فَتُبْصِرَ مَا … قَدْ حَدَّثُوكَ فَمَا رَاءِ كَمَنْ سَمِعَا وإلى هذا أَشار ابن مالك - ﵀ - في «خلاصته»، حيث قال: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (إِلَى رَحْلِي، فَأَمَرْتُ)؛ أي: الخادم، (بِطَعَامٍ يُصْنَعُ) بالبناء للمفعول في محلّ جرّ صفة لـ«طعام»، (ثُمَّ لَقِيتُ) بكسر القاف، من باب عَلِم، (أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (مِنَ الْعَشِيِّ) «من» بمعنى «في»، و«العشيّ» - بفتح العين المهملة، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الياء -: قيل: هو ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا العشيّ، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: العشيّ من الزوال إلى الصباح، وقيل: العشيّ، والعِشَاء من صلاة المغرب إلى الْعَتَمَة، وعليه قول ابن فارس: العِشاءان: المغربُ والْعَتَمةُ، قاله الفيّوميّ . (فَقُلْتُ: الدَّعْوَةُ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: «الدَّعْوة» بالفتح في الطعام، اسم من دَعَوْتُ الناسَ: إذا طلبتهم ليأكلوا عندك، يقال: نحنُ في دَعْوَة فلان، ومَدْعاته، ودُعائه بمعنًى، وقال قبل ذلك: الدِّعْوة بالكسر في النسبة، يقال: دَعَوته بابن زيد، قال الأزهريّ: الدِّعْوة بالكسر: ادّعاءُ الولد الدّعِيّ غيرَ أبيه، ثمَّ قال: قال أبو عُبيد: وهذا كلام أكثر العرب، إلا عَدِيّ الرباب، فإنهم يَعْكسون، ويَجعلون الفتح في النسب، والكسر في الطعام. انتهى باختصار . (عِنْدِي اللَّيْلَةَ) الظرفان متعلّقان بـ«الدَّعْوَة»، وفي الرواية الآتية: «فكانت نوبتي، فقلت: يا أبا هريرة اليومُ نوبتي». (فَقَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (سَبَقْتَنِي)؛ أي: إلى الدَّعْوة، فإني كنت أريدها لنفسي، قال عبد الله: (قُلْتُ: نَعَمْ) سبقتك إليها، فلتُجب دعوتي؛ للأمر بذلك في قوله - ﷺ - حين ذكر حقّ المسلم على المسلم، فقال: «حقّ المسلم على المسلم ستٌّ: إذا لَقِيْتَه فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عَطَس فحمد الله، فشَمِّته، وإذا مَرِض فعُدْه، وإذا مات فاتّبعه»، رواه مسلم. قال عبد الله: (فَدَعَوْتُهُمْ)؛ أي: دعوت أبا هريرة، ورِفقته إلى الطعام، (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَلَا) أداة عرض وتحضيض (أُعْلِمُكُمْ) - بضمّ أوله، وكسر اللام المخفّفة -، من الإعلام، ويَحْتَمِل أن يكون بتشديدها، من التعليم، (بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ)؛ أي: بعض حديث فيه شرفكم، وفضلكم، (يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ) ظاهر هذه الرواية يدلّ على أن أبا هريرة - ﵁ - بدأهم بالتحديث، من غير طَلَب منهم، لكن سيأتي ما يُعارضه في الرواية الثالثة، ولفظه: «فجاءوا إلى المنزل، ولم يُدرِك الطعام، فقلت: يا أبا هريرة لو حدّثتنا عن رسول الله - ﷺ - حتى يُدرِك الطعام، فقال: كنّا مع رسول الله - ﷺ - يوم الفتح. . .»، فإن هذا يدلّ على طلب عبد الله بن رَبَاح من أبي هريرة - ﵁ - أن يُحدّثهم. ويُجمع بينهما بأن عبد الله طلب منه أوّلًا أن يُحدّثهم، ثمَّ ذكر أبو هريرة - ﵁ - حديث فتح مكة إجابة لطلبه، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ ذَكَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: ذكر أبو هريرة - ﵁ - (فَتْحَ مَكَّةَ) قال القاضي عياض - ﵀ -: إنما اختار أبو هريرة - ﵁ - ذِكْر فتح مكة؛ لِيُعْلم من لم يحضره من أبناء الأنصار، ولذلك قال لهم: «ألا أُعْلِمُكم بحديث من حديثكم». انتهى . (فَقَالَ) أبو هريرة - ﵁ - في سوقه الحديث: (أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) من المدينة إلى مكة، (حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ) ووقع في بعض النسخ: «حين قدم مكة»، والأول أوضح. (فَبَعَثَ) - ﷺ - (الزُّبَيْرَ) بن العوّام بن خُويلد بن أسد بن عبد الْعُزَّى بن قُصيّ بن كلاب، أبا عبد الله القرشيَّ الأسديّ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، قُتل سنة (٣٦ هـ) بعد مُنصرفه من وقعة الْجَمَل. (عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ) - بضمّ الميم، وفتح الجيم، وكسر النون المشدّدة -؛ أي: على إحدى القطعتين اللتين تمشيان في جانبي الجيش، والمراد هنا: الميسرة، كما بيّنه في الرواية الثالثة بقوله: «فجعل خالد بن الوليد على المجنّبة اليُمنى، وجعل الزبير على المجنّبة اليُسرى»، وذلك أن العادة أن الجيش يُقسّم خمسة أقسام: المقدّمة، وهي القطعة التي تمشي أمام الجيش، والقلب، وهو الذي يكون في الوسط، والميمنة، وهي التي تمشي في جانب يمين الجيش، والميسرة، وهي التي تمشي في جانب يساره، والساقة، وهي التي تمشي خلف الجيش، والله تعالى أعلم. (وَبَعَثَ خَالِدًا)؛ أي: ابن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن المخزوم، سيف الله، أبو سليمان، من كبار الصحابة - ﵃ -، أسلم بين الحديبية والفتح، ومات - ﵁ - سنة (١ أو ٢٢ هـ). (عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الأُخْرَى) هي اليمين، كما أسلفته آنفًا، (وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ) بن الْجَرّاح، واسمه عامر بن عبد الله الْجَرّاح بن هلال بن أُهيب بن ضبّة بن الحارث بن فِهْر القرشيّ الفِهريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، أسلم قديمًا، وشَهِد بدرًا، مات شهيدًا بطاعون عَمَوَاس، سنة (١٨ هـ). (عَلَى الْحُسَّرِ) - بضمّ الحاء، وتشديد السين المهملتين -: جمع حاسر؛ أي: الذين لا دُرُوع عليهم، والمراد بهم هنا: الرّجّال، كما سيأتي في الرواية الثالثة بلفظ: «على البياذقة»، وهم الرّجّالة. (فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي)؛ أي: جعلوا طريقهم في بطن الوادي، وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي كَتِيبَةٍ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أنَّه - ﷺ - كائن في كتيبة من الجيش، و«الكتيبة»: بفتح، فكسر: هي الطائفة من الجيش مجتمعةً، والجمع: كتائب، والمراد بهم هنا القلب. والحاصل أنَّه كان الزبير، وخالد على المجنِّبتين، ورسول الله - ﷺ - في القلب، وكان أبو عبيدة على الرّجّالة، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (فَنَظَرَ)؛ أي: نظر النبيّ - ﷺ - إلى الصحابة - ﵃ - (فَرَآنِي، فَقَالَ: «أَبُو هُرَيْرَةَ؟»)؛ أي: أنت أبو هريرة؟ ففيه حذف أداة الاستفهام (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: أجيب نداءك إجابة بعد إجابة، وهو كناية عن شدّة عنايته بالطاعة، وتوجهه إليه بكلّيّته، (فَقَالَ) - ﷺ - («لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ») وقوله: (زَادَ غَيْرُ شَيْبَانَ) هو: ابن فرّوخ شيخ المصنّف في السند الماضي، ومفعول «زاد» قوله: (فَقَالَ. . . إلخ) فهو في محكيّ؛ لقصد لفظه. [تنبيه]: قوله: «زاد غير شيبان. . . إلخ» قال الحافظ رشيد الدين العطّار - ﵀ - في «غرر الفوائد»: وهذه الزيادة غير متّصلة في الكتاب. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: مراد الرشيد: أن قول مسلم - ﵀ -: «زاد غير شيبان» ليس متّصلًا؛ لأنه لم يذكر مسلم سماعه، من ذلك الغير، ولم يُعرف أيضًا من هو؟. لكن قد تبيّن أن الحديث متّصل من غير طريق شيبان أيضًا، فقد رواه عن سليمان بن المغيرة غيره، منهم أبو بكر بن أبي شيبة، في «مصنّفه»، وبهز بن أسد، وهاشم بن القاسم كلاهما عند أحمد في «مسنده»، وزيد بن الحباب عند البيهقيّ في «السنن الكبرى»، وعمرو بن عاصم الكلابيّ عند أبي عوانة في «مسنده»، ويحيى بن زكريّا بن أبي زائدة عند الطحاويّ في «شرح معاني الآثار»، فكلّ هؤلاء الستّة رووه عن سليمان بن المغيرة، بسنده، بلفظ: «اهتف لي بالأنصار»، ولنذكر رواية أبي بكر بن أبي شيبة، في «مصنفه»، قال: (٣٦٨٩٩) - حدّثنا أبو بكر ، قال: حدّثنا أبو أسامة، قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة، قال: حدّثنا ثابت البنانيّ، عن عبد الله بن رَبَاح، قال: وَفَدَتْ وفودٌ إلى معاوية، وفينا أبو هريرة، وذلك في رمضان، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام، قال: فكان أبو هريرة ممن يصنع لنا، فيُكْثِر، فيدعونا إلى رحله، قال: قلت: ألا أصنع لأصحابنا، فأدعُوَهم إلى رحلي، قال: فأمرت بطعام يُصْنَع، ولقيت أبا هريرة من العشيّ، فقلت: الدَّعْوَة عندي الليلةَ، قال: أسبقتني؟ قال: قلت: نعم، قال: فدعوتهم، فهم عندي، قال: قال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم، يا معشر الأنصار؟ قال: ثمَّ ذكر فتح مكة، قال: أقبل رسول الله - ﷺ - حتى دخل مكة، وبَعَثَ الزبير بن العوّام على إحدى الْمُجَنِّبتين، وبَعَث خالد بن الوليد على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الْحُسَّر، فأخذوا بطن الوادي، قال: ورسول الله - ﷺ - في كَتِيبة، قال: فناداني، قال: «يا أبا هريرة»، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «اهْتِفْ لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاريّ»، قال: فهتفت بهم، قال: فجاؤوا، حتى أطافوا به، قال: وقد وَبَّشَتْ قريشٌ أوباشًا لها، وأتباعًا، قالوا: فإن تقدَّم هؤلاء كان لهم شيء كُنّا معهم، وإن أصيبوا أَعْطَيْنا الذي سُئلنا، فقال رسول الله - ﷺ - للأنصار حين أطافوا به: «أَتَرَون إلى أوباش قريش، وأتباعهم؟» ثمَّ قال بيديه إحداهما على الأخرى: «احصُدُوهم»، ثمَّ ضرب سليمان بحرف كفه اليمنى على بطن كفه اليسرى: «احصُدوهم حَصْدًا حتى توافوا بالصفا»، فانطلقنا، فما أحدٌ منا يشاء أن يَقتل منهم أحدًا إلا قتله، وما أحد منهم يوجِّه إلينا شيئًا، فقال أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش، بعد هذا اليوم، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أغلق بابه فهو آمن»، قال: فغَلّق الناس أبوابهم، قال: فأقبل رسول الله - ﷺ - حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت، فأتى على صنم إلى جنب البيت يعبدونه، وفي يده قَوْسٌ، وهو آخذ بِسِيَةِ القوس، فجعل يَطْعُن بها في عينه، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]، حتى إذا فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلاها، حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه، وجعل يحمد الله، ويذكره، ويدعو بما شاء أن يدعو، قال: والأنصار تحته، قال: يقول الأنصار بعضها لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته، قال: قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء الوحي، لم يَخْفَ علينا، فليس أحد من الناس يرفع طَرَفه إلى رسول الله - ﷺ - حتى يَقْضِي، فلما قضي الوحيُ، قال رسول الله - ﷺ -: «يا معشر الأنصار»، قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته؟ قالوا: قد قلنا ذلك يا رسول الله، قال: «فما اسمي إذًا؟ كلّا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله، وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم»، قال: فأقبلوا إليه يبكون، يقولون: والله يا رسول الله ما قلنا الذي قلنا، إلا للضِّنِّ بالله ورسوله، قال: «فإن الله ورسوله يَعْذِرانكم، ويُصَدِّقانكم». انتهى . والحاصل أن هذه الزيادة - أعني قوله: «اهتف لي بالأنصار» ثابتة صحيحة، ولعلّ المصنّف - ﵀ - لاعتماده على صحتها، حيث رآها من رواية هؤلاء الستّة، أوردها خلال الحديث، ولم يُفصح بمن زادها؛ لكثرتهم، والله تعالى أعلم. (اهْتِفْ) بوصل الهمزة، وكسر التاء، (لِي بِالأَنْصَارِ»)؛ أي: ادعُهم إليّ، يقال: هَتَفَ به هَتْفًا، من باب ضَرَبَ: صاح به، ودعاه، وهَتَفَ به هاتفٌ: سَمِع صوتَهُ، ولم يَرَ شَخْصَهُ، وهَتَفَت الحمامةُ: صَوَّتَت، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . وقال المنذريّ في«تلخيص أبي داود»: الْهَتْفُ: الصوتُ، وهَتَفَ به؛ أي: صاح به، وهذا ثقةٌ منه - ﷺ - بالأنصار، واستنابة إليهم، وتقريبٌ لهم لمّا قرُب من قومه ودارهم، وقد كان معه هناك المهاجرون أيضًا، يُحيطون به. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: إنما خصّ الأنصار؛ لثقته بهم، ورفعًا لمراتبهم، وإظهارًا لجلالتهم، وخصوصيّتهم. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: ونداؤه - ﷺ - للأنصار خاصة، إما لأنَّ المهاجرين كانوا حضورًا معه، فلم يحتج إلى ندائهم، وإما ليُظْهِر لهم شدّة اعتنائه بهم، وتعويله عليهم، قال: ويظهر لي أن اختصاصه بالأنصار في هذا الموضع، وقولَهُ: «لا يأتيني إلا أنصاريٌّ»، كما جاء في الرواية الأخرى، إنما كان لأنه وصَّاهم بقتل مَن تَعَرَّض لهم من قريش؛ إذ لا قرابة، ولا رَحِمَ بينهم، فلا موجب للعطف عليهم، بخلاف المهاجرين؛ فإن بينهم قرابات، وأرحامًا، فلا جَرَم لمّا سمعت الأنصار أمْره مَضَوْا لذلك، فلم يتعرض لهم أحد إلا أناموه؛ أي: قتلوه، فصيّروه كالنائم، والله تعالى أعلم. انتهى . (قَالَ) أبو هريرة: (فَأَطَافُوا بِهِ)؛ أي: أحاط الأنصار بالنبيّ - ﷺ -، وقال القاضي عياض - ﵀ -: قوله: «لا يأتيني إلا أنصاريّ» ثقة منه بهم، وليستمع إليهم، وتقريبًا لهم لمّا قرُب من داره وقومه، وقد كان معه المهاجرون أيضًا يحيطون به، كما كان في كتيبته، وإنما أراد: لا يأتيني مَا قابل العرب النافرين معه - والله أعلم - غير الأنصار، وهذا يجمع بين ما جاء في «صحيح البخاريّ» من أن كتيبة الأنصار كانت مع سعد بن عبادة، وأن كتيبة المهاجرين مع الزبير، فيهم رسول الله - ﷺ -، وبعض ما جاء في «السَّيَر» أن النبيّ - ﷺ - كان في كتيبة من المهاجرين والأنصار، فيدلّ ما في «صحيح مسلم» أنَّه دعا الأنصار، فجمعهم بعد افتراقهم، وأنه فرّقهم بعد هذا الاجتماع بذي طوى على ما جاء في «السِّيَر»، فوجّه بعضهم من أسفلها، وبعضهم من أعلاها، والله تعالى أعلم . (وَوَبَّشَتْ) بتشديد الباء الموحّدة؛ أي: جمعت (قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا)؛ أي: جموعًا من قبائل شتّى، ويقال: هم أوباش، وأوشاب بمعنى واحد، ذكره عياض - ﵀ - ، وقال المجد: الْوَبَشُ بالتحريك: واحد الأوباش، وهم الأخلاط، والسَّفِلَةُ. انتهى . (وَأَتْبَاعًا، فَقَالُوا)؛ أي: قالت قريشٌ فيما بينهم، (نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ) الأوباش والأتباع إلى المسلمين؛ ليقاتلوهم (فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ) من النصر والغلبة (كُنَّا مَعَهُمْ)؛ أي: ننضمّ إليهم، ونقاتل المسلمين معهم، (وَإِنْ أُصِيبُوا)؛ أي: أصابهم المسلمون، وانتصروا عليهم (أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: انقدنا، وخضعنا للمسلمين، وأعطيناهم ما طلبوا منّا، من مال أو غيره. وحاصل المعنى: أنهم قالوا: إن ثبت هؤلاء الأوباش، والأتباع على قتال المسلمين، وقرُب انتصارهم عليهم لَحِقْنا بهم، وقاتلنا معهم حتى يضاف النصر والغلبة إلينا، وإن انهزم هؤلاء أعطينا المسلمين ما يريدون منّا من الاستسلام، أو الجزية، أو الفدية، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) للأنصار («تَرَوْنَ) بتقدير أداة الاستفهام؛ أي: أترون (إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ؟»، ثُمَّ قَالَ)؛ أي: أشار - ﷺ -، ففيه إطلاق القول على الفعل، (بِيَدَيْهِ) الشريفتين، وقوله: (إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن إحدى يدي النبيّ - ﷺ - موضوعة فوق الأخرى، والموضوعة هي اليمنى، والموضوعة عليها هي اليسرى، وهذا كناية قتلهم، وذبحهم، وقد أوضح ذلك في الرواية الثالثة حيث قال: «فقال: يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟، قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتموهم غدًا أن تحصدوهم حَصْدًا، وأحفى بيده ، ووضع يمينه على شماله». (ثُمَّ) بعد أن أشار إليهم بقتلهم، وإبادتهم (قَالَ) - ﷺ - («حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا»)؛ أي: استمرّوا على ما ذكرت لكم حتى تلقوني على جبل الصفا، وفي الرواية الأخرى: «موعدكم الصفا»، قال القرطبيّ - ﵀ -: ظاهره أن خطابه للأنصار، فكأنه - ﷺ - سلك الطريق الأعلى من مكة، وسلكت الأنصار من أسفلها، حتى اجتمعوا عند الصفا. و«الموعد» هنا: موضع الوعد، وقد يأتي كذلك في الزمان؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١]، ويأتي كذلك للمصدر، وهو في كل ذلك مكسور العين. انتهى . (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ -: (فَانْطَلَقْنَا، فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا)؛ أي: من المسلمين، (أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا)؛ أي: من الأوباش والأتباع، (إِلَّا قَتَلَهُ) وفي الرواية الآتية: «فما أشرف أحد إلا أناموه»؛ أي: قتلوه، وأسقطوه على الأرض، (وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا)؛ أي: من السلاح ونحوه، وذلك لشدّة رعبهم، وخوفهم، والمراد: أنهم لا يقدرون على الدفاع عن أنفسهم؛ لِمَا ذُكر. (قَالَ) أبو هريرة: (فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حرب، وكان قد أسلم قبل ذلك بقليل، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ)؛ أي: أُبيح قتلها، وفي الرواية الآتية: «أُبيدت خضراء قريش»؛ أي: أُهلكت، وأُفنيت، قال النوويّ - ﵀ -: كذا في هذه الرواية: «أُبيحت»، وفي التي بعدها: «أُبيّدت»، وهما متقاربان؛ أي: استُؤصِلت قريش بالقتل، وأُفنيت، وخضراؤهم: بمعنى جماعتهم، ويُعَبَّر عن الجماعة المجتمعة بالسواد، والخضرة، ومنه: السواد الأعظم. انتهى . (لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ) لا يوجد أحد منهم إن استمرَّ فيها هذا الحال، وهذا صريح في أنهم أثخنوا فيهم بالقتل، وأكثروا، فهو يؤيّد رواية الطبرانيّ أن خالدًا قتل منهم سبعين. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «لا قريش بعد اليوم»؛ أي: لا وجود لقريش بعد هذا، وذلك لِمَا رأى من هول الأمر، والغلبة، والقهر، والاستطالة، والاستيلاء عليهم، وهذا الحديث لمالك نصّ على أن النبيّ - ﷺ - دخلها عنوة، وقهرًا، وهو الذي صار إليه جمهور العلماء، والفقهاء: مالك، وغيره، عدا الشافعيّ، فإنَّه قال: فُتِحَت صلحًا، وقد اعتَذَر عنه بعض أصحابه عنه في ذلك بأن قال: أراد الشافعيّ بقوله: إنه دخل مكة صلحًا؛ أي: فَعَلَ فيها ما يفعله مَنْ صَالَحَ، فملّكهم أنفسهم، ومالهم، وأرضيهم. قال القرطبيّ - ﵀ -: والكل متفقون على أن النبيّ - ﷺ - لَمّا دخل مكة أَمَّنَ أهلها، ولم يَغْنَمهم، وترك لهم أموالهم، وذراريهم، وأراضيهم، ولم يُجْرِ عليها حكم الغنيمة، ولا حكم الفيء، فكان ذلك أمرًا خاصًّا بمكة؛ لشرفها، وحرمتها، ولا يساويها في ذلك غيرها من البلاد بوجه من الوجوه، والله تعالى أعلم، وقد تقدم الكلام في بيع دور مكة وإجاراتها. انتهى . (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - تأليفًا لقلب أبي سفيان؛ لكونه حديث عهد بالكفر («مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»)؛ أي: لا يجوز التعرض له بالقتل ونحوه، قال النوويّ - ﵀ -: استَدَلّ به الشافعيّ، وموافقوه على أن دُور مكة مملوكة، يصح بيعها، وإجارتها؛ لأنَّ أصل الإضافة إلى الآدميين تقتضي الملك، وما سوى ذلك مجاز، وفيه تأليف لأبي سفيان، وإظهار لشرفه. انتهى . (فَقَالَتِ الأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ) مرفوع على البدليّة، (لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ) يريدون النبيّ - ﷺ -، (فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ) يريدون مكة؛ أي: رغِب في سكنى مكة بدلًا من المدينة، (وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ)؛ أي: قومه قريش، قال الفيّوميّ - ﵀ -: العَشِيرة: القبيلةُ، ولا واحد لها من لفظها، والجمع: عَشِيراتٌ، وعَشَائر. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قول الأنصار هذا ليس فيه تنقيص، ولا تصغير، وإنما هم لَمّا رأوا منه - ﷺ - ما تقتضيه خلق الكرام، وجِبِلّات الفضلاء من الرأفة على العشيرة، والميل للوطن، والحنين له، خافوا أن يؤثر المقام فيها على المقام بالمدينة، فحملهم شدة محبتهم له، وكراهة مفارقته، أو مفارقة أوطانهم، على أن قالوا هذا الكلام، وقد بيَّنوا عذرهم عن هذا حيث قالوا: «ما قلناه إلا ضنًّا برسول الله - ﷺ -»؛ أي: بخلًا، وإخباره - ﷺ - إياهم ما قالوا، معجزةٌ من معجزاته. انتهى . (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ -: (وَجَاءَ الْوَحْيُ)؛ أي: حامل الوحي، وهو الملك، وقوله: (وَكَانَ) هي شأنيّة؛ أي: الشأن والأمر (إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ) إلى رسول الله - ﷺ - (لَا يَخْفَى عَلَيْنَا)؛ أي: مجيء الوحي، وفي بعض النسخ: «وكان إذا جاء لا يخفى علينا»، والمعنى: أن الوحي إذا نزل برسول الله - ﷺ - يظهر لنا نزوله؛ لأنه كان يأخذه الرحضاء، كأنما يُغشى عليه. (فَإِذَا جَاءَ)؛ أي: إذا نزل الوحي على النبيّ - ﷺ - (فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ) بسكون الراء؛ أي: بصره للنظر (إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) من شدّة الهيبة (حَتَّى يَنْقَضِيَ الْوَحْيُ)؛ أي: ينتهي، قال: (فَلَمَّا انْقَضَى الْوَحْيُ)؛ أي: انتهى، وذهب الملك من عنده، (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ»، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ)؛ أي: طَمَعٌ (فِي قَرْيَتِهِ»)؛ أي: في سكناها، (قَالُوا)؛ أي: الأنصار (قَدْ كَانَ ذَاكَ)؛ أي: حصل هذا القول منا (قَالَ) - ﷺ - («كَلَّا)؛ أي: انزجروا من هذا القول، فـ»كلّا«هي كلمة زجر لِمَا قبلها، ويحتمل أن تكون بمعنى حقًّا، فترتبط بما بعدها. وقال النوويّ - ﵀ -: قوله:«وقالت الأنصار بعضهم لبعض إلى قوله: إن الله ورسوله يصدّقانكم، ويعذِرانكم»: معنى هذه الجملة أنهم رأوا رأفة النبيّ - ﷺ - بأهل مكة، وكفّ القتلَ عنهم، فظنُّوا أنَّه يرجع إلى سكنى مكة، والمقام فيها دائمًا، ويرحل عنهم، ويَهْجُر المدينة، فشقّ ذلك عليهم، وأوحى الله تعالى إليه - ﷺ -، فأعلمهم بذلك، فقال لهم - ﷺ -: قلتم كذا وكذا؟ قالوا: نعم، قد قلنا هذا، فهذه معجزة من معجزات النبوة، فقال:«كلا إني عبد الله ورسوله»: معنى«كلّا»هنا حَقًّا، ولها معنيان: أحدهما حقًّا، والآخر النفي. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا لـ«كلّا»معنيان: أحدهما الزجر، والرَّدْع؛ أي: انزجروا عما قلتم، والمعنى الثاني أن تكون بمعنى«ألا» الاستفتاحيّة، فقد ذكر ابن هشام في«مغنيه»: أن«كَلّا»تكون للردع والزجر، وعليه الجمهور، وزاد غيرهم معنى آخر، ثمَّ اختلفوا فيه، فقال الكسائيّ ومَنْ تابَعه: تكون بمعنى حقًّا، وقال أبو حاتم السجستانيّ، ومن تابعه: تكون بمعنى«ألا»الاستفتاحيّة، وقال النضر بن شُميل، والفرّاء: تكون حرف جواب، بمنزلة«إِيْ»، و«نعم»، وارتضى ابن هشام من هذه الأقوال قول أبي حاتم ومتابعيه، وهو كونها بمعنى«ألا»، وهو أيضًا معنى مناسب لهذا الحديث، فتأمله، والله تعالى أعلم. وقوله: (إِنِّي) بكسر الهمزة، (عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) قال النوويّ - ﵀ -: يَحْتَمِل وجهين: أحدهما: إني رسول الله حقًّا، فيأتيني الوحي، وأُخبر بالمغيَّبات، كهذه القضيّة، وشِبْهها، فَثِقُوا بما أقول لكم، وأخبركم به، في جميع الأحوال، والآخر: لا تفتتنوا بإخباري إياكم بالمغيبات، وتُطروني كما أطرت النصارى عيسى - صلوات الله عليه - فإني عبد الله، ورسوله. انتهى . (هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ)؛ أي: ابتغاء مرضاته، (وَإِلَيْكُمْ)؛ أي: إلى بلدكم أيها الأنصار، (وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ) بفتح الميم مصدر ميميّ؛ أي: الحياة حياتكم؛ يعني: أنَّه يحيا عندهم، ولا ينتقل في حياته إلى غيرهم، (وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ»)؛ يعني: أنَّه يموت في بلدهم، لا في بلد آخر، وهذا الظاهر أنَّه أوحي إليه بهذا، ويَحتَمِل أن يكون رجاء منه - ﷺ -، والأول أقرب. وقال النوويّ - ﵀ -: معنى هذا الكلام أني هاجرت إلى الله، وإلى دياركم؛ لاستيطانها، فلا أتركها، ولا أرجع عن هجرتي الواقعة لله تعالى، بل أنا ملازم لكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم؛ أي: لا أَحْيَا إلا عندكم، ولا أموت إلا عندكم، وهذا أيضًا من معجزاته - ﷺ -، فلمّا قال لهم هذا بَكَوْا، واعتذروا، وقالوا: والله ما قلنا كلامنا السابق إلا حِرْصًا عليك، وعلى مصاحبتك، ودوامك عندنا؛ لنستفيد منك، ونتبرّك بك، وتهدينا الصراط المستقيم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وهذا معنى قولهم: «ما قلنا الذي قلنا إلا الضِّنَّ بك»، هو بكسر الضاد؛ أي: شُحًّا بك أن تفارقنا، ويختصّ بك غيرنا، وكان بكاؤهم فرحًا بما قال لهم، وحياءً مما خافوا أن يكون بلغه عنهم مما يُستحيا منه. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: معنى هذه الجملة أنهم رأوا رأفة النبيّ - ﷺ - بأهل مكة، وكفّ القتل عنهم، فظنّوا أنَّه يرجع إلى سكنى مكة، والمقام فيها دائمًا، ويرحل عنهم، ويهجر المدينة، فشقّ ذلك عليهم، وأوحى الله تعالى إليه - ﷺ -، فأعلمهم بذلك، فقال لهم - ﷺ -: قلتم: كذا وكذا، قالوا: نعم قد قلنا هذا، فهذه معجزة من معجزات النبوة، فقال: «كلا إني عبد الله ورسوله». معنى «كَلَّا» هنا حقًّا، ولها معنيان: أحدهما: حقًّا، والآخر النفي. انتهى. (فَأَقْبَلُوا) بقطع الهمزة، فعل ماض من الإقبال؛ أي: فلما قال - ﷺ - لهم هذا الكلام توجّهوا (إِلَيْهِ) - ﷺ - حال كونهم (يَبْكُونَ) اعتذارًا على ما صدر منهم بظنّ خاطئ، وفي رواية النسائيّ في «الكبرى»: «قال أبو هريرة: فرأيت الشيوخ يبكون، حتى بَلّ الدموع لِحَاهم، ثمَّ قالوا: معذرةً إلى الله، ورسوله، والله ما قلنا الذي قلنا إلا ضِنًّا بالله، وبرسوله، قال:»فإن الله قد صدّقكم، ورسوله، وقَبِلَ قولكم«، وفي رواية أبي يعلى:»قالوا: يا رسول الله، ما قلنا ذلك إلا مخافةَ أن تفارقنا، قال: أنتم صادقون عند الله، وعند رسوله، فوالله ما منهم أحدٌ إلا بَلّ نحره بدموع من عينه«. (وَيَقُولُونَ: وَاللهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَاه)؛ أي قولهم: أما الرجل فأدركته رغبة. . . إلخ، (إِلَّا الضِّنَّ)؛ أي: البخل والشحّ، يقال: ضَنَّ بالشيء يَضَنُّ، من باب تَعِبَ، ضِنًّا، وضِنَّةً بالكسر، وضَنَانَةً بالفتح: بَخِلَ، فهو ضَنِينٌ، ومن باب ضَرَبَ لُغةٌ، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . فقوله:«الضِّنَّ»منصوب على أنَّه مفعول لأجله، وفي الرواية الآتية:«إلا ضِنًّا بالله ورسوله»بالتنكير، وهو الأكثر في الاستعمال، فإن المفعول لأجله إذا كان بـ«أل»فالغالب فيه جرّه بحرف الجرّ، نحو: ضربته للتأديب، ويقلّ فيه النصب، كهذا الحديث، وإلى هذا أشار ابن مالك - ﵀ - في«الخلاصة»حيث قال: يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ … أَبَانَ تَعْلِيلًا كَـ«جُدْ شُكْرًا وَدِنْ»وَهْوَ بِمَا يَعْمَلُ فِيهِ مُتَّحِدْ … وَقْتًا وَفَاعِلًا وَإِنْ شَرْطٌ فُقِدْ فَاجْرُرْهُ بِالْحَرْفِ وَلَيْسَ يَمْتَنِعْ … مَعَ الشُّرُوطِ كَـ«لِزُهْدٍ ذَا قَنِعْ»وَقَلَّ أَنْ يَصْحَبَهَا الْمُجَرَّدُ … وَالْعَكْسُ فِي مَصْحُوبِ«أَلْ»وَأَنْشَدُوا«لَا أَقْعُدُ الْجُبْنَ عَنِ الْهَيْجَاءِ … وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ»(بِاللهِ) - ﷾ - (وَبِرَسُولِهِ) - ﷺ -، والمعنى: أنَّه ما حملنا على ما قلناه إلا البخل بالله تعالى، وبرسوله - ﷺ -، حرصًا على أن يكون بلدنا بلد انطلاق الدعوة إلى الله، ومسكن رسول الله - ﷺ -، ومحلّ نزول الوحي من السماء، فيدوم لنا الفخر الموطّد، والشرف المؤبّد. (فَقَالَ) لهم (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«إِنَّ اللهَ) تعالى (وَرَسُولَهُ) - ﷺ - (يُصَدِّقَانِكُمْ) بضمّ أوله، وتشديد الدال المهملة المكسورة، من التصديق؛ أي: يريانكم صادقين فيما قلتم الآن، (وَيَعْذِرَانِكُمْ) بكسر الذال المعجمة، يقال: عَذَرْتُهُ فيما صَنَعَ عَذْرًا، من باب ضَرَبَ: رَفَعتُ عنه اللوم، فهو معذورٌ؛ أي: غير ملُومٍ، والاسم: الْعُذْرُ، وتُضمّ الذال للإتباع، وتُسكّن، والجمع: أَعْذَار، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ -: (فَأَقْبَلَ النَّاسُ) لمّا سمعوا قول رسول الله - ﷺ -: «من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن»، (إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب - ﵁ -، (وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ) لمّا سمعوا قوله - ﷺ -: «ومن أغلق بابه فهو آمن». (قَالَ) أبو هريرة: (وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) إلى الكعبة (حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ)؛ أي: الأسود، (فَاسْتَلَمَهُ)؛ أي: قبّله، قال المجد - ﵀ -: واستَلَم الحجرَ: لَمَسَهُ، إما بالقُبْلة، أو باليد، كاستلأمه. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: واستلأَمْتُ الحَجَرَ، قال ابن السِّكِّيتِ: هَمَزته العربُ، على غير قياس، والأصل: استَلَمْتُ؛ لأنه من السِّلام، وهي الحجارة، وقال ابن الأعرابيّ: الاستلام أصله مهموز، من الْمُلاءمة، وهي الاجتماعُ، وحكَى الجوهريّ القولين. انتهى . (ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ) قال النوويّ - ﵀ -: فيه الابتداء بالطواف في أول دخول مكة، سواء كان مُحْرمًا بحجّ، أو عمرة، أو غير مُحْرم، وكان النبيّ - ﷺ - دخلها في هذا اليوم، وهو يوم الفتح غير مُحْرم بإجماع المسلمين، وكان على رأسه الْمِغْفَر، والأحاديث متظاهرة على ذلك، والإجماع منعقد عليه. وأما قول القاضي عياض - ﵀ -: أجمع العلماء على تخصيص النبيّ - ﷺ - بذلك، ولم يختلفوا في أن من دخلها بعده لحرب، أو بغي أنَّه لا يحل له دخولها حلالًا، فليس كما نَقَلَ، بل مذهب الشافعيّ، وأصحابه، وآخرين أنَّه يجوز دخولها حلالًا للمحارب، بلا خلاف، وكذا لمن يخاف من ظالم لو ظهر للطواف وغيره، وأما من لا عذر له أصلًا فللشافعي - ﵀ - فيه قولان مشهوران: أصحهما أنَّه يجوز له دخولها بغير إحرام، لكن يستحب له الإحرام، والثاني لا يجوز، وقد سبقت المسألة في أول «كتاب الحج». انتهى . (قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ) - بفتحتين - هو الوثَنُ الْمُتَّخذ من الحجارة، أو الخشب، ويُروَى عن ابن عبّاس - ﵄ -، ويقال: الصنم: الْمُتَّخذ من الجواهر الْمَعدنيّة التي تذوب، والْوَثَنُ: هو المتّخذ من حجر، أو خشب، وقال ابن فارس: الصنم: ما يُتّخذ من خشب، أو نُحاس، أو فضّة، والجمع: أصنام، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . وقوله: (إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ) وفي بعض النسخ: «إلى جانب البيت»، وهو متعلّق بصفة لـ«صنم»، وكذا جملة قوله: (كَانُوا يَعْبُدُونَهُ) أو هي في موضع الحال. (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ -: (وَفِي يَدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَوْسٌ) «القوسُ» قيل: يُذكّر، ويؤنّث، وإذا صُغّرت على التأنيث قيل: قُويسةٌ، والجمع: قِسِيٌّ، بكسر القاف، وهو على القلب، والأصل على فُعُول، ويُجمع أيضًا على أقواس، وقِيَاسٍ، وهو القياسُ، مثلُ ثوب وأثواب، وثياب، وقال ابن الأنباريّ: القوسُ أُنثى، وتصغيرها قُوَيسٌ، وربّما قيل: قُويسةٌ، والجمع: أقوُسٌ، وربّما قيل: قياسٌ، قاله الفيّوميّ - ﵀ - ، والجملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله: (وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ) قال النوويّ - ﵀ -: «السِّيَةُ» بكسر السين المهملة، وتخفيف الياء المفتوحة: المُنْعَطِف من طَرَفي القوس. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: سيةُ القوس: خفيفةُ الياء، ولامها محذوفةٌ، وتُرَدُّ في النسبة، فيقال: سِيَويّ، والهاء عِوَضٌ عنها، وهو طرفها الْمُحَنِي، قال أبو عبيدة: وكان رؤبة يَهْمِزُه، والعربُ لا تَهْمِزه، ويقال لِسِيَتها العليا: يدها، ولِسِيَتها السُّفلى: رجلها. انتهى . (فَلَمَّا أَتَى) - ﷺ - (عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ)؛ أي: شرَعَ وأخذ (يَطْعُنُهُ) بضمّ العين المهملة على المشهور، ويجوز فتحها في لغة، قاله النوويّ، وقال المجد: طَعَنَه بالرُّمح، كمنعه، ونصره طعنًا: ضربه، ووخزه، فهو مطعون، وطَعِين. انتهى . (فِي عَيْنِهِ) هذا الفعل منه - ﷺ - إذلال للأصنام، ولعابديها، وإظهار لكونها لا تضرّ، ولا تنفع، ولا تدفع عن نفسها، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣] . وقوله: (وَيَقُولُ) عطفٌ على «يطعُن»، ويحتمل أن يكون في محلّ نصب على الحال بتقدير مبتدإ؛ لاقترانه بالواو، كما قال في «الخلاصة»: وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارعٍ ثَبَتْ … حَوَتْ ضَمِيرًا وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا … لَهُ الْمُضَارعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا أي: وهو يقول. («جَاءَ الْحَقُّ، وَزَهَقَ الْبَاطِلُ») وفي حديث عبد الله بن مسعود الآتي: «دخل النبيّ - ﷺ - مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون نُصُبًا، فجعل يطعنها بعُود كان في يده، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]»، قال النوويّ - ﵀ -: النُّصُبُ: الصنم، قال: وفي هذا استحباب قراءة هاتين الآيتين عند إزالة المنكر. انتهى . وقال الحافظ ابن كثير - ﵀ - في «تفسيره»: قوله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الآية [الإسراء: ٨١] تهديدٌ، ووعيد لكفار قريش، فإنَّه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مِرْية فيه، ولا قِبَل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن، والإيمان، والعلم النافع، وزهق باطلهم؛ أي: اضمَحَلّ، وهلك، فإن الباطل لا ثبات له مع الحقّ، ولا بقاء: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. انتهى . وقال الإمام ابن جرير الطبريّ - ﵀ - في «تفسيره»: اختَلَف أهل التأويل في معنى الحق الذي أمر الله نبيه - ﷺ - أن يُعْلِم المشركين أنَّه قد جاء، والباطل الذي أمره أن يُعْلِمهم أنَّه قد زَهَق، فقال بعضهم: الحق هو القرآن في هذا الموضع، والباطل هو الشيطان. وقال آخرون: بل عَنَى بالحقّ: جهاد المشركين، وبالباطل: الشرك. قال: وأَولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أمر الله ﵎ نبيه - ﷺ - أن يخبر المشركين أن الحقّ قد جاء، وهو كلُّ ما كان لله فيه رضًا وطاعةٌ، وأن الباطل قد زَهَق، يقول: وذهب كلُّ ما كان لا رضا لله فيه، ولا طاعة، مما هو له معصية، وللشيطان طاعة، وذلك أن الحق هو كل ما خالف طاعة إبليس، وأن الباطل هو كل ما وافق طاعته، ولم يخصص الله - عز ذكره - بالخبر عن بعض طاعاته، ولا ذهاب بعض معاصيه، بل عمّ الخبر عن مجيء جميع الحقّ، وذهاب جميع الباطل، وبذلك جاء القرآن، والتنزيل، وعلى ذلك قاتل رسول الله - ﷺ - أهل الشرك بالله، أعني على إقامة جميع الحقّ، وإبطال جميع الباطل. قال: وأما قوله - ﷿ -: ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ فإن معناه ذهب الباطل، من قولهم زَهَقت نفسه: إذا خرجت، وأزهقتها أنا، ومن قولهم أزهق السهمُ: إذا جاوز الغرضَ، فاستمرّ على جهته، يقال منه: زهق الباطل يَزْهَق زُهُوقًا، وأزهقه الله؛ أي: أذهبه. انتهى كلام ابن جرير - ﵀ - ، وهو تحقيق مفيدٌ، والله أعلم. (فَلَمَّا فَرَغَ) - ﷺ - (مِنْ طَوَافِهِ) بالبيت، (أَتَى الصَّفَا) الجبل بمكة، (فَعَلَا عَلَيْهِ)؛ أي: صعد فوقه، (حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْت، وَرَفَعَ يَدَيْهِ) فيه استحباب رفع اليدين عند الدعاء، (فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللهَ) تعالى على ما منّ به عليه من فتح مكة، وانتشار الإِسلام في كثير من القرى والمدن، (وَيَدْعُو) الله - ﷾ - (بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَه)؛ أي: من خَيْرَي الدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بحديث الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٤٦١٣ و٤٦١٤ و٤٦١٥] (١٧٨٠)، و(أبو داود) في «المناسك» (١٨٧٢) مختصرًا، و«الخراج والإمارة» (٣٠٢٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٨٢)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٤٢٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٤/ ٤٧١ - ٤٧٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٥٣٨)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ٣٠٠)، و(ابن حبَّان) في «صحيحه» (٤٧٦٠)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٣٢٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٨٩)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٣/ ٦٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ١١٧ - ١١٨)، و(ابن حزم) في «المحلّى» (٥/ ٢١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة مكارمة الرفقاء بعضهم بعضًا، وجواز جعل ذلك نُوَبًا بينهم، وأن هذا من باب المكارمة، لا من باب المعاوضة، قاله القاضي عياض - ﵀ - . وقال النوويّ - ﵀ -: فيه دليل على استحباب اشتراك المسافرين في الأكل، واستعمالهم مكارم الأخلاق، وليمس هذا من باب المعارضة، حتى يُشتَرط فيه المساواة في الطعام، وأن لا يأكل بعضهم أكثر من بعض، بل هو من باب المروءات، ومكارم الأخلاق، وهو بمعنى الإباحة، فيجوز، وإن تفاضَلَ الطعام، واختلفت أنواعه، ويجوز وإن أكل بعضهم أكثر من بعض، لكن يُستحبّ أن يكون شأنهم إيثار بعضهم بعضًا. انتهى . ٢ - (ومنها): أن فيه استحبابَ الاجتماع على الطعام، وجواز دعائهم إليه قبل إدراكه، واستحباب حديثهم في حال الاجتماع بما فيه بيان أحوال رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وغزواتهم، ونحوها مما تنشط النفوس لسماعه، وكذلك غيرها من الحروب، ونحوها مما لا إثم فيه، ولا يتولد منه في العادة ضرر في دين، ولا دنيا، ولا أَذًى لأحد؛ لتنقطع بذلك مدّة الانتظار، ولا يَضْجَروا، ولئلا يشتغل بعضهم مع بعض في غِيْبة، أو نحوها من الكلام المذموم . ٣ - (ومنها): أنَّه يُستحبّ إذا كان في الجماعة مشهور بالفضل، أو بالصلاح، أن يُطْلَب منه الحديث، فإن لم يطلبوا استُحِبّ له الابتداء بالحديث، كما كان النبيّ - ﷺ - يبتديهم بالتحديث من غير طلب منهم . ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصدر الأوّل من الكرم والمسابقة فيه، وبِرّ بعضهم بعضًا. ٥ - (ومنها): أن في قول أبي هريرة - ﵁ -: «سبقتني» دليلًا على أن نُوَبهم، ومكارمتهم لم تكن على المشاحّة والمنافسة. ٦ - (ومنها): أن حديث أبي هريرة - ﵁ - لهم بفتح مكة ليستفيد بذلك من لم يحضر من أبناء الأنصار، ولذلك قال لهم: «ألا أعلمكم بحديث من حديثكم». ٧ - (ومنها): أن أحسن ما يُتحدّث به عند الاجتماع في الولائم، وانتظار الطعام أمثال هذا من أخبار الحدثان، وما جرى من الحروب وغيرها؛ لنشاط النفوس لسماعه، وقطع مدّة الانتظار بذلك؛ إذ ليس في ذلك ما يُدخل إثمًا، ولا سيّما فيه للنبيّ - ﷺ - فخر، قاله القاضي عياض - ﵀ - . ٨ - (ومنها): بيان فتح مكة، وكيف دخلها النبيّ - ﷺ - فاتحًا لها. ٩ - (ومنها): معرفة النبيّ - ﷺ - بتدبير شؤون الحرب، وكيف يُفتح البلد، حيث قسّمهم أقسامًا، وجعل لكلّ قسم قائدًا خبيرًا بتدبير الأمور. ١٠ - (ومنها): بيان محبّة النبيّ - ﷺ - للأنصار، واستلطافهم، واستعطافهم حيث دخل بلده مكة، وعلم أنهم يظنون به تَرْكهم، وتَرْك بلدهم بالرجوع إلى بلده، وعشيرته، لكنه بيّن لهم بأسلوب بديع أنَّه إنما هاجر لله، فلا يتركهم، ولا يترك بلدهم محياه ومماته. ١١ - (ومنها): بيان ما كان عليه الأنصار من شدّة محبتهم للنبيّ - ﷺ -، فإنهم ما قالوا الذي قالوه إلا ضنًّا به - ﷺ -، ولذلك بكوا حين بيّن لهم أنَّه لا يتركهم محياه ومماته، ﵃ أجمعين. ١٢ - (ومنها): استحباب البَدْء بطواف البيت لمن دخل مكة، وإن لم يكن مُحْرمًا بحجّ، أو عمرة. ١٣ - (ومنها): جواز دخول مكة بلا إحرام لمن لم يُرِد أحد النسكين، وبه قال الشافعيّ، وأصحابه، وهو رواية عن أحمد، رجّحها شيخ الإِسلام ابن تيمية؛ لأنه - ﷺ - دخلها غير محرم، وكان على رأسه المغفر، والأحاديث متظاهرة على ذلك، وخالف في ذلك الحنفيّة، والمالكيّة، على تفصيل في مذهبهم، فقالوا: لا يجوز لأهل الآفاق أن يدخلوا مكة بلا إحرام، أرادوا الحج أو العمرة، أو لم يريدوا، واعتذروا عن فعل النبيّ - ﷺ - بحمله على الخصوصيّة. وما قاله الأولون هو الأرجح؛ لحديث الباب، وحَمْلُهُ على الخصوصيّة يردّه أن الخصوصيّة لا تثبت إلا بصريح النقل، ومما يُبطله أيضًا أن الصحابة الذين كانوا معه - ﷺ - لم يُحرم أحد منهم، ويؤيّده أيضًا حديث بيانه - ﷺ - المواقيت، فقد قال في آخره: «هنّ لهنّ، ولمن أتى عليهنّ ممن يريد الحجّ والعمرة»، فقد بيّن فيه أن المواقيت لمن يريد النسكين، وأما من لم يردهما، فليس عليه أن يُحرم من الميقات، بل يجوز دخوله بلا إحرام، كما فعل النبيّ - ﷺ - في عام الفتح، وقد مضى تمام البحث في هذا في «كتاب الحج»، «باب جواز دخول مكة بغير إحرام» [٨١/ ٣٣٠٩] (١٣٥٧)، فراجعه تستفد علمًا جَمًّا، وبالله تعالى التوفيق. ١٤ - (ومنها): استحباب الصعود على الصفا، وذِكْر الله - ﷿ - عليه، والدعاء بما شاء. ١٥ - (ومنها): استحباب رفع اليدين حال الدعاء، وهو من أسباب إجابته، فقد أخرج أبو داود بسند صحيح، عن سلمان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن ربكم - ﵎ - حَيِيٌّ كَرِيم، يستحي من عبده، إذا رفع يديه إليه، أن يَرُدّهما صِفْرًا». ١٦ - (ومنها): أن فيه بيان أن مكة فُتحت عنوة، لا صلحًا، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك الشافعيّ - ﵀ -، فقال: إنها فُتحت صلحًا، والأرجح قول الجمهور؛ لوضوح حجّته، وسيأتي بيان الخلاف في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - ومنه تعالى التوفيق، وعليه التكلان. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في فتح مكة: هل كان عَنْوَةً، أو صلحًا؟: قال في «الفتح»: وقد تمسَّك بهذه القصة - يعني: القصّة المذكورة في حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا - من قال: إن مكة فُتحت عَنْوَةً، وهو قول الأكثر، وعن الشافعيّ، ورواية عن أحمد: أنها فُتحت صلحًا؛ لما وقع هذا التأمين، ولإضافة الدور إلى أهلها، ولأنها لم تُقْسَم، ولأن الغانمين لم يملكوا دورها، وإلا لجاز إخراج أهل الدور منها. وحجة الأولين: ما وقع من التصريح من الأمر بالقتال، ووقوعه من خالد بن الوليد، وبتصريحه - ﷺ - بأنها أُحِلّت ساعة من نهار، ونهيه عن التأسي به في ذلك. وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تُفتح البلدة عنوة، ويُمَنّ على أهلها، ويُترك لهم دورهم، وغنائمهم؛ لأنَّ قسمة الأرض المغنومة ليست متفقًا عليها، بل الخلاف ثابت عن الصحابة - ﵃ -، فمَنْ بَعْدَهم، وقد فُتِحت أكثر البلاد عنوة، فلم تُقْسَم، وذلك في زمن عمر، وعثمان - ﵄ -، مع وجود أكثر الصحابة، وقد زادت مكة عن ذلك بأمر يُمكن أن يُدَّعَى اختصاصُها به دون بقية البلاد، وهي أنها دار النُّسُك، ومتعبَّد الخلق، وقد جعلها الله تعالى حَرَمًا، سواءٌ العاكفُ فيه والباد. وأما قول النوويّ: احتجّ الشافعيّ بالأحاديث المشهورة بأن النبيّ - ﷺ - صالحهم بِمَرِّ الظهران، قبل دخول مكة، ففيه نظر؛ لأنَّ الذي أشار إليه إن كان مراده ما وقع له من قوله - ﷺ -: «من دخل دار أبي سفيان، فهو آمنٌ»، كما تقدم، وكذا: «من دخل المسجد»، كما عند ابن إسحاق، فإن ذلك لا يُسَمَّى صلحًا إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكفّ عن القتال، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشًا لم يلتزموا ذلك؛ لأنهم استعدُّوا للحرب، كما ثبت في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند مسلم: «إن قريشًا وَبَّشَت أوباشًا لها، وأتباعًا، فقالوا: نُقدِّم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطيناه الذي سُئِلْنَا»، فقال النبيّ - ﷺ -: «أتَرَون أوباش قريش؟ ثمَّ قال بإحدى يديه على الأخرى؛ أي: احصُدُوهم حَصْدًا، حتى توافوني على الصفا، قال: فانطلقنا فما نشاء أن نقتل أحدًا إلا قتلناه». وإن كان مراده بالصلح وقوع عَقْدٍ به فهذا لم يُنْقَل، قال الحافظ - ﵀ -: ولا أظنه عَنَى إلا الاحتمال الأوّل، وفيه ما ذكرته. وتمسَّك أيضًا من قال: إنه مُبْهَم بما وقع عند ابن إسحاق في سياق قصة الفتح، فقال العباس: لَعَلِّي أجد بعض الحطّابة، أو صاحب لَبَن، أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله - ﷺ -، ليخرجوا إليه، فيستأمنوه قبل أن يدخلها عَنْوَةً، ثمَّ قال في القصة بعد قصة أبي سفيان: «من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه، فهو آمن، فتفرَّق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد». وعند موسى بن عقبة في «المغازي» - وهي أصحّ ما صُنِّف في ذلك عند الجماعة - ما نصّه: إن أبا سفيان، وحكيم بن حزام قالا: يا رسول الله كنت حقيقًا أن تجعل عُدّتك، وكيدك بهوازن، فإنهم أبعد رحمًا، وأشدّ عداوةً، فقال: «إني لأرجو أن يجمعهما الله لي: فتح مكة، وإعزاز الإِسلام بها، وهَزِيمة هوازن، وغنيمة أموالهم»، فقال أبو سفيان، وحكيم: فادع الناس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش، فكفّت أيديها أآمنون هم؟ قال: «مَن كَفّ يده، وأغلق داره، فهو آمن»، قالوا: فابعثنا نُؤَذِّن بذلك فيهم، قال: «انطلقوا، فمن دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن دخل دار حكيم، فهو آمن»، ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفلها، فلما توجها قال العباس: «يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرتدّ، فَرُدّه حتى تُريه جنود الله، قال: أفعل» فذكر القصة، وفي ذلك تصريح بعموم التأمين، فكان هذا أمانًا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة، فمن ثَمّ قال الشافعي: كانت مكة مأمونةً، ولم يكن فتحها عَنْوَة، والأمان كالصلح، وأما الذين تعرضوا للقتال، أو الذين استثنُوا من الأمان، وأَمَرَ - ﷺ - أن يُقْتَلُوا، ولو تعلقوا بأستار الكعبة، فلا يستلزم ذلك أنها فتحت عَنْوَة. ويُمكن الجمع بين حديث أبي هريرة في أمره - ﷺ - بالقتال، وبين تأمينه - ﷺ - لهم بأن يكون التأمين عُلِّق بشرط، وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما تفرقوا إلى دورهم، ورضوا بالتأمين المذكور، لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم يقبلوا ذلك، وقاتلوا خالد بن الوليد، ومن معه، فقاتلهم حتى قتلهم، وهزمهم أن تكون البلد فتحت عَنْوَة؛ لأنَّ العبرة بالأصول، لا بالأتباع، وبالأكثر، لا بالأقل، ولا خلاف مع ذلك أنَّه لم يَجر فيها قسم غنيمة، ولا سُبِيَ من أهلها ممن باشر القتال أحدٌ، وهو مما يؤيِّد قول من قال: لم يكن فتحها عَنْوَة. وعند أبي داود بإسناد حسن، عن جابر - ﵁ - أنَّه سئل: هل غَنِمتم يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا. وجنحت طائفة، منهم الماورديّ إلى أن بعضها فُتح عَنْوة؛ لِمَا وَقَع من قصة خالد بن الوليد المذكورة، وقرر ذلك الحاكم في «الإكليل». قال الحافظ - ﵀ -: والحقّ أن صورة فتحها كان عَنْوَةً، ومعاملة أهلها معاملة من دخلت بأمان. ومَنَع جمعٌ منهم السهيليّ تَرَتُّب عدم قسمتها، وجواز بيع دورها، وإجارتها على أنها فُتحت صلحًا: أما أوّلًا، فلأن الإمام مُخَيَّر في قسمة الأرض بين الغانمين، إذا انتُزِعت من الكفار، وبين إبقائها وقفًا على المسلمين، ولا يلزم من ذلك مَنْعُ بيع الدور، وإجارتها. وأما ثانيًا: فقال بعضهم: لا تدخل الأرض في حكم الأموال؛ لأنَّ من مضى كانوا إذا غلبوا على الكفار لم يغنموا الأموال، فتنزل النار، فتأكلها، وتصير الأرض عمومًا لهم، كما قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٢١]، وقال: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٣٧]. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن القول يكون فتح مكة عنوة - كما هو قول الجمهور - هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، فتأملها بالإمعان، وبالله تعالى المستعان. قال: والمسألة مشهورة، فلا نطيل بها هنا، وقد تقدم كثير من مباحث دور مكة في «باب توريث دور مكة»، من «كتاب الحج». انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره إنما هو بالنسبة لـ«صحيح البخاريّ»، وأما بالنسبة لـ«صحيح مسلم»، فقد سبق البحث المذكور أيضًا في «كتاب الحجّ» في (٧٧) - «باب نزول الحاجّ بمكة، وتوريث دورها» الحديث [٣٢٩٥] (١٣٥١)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦١٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْه، إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى: «احْصُدُوهُمْ حَصْدًا»، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ : قَالُوا: قُلْنَا ذَاكَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «فَمَا اسْمِي إِذًا؟ كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ) بن حيّان - بتحتانيّة - الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن الطُّوطيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع و(٢٥٠) (م) من أفراد المصنّف تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. و«سليمان» ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ أي: بالإسناد المذكور قبله، وهو: عن ثابت البُنانيّ، عن عبد الله بن رَبَاح، عن أبي هريرة - ﵁ -. وقوله: (وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل «زاد» ضمير بهز؛ أي: زاد بهز في روايته قوله: «ثُمَّ قَالَ» - ﷺ -. . . إلخ. وقوله: (إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى) جملة في محلّ نصب على الحال. وقوله: (احْصُدُوهُمْ حَصْدًا) بضم الصاد المهملة، وكسرها، من بابي نصر، وضرب؛ أي: استأصلوهم قتلًا. وقوله: (قُلْنَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: قولهم السابق: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته. وقوله: (فَمَا اسْمِي إِذًا)؛ أي: إذا رجعت إلى استيطان مكة، وتركتكم، وتركت بلدكم، يكون اسمي مُذَمّمًا، لا محمدًا، وأنا محمَّد، لا يمكن أن أنقض العهد، وأخالف ما دلّ عليه اسمي، وهذا ما أشار إليه حسّان بن ثابت - ﵁ - في مدحه - ﷺ - حيث قال [من الطويل]: أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ … مِنَ اللهِ مِنْ نُورٍ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ وَضَمَّ الإِلهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ … إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ وقال القاضي عياض - ﵀ -: هذا يَحْتَمِل وجهين: أحدهما: أنَّه - ﷺ - أراد: إني نبي؛ لإعلامي إياكم بما تحدّثتم به سرًّا. والثاني: لو فعلت هذا الذي خِفتم منه، وفارقتكم، ورجعتُ إلى استيطان مكة، لكنت ناقضًا لعهدكم في ملازمتكم، ولكان هذا غير مطابق لِمَا اشتُقَ منه اسمي، وهو الحمد، فإني كنت أوصف حينئذ بغير الحمد. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله - ﷺ -: «ألا فما اسمي إذًا؟» قيل: إنما قال ذلك تنبيهًا على صِدْقه لمّا ظهرت معجزته بإخباره عما غاب عنه، كما كان يقول عند ظهور الخوارق على يديه: «أشهد أني رسول الله»، وقيل: إنما قال ذلك تنبيهًا على أن صِدْق اسمه «محمَّد» عليه يمنعه من نقض العهد، وترك القيام بحقّ من له حقّ، فكأنه قال: لو فعلت ذلك لَمَا استحققت أن أسمّى محمدًا، ولا أحمد؛ إذ كلاهما مأخوذ من الحمد، ويدلّ على صحة هذا التأويل قوله: «المحيا محياكم، والممات مماتكم»: أني لا أفارقكم حياتي ولا موتي، وبكاء الأنصار إنما كان فرحًا، وصبابة برسول الله - ﷺ -. انتهى . [تنبيه]: رواية بهز، عن سليمان بن المغيرة هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده» مقرونة برواية هاشم بن القاسم، فقال: (١٠٩٦١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا بهز، وهاشم، قالا: ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، قال هاشم: قال: حدّثني ثابت البنانيّ، ثنا عبد الله بن رباح، قال: وَفَدَتَ وُفودٌ إلى معاوية، أنا فيهم، وأبو هريرة، في رمضان، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام، قال: وكان أبو هريرة يُكثر ما يدعونا، قال هاشم: يكثر أن يدعونا إلى رحله، قال: فقلت: ألا أصنع طعامًا، فأدعوَهم إلى رحلي، قال: فأمرت بطعام يُصْنَعُ، ولقيت أبا هريرة من العشاء، قال: قلت: يا أبا هريرة الدعوة عندي الليلة، قال: أسبقتني؟ قال هاشم: قلت: نعم، قال: فدعوتهم، فهم عندي، قال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم، يا معاشر الأنصار، قال: فذكر فتح مكة، قال: أقبل رسول الله - ﷺ -، فدخل مكة، قال: فبعث الزبير على إحدى الْمُجَنِّبتين، وبعث خالدًا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الْحُسّر، فأخذوا بطن الوادي، ورسول الله - ﷺ - في كتيبته، قال: وقد وَبَّشت قريش أوباشها، قال: فقالوا: نُقَدِّم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سُئِلْنا، قال: فقال أبو هريرة: فنظر، فرآني، فقال: «يا أبا هريرة»، فقلت: لبيك رسول الله، قال: فقال: «اهتف لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاريّ»، فهتفت بهم، فجاؤوا، فأطافوا برسول الله - ﷺ -، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «تَرَون إلى أوباش قريش، وأتباعهم؟ - ثمَّ قال بيديه: إحداهما على الأخرى - حصدًا، حتى توافوني بالصفا»، قال: فقال أبو هريرة: فانطلقنا، فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء، وما أحدٌ يوجه إلينا منهم شيئًا، قال: فقال أبو سفيان: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «من أغلق بابه، فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان، فهو آمن»، قال: فغلّق الناس أبوابهم، قال: فأقبل رسول الله - ﷺ - إلى الحجر، فاستلمه، ثمَّ طاف بالبيت، قال: وفي يده قوس آخِذٌ بسية القوس، قال: فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه، قال: فجعل يطعُن بها في عينه، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]، قال: ثمَّ أتى الصفا، فعلاه، حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه، فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره، ويدعوه، قال: والأنصار تحته، قال: يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يَخْفَ علينا، فليس أحد من الناس يرفع طَرْفه إلى رسول الله - ﷺ - حتى يقضي، قال هاشم: فلما قضى الوحي، رفع رأسه، ثمَّ قال: «يا معاشر الأنصار، أقلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته؟» قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله، قال: «فما اسمي إذًا، كَلَّا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله، وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم»، قال: فأقبلوا إليه يبكون، ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضِّنَّ بالله ورسوله، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «فإن الله ورسوله يُصَدِّقانكم، ويَعْذِرانكم». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦١٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ، قَالَ: وَفَدْنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصْنَعُ طَعَامًا يَوْمًا لأَصْحَابِه، فَكَانَتْ نَوْبَتِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ الْيَوْمُ نَوْبَتِي ، فَجَاءُوا إِلَى الْمَنْزِل، وَلَمْ يُدْرِكْ طَعَامُنَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لَوْ حَدَّثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى يُدْرِكَ طَعَامُنَا، فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الْفَتْح، فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَة، وَبَطْنِ الْوَادِي، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ادْعُ لِي الأَنْصَارَ»، فَدَعَوْتُهُمْ، فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَار، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصِدُوهُمْ حَصْدًا»، وَأَخْفَى بِيَدِه، وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِه، وَقَالَ: «مَوْعِدُكُمُ الصَّفَا»، قَالَ: فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ، قَالَ: وَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الصَّفَا، وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ، فَأَطَافُوا بِالصَّفَا، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ، فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ، فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ، فَهُوَ آمِنٌ»، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِه، وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ. وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِه، وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِه، أَلَا، فَمَا اسْمِي إِذًا؟ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - أَنَا مُحَمَّدٌ، عَبْدُ الله، وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى الله، وَإِلَيْكُمْ، فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ»، قَالُوا: وَاللهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِالله، وَرَسُولِه، قَالَ: «فَإِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ، وَيَعْذِرَانِكُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمَّد السَّمَرْقَنديّ الحافظ، صاحب «المسند»، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في «الحيض» ٧/ ٧٢٣. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَكَانَتْ نَوْبَتِي) «كان» هنا تامّة، بمعنى جاء، والنوبة - بفتح، فسكون -: اسمٌ مِنْ ناوبته مناوبةً: إذا ساهمته مُساهمةً، والجمع نُوَبٌ، مثلُ قَرْية وقُرًى، وتناوبوا عليه: تداولوه بينهم، يفعله هذا مرّةً، وهذا مرّةً، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . وقوله: (الْيَوْمُ نَوْبَتِي) وفي بعض النسخ: «اليوم يومي». وقوله: (وَلَمْ يُدْرِكْ طَعَامُنَا) بضمّ حرف المضارعة، مضارع أدرك رباعيًّا، يقال: أدركت الثمار: إذا نَضِجَتْ، وأدرك الشيءُ: إذا بلغ وقتَهُ . وقوله: (لَوْ حَدَّثْتَنَا) «لو» هنا للتمنّي، أو شرطيّة، جوابها محذوف؛ أي: لكان خيرًا. وقوله: (عَلَى الْبَيَاذِقَةِ) قال النوويّ - ﵀ -: «البياذقة» - بباء موحّدة، ثمَّ مثناة تحتُ، وبذال معجمة، وقاف - هم الرّجّالة ، قالوا: وهو فارسيّ مُعَرَّب، وأصله بالفارسية: أصحاب ركاب الملك، ومن يتصرف في أموره، قيل: سُمُّوا بذلك؛ لخفّتهم، وسرعة حركتهم، هكذا الرواية في هذا الحرف هنا، وفي غير مسلم أيضًا. انتهى . وقال القاضي عياض: هكذا روايتنا فيه، قال: ووقع في بعض الروايات: «الساقة»، وهم الذين يكونون آخر العسكر، وقد يُجْمَع بينه وبين البياذقة بأنهم رَجّالة، وساقة، ورواه بعضهم: «الشارفة»، وفَسَّروه بالذين يُشرفون على مكة، قال القاضي: وهذا ليس بشيء؛ لأنهم أخذوا في بطن الوادي، والبياذقة هنا هم الْحُسَّر في الرواية السابقة، وهم رَجّالةٌ، لا دروع عليهم. انتهى . وقوله: (فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ)؛ أي: يُسرعون. وقوله: (أَنْ تَحْصِدُوهُمْ حَصْدًا») تقدَّم أنَّه من بابي نصر، وضرب؛ أي: استأصلوهم استئصالًا. وقوله: (وَأَخْفَى بِيَدِهِ. . . إلخ) هكذا النسخ:«وأخفى»بالخاء المعجمة، والذي عند القرطبيّ في«مختصره»:«وأحفى»بالحاء المهملة، قال: كذا صحيح الرواية بالحاء المهملة، معناه: استأصل؛ أي: أشار إلى ذلك، وبعضهم رواه «وأكفى» بالكاف؛ أي: أمال بيده، فكأنه - ﷺ - وضع يمناه على يسراه، وأمرّها عليها مشيرًا إلى الاستئصال، والله تعالى أعلم. انتهى . وقوله: (وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ) قال القاضي عياض - ﵀ -: وضع يمينه على شماله يحاكي صفة الحصد، والقطع باليد اليمنى لِمَا قَبَضَتْ عليه بالشمال، يريد: قَتْلَهم، واستئصالهم. انتهى . وقوله: (فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ)؛ أي: ما ظهر لهم أحد من المشركين، إلا قتلوه، فوقع في الأرض كالنائم، وقد يكون بمعنى: أسكنوه؛ أي: قطعوا حياته بقتله، يقال: قامت الريح: إذا أسكنت، كما قالوا: ضربه حتى سكن؛ أي: مات، قال المازريّ: يقال: نامت الشاة وغيرها: إذا ماتت، ونامت السوق: كسدت، وقال الفرّاء: النائمة: الميتة، وفي حديث عليّ - ﵁ - في قتال الخوارج: «إذا أتيتموهم، فأنيموهم»؛ أي: اقتلوهم. انتهى من «الإكمال» بتصرّف . وقوله: (أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ) وفي الرواية السابقة: «أُبيحت خضراء قريش»، وكلاهما بمعنى متقارب؛ أي: استئصلوا، و«خضراء قريش» كناية عن جماعتهم، ويُعبّر عن الجماعة المجتمعة بالسواد، والخضرة، ولهذا قالوا: السواد الأعظم، وقال المازريّ: قال الهرويّ: أباد الله خضراءهم؛ أي: جماعاتهم، وقال ابن الأعرابيّ: معناه: أباد الله سوادهم، وقال ابن الأنباريّ: سواد القوم: معظمهم، قال ابن الأعرابيّ: الخضرة عند العرب: السواد، يقال للّيل: أخضر؛ لسواده، وأنشد: يَا نَاقُ خُبِّي خَبَبًا زِوَرَّا … وَعَارِضِي اللَّيْلَ إِذَا مَا اخْضَرَّا ويقال: أباد الله خضراءهم؛ أي: خِصْبهم، وَسَعَتَهم، قال النابغة: يَصُونُونَ أَبْدَانًا قَدِيمًا نَعِيمُهَا … بِخَالِصَةِ الأَرْدَانِ خُضْرِ الْمَنَاكِبِ أراد به: سعة ما هم فيه من الْخِصب، وقيل: معناه: أذهب الله نعيمهم، وخِصْبهم .
مصادر المؤلف (٦٨)

١. «الفتح» ٩/ ٣٨١ - ٣٨٢، كتاب «المغازي» رقم (٤٢٧٤).

٢. وفي نسخة: «حين قَدِمَ مكة».

٣. وفي نسخة: «وكان إذا جاء لا يخفى علينا».

٤. وفي نسخة: «إلى جانب البيت».

٥. «القاموس المحيط» ص ١٤١٠.

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٦٦٦.

٧. «المفهم» ٣/ ٦٢٨.

٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٢.

٩. «المصباح المنير»٢/ ٤١٢.

١٠. راجع:«المصباح المنير»١/ ١٩٥.

١١. «إكمال المعلم» ٦/ ١٣٨.

١٢. «غرر الفوائد المجموعة» ص ٥٣.

١٣. قائل: «حدّثنا أبو بكر» هو الراوي عن ابن أبي شيبة، وهو أبو بكر، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق.

١٤. «مصنف ابن أبي شيبة»٧/ ٣٩٧.

١٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٣.

١٦. «تلخيص سنن أبي داود» للمنذريّ ٤/ ٢٤٢.

١٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٢٧.

١٨. «المفهم» ٣/ ٦٢٩.

١٩. «إكمال المعلم» ٦/ ١٣٩ - ١٤٠.

٢٠. «إكمال المعلم» ٦/ ١٤٠.

٢١. «القاموس المحيط» ص ١٣٧٧.

٢٢. قوله: «وأحفى» صحيح الرواية - كما قال القرطبيّ - بالحاء المهملة؛ أي: استأصل، وبعضهم رواه: «وأكفى» بالكاف؛ أي: أمال بيده، فكأنه - ﷺ - وضع يمينه على شماله أمرّها عليها مشيرًا إلى الاستئصال، ووقع في بعض النسخ بلفظ: «وأخفى» بالخاء المعجمة، وليس بواضح المعنى، فتأمل، والله تعالى أعلم.

٢٣. «المفهم» ٣/ ٦٣٠.

٢٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٢٧.

٢٥. «المفهم»٣/ ٦٣٠ - ٦٣١.

٢٦. «شرح النوويّ»١٢/ ١٢٧.

٢٧. «المصباح المنير»٢/ ٤١١.

٢٨. «المفهم»٣/ ٦٣١ - ٦٣٢.

٢٩. «شرح النوويّ»١٢/ ١٢٨.

٣٠. راجع: «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ١/ ٣٧٨.

٣١. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٢٨.

٣٢. «شرح النوويّ»١٢/ ١٢٩.

٣٣. «السنن الكبرى»للنسائيّ ٦/ ٣٨٢.

٣٤. «مسند أبي يعلى»١١/ ٥٢٤.

٣٥. «المصباح المنير»٢/ ٣٦٥.

٣٦. «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٨.

٣٧. «القاموس المحيط» ص ٦٣٤.

٣٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٨٧.

٣٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٢٩.

٤٠. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٩.

٤١. «المصباح المنير» ١٢/ ٥١٩.

٤٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٢٩ - ١٣٠.

٤٣. «المصباح المنير» ١/ ٣٠٠.

٤٤. «القاموس المحيط» ص ٨٠٣.

٤٥. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٣٠.

٤٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٣٠.

٤٧. «تفسير ابن كثير» ٣/ ٦٠.

٤٨. «تفسير الطبريّ» ١٥/ ١٥١ - ١٥٢.

٤٩. «إكمال إكمال المعلم» ٦/ ١٣٨.

٥٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٣١.

٥١. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٣١ - ١٣٢.

٥٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٣٢.

٥٣. «إكمال المعلم» ٦/ ١٣٨.

٥٤. «الفتح» ٩/ ٣٩٨ - ٤٠٠.

٥٥. وفي نسخة: «قال: وفي الحديث».

٥٦. «إكمال المعلم» ٦/ ١٤٥.

٥٧. «المفهم» ٣/ ٦٣٢.

٥٨. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٢/ ٥٣٨.

٥٩. وفي نسخة: «اليوم يومي».

٦٠. «المصباح المنير»٢/ ٦٢٩.

٦١. «المصباح المنير»١/ ١٩٢.

٦٢. «الرّجَّالة بفتح الراء، وتشديد الجيم: جمع راجل، وهو خلاف الفارس.

٦٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٣٢.

٦٤. «إكمال المعلم» ٦/ ١٣٩.

٦٥. «المفهم» ٣/ ٦٣٠.

٦٦. «إكمال المعلم» ٦/ ١٤١.

٦٧. «إكمال المعلم» ٦/ ١٤١.

٦٨. «إكمال المعلم» ٦/ ١٤٢، و«لسان العرب» ٤/ ٢٤٦.