HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٠٠

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ). حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ. حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟) فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ. فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَكَ. قَالَ: فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ. فَقَالَ: آنْتَ أَبُو جَهْلٍ؟ فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ (أَوَ قَالَ) قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟ قَالَ: وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: فَلَوْ غير أكار قتلني!
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص183
ج ٣ ص ١٤٢٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤١٨
[٤٣١] حديث أنس ﵁: (قَالَ أَبُو جَهلٍ: فَلَو غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي) يريد الأنصاريَ الذي قتله، وكانت الأنصار أصحاب نخلٍ وزرعٍ، والذي قتل أبا جهل ابنا عفراء، وقوله: (حَتَّى بَرَدَ) أي مات، وفي قوله: (مَنْ يَعْلَمُ لِي مَا فَعَلَ أَبُو جَهْلٍ)؛ فيه دليل على جواز الفرح بهلاك العدوّ. ومن باب قتل كعب بن الأشرف
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٣٨٥
راحلته، وسار منها إلى مزدلفة، وهو عليها، ومن مزدلفة إلى منى، وإلى مكة . ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من تعظيم رسول الله - ﷺ -، والأدب معه، والمحبة الشديدة له. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي لمن يشير على الكبير بشيء، أن يورده بصورة العَرْض عليه، لا الجزم، فقد قال الصحابة للنبيّ - ﷺ -: «لو أتيت عبد الله بن أُبيّ». ٥ - (ومنها): جواز المبالغة في المدح؛ لأن الصحابيّ أطلق أن ريح الحمار أطيب من ريح عبد الله بن أُبيّ، فلم يُنكره النبيّ - ﷺ -، بل أقرّه عليه. ٦ - (ومنها): إباحة مشي التلامذة، والشيخ راكب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٩) - (بَابُ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ) تقدّم أن اسمه عمرو بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، كانت قريش تكنيه أبا الحكم، وكناه النبيّ - ﷺ - أبا جهل، ولذا قال الشاعر: النَّاسُ كَنَّوْهُ أَبَا حَكَمٍ … وَاللهُ كَنَّاهُ أَبَا جَهْلِ وهو فرعون هذه الأمة . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٥٣] (١٨٠٠) - (حَدَّثَنَا عَلِي بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أبو جَهْلٍ؟»، فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ، حَتَّى بَرَكَ، قَالَ: فَأَخَذَ بِلِحْيَتِه، فَقَالَ: آنتَ أبو جَهْلٍ؟ فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ؟ - أَوْ قَالَ: قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟ - قَالَ: وَقَالَ أبو مِجْلَزٍ: قَالَ أبو جَهْلٍ: فَلَوْ غَيْرُ أكَّارٍ قَتَلَنِي؟). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقة حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: ابن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣)، وهو ابن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. والباقيان تقدّما في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف؛ كسابقه، وكالأسانيد الثلاثة الآتية بعده، وهو (٣١٩) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فمروزيّ، وأنه مسلسلٌ بالتحديث. شرح الحديث: عَنْ سُلَيْمَانَ بن طرخان التَّيْمِيِّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، وليس منهم، فهو من المنسوب إلى خلاف الظاهر، كما قال السيوطيّ - ﵀ - في «ألفيَّة الحديث»: وَنسَبُوا الْبَدْرِيَّ وَالْخُوزِيّا … لِكَوْنِهِ جَاوَرَ وَالتَّيْمِيَا (حَدَّثَنَا أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ) استفهاميّة مبتدأ، خبره قوله: (يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أبو جَهْلٍ؟») وقع في رواية الإسماعيليّ، من طريق يحيى القطان، عن سليمان التيميّ، أن أنسًا سمعه من ابن مسعود ولفظه: «عن أنس، قال النبيّ - ﷺ - يوم بدر: من يأتينا بخبر أبي جهل؟ قال - يعني: ابن مسعود -: فانطلقت، فإذا ابنا عفراء قد اكتنفاه، فضرباه، فأخذت بلحيته …» الحديث. قال النوويّ - ﵀ -: سبب سؤال النبيّ - ﷺ - عنه أن يعرف أنه مات؛ ليستبشر المسلمون بذلك، وينكفّ شرّه عنهم. انتهى . (فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ) وفي رواية ابن خُزيمة، ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في «المستخرج»: «فقال ابن مسعود: أنا، فانطلق»، (فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ) هما معاذ، ومعوّذ، وقيل: هما معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ ابن عفراء، وعفراء والدة معاذ، واسم أبيه الحارث، وأما معاذ بن عمرو بن الجموح فليس اسم أمه عفراء، وإنما أُطلق عليه تغليبًا، ويَحْتَمِل أن تكون أم معوذ أيضًا تُسَمَّى عفراء، أو أنه لمّا كان لمعوّذ أخ يسمى معاذًا باِسْم الذي شَرِكه في قتل أبي جهل ظنه الراوي أخاه. وقد أخرج الحاكم من طريق ابن إسحاق، حدّثني ثور بن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح: سمعتهم يقولون: وأبو جهل في مثل الحرجة ، أبو الحكم لا يُخْلَص إليه، فجعلته من شأني، فعَمَدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربةً أطنت قدمه، وضربني ابنه عكرمةُ على عاتقي، فطرح يدي، قال: ثم عاش معاذ إلى زمن عثمان، قال: ومرّ بأبي جهل معوّذ ابن عفراء، فضربه، حتى أثبته، وبه رَمَقٌ، ثم قاتل معوّذ حتى قُتِل، فمَرّ عبد الله بن مسعود بأبي جهل، فوجده بآخر رَمَتي، فذكر ما تقدم. فهذا الذي رواه ابن إسحاق يَجمع بين الأحاديث، لكنه يخالف ما في «الصحيح» من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه رأى مُعاذًا، ومعوّذًا شدّا عليه جميعًا حتى طرحاه، وابن إسحاق يقول: إن ابن عفراء هو معوّذ، وهو بتشديد الواو، والذي في «الصحيح» معاذ، وهما أخوان، فَيَحْتَمِل أن يكون معاذ ابن عفراء شدّ عليه مع معاذ بن عمرو، كما في «الصحيح»، وضربه بعد ذلك معوّذ حتى أثبته، ثم حَزَّ رأسه ابن مسعود، فتُجمع الأقوال كلها، وإطلاق كونهما قتلاه يخالف في الظاهر حديث ابن مسعود أنه وجده، وبه رَمَقٌ، وهو محمول على أنهما بلغا به بضربهما إياه بسيفيهما منزلة المقتول، حتى لم يبق به إلا مثل حركة المذبوح، وفي تلك الحالة لقيه ابن مسعود، فضرب عنقه، والله أعلم. وأما ما وقع عند موسى بن عقبة، وكذا عند أبي الأسود، عن عروة، أن ابن مسعود وجد أبا جهل مصروعًا، بينه وبين المعركة غيرُ كثير، متقنعًا في الحديد، واضعًا سيفه على فخذه، لا يتحرك منه عضو، وظنّ عبد الله أنه ثبت جراحًا، فأتاه من ورائه، فتناول قائم سيف أبي جهل، فاستله، ورفع بيضة أبي جهل عن قفاه، فضربه، فوقع رأسه بين يديه، فيُحْمَل على أن ذلك وقع له معه بعدَ أن خاطبه بما تقدم، والله أعلم. انتهى . وقوله: (حَتَّى بَرَكَ) بالكاف، من البُرُوك، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في بعض النسخ: «بَرَكَ» بالكاف، وفي بعضها: «بَرَدَ» بالدال، فمعناه بالكاف: سَقَط إلى الأرض، وبالدال: مات، يقال: بَرَدَ: إذا مات، قال القاضي عياض: رواية الجمهور: «بَرَدَ»، ورواه بعضهم بالكاف، قال: والأول هو المعروف، قال النوويّ: واختار جماعة محققون الكاف، وأن ابني عفراء تركاه عَقِيرًا، ولهذا كَلَّم ابن مسعود - ﵁ -، كما ذكره مسلم، وله معه كلام آخر كثيرٌ مذكور في غير مسلم، وابن مسعود - ﵁ - هو الذي أجهز عليه، واحتَزَّ رأسه. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «حتى بَرَدَ» - بفتح الموحّدة، والراء -؛ أي: مات، هكذا فسروه، ووقع في رواية السمرقنديّ في مسلم: «حتى بَرَكَ» - بكاف، بدل الدال -؛ أي: سَقَطَ، وكذا هو عند أحمد، عن الأنصاريّ، عن التيميّ، قال عياض: وهذه الرواية أولى؛ لأنه قد كَلَّم ابن مسعود - ﵁ -، فلو كان مات كيف كان يكلمه؟ انتهى. ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: «حتى بَرَدَ»؛ أي: صار في حالة من مات، ولم يبق فيه سوى حركة المذبوح، فأُطلق عليه باعتبار ما سيؤول إليه، ومنه قولهم للسيوف: بَوَاردُ؛ أي: قواتل، وقيل لمن قُتِل بالسيف: بَرَدَ؛ أي: أصابه متن الحديد؛ لأن طبع الحديد البرودة، وقيل: معنى قوله: «بَرَدَ»؛ أي: فَتَرَ، وسَكَنَ، يقال: جَدَّ في الأمر حتى بَرَدَ؛ أي: فتر، وبَرَدَ النبيذُ؛ أي: سَكَن غَلَيانُهُ. انتهى . (قَالَ) أنس (فَأَخَذَ) ابن مسعود (بِلِحْيَتِهِ)؛ أي: بلحية أبي جهل، (فَقَالَ) ابن مسعود: (آنتَ) بمدّ الهمزة، أصله أأنت، وهو مبتدأ، خبره قوله: (أَبُو جَهْلٍ؟)، وإنما خاطبه ابن مسعود - ﵁ - بذلك مُقرّعًا له، ومتشفّيًا منه؛ لأنه كان يؤذيه بمكة أشدّ الأذى. وفي رواية للبخاريّ: «فقال: أنت أبا جهل»، قال في «الفتح»: قوله: «أنت أبا جهل» كذا للأكثر، وللمستملي وحده: «أنت أبو جهل»، والأول هو المعتمَد في حديث أنس هذا، فقد صَرَّح إسماعيل ابن عُلية، عن سليمان التيميّ بأنه هكذا نَطَق بها أنس، وقد أخرجه ابن خزيمة، ومن طريقه أبو نعيم، عن محمد بن المثنى، شيخ البخاري فيه، فقال فيه: «أنت أبو جهل»، وكأنه من إصلاح بعض الرواة، وكذلك نَطَق بها يحيى القطان، أخرجه الإسماعيليّ، من طريق المقدّميّ، عن يحيى القطان، عن التيميّ، فذكر الحديث، وفيه: «قال: أنت أبا جهل»، قال المقدّميّ: هكذا قالها يحيى القطان، وقد وُجِّهت الرواية المذكورة بالحمل على لغة من يُثبت الألف في الأسماء الستة في كل حالة؛ كقوله: إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا … قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا قال الجامع عفا الله عنه: اللغة المشهورة في الأسماء الستّة أن تُعرب بالواو رفعًا، نحو «هذا أبوك»، وبالألف نصبًا، نحو «رأيت أباك»، وبالياء جرًّا، نحو «مررت بأبيك»، ويجوز إعرابها بالنقص، نحو: هذا أبٌ، ورأيت أبًا، ومررتُ بأبٍ، ويجوز أيضًا إعرابها إعراب المقصور بالألف مطلقًا، نحو: هذا أبا محمد، ورأيت أبا محمد، ومررتُ بأبا محمد، ومنه البيت، فقوله: «وأبا أباها»، فـ«أبا» مضاف، «أباها» مضاف إليه مجرور بالإضافة بكسرة مقدّرة على الألف، منع من ظهورها التعذّر، وإلى هذا كلّه أشار ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة» بقوله: وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ مِنْ ذَاكَ «ذُو» إِنْ صحْبَة أَبَانَا … و«الفَمُ» حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا «أبٌ» «أخ» «حَمٌ» كَذَاكَ و«هَنُ» … وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ وَفي «أَبٍ» وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَظْهَرُ قال: وقيل: هو منصوب بإضمار «أعني»، وتَعَقَّبه ابن التين بأن شرط هذا الإضمار أن تكثر النعوت. وقال الداوديّ: كأن ابن مسعود تعمَّد اللحن؛ لِيُغيظ أبا جهل؛ كالمصغِّر له، وما أبعد ما قال. وقيل: إن قوله: «أنت» مبتدأ محذوف الخبر، وقوله: «أبا جهل» مُنَادى محذوف الأداة، والتقدير: أنت المقتول يا أبا جهل، وخاطبه بذلك مُقَرِّعًا له، ومتشفِّيًا منه؛ لأنه كان يؤذيه بمكة أشدّ الأذى. وفي حديث ابن عباس، عند ابن إسحاق، والحاكم: «قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رَمَقٍ، فوضعت رجلي على عنقه، فقلت: أخزاك الله يا عدوّ الله، قال: وبما أخزاني؟ هل أعمد رجل قتلتموه؟»، قال: وزعم رجال من بني مخزوم أنه قال له: لقد ارتقيت يا رُويعَ الغنم، مُرْتَفى صَعْبًا، قال: ثم احتززت رأسه، فجئت به رسول الله - ﷺ -، فقلت: هذا رأس عدوّ الله أبي جهل، فقال: والله الذي لا إله إلا هو؟ فحلف له«. وفي زيادة المغازي، روايةِ يونس بن بكير، من طريق الشعبيّ، عن عبد الرحمن بن عوف، نحو الحديث الذي بعده، وفيه:«فحَلَف له، فأخذ رسول الله - ﷺ - بيده، ثم انطَلَق حتى أتاه، فقام عنده، فقال: الحمد لله الذي أعزّ الإسلام وأهله»، ثلاث مرات . (فَقَالَ) أبو جهل (وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ؟) اختُلف في معنى كلام أبي جهل هذا على قولين: [أحدهما]: أنه أراد لا عارَ عليّ في قتلكم إياي، كأنه قال: هل هناك عارٌ على رجل قتله مثلكم؟، فالاستفهام للإنكار؛ يعني: أنه ليس عليه عارٌ، بل شرف له؛ لأن قومه قتلوه، ويريد بقومه قريشًا، وذلك أن النبيّ - ﷺ - وأصحابه المهاجرين من قريش، وابنا عفراء اللذان قتلاه، وإن كانا من الأنصار، إلا أنهما جاءا معه - ﷺ -، فكانا تابعين له، فكأن الذين قتلوه هم قومه. فغرض أبي جهل التبجّح، والافتخار بقتله، وأنه لا يراه عارًا عليه؛ لأن قومه قتلوه. [والثاني]: أنه يريد بهذا الكلام التأسّف، والتحزّن حيث قتله غير كفئه، وهو الأنصار، وهذا هو ظاهر ما فسّر به القاضي عياض - ﵀ -، وعبارته: «أي: هل عليّ عارٌ، غير قتلكم إياي»، ومعناه: أنه يرى أن لا عار عليه إلا قتلهم له؛ أي: فقَتْلهم له عار عليه، لا شرف له، وهو عكس المعنى السابق، ويؤيّد هذا التفسير ما يأتي في رواية أبي مِجْلَز، حيث قال: «فلو غيرُ أكّار قتلني»، والمعنى الأول أنسب للفظ: «فوق»، فتأمله، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَوْ قَالَ: قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟) «أو» هنا للشكّ من الراوي، وهو سليمان التيميّ، فقد أخرج الحديث البخاريّ في «المغازي» من طريق ابن عُليّة، حدّثنا سليمان التيميّ، حدّثنا أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم بدر: «من يَنظُر ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، فقال: آنت أبا جهل؟ قال ابن علية: قال سليمان: هكذا قالها أنس، قال: أنت أبا جهل، قال: وهل فوق رجل قتلتموه؟، قال سليمان: أو قال: قتله قومه»، الحديث. (قَالَ) وفي رواية البخاريّ: «قال سليمان - أي: التيميّ -»، (وَقَالَ أبو مِجْلَزٍ) بكسر الميم، وإسكان الجيم، وفتح اللام، آخره زاي، هو لاحق بن حُميد بن سعيد السّدُوسيّ البصريّ، مشهور بكنيته، من كبار [٣] (ت ٦ أو ١٠٩) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٦/ ١٥٤٧. (قَالَ أبو جَهْلٍ: فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي؟) قال في «الفتح»: هذا - يعني: قول أبي مِجْلَز - مرسل، و«الأَكَّار» - بتشديد الكاف -: الزّرّاع ، وعَنَى بذلك أن الأنصار أصحاب زرع، فأشار إلى تنقيص من قَتَله منهم بذلك. وحاصل ما أشار إليه أبو جهل أن الأنصار أهل فِلاحة، وكان معوّذ ومعاذ ابنا عفراء اللذان تولّيا قتله من الأنصار، فلو كان قَتَله أحد من القرشيين لكان أحبّ إليه، وأعظم لشأنه. [تنبيه]: ذكر القاضي عياض ﵀ أنه وقع في بعض نسخ مسلم بلفظ:«لو غيرُك كان قتلني»، وهو تصحيف من الأول، والمعروف الأول. انتهى . [فائدة]:«لو»في قوله:«فلو غير أكّار قتلني»شرطيّة، وهي تختصّ بالفعل، كـ«إن»الشرطيّة، فلا تدخل على الاسم وقد أسلفنا الآن تقدير جوابها، إلا إذا كان معمولًا لمحذوف يُفسّره ما بعده؛ كقول الشاعر [من الطويل]: أَخِلَّايَ لَوْ غَيْرُ الْحِمَامِ أَصَابَكُمْ … عَتَبْتُ وَلَكِنْ مَا عَلَى الدَّهْرِ مَعْتَبُ أي: لو أصابكم غير الحمام ، والتقدير في هذا الحديث:«فلو قتلني غير أكّار … إلخ»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٤٦٥٣ و٤٦٥٤] (١٨٠٠)، و(البخاريّ) في«المغازي»(٣٩٦٢ و٣٩٦٣ و٤١٢٠)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٧/ ٣٦٠)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ١٢٩)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٧/ ١١٥ و١٢٠)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤/ ٢٨٨)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٩/ ٩٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من التطلّع، والانتظار إلى هلاك فرعون هذه الأمة أبي جهل، وذلك لثقته بوعد الله ﷿ له بهلاكه، وهلاك أمثاله، حيث قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ الآية [آل عمران: ١٢]. ٢ - (ومنها): مشروعيّة إظهار الاستبشار بهلاك عدوّ الإسلام والمسلمين، ويكون من باب الشكر لله ﷿. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه أبو جهل أخزاه الله من شدّة عداوته للمسلمين. ٤ - (ومنها): مسابقة عبد الله بن مسعود إلى البحث عن أبي جهل، لَمّا قال النبيّ - ﷺ -:«من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ »، وذلك لأنه كان يؤذيه حين كان بمكة أشدّ الأذيّة، فقد ذكر ابن هشام في«سيرته»، ما حاصله:«فمرّ عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله - ﷺ - أن يُلْتَمَس في القتلى، وقد قال لهم رسول الله - ﷺ - فيما بلغني -: انظروا، إن خَفِي عليكم في القتلى إلى أثر جُرح في ركبته، فماني ازدحمت يومًا أنا وهو على مَأدُبة لعبد الله بن جُدْعان، ونحن غلامان، وكنت أشفّ منه بيسير، فدفعته، فوقع على ركبتيه، فجُحِش في إحداهما جَحْشًا لم يزل أثره به، قال عبد الله بن مسعود: فوجدته بآخر رَمَق، فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه. قال: وقد كان ضَبَثَ بي مَرَّةً بمكة، فآذاني ولَكَزَني، ثم قلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبماذا أخزاني؟، أَعْمَد من رجل قتلتموه؟ أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قال: قلت: لله ولرسوله - ﷺ -، قال ابن إسحاق: وزعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول: قال لي: لقد ارتقيت مُرْتَقًى صَعْبًا يا رويع الغنم، قال: ثم احتَززتُ رأسه، ثم جئت به رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله هذا رأس عدوّ الله أبي جهل، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: »آلله الذي لا إله غيره؟« - قال: وكانت يمين رسول الله - ﷺ - قال: قلت: نعم، والله الذي لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله - ﷺ -، فحَمِد الله». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٥٤] (…) - (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«مَنْ يَعْلَمُ لِي مَا فَعَلَ أبو جَهْلٍ؟ »، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَقَوْلِ أَبِي مِجْلَزٍ، كَمَا ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عمر بن حفص بن عُمر بن عُبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، وقيل: إن حفصًا جدّه هو ابن عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٣) (خ م) تقدم في«الطهارة» ٢٦/ ٦٤٩. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، والسند من رباعيّات المصنّف ﵀؛ كسابقيه، ولاحقيه. [تنبيه]: رواية معتمر بن سليمان، عن أبيه هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٠) - (بَابُ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَف، طَاغُوتِ الْيَهُودِ) قال ابن إسحاق وغيره: كان عربيًّا، من بني نَبْهان، وهم بطن من طيّء، وكأن أبوه أصاب دمًا في الجاهلية، فأتى المدينة، فحالف بني النضير، فشَرُف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الْحُقَيق، فولدت له كعبًا، وكان طويلًا، جسيمًا، ذا بطن، وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخَرَج إلى مكة، فنزل على ابن وَدَاعَة السهميّ، والد المطلب، فهجاه حَسّان، وهجا امرأته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية، فطردته، فرجع كعب إلى المدينة، وتشبّب بنساء المسلمين، حتى آذاهم. ورَوَى أبو داود، والترمذيّ، من طريق الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، أن كعب بن الأشرف كان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله - ﷺ -، ويُحَرِّض عليه كفار قريش، وكان النبيّ - ﷺ - قَدِم المدينة، وأهلها أخلاط، فأراد رسول الله - ﷺ - استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشدّ الأذى، فأمر الله رسوله - ﷺ - والمسلمين بالصبر، فلما أَبَى كعب أن يَنْزِع عن أذاه، أمر رسول الله - ﷺ - سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا؛ ليقتلوه. وذكر ابن سعد أن قَتْله كان في ربيع الأول، من السنة الثالثة. انتهى . وقال ابن إسحاق: وكان من حديث كعب بن الأشرف: أنه لما أُصيب أصحاب بدر، وقَدِمَ زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية، بِشَيرَيْن، بعثهما رسول الله - ﷺ - إلى من بالمدينة من المسلمين، بفتح الله ﷿ عليه، وقَتْل مَن قُتِل من المشركين، كما حدّثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة الظَّفَريّ، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعاصم بن عُمر بن قتادة، وصالح بن أبي أمامة بن سهل، كلٌّ قد حدّثني بعض حديثه، قالوا: قال كعب بن الأشرف - وكان رجلًا من طَيِّئ، ثم أحد بني نَبْهان، وكانت أمه من بني النضير - حين بلغه الخبر: أحَقٌّ هذا؟ أترون محمدًا قتل هؤلاء الذين يُسَمِّي هذان الرجلان؟ - يعني: زيدًا وعبد الله بن رواحة - فهؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لَبَطْنُ الأرض خير من ظهرها. فلما تيقن عدوّ الله الخبر، خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهميّ، وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فأنزلته، وأكرمته، وجعل يُحَرِّض على رسول الله - ﷺ -، ويُنشد الأشعار، ويبكي أصحاب القليب من قريش، الذين أصيبوا ببدر فقال [من الكامل]: طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِمَهْلِك أَهْلِهِ … وَلمِثْلِ بَدْرٍ تَسْتَهِلّ وَتَدْمَعُ قُتِلَتْ سَرَاةُ النّاسِ حَوْلَ حِيَاضِهِمْ … لَا تَبْعَدُوا إن الْمُلُوكَ تُصَرّعُ إلى آخر الأبيات. فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ - ﵁ -، فَقَالَ: أَبَكَى لِكَعْبٍ ثُمّ عُلّ بِعَبْرَةٍ … مِنْهُ وَعَاشَ مُجَدّعًا لَا يَسْمَعُ وَلَقَدْ رَأَيْتُ بِبَطْنِ بَدْرٍ مِنْهُمْ … قَتْلَى تَسُحّ لَهَا الْعُيُونُ وَتَدْمَعُ فَابْكِي فَقَدْ أَبَكَيْتَ عَبْدًا رَاضِعًا … شِبْهَ الْكُلَيْبِ إلَى الْكُلَيْبَةِ يَتْبَعُ وَلَقَدْ شفَى الرّحْمَنُ مِنّا سَيّدًا … وَأَهَانَ قَوْمًا قَاتَلُوهُ وَصُرّعُوا وَنَجَا وَأُفْلِتَ مِنْهُمْ مَنْ قَلْبُهُ … شَغَفٌ يَظَلّ لِخَوْفِهِ يَتَصَدّعُ ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة، فشَبَّب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فقال رسول الله - ﷺ - كما حدّثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة: «مَن لي بابن الأشرف؟»، فقال له محمد بن مسلمة، أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: فافعل إن قدرت على ذلك«، فرجع محمد بن مسلمة، فمكث ثلاثًا لا يأكل، ولا يشرب، إلا ما يُعَلِّق به نفسه، فذُكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فدعاه، فقال له: لم تركت الطعام والشراب؟ فقال: يا رسول الله قلت لك قولًا، لا أدري، هل أَفِيَنَّ لك به أم لا؟ فقال:»إنما عليك الجهد«، فقال: يا رسول الله إنه لا بُدّ لنا من أن نقول، قال:»قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حِل من ذلك«، فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة، وسِلْكان بن سلامة بن وَقْش، وهو أبو نائلة، أحد بني عبد الأشهل، وكان أخَا كعب بن الأشرف من الرضاعة، وعَبّاد بن بشر بن وَقْش، أحد بني عبد الأشهل، والحارث بن أوس بن معاذ، أحد بني عبد الأشهل، وأبو عَبْس بن جَبْر، أحد بني حارثة، ثم قَدَّمُوا إلى عدوّ الله كعبِ بن الأشرف، قبل أن يأتوه سِلْكانَ بنَ سلامة أبا نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة، وتناشدوا شعرًا، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة، أريد ذِكرها لك، فاكتم عني؛ قال: أَفْعَلُ، قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاءً من البلاء، عادَتْنا به العرب، ورَمَتْنا عن قوس واحدة، وقَطَعت عنا السبل، حتى ضاع العيال، وجُهِدت الأنفس، وأصبحنا قد جُهِدنا وجُهِد عيالنا، فقال كعب: أنا ابن الأشرف، أما والله لقد كنت أُخبرك يا ابن سلامة، أن الأمر سيصير إلى ما أقول، فقال له سِلْكان: إني قد أردت أن تبيعنا طعامًا، ونَرْهنك، ونُوَثِّق لك، ونحسن في ذلك، فقال: أترهنونني أبناءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا، إن معي أصحابًا لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم، فتبيعهم، وتحسن في ذلك، ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاءٌ، وأراد سِلْكان أن لا يُنكر السلاح إذا جاءوا بها؛ قال: إن في الحلقة لوفاءً، قال: فرجع سلكان إلى أصحابه، فأخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح، ثم ينطلقوا، فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله - ﷺ -. قال ابن هشام: ويقال: «أترهنونني نساءكم؟»، قال: كيف نرهنك نساءنا، وأنت أشبّ أهل يثرب، وأعطرهم، قال: أترهنونني أبناءكم؟ قال ابن إسحاق: فحدّثني ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن النبيّ - ﷺ - مشى معهم إلى بقيع الغرقد، ثم وجّههم، فقال: انطلقوا على اسم الله؛ اللهم أعِنْهم»، ثم رجع رسول الله - ﷺ - إلى بيته، وهو في ليلة مُقْمِرة، وأقبلوا حتى انتهوا إلى حِصنه، فهَتَف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعُرس، فوَثَب في مِلْحفته، فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة، قال: إنه أبو نائلة، لو وجدني نائمًا لَمَا أيقظني؛ فقالت: والله إني لأعرف في صوته الشرّ، قال: يقول لها كعب: لو يُدعى الفتى لِطَعْنة لأجاب، فنزل، فتحدّث معهم ساعة، وتحدثوا معه، ثم قال: هل لك يا ابن الأشرف أن تتماشى إلى شِعب العجوز، فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ قال: إن شئتم، فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة شَامَ يده فيٍ فَوْد رأسه، ثم شمّ يده، فقال: ما رأيت كالليلة طيبًا أعطر قط، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها، حتى اطمأنّ، ثم مشى ساعةً، ثم عاد لمثلها، فأخذ بفَوْد رأسه، ثم قال: اضربوا عدوَّ الله، فضربوه، فاختلفت عليه أسيافهم، فلم تُغْن شيئًا، قال محمد بن مسلمة: فذَكَرت مِغْولًا في سيفي، حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئًا، فأخذته، وقد صاح عدوّ الله صيحةً لم يبق حولنا حصنٌ إلا وقد أُوقدت عليه نار، قال: فوضعته في ثُنَّته، ثم تحاملت عليه، حتى بلغت عانته، فوقع عدوّ الله، وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ، فجُرح في رأسه، أو في رجله، أصابه بعض أسيافنا، قال: فخرجنا حتى سلكنا علي بني أمية بن زيد بني قريظة، ثم على بُعاث، حتى أسندنا في حَرّة العريض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس، ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة، ثم أتانا يتبع آثارنا، قال: فاحتملناه، فجئنا به رسول الله - ﷺ - آخر الليل، وهو قائم يصلي، فسلّمنا عليه، فخرج إلينا، فأخبرناه بقتل عدوّ الله، وتَفَل على جُرح صاحبنا، فرجع، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا، وقد خافت يهود لوقعتنا بعدوّ الله، فليس بها يهودي، إلا وهو يخاف على نفسه. انتهى .
مصادر المؤلف (١٥)

١. «عمدة القاري» ٢٠/ ٣٩٤.

٢. راجع: «عمدة القاري» ٣/ ٢٥٨.

٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٠.

٤. «الحرجة»: الشجر الْمُلْتَفّ.

٥. «الفتح» ٩/ ٣١ - ٣٢، كتاب «المغازي» رقم (٣٩٦٢).

٦. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٠.

٧. «الفتح» ٩/ ٢٩، كتاب «المغازي» رقم (٣٩٦٢).

٨. «الفتح» ٩/ ٣٠، كتاب «المغازي» رقم (٣٩٦١).

٩. وقال في «هدي الساري» ١/ ٨٠: «الأَكّار: هو الزرّاع، مأخوذ من الأُكْرة - بضم، فسكون، وهي الحفرة بجانب النهر؛ ليصفو ماؤها، وأَكَرْتُ الأرض: إذا شققتها للحرث، وأشار بذلك إلى الأنصار؛ لأنهم أصحاب زرع. انتهى.

١٠. «إكمال المعلم»٦/ ١٧٥.

١١. راجع:«حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة»٢/ ١٩٧.

١٢. أي: قبض عليّ، ولزمني.

١٣. «سيرة ابن هشام»١/ ٦٣٥.

١٤. «الفتح» ٩/ ٩٦، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٣٧).

١٥. «سيرة ابن هشام» ٢/ ٥٤.