HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٠٢

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ (والفظ لِابْنِ عَبَّادٍ). قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيل) عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ. قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ. فَتَسَيَّرْنَا لَيْلًا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ: أَلَا تسمعنا من هنياتك؟ وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا شَاعِرًا. فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يقول: اللهم! لو أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا * وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَاغْفِرْ، فِدَاءً لَكَ، مَا اقْتَفَيْنَا * وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا * إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا فَقَالَ رسول الله ﷺ (من هَذَا السَّائِقُ؟) قَالُوا: عَامِرٌ. قَالَ (يَرْحَمُهُ اللَّهُ) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَجَبَتْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِهِ. قَالَ: فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ فَحَاصَرْنَاهُمْ. حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ. ثُمَّ قَالَ (إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيْكُمْ) قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ مَسَاءَ الْيَوْمِ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ، أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟) فَقَالُوا: عَلَى لَحْمٍ. قَالَ: (أَيُّ لَحْمٍ؟) قَالُوا: لَحْمُ حُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا) فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ يُهْرِيقُوهَا وَيَغْسِلُوهَا؟ فَقَالَ (أَوْ ذَاكَ) قَالَ: فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ. فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضْرِبَهُ. وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ. فَمَاتَ مِنْهُ. قَالَ: فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي، قَالَ: فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاكِتًا قَالَ (مالك؟) قُلْتُ لَهُ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ. قَالَ (مَنْ قَالَهُ؟) قُلْتُ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ. فَقَالَ (كذب من قاله. إن له لأجران) وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ (إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ. قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ) وَخَالَفَ قُتَيْبَةُ مُحَمَّدًا في الحديث في حرفي. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّادٍ: وَأَلْقِ سَكِينَةً عَلَيْنَا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص185
ج ٣ ص ١٤٢٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٢٠
[٤٣٤] وقوله: (مِنْ هُنَيَّاتِكَ) ، وفي نسخة: (مِنْ هُنَيهَاتِك) ، يقال للشيء اليسير الحقير هَنَة، والتصغير: هُنَيَّة، والجمع: هُنَيَّات، والأصل: هَنْهَة، والتصغير هُنَيْهَة، والجمع: هُنَيْهَاتٌ، يريد بذلك الرَّجز والشعر الذي ليس بطويل. وقوله: (مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا)؛ جاهدا: أي: جاهدا نفسه، مجاهدا: يعني: عدوَّه، وقوله: (إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَينَا) أي: إذا دُعينا إلى القتال أجبنا، وفي نسخة: (لَبَّينَا) بالباء، ومعناه امتنعنا عن التخلُّف عن القتال وصبرنا، و(عَوَّلُوا) أي: اعتمدوا، و(عَنوَة) أي: قهرًا، وقوله: (فِدًا لَكَ مَا اقتَفَينَا) ، يقال قَفَوتُه واقتفيته: إذا اتَّبعته، والقَفِيُّ: ما يُدّخر من الطعام لمن تريد تكرُمته، وفلان قِفْوَتي أي: خِيرَتي، كأنه يقول: ما اخترناه لأنفسنا، وقوله: (أَو ذَاكَ) يعني: أو تهريقون وتغسلون، و(تَصَافَّ القَومُ) تفاعل من الصفّ، و(ذُبَابُ السَّيْفِ): حدّه، وقوله: (قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ) أي بالمدينة، أي: لا يشبهه عربي جاء من البدو إلى المدينة مهاجرًا. * * * ومن باب غزوة الأحزاب
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٤٢٦
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤)، وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، تقدّم قريبًا. و«أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ» - ﵁ - ذُكر قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٥٩] (١٨٠٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَبَّادٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى خَيْبَرَ، فَتَسَيَّرْنَا لَيْلًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لِعَامِرِ بْنِ الأَكْوَعِ: أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ، وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا شَاعِرًا، فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْم، يَقُولُ [من الرجز]: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا، وَلَا صَلَّيْنَا فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا … وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَألقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟»، قَالُوا: عَامِرٌ، قَالَ: «يَرْحَمُهُ الله»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَجَبَتْ يَا رَسُولَ الله، لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِه، قَالَ: فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ، فَحَصَرْنَاهُمْ، حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ فَتَحَهَا عَلَيْكُمْ »، قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ مَسَاءَ الْيَوْمِ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ، أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟»، فَقَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ: «أيُّ لَحْمٍ؟»، قَالُوا: لَحْمُ حُمُرِ الإِنْسِيَّةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَهْرِيقُوهَا، وَاكسِرُوهَا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ يُهْرِيقُوهَا، وَيَغْسِلُوهَا؟ فَقَالَ: «أَوْ ذَاكَ». قَالَ: فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ، كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ، فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضْرِبَهُ، وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِه، فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ، فَمَاتَ مِنْهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَفَلُوا، قَالَ سَلَمَةُ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي، قَالَ: فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَاكِتًا، قَالَ: «مَا لَكَ؟»، قُلْتُ لَهُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، قَالَ: «مَنْ قَالَهُ؟»، قُلْتُ: فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: «كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ»، وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْه، «إِنَّهُ لَجَاهِدٌ، مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ». وَخَالَفَ قُتَيْبَةُ مُحَمَّدًا فِي الْحَدِيثِ فِي حَرْفَيْن، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّادٍ: وَأَلْقِ سَكِينَةً عَلَيْنَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكّيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٦. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) الأسلميّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الصلاة» ٥١/ ١١٤٠. ٥ - (سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع، نُسب لجدّه الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ الشهير، شَهِد بيعة الرضوان، ومات بالمدينة سنة (٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٤/ ٢٨٨. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣٢٣) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخيه، فالأول بَغْلانيّ، نسبة لقرية من قُرى بَلْخَ، والثاني مكيّ، ثمّ بغداديّ. شرح الحديث: (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى خَيْبَرَ)؛ أي: إلى غزوتها، (فَتَسَيَّرْنَا لَيْلًا)؛ أي: ذهبنا، وهو مبالغة في «سار»، ولفظ البخاريّ: «فسِرْنا ليلًا»، أو معنى «تسيّرنا»: سِرْنا سَيْرًا بعد سَيْر، أو جماعةً بعد جماعة، (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه صريحًا، وعند ابن إسحاق من حديث نصر بن دهر الأسلميّ، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع، وهو عَمّ سلمة بن الأكوع، واسم الأكوع: سنان -: «انزِلْ يا ابن الأكوع، فاحْدُ لنا من هُنياتك»، ففي هذا أن النبيّ - ﷺ - هو الذي أمره بذلك. انتهى . (لِعَامِرِ بْنِ الأَكْوَعِ) هو: عامر بن سنان بن عبد الله بن قُشير الأسلميّ المعروف بابن الأكوع، عمّ سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع: سنان، ويقال: أخوه، ففي بعض الروايات يقول سلمة: «فقاتل أخي عامر قتالًا شديدًا»، وفي بعضها يقول: «وخرج عمي عامر إلى خيبر»، ويمكن التوفيق بينهما بأن يكون أخاه من أمّه، على ما كانت الجاهليّة تفعله، أو من الرضاعة، أفاده في «الإصابة» . (ألَا) أداة تحضيض، (تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ) جمع هُنَيهة؛ أي: أراجيزك، وفي بعض النسخ: «من هُنَيّاتك» - بتشديد الياء، آخر الحروف، بعد النون - قال الكرمانيّ: «الْهُنَيّاتُ»: جمع الْهُنيَّة مُصَغَّر الهَنَة، إذْ أصلها هَنَوٌ، وهي الشيء الصغير، والمراد بها هنا: الأراجيز. وقال الجوهريّ: هَنٌ على وزن أَخ: كلمةُ كناية، ومعناها: شيءٌ، وأصله هَنَوٌ، وتقول للمرأة: هَنَةٌ، وتصغيرها هُنَيّة، تَرُدُّها إلى الأصل، وتأتي بالهاء، وقد تُبدل من الياء الثانية هاء، فنقول: هُنَيهة. وقال ابن الأثير: «من هناتك»؛ أي: من كلماتك، أو من أراجيزك، وفي رواية: «من هُنَيّاتك» على التصغير، وفي أخرى: «من هُنيهاتك» على قلب الياء هاء. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: «الهَنُ» خَفِيفُ النون: كناية عن كلّ اسم جنس، والأنثى: هَنَةٌ، ولامها محذوفة، ففي لغة هي هاء، فيُصَغَّر على هُنَيْهَةٍ، ومنه يقال: مَكَثَ هُنَيْهَةً؛ أي: ساعةً لطيفةً، وفي لغة هي واو، فَيُصَغَّر في المؤنث على هُنَيَّةٍ، والهمز خطأٌ؛ إذ لا وجه له، وجمعها: هَنَوَاتٌ، وربما جُمِعت: هَنَاتٍ، على لفظها، مثل عِدَاتٍ، وفي المذكَّر: هُنَيٌّ، وبه سُمِّي، ومنه هُنَيٌّ مولى عمر - ﵁ -، وكُنِي بهذا الاسم عن الفَرْج، ويُعْرَب بالحروف، فيقال: هَنُوهَا، وهَنَاهَا، وهَنِيهَا، مثلُ أخوها، وأخاها، وأخيها، وقيل: المحذوف نون، والأصل: هَن، بالتّثقيل، فَيُصَغَّرُ على هُنَيْنٍ. انتهى . ووقع عند البخاريّ في «الدعوات» من وجه آخر، عن يزيد بن أبي عبيد: «لو أسمعتنا من هَنَاتك» بغير تصغير. (وَكَانَ عَامِرٌ)؛ أي: ابن الأكوع، (رَجُلًا شَاعِرًا) قيل: هذا يدلّ على أن الرجز من أقسام الشعر؛ لأن الذي قاله عامر حينئذ من الرجز. (فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ)؛ أي: يحثّ رواحلهم على السير، يقال: حَدَوتُ بالإبل أَحْدُو حَدْوًا: حَثَثْتُها على السير بِالْحُداء، مثلُ غُرابٍ، وهو الْغِنَاءُ لها، وحَدَوتُهُ على كذا: بَعَثتُهُ عليه ، وقوله: (يَقُولُ) بيان لمعنى «يحدو»، (اللَّهُمَّ) قال النوويّ ﵀: كذا الرواية، قالوا: وصوابه في الوزن: «لاهمّ»، أو «تا الله»، أو «والله لولا أنت»، كما في الحديث الآخر: «والله لولا الله». انتهى . وقال في «الفتح»: في هذا القسم زِحَافُ الخزم - بمعجمتين - وهو زيادة سَبَبٍ خَفِيف في أوله، وأكثرها أربعة أحرف، وقد تقدّم في الجهاد من حديث البراء بن عازب - ﵄ -، وأنه من شِعْر عبد الله بن رواحة، فيَحْتَمِلُ أن يكون هو وعامر تواردا على ما تواردا منه، بدليل ما وقع لكل منهما، مما ليس عند الآخر، أو استعان عامر ببعض ما سبقه إليه ابن رواحة. انتهى . (لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا)؛ أي: لولا نعمتك علينا بالهداية لَمَا حصل لنا الاهتداء، (وَلَا تَصَدَّقْنَا، وَلَا صَلَّيْنَا، فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ) قال القاضي ﵀: «فداء» بالمدّ، والقصر، والفاء مكسورة، حكاه الأصمعيّ وغيره، فأما في المصدر فالمدّ لا غير، قال: وحَكَى الفراء: «فَدًى لك» مفتوحًا، مقصورًا، قال: ورَوَيناه هنا: «فِداءٌ لك» بالرفع، على أنه مبتدأ وخبره؛ أي: لك نفسي فداءٌ، أو نفسي فداءٌ لك، وبالنصب على المصدر. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «فِداء» - بكسر الفاء، وبالمدّ - وحَكَى ابن التين فتح أوله، مع القصر، وزعم أنه هنا بالكسر، مع القصر؛ لضرورة الوزن، ولم يُصِبْ في ذلك، فإنه لا يَتَّزِن إلا بالمدّ. [تنبيه]: قد استُشكِل هذا الكلام؛ لأنه لا يقال في حق الله تعالى؛ إذ معنى فداء لك: نَفْدِيك بأنفسنا، وحُذِف متعلق الفداء؛ للشهرة، وإنما يُتَصَوَّر الفداء لمن يجوز عليه الفناء. وأجيب عن ذلك بأنها كلمة لا يراد بها ظاهرها، بل المراد بها المحبة، والتعظيم، مع قطع النظر عن ظاهر اللفظ. وقيل: المخاطب بهذا الشِّعر النبيّ - ﷺ -، والمعنى: لا تؤاخذنا بتقصيرنا في حقّك، ونصرك، وعلى هذا، فقوله: «اللهم» لم يقصد بها الدعاء، وإنما افتَتَحَ بها الكلام، والمخاطب بقول الشاعر: لولا أنت .... إلخ النبيّ - ﷺ -. وَيعْكُر عليه قوله بعد ذلك: فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا فإنه دعا الله تعالى، ويَحْتَمِلُ أن يكون المعنى: فَاسْأل ربك أن يُنزل، ويُثَبِّت، والله أعلم. انتهى. وقال النوويّ: قال المازريّ: هذه اللفظة مشكلة، فإنه لا يقال: فِدى الباري ﷾، ولا يقال له ﷾: فديتك؛ لأن ذلك إنما يُستعمل في مكروه، يتوقع حلوله بالشخص، فيَختار شخص آخر أن يَحْلّ ذلك به، ويفديه منه، قال: ولعل هذا وقع من غير قصد إلى حقيقة معناه، كما يقال: قاتله الله، ولا يراد بذلك حقيقة الدعاء عليه، وكقوله - ﷺ -: «تَرِبَت يداكِ»، و«تَرِبت يمينك»، و«ويلُ أمه»، وفيه كله ضَرْب من الاستعارة؛ لأن الفادي مبالِغ في طلب رضى المفديّ حين بذل نفسه عن نفسه للمكروه، فكأن مراد الشاعر أني أبذل نفسي في رضاك، وعلى كل حال فإن المعنى، وإن أمكن صرفه إلى جهة صحيحة، فإطلاق اللفظ، واستعارته، والتجوّز به يفتقر إلى ورود الشرع بالإذن فيه، قال: وقد يكون المراد بقوله: «فِداءً لك» رجلًا يخاطبه، وفَصَل بين الكلام، فكأنه قال: فاغفر، ثم دعا إلى رجل ينبّهه، فقال: فداءً لك، ثم عاد إلى تمام الكلام الأول، فقال: ما اقتفينا، قال: وهذا تأويل يصح معه اللفظ والمعنى، لولا أن فيه تعسفًا اضطَرَّنا إليه تصحيح الكلام، وقد يقع في كلام العرب من الفصل بين الْجُمَل المعلق بعضها ببعض ما يُسَهِّل هذا التأويل. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في هذه التأويلات كلّها من التكلّف والتعسّف، والصواب عندي أن قوله: «فِداءً لك» هنا مما أُريدَ به تعظيم شأن المولى ﷾، وإظهار محبّته، فكما أن الإنسان إذا رفع شأن إنسان، وأراد إظهار محبّته له فداه بنفسه، وأبيه، وأمه، فكذلك قول العبد: فداء لك رب اغفر لي، وارحمني لا يريد به إلا ذلك، ولا يستلزم ذلك أن يلحق بالله ﷾ مكروه، أو مَخُوف، وإنما هو مجرّد تعظيم، وإظهار محبّة، فتأمله بالإمعان، والإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق. (مَا اقْتَفَيْنَا) - بقاف ساكنة، ومثنّاة مفتوحة تحتانيّة ساكنة؛ أي: اتَّبَعْنا واكتسبنا من الخطايا، من قَفَوْتُ الأثرَ: إذا اتَّبَعته، وهي - كما قال الحافظ - أشهر الروايات في هذا الرجز، وقع في بعض النسخ: «ما أبقينا»؛ أي: ما خلّفنا وراءنا من الآثام. ووقع في بعض روايات البخاريّ بلفظ: «ما اتَّقَينا» فقال في «الفتح»: هو: بتشديد المثناة، بعدها قاف، كذا للأكثر، ومعناه: ما تركنا من الأوامر، و«ما» ظرفيّة، وللأصيليّ، والنسفيّ بهمزة قطع، ثم موحّدة ساكنة؛ أي: ما خَلَّفنا وراءنا، مما اكتسبنا من الآثام، أو ما أبقيناه وراءنا من الذنوب، فلم نتب منه، وللقابسيّ: «ما لَقِينا» - باللام، وكسر القاف - والمعنى: ما وجدنا من المناهي. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «ما اقتفينا»؛ أي: اتّبعنا أمره، ومادته قاف، وفاء، وفي «المغازي»: «ما أبقينا»، من الإبقاء، ومادته باء وقاف؛ أي: افْدِنا من عقابك فِداء ما أبقينا من الذنوب؛ أي: ما تركناه مكتوبًا علينا، ورُوي: «ما اتَّقَينا» من الاتقاء، و«ما اقتنينا»، من الاقتناء، ويُروَى «ما أتينا» من الإتيان. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «افدِنا من عقابك … إلخ» هذا بناء على التأول المتقدّم لقوله: «فداءً لك»، وقد عرفت ما فيه آنفًا، فتنبّه. (وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا) بفتح القاف؛ أي: واجَهْنا العدوّ، (وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا) بمثناة؛ أي: جئنا إذا دُعينا إلى القتال، أو إلى الحقّ، قال الحافظ: ورُوي بالموحّدة، كذا رأيت في رواية النسفيّ، فان كانت ثابتة، فالمعنى: إذا دُعينا إلى غير الحقّ امتنعنا. وقال النوويّ ﵀: قوله: «إذا صيح بنا أتينا»: هكذا هو في نسخ بلادنا: «أتينا» بالمثناة في أوله، وذكر القاضي عياض أنه رُوي بالمثناة، وبالموحّدة، فمعنى المثناة: إذا صيح بنا للقتال ونحوه من المكارم أتينا، ومعنى الموحّدة: أَبَيْنا الفرار والامتناع. انتهى. (وَبِالصِّيَاح) بكسر الصاد المهملة: مصدر صاح بالشيء يَصِيحُ به صيحَةً: إذا صَرَخ. (عَوَّلوا عَلَيْنَا)؛ أي: حَمَلوا علينا بالصِّيَاح، لا بالشجاعة، قاله في «العمدة» . وقال النوويّ ﵀: قوله: «عَوّلوا علينا»: استغاثوا بنا، واستفزعونا للقتال، قيل: هي من التعويل على الشيء، وهو الاعتماد عليه، وقيل: من العويل، وهو الصوت. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «وبالصِّياح عَوَّلوا علينا»؛ أي: قصدونا بالدعاء بالصوت العالي، واستغاثوا علينا، تقول: عَوَّلتُ على فلان، وعَوَّلتُ بفلان: بمعنى استغثت به. وقال الخطابيّ: المعنى: أجْلَبوا علينا بالصوت، وهو من العويل. وتعقبه ابن التين بأنّ عَوَّلوا بالتثقيل، من التعويل، ولو كان من العويل لكان: أعولوا. ووقع في رواية إياس بن سلمة، عن أبيه، عند أحمد في هذا الرجز من الزيادة: إِنَّ الَّذِينَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا … إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا وقال الكرمانيّ: قد تقدّم أنه - ﷺ - كان يقولها في حفر الخندق، وأنها من أراجيز ابن رواحة، ثم أجاب بأنه لا منافاة في وقوع الأمرين، ولا محذور أن يَحْدُوَ الشخص بشِعر غيره . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟»)، وفي رواية أحمد: «فجَعَل عامر يرتجز، ويسوق الركاب»، وهذه كانت عادتهم، إذا أرادوا تنشيط الإبل في السَّير، ينزل بعضهم، فيسوقها، ويَحْدُو في تلك الحال. (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون للسؤال، (عَامِرٌ)؛ أي: هو عامرُ بن الأكوع. (قَالَ) - ﷺ - («يَرْحَمُهُ الله») وفي رواية إياس بن سلمة: «قال: غفر لك ربُّك، قال: وما استغفر رسول الله - ﷺ -؛ لأنسان يخصه إلا استُشْهِد»، وبهذه الزيادة يظهر السرّ في قول الرجل: «لولا أمتعتنا به». (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) هو عمر بن الخطّاب - ﵁ -، كما سيأتي في رواية إياس بن سلمة، عن أبيه، ولفظه: «فنادى عمر بن الخطاب، وهو على جمل له، يا نبي الله، لولا ما متعتنا بعامر»، وفي حديث نصر بن دهر، عند ابن إسحاق: «فقال عمر: وجبت يا رسول الله». (وَجَبَتْ)؛ أي: الشهادة (يَا رَسُولَ الله، لَوْلَا)؛ أي: هلّا (أَمْتَعْتَنَا بِهِ)؛ أي: أمتعتنا ببقائه؛ أي: أبقيته لنا لنتمتع به؛ أي: بشجاعته، والتمتع: الترفُّه إلى مدّة، ومنه: أمتعني الله ببقائك . وقال النوويّ ﵀: معنى «وجبت»؛ أي: ثبتت له الشهادة، وسيقع قريبًا، وكان هذا معلومًا عندهم أن من دعا له النبيّ - ﷺ - هذا الدعاء في هذا الموطن استُشْهِد، فقالوا: هلّا أمتعتنا به؛ أي: وَدِدْنا أنك لو أخرت الدعاء له بهذا إلى وقت آخر؛ لنتمتع بمصاحبته، ورؤيته مدةً. انتهى . (قَالَ) سلمة - ﵁ - (فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ، فَحَصَرْنَاهُمْ) من باب نصر؛ أي: أحطنا بهم، ومنعناهم من المضيّ لحوائجهم، يقال: حصره العدوّ في منزله: إذا حبسه، وأحصره المرض بالألف: إذا منعه من السفر، قال الفرّاء: هذا هو كلام العرب، وعليه أهل اللغة، وقال ابن القُوطيّة، وأبو عمرو الشيبانيّ: حَصَره العدوّ والمرض، وأحصره كلاهما بمعنى حبسه، ذكره الفيّومي ، وقوله: (حَتَّى أَصَابَتْنَا) غاية لمقدّر؛ أي: وطال الحصار حتى أصابتنا (مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ) - بفتح الميمين، بينهما خاء معجمة ساكنة -؛ أي: مجاعة، يقال: خَمُصَ الشخص خُمْصًا، فهو خَمِيصٌ: مثلُ قَرُبَ قرْبًا، فهو قَرِيبٌ: إذا جاع . (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - («إِنَّ اللهَ فَتَحَهَا)؛ أي: خيبر (عَلَيْكُمْ») أيها المحاصرون لها، والمنتظرون لفتحها، والظاهر أن هذا منه - ﷺ - بالوحي، ووقع في بعض النسخ: «إن الله فتحها عليهم» بضمير الغيبة. (قَالَ) سلمة - ﵁ - (فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ)؛ أي: دخلوا في المساء، (مَسَاءَ الْيَوْم الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ) ببناء الفعل للمفعول، (أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟»، فَقَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ) - ﷺ - («أَيُّ لَحْمٍ؟»، قَالُوا: لَحْمُ حُمُرِ الإِنْسِيَّةِ) ، وفي بعض النسخ:«حُمُر إنسيّةٍ»بالتنكير، و«الحُمُرُ»بضمّتين: جمع حِمَار، و«الإنسيّة»- بكسر الهمزة، وسكون النون، وبفتحهما - وهو من باب إضافة الموصوف إلى صفته . وقال النوويّ ﵀: قوله«لحم حُمُر الإنسية»: هكذا هو«حُمُر الإنسية»بإضافة«حُمُر»، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، وسبق بيانه مرّات، فعلى قول الكوفيين هو على ظاهره، وعند البصريين تقديره: حُمُر الحيوانات الإنسية، وأما«الأنسية»: ففيها لغتان، وروايتان، حكاهما القاضي عياض، وآخرون، أشهرهما كسر الهمزة، وإسكان النون، قال القاضي: هذه رواية أكثر الشيوخ، والثانية: فتحهما جميعًا، وهما جميعًا نسبة إلى الإنس، وهم الناس؛ لاختلاطها بالناس، بخلاف حُمُر الوحش. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«أَهْرِيقُوهَا) فعل من أهرق، وأصله: أراق، قال الفيّوميّ ﵀: رَاقَ الماءُ، والدمُ وغيره، رَيْقًا، من باب باع: انصَبّ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أَرَاقَهُ صاحبه، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتُبدل الهمزة هاءً، فيقال: هَرَاقَهُ، والأصل هَرْيَقَهُ، وزانُ دَحْرَجَهُ، ولهذا تُفْتَحُ الهاءُ من المضارع، فيقال: يُهَرِيقُهُ، كما تُفْتَح الدال من يُدَحْرِجُهُ، وتُفتح من الفاعل، والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، قال امرؤ القيس [من الطويل]: وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ … فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ والأمر: هَرِقْ ماءَكَ، والأصل: هَرْيِقْ، وزانُ دَحْرِجْ، وقد يُجْمَعُ بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقَهُ يُهْرِيقُهُ، ساكنُ الهاء؛ تشبيهًا له بأَسْطاع يُسْطِيع؛ كأن الهمزة زِيدت عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيًّا، و«دَعَا بِذَنُوبٍ، فَأُهْرِقَ»، ساكنُ الهاء، وفي «التهذيب»: مَن قال: أَهْرَقْتُ، فهو خَطَأٌ في القياس، ومنهم من يَجعل الهاء كأنها أصلٌ، ويقول: هَرَقْتُهُ هَرْقًا، من باب نَفَعَ، وفي الحديث: «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ»، بالبناء للمفعول، و«الدماءَ» نصب على التمييز، ويجوز الرفع على إسناد الفعل إليها، والأصلُ: تُهْرَاقُ دماؤها، لكن جُعِلت الألفُ واللامُ بدلًا عن الإضافة؛ كقوله تعالى: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: نكاحها. انتهى . (وَاكْسِرُوهَا»)؛ أي: اكسروا القُدُور التي تُطبخ بها، قال النوويّ ﵀: هذا يدلّ على نجاسة لحوم الحمر الأهلية، وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقد سبق بيان هذا الحديث وشرحه مع بيان هذه المسألة في«كتاب النكاح»، ومختصر الأمر بإراقته أن السبب الصحيح فيه أنه أمر بإراقتها؛ لأنها نجسة محرّمة، والثاني: أنه نَهَى للحاجة إليها، والثالث: لأنها أخذوها قبل القسمة، وهذان التأويلان هما لأصحاب مالك القائلين بإباحة لحومها، والصواب ما قدمنا. انتهى . (فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه، وأما قول صاحب«التنبيه» نقلًا عن شيخه: يَحْتَمِل أن يكون عُمَر، فلم يذكر له مستنَدًا، والله تعالى أعلم. (أوْ يُهْرِيقُوهَا، وَيَغْسِلُوهَا؟)؛ يعني: أنهم يكتفون بالإهراق، والغسل؛ أي: بدلًا من الكسر. [تنبيه]: قوله:«أو يهريقوها … إلخ» هكذا رواية المصنّف بالجزم؛ أي: أو ليُهريقوها، ويغسلوها، فالفعل مجزوم بلام الأمر المحذوفة عند القائلين بجواز حذفها مطّردًا في نحو قوله: قل له يفعل؛ أي: ليفعل، وقولِ الشاعر [من الوافر]: مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ … إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ أَمْرٍ تَبَالَا أي: لِتَفْد، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا﴾ [إبراهيم: ٣١]، وجعل ابن هشام حذف لام الأمر مختصًّا بالشعر؛ كالبيت المذكور. ويَحْتَمل أن يكون مجزومًا؛ لوقوعه في جواب أمر محذوف، تقديره: أو قل لهم: أهريقوها، واغسلوها يهريقوها، ويغسلوها، ويَحْتَمِل أن يكون جواب شرط محذوف؛ أي: إن تقل لهم: أهريقوها يهريقوها … إلخ ، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) - ﷺ - («أَوْ ذَاكَ»)؛ أي: أوْ تفعلون ذاك؛ أي: الإهراق، والغسل، قال النوويّ ﵀: هذا محمول على أنه - ﷺ - اجتَهَد في ذلك، فرأى كسرها، ثم تغيّر اجتهاده، أو أُوحي إليه بغسلها. انتهى . (قَالَ) سلمة: (فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ)؛ أي: المسلمون والكفّار؛ يعني: أنهم وقفوا مصطفّين للقتال، (كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ)؛ أي: ابن الأكوع، (فِيهِ قِصَرٌ) - بكسر القاف، وفتح الصاد المهملة، آخره راء -؛ أي: ليس طويلًا، يقال: قَصُرَ الشيءُ بالضمّ قِصَرًا وِزانُ عِنَبٍ: خلاف طال، فهو قَصِيرٌ، والجمعُ قِصَارٌ، ويتعدّى بالتضعيف، فيقال: قَصَّرتُهُ، وعليه قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وفي لغة: قَصَرْتُهُ، من باب قَتَلَ . (فَتَنَاوَلَ)؛ أي: أراد أن يُصيب (بِهِ)؛ أي: بذلك السيف القصير، (سَاقَ يَهُودِيٍّ) هو مَرْحِب رئيس أهل خيبر، (لِيَضْرِبَهُ)، وفي رواية البخاريّ: «وكان سيف عامر قصيرًا، فتناول به ساق يهوديّ ليضربه»، وفي رواية إياس بن سلمة الآتية: «فلما قَدِمنا خيبر خرج ملكهم مَرْحِب يَخْطِر بسيفه ، يقول [من الرجز]: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إَذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ قال: فبرز إليه عامرٌ، فقال: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَل مُغَامِرُ فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في تُرْس عامر، فصار عامر يَسْفُل له؛ أي: يضربه من أسفلُ، فرجع سيفه - أي: سيف عامر - على نفسه». (وَيَرْجِعُ) الواو عاطفة، و«يرجع»بمعنى«رجَعَ»، كما وقع في بعض النسخ، وكما هو لفظ رواية البخاريّ، وإنما عَدَل هنا إلى صيغة المضارع؛ قصدًا إلى حكاية الحال؛ كأنه تخيّل ما وقع في الزمن الماضي من رجوع ذُباب السيف يقع في الحال، فعبّر عنه بلفظ المضارع، ويصحّ أن تكون الواو حاليّةً، وحينئذ تكون داخلةً على محذوف، تقديره: وذباب سيفه يرجع؛ لأنه يمتنع دخول الواو الحاليّة على المضارع المثبَت، كما قال في«الخلاصة»: وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارعٍ ثَبَتْ … حَوَتْ ضَمِيرًا وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا … لَهُ الْمُضَارعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا فتكون الجملة اسميّةً حالًا من ضمير«فتناول»، ويكون من الأحوال المقدّرة، نظير قول الله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [النحل: ٢٩]؛ أي: فتناول ساق يهوديّ؛ ليضربه حال رجوع ذباب سيفه، وإصابته ركبته، والله تعالى أعلم. (ذُبَابُ سَيْفِهِ) - بضمّ الذال المعجمة، وتخفيف الموحّدتين، بينهما ألف -؛ أي: طَرَفه الأعلى، وقيل: حدّه. (فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ)، ولفظ البخاريّ:«فأصاب عينَ ركبة عامر»؛ أي: طرف ركبته الأعلى، (فَمَاتَ مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الضرب، وفي رواية يحيى القطان:«فأصيب عامر بسيف نفسه، فمات»، وفي رواية إياس بن سلمة الآتية عند مسلم:«فقَطَعَ أَكْحَلَه، فكانت فيها نفسه»، وفي رواية ابن إسحاق:«فَكَلَمَهُ كَلْمًا شديدًا، فمات منه». (قَالَ: فَلَمَّا قَفَلُوا)؛ أي: رجع المسلمون من خيبر. قال الجامع عفا الله عنه: رواية مسلم في هذا المحلّ فيها غموضٌ، وأوضح منها رواية البخاريّ، ولفظه:«قال: فلما قفلوا، قال سلمة: رآني رسول الله - ﷺ -، وهو آخذ بيدي، قال: ما لك؟ .... إلخ»، فجواب«لَمّا»قوله:«قال سلمة: رآني … إلخ»، وقوله:«وهو آخذ بيدي»جملة حالية من«رسول الله - ﷺ -». ولعلّ المعنى على رواية المصنّف أن«قال سلمة»مؤكّد لـ«قال»في قوله:«قال: فلما قفلوا»، وجواب«لَمّا»محذوف؛ أي: تكلّم الناس في شأن عامر، فقال بعضهم: حَبِطَ عمله، فحَزِنت لذلك. وقوله:«وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي»من كلام يزيد بن أبي عبيد الراوي عن سلمة؛ أي: قال سلمة لي، والحال أنه آخذ بيدي، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ)؛ أي: سلمة، (فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَاكِتًا)؛ أي: لا أتكلّم من شدّة حزني. وفي رواية قُتيبة عند البخاريّ: رآني رسول الله - ﷺ - شَاحِبًا، بمعجمة، ثم مهملة، وموحّدة؛ أي: متغيّر اللون، وفي رواية إياس عنده:«فأتيت النبيّ - ﷺ -، وأنا أبكي». (قَالَ) - ﷺ - («مَا لَكَ؟ »)؛ أي: أي شيء أسكتك؟ (قُلْتُ لَهُ) - ﷺ - (فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) مبتدأ وخبره، (زَعَمُوا)؛ أي: قالوا قولًا لا برهان له، (أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ) - بكسر الموحّدة، وتُفْتَح، مبنيًّا للفاعل -، يقال: حَبِطَ العملُ حَبَطًا، من باب تَعِبَ، وحُبُوطًا: فَسَدَ، وَهَدَرَ، وحَبَطَ يَحْبِطُ، من باب ضَرَبَ لغةٌ، وقُرئ بهما في الشواذّ. وفي رواية إياس:«بطل عمل عامر، قَتَل نفسه»، وعند ابن إسحاق:«فكان المسلمون شَكُّوا فيه، وقالوا: إنما قتله سلاحه». (قَالَ) - ﷺ - («مَنْ قَالَهُ؟ »، قُلْتُ: فُلَانٌ، وَفُلَانٌ) قال صاحب«التنبيه»: لا أعرفهما، (وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ الأَنْصَارِيُّ) - بتصغير الاسمين - الأشهليّ، أبو يحيى الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - سنة عشرين، أو بعدها (ع) تقدّمت ترجمته في«الحيض»٣/ ٧٠٠. (فَقَالَ) - ﷺ - («كَذَبَ)؛ أي: أخطأ (مَنْ قَالَهُ)؛ أي: قال هذا الكلام، وهو أن عامرًا حَبِط عمله، (إِنَّ) بكسر الهمزة، (لَهُ)؛ أي: لعامر - ﵁ - (لأَجْرَيْنِ»)، ووقع في بعض النسخ:«إن له لأجران»، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم النسخ:«لأجران»بالألف، وفي بعضها«لأجرين» بالياء، وهما صحيحان، لكن الثاني هو الأشهر الأفصح، والأول لغة أربع قبائل من العرب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]، وقد سبق بيانها مرات. ويَحْتَمِل أن الأجرين ثبتا له؛ لأنه جاهدٌ مجاهدٌ، كما سنوضحه في شرحه، فله أجر بكونه جاهدًا؛ أي: مُجتهدًا في طاعة الله تعالى، شديد الاعتناء بها، وله أجر آخر بكونه مجاهدًا في سبيل الله، فلمّا قام بوصفين، كان له أجران. انتهى. وفي رواية ابن إسحاق: «إنه لشهيد، وصلّى عليه». (وَجَمَعَ) - ﷺ - (بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ) إشارة إلى تأكيد الأجرين، («إِنَّهُ لَجَاهِدٌ، مُجَاهِدٌ) قال النوويّ ﵀: هكذا رواه الجمهور من المتقدمين والمتأخرين:»لَجَاهِدٌ«بكسر الهاء، وتنوين الدال،»مجاهد« بضم الميم، وتنوين الدال أيضًا، وفسَّروا الجاهد بالجادّ في علمه وعمله؛ أي: إنه لجادّ في طاعة الله، والمجاهد في سبيل الله، وهو الغازي. وقال القاضي عياض: فيه وجه آخر، وهو أنه جمع اللفظين توكيدًا، قال ابن الأنباريّ: العرب إذا بالغت في تعظيم شيء اشتَقَّت له من لفظه لفظًا آخر على غير بنائه، زيادةً في التوكيد، وأعربوه بإعرابه، فيقولون: جادٌّ مُجِدّ، وليلٌ لائلٌ، وشِعْرٌ شاعرٌ، ونحو ذلك، قال القاضي: ورواه بعض رواة البخاريّ، وبعض رواة مسلم: «لَجَاهَدَ» بفتح الهاء، والدال، على أنه فعل ماض، مَجَاهِدَ بفتح الميم، ونصب الدال، بلا تنوين، قال: والأول هو الصواب، والله أعلم. انتهى. وقال في «العمدة»: قوله: «إن له لأجرين»، وهما أجر الجهد في الطاعة، وأجر المجاهدة في سبيل الله، وقيل: أحدُ الأجرين موته في سبيل الله، والآخر لِمَا كان يحدو به القومَ من شعره، ويدعو الله في ثباتهم عند لقاء عدوهم. وقوله: «لجاهِدٌ، مُجَاهِدٌ» كلاهما بلفظ اسم الفاعل، الأول من الثلاثيّ، والثاني من المزيد فيه، والمعنى: لَجاهدٌ في الأجر، ومجاهد للمبالغة فيه؛ يعني: مبالغ في سبيل الله، ويروى بلفظ الماضي في الأول، وبلفظ جمع الْمَجْهَدة في الثاني. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «إنه لجاهد مجاهد» كذا للأكثر باسم الفاعل فيهما، وكسر الهاء، والتنوين، والأول مرفوع على الخبر، والثاني تابعٌ للتأكيد، كما قالوا: جَادٌّ مُجِدٌّ، ووقع لأبي ذَر عن الحمويّ، والمستملي: بفتح الهاء، والدال، وكذا ضبطه الباجيّ، قال عياض: والأول هو الوجه، قال الحافظ: يؤيده رواية أبي داود من وجه آخر، عن سلمة: «مات جاهِدًا مُجاهدًا»، قال ابن دريد: رجلٌ جاهِدٌ؛ أي: جادٌّ في أموره، وقال ابن التين: الجاهد مَن يرتكب المشقّة، ومجاهدٌ؛ أي: لأعداء الله تعالى. انتهى . (قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ») قال النوويّ ﵀: ضبطنا هذه اللفظة هنا في مسلم بوجهين، وذكرهما القاضي أيضًا. الصحيح المشهور الذي عليه جماهير رواة البخاريّ ومسلم:«مَشَى بها»بفتح الميم، وبعد الشين ياء، وهو فعل ماض من المشي، وبها جار ومجرور، ومعناه: مشى بالأرض، أو في الحرب. والثاني: مُشابهًا بضم الميم، وتنوين الهاء، من المشابهة؛ أي: مُشابهًا لصفات الكمال في القتال، أو غيره مثلَه، ويكون مشابهًا منصوبًا بفعل محذوف؛ أي: رأيته مشابهًا، ومعناه: قَلَّ عربيّ يشبهه في جميع صفات الكمال. وضبطه بعض رواة البخاريّ:«نشأ بها»بالنون والهمز؛ أي: شَبَّ، وكَبِرَ، وهاء عائدة إلى الحرب، أو الأرض، أو بلاد العرب، قال القاضي: هذه أوجه الروايات. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«قَلَّ عربيٌّ مَشَى بها مثلُهُ»كذا في هذه الرواية بالميم، والقصر، من المشي، والضمير للأرض، أو المدينة، أو الحرب، أو الخصلة. قال: ورواه قتيبة بلفظ:«نشأ»بنون، وهمزة، وحَكَى السهيليّ أنه وقع في رواية:«مُشابِهًا»بضم الميم اسم فاعل من الشبه؛ أي: ليس له مشابهٌ في صفات الكمال في القتال، وهو منصوب بفعل محذوف، تقديره: رأيته مشابِهًا، أو على الحال من قوله:«عربيّ»، قال السهيليّ: والحال من النكرة يجوز إذا كان في تصحيح معنى، وقال السهيليّ أيضًا: ورُوِيَ:«قَلَ عربيًّا نشأ بها مثلُهُ»والفاعل«مثلُهُ»، وعربيًّا منصوب على التمييز؛ لأن في الكلام معنى المدح، على حَدِّ قولهم:«عَظُم زيدٌ رجلًا، وقَلَّ زيدٌ أدبًا». انتهى . وقوله: (وَخَالَفَ قُتَيْبَةُ) بن سعيد شيخه الأول (مُحَمَّدًا)؛ أي: ابن عبّاد شيخه الثاني الذي ساق متن الحديث بلفظه كما صرّح به في أول الإسناد، (فِي الْحَدِيثِ)، وفي بعض النسخ:«من الحديث»، والأولى أوضح. (فِي حَرْفَيْنِ) أحدهما قوله:«شَاحِبًا»، بدل«ساكتًا»في قوله:«رآني رسول الله - ﷺ - ساكتًا»، والثاني قوله:«نشأ بها»بدل قوله:«مشى بها»، وإلى الثاني أشار البخاريّ بعد أن أخرجه عن عبد الله بن مسلمة، عن حاتم بن إسماعيل: بقوله:«حدّثنا قُتيبة، حدّثنا حاتم، قال: نشأ بها». انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكرته من أن المراد بالحرفين اللذين خالف فيهما قتيبةُ محمدَ بن عبّاد الكلمتان المذكورتان هو الأَولى من حمل بعضهم الحرفين على زيادة الياء والنون في قوله:«وألْقِيَن»الآتي بعده، وإطلاق الحرف على مطلق الكلمة سائغ في الاستعمال، فتنبّه. [تنبيه]: رواية قتيبة التي أشار إليها المصنف أخرجها البخاريّ في«الأدب»من«صحيحه»، فقال: (٦١٤٨) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدَّثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى خيبر، فَسِرْنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تُسمِعنا من هُنيهاتك؟ قال: وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم، يقول: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا … وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا فقال رسول الله - ﷺ -: «من هذا السائق؟» قالوا: عامر بن الأكوع، فقال: «يرحمه الله»، فقال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لو أمتعتنا به، قال: فأتينا خيبر، فحاصرناهم، حتى أصابتنا مَخْمَصةٌ شديدةٌ، ثم إن الله فتحها عليهم، فلما أمسى الناس اليوم الذي فتِحت عليهم، أوقدوا نيرانًا كثيرةً، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما هذه النيران؟ على أيّ شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «على أيّ لحم؟» قالواة على لحم حُمُرِ إنسيّة، فقال رسول الله - ﷺ -: «أهرقوها، واكسروها»، فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها، ونغسلها؟ قال: «أو ذاك»، فلما تصافّ القوم، كان سيف عامر فيه قِصَرٌ، فتناول به يهوديًّا ليضربه، ويرجعُ ذُباب سيفه، فأصاب ركبة عامر، فمات منه، فلما قفلوا، قال سلمة: رآني رسول الله - ﷺ - شَاحِبًا، فقال لي: «ما لك؟» فقلت: فِدًى لك أبي وأمي، زعموا أن عامرًا حَبِطَ عمله، قال: «من قاله؟» قلت: قاله فلان، وفلان، وفلان، وأُسيد بن الْحُضير الأنصاريّ، فقال رسول الله - ﷺ -: «كَذَب من قاله، إن له لأجرين» - وجَمَع بين إصبعيه - «إنه لجاهدٌ، مجاهدٌ، قَلَّ عربيّ نشأ بها مثلُهُ». انتهى . وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّادٍ)؛ أي: محمد بن عبّاد شيخه الثاني، (وَأَلْقِ سَكِينَةً عَلَيْنَا) لكنه غير موافق للوزن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٤٦٥٩ و٤٦٦٠] (١٨٠٢)، وسيأتي في «كتاب الصيد والذبائح» بعد الحديث رقم (١٩٣٩)، و(البخاريّ) في «المظالم» (٢٤٧٧) و«المغازي» (٤١٩٦) و«الذبائح والصيد» (٥٤٩٧) و«الأدب» (٦١٤٨) و«الدعوات» (٦٣٣١) و«الديات» (٦٨٩١)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢١٧٦)، و(النسائيّ) في «الجهاد» (٣١٥١)، و(ابن ماجه) في «الجهاد» (٣١٩٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤٧ و٤٨ و٥٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣١٤ و٣٥٥)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٧/ ٣٢) و«الأوسط» (١/ ٧٨)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٠٦)، و(ابن حزم) في «المحلّى» (١/ ١٠٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز إنشاء الأراجيز وغيرها من الشِّعر، وسماعها، ما لم يكن فيه كلام مذموم، ففي حديث عائشة - ﵂ - قالت: «سُئل رسول الله - ﷺ - عن الشعر، فقال:«هو كلامٌ، فحسنه حسنٌ، وقبيحه قبيح» . ٢ - (ومنها): استحباب الْحُداء في الأسفار؛ لتنشيط النفوس، والدوابّ على قطع الطريق، وإشغالها بسماعه عن الإحساس بألم السير. ٣ - (ومنها): بيان حكم من قاتل في سبيل الله، ثم ارتدّ عليه سيفه، فقتله، وهو أنه لا ينقص ذلك من أجره شيئًا، بل له أجره كاملًا. ٤ - (ومنها): بيان فضل عامر بن الأكوع - ﵁ -، حيث شَهِد له رسول الله - ﷺ - بأنه مات جاهدًا مُجاهدًا - ﵁ -. ٥ - (ومنها): الإنكار على من أخطأ رأيه الصواب، والردّ عليه بالتكذيب، بمعنى التخطئة. ٦ - (ومنها): جواز استعمال الإشارة توضيحًا للمقصود، فقد أشار - ﷺ - بإصبعيه إلى مضاعفة أجر عامر - ﵁ -. ٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: هذا الحديث يدلّ على نجاسة لحوم الحمر الأهلية، وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقد سبق بيان هذا الحديث، وشرحه مع بيان هذه المسألة في «كتاب النكاح»، ومختصرُ الأمر بإراقته أن السبب الصحيح فيه أنه أمر بإراقتها؛ لأنها نجسة محرّمة، والثاني: أنه نهى للحاجة إليها، والثالث: لأنهم أخذوها قبل القسمة، وهذان التأويلان هما لأصحاب مالك، القائلين بإباحة لحومها، والصواب ما قدمناه. انتهى . ٨ - (ومنها): وجوب غسل الإناء الذي طُبخت به النجاسة، قال ابن الجوزيّ ﵀: أراد النبيّ - ﷺ - التغليظَ عليهم في طبخهم ما نُهِي عن أكله، فلما رأى إذعانهم اقتَصَر على غسل الأواني، وفيه ردٌّ على من زَعَم أن دِنَان الخمر لا سبيل إلى تطهيرها؛ لِمَا يداخلها من الخمر، فإن الذي داخل القدور من الماء الذي طُبخت به الخمر يُطَهِّره، وقد أَذِنَ - ﷺ - في غسلها، فدَلّ على إمكان تطهيرها. انتهى . ٩ - (ومنها): بركة دعاء النبيّ - ﷺ - حيث قال لعامر بن الأكوع - ﵁ -: «يرحمه الله»، فاستُشهد بذلك. ١٠ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من اعتقادهم في النبيّ - ﷺ -، واستيقانهم أن الله ﷿ يستجيب دعاءه، فإنهم لَمّا سمعوا منه قوله: «يرحمه الله» قالوا: لولا أمتعتنا به؛ لِعِلْمهم أن دعاءه مستجاب، وأنه سيُستشهد في تلك الغزوة، فتمنّوا عدم دعائه له بذلك حتى يعيش معهم، ويقاتل الأعداء في المعارك القادمة، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٦٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَني أبو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَنَسَبَهُ غَيْرُ ابْنِ وَهْبٍ، فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ قَاتَلَ أخِي قِتَالًا شَدِيدًا، مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي ذَلِكَ، وَشَكُوا فِيهِ: رَجُلٌ مَاتَ فِي سِلَاحِه، وَشَكُّوا فِي بَعْضِ أَمْرِه، قَالَ سَلَمَةُ: فَقَفَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ خَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ائْذَنْ لِي أَنْ أَرْجُزَ لَكَ ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اِعْلَمْ مَا تَقُولُ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «صَدَقْتَ». وَأَنْزِلَنَّ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتِ الأقدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا قَالَ: فَلَمَّا قَضَيْتُ رَجَزِي، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَالَ هَذَا؟»، قُلْتُ: قَالَهُ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَرْحَمُهُ اللهُ»، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِن نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْه، يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَاتَ جَاهِدًا، مُجَاهِدًا»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ ابْنًا لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِيه، مِثْلَ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ - حِينَ قُلْتُ: إِنَّ نَاسًا يَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ -: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَذَبُوا، مَاتَ جَاهِدًا، مُجَاهِدًا، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ»، وَأَشَارَ بإِصبَعَيْهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريّ، أبو الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] مات في خلافة هشام بن عبد الملك (خ م دس) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٣/ ١٦٥٩. و«سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ» - ﵁ - ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. وقوله: (وَنَسَبَهُ غَيْرُ ابْنِ وَهْبٍ. . . إلخ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع نسخ «صحيح مسلم»، وهو صحيحٌ، وهذا من فضائل مسلم، ودقيق نظره، وحسن خِبْرته، وعظيم إتقانه، وسببُ هذا أن أبا داود، والنسائيّ، وغيرهما من الأئمة، رووا هذا الحديث بهذا الإسناد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن، وعبد الله بن كعب بن مالك، عن سلمة، قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: الصواب: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وأحمد بن صالح هذا هو شيخ أبي داود في هذا الحديث، وغيره، وهو راويه عن ابن وهب، قال الحفاظ: والوَهْم في هذا من ابن وهب، فجَعَل عبد الله بن كعب راويًا عن سلمة، وليس هو كذلك، بل عبد الرحمن يرويه عن سلمة، وإنما عبد الله والده، فذكر في نسبه؛ لأن له روايةً في هذا الحديث، فاحتاط مسلم ﵀، فلم يذكر في روايته عبد الرحمن، وعبد الله، كما رواه ابن وهب، بل اقتصر على عبد الرحمن، ولم ينسبه؛ لأن ابن وهب لم ينسبه، وأراد مسلم تعريفه، فقال: قال غير ابن وهب: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، فحَصَل تعريفه من غير إضافة للتعريف إلى ابن وهب، وحَذَف مسلم ذِكْر عبد الله من رواية ابن وهب، وهذا جائز، فقد اتَّفَقَ العلماء على أنه إذا كان الحديث عن رجلين، كان له حَذْف أحدهما، والاقتصار على الآخر، فأجازوا هذا الكلام، إذا لم يكن عُذْر، فإذا كان عُذْر بأن كان ذُكِر ذلك المحذوف غَلَطًا، كما في هذه الصورة، كان الجواز أَولى. انتهى كلام النوويّ . قال الجامع عفا الله عنه: وقد نبّه النسائيّ أيضًا على هذا الغلط، فقال في «الكبرى»: قال أبو عبد الرحمن: وهذا عندنا خطأٌ، والصواب: عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن سلمة بن الأكوع، والله أعلم. انتهى . وقال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ في «التقييد» بعد أن ذكر كلام مسلم المذكور هنا ما نصّه: قال أبو عليّ: كان ابن وهب يَهِمُ في إسناد هذا الحديث، فيقول: عن الزهريّ، عن عبد الرحمن، وعبد الله ابنَي كعب، فغيّره مسلم، وأصلحه، ولذلك قال: نسبه غير ابن وهب، هكذا قال أحمد بن صالح وغيره عن ابن وهب. حدّثناه حَكَم بن محمد، قال: نا أبو بكر بن إسماعيل، قال: نا محمد بن زبان، قال: نا أبو الطاهر، قال أبو بكر: وحدّثنا عليّ بن أحمد علان، نا عَمْرو بن سَوَّاد، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن وعبد الله ابنا كعب، أن سلمة بن الأكوع قال: لَمّا كان يوم خيبر، وذكر تمام الخبر. قال أبو الحسن الدارقطنيّ: خالف ابن وهب في هذا القاسم بن مبرور، رواه عن يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن سلمة بن الأكوع، قال: وهذا هو الصواب. قال أبو علي: وقد نبّه أبو داود في «كتاب السنن» على وَهْم ابن وهب في هذا الإسناد، وكذلك فعَلَ أبو عبد الرحمن النسائيّ، وذكر الصواب في ذلك. انتهى كلام الجيّانيّ ﵀ ، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم. قوله: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ) «كان» هنا تامّة، و«يوم» مرفوع على الفاعليّة؛ أي: جاء يومُ خيبر. وقوله: (قَاتَلَ أَخِي. . . إلخ) تقدّم أنه عمه، قال الحافظ في «الإصابة»: يمكن التوفيق بأن يكون أخاه من أمّه على ما كانت الجاهلية تفعله، أو من الرضاعة. انتهى . وقوله: (فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي ذَلِكَ)؛ أي: في شأن قتل عامر نفسه بنفسه. وقوله: (وَشَكُّوا فِيهِ) بتشديد الكاف، والجملة معترضة بين القول ومقوله، ويَحْتَمِل أن تكون حاليّةً؛ أي: والحال أنهم شكّوا في صحّة شهادته. وقوله: (رَجُلٌ مَاتَ فِي سِلَاحِهِ) خبر لمحذوف؛ أي: هو رجل. . . إلخ، و«في» بمعنى الباء، ولفظ النسائيّ: «مات بسلاحه»، والجملة في محلّ نصب مقول القول؛ أي: قالوا: هو رجلٌ مات بسبب ضربه نفسَهُ بسلاحه. وقوله: (وَشَكُّوا في بَعْضِ أَمْرِهِ) تأكيد لِمَا قبله. وقوله: (أَنْ أَرْجُزَ لَكَ) وفي بعض النسخ: «ائذن لي أَرْجُزْ لك»، وللنسائيّ: «أن أرتجز بك»، والمعنى: أُنشِد عندك شِعرًا من بحر الرَّجَز؛ لتنشيط الجمال ونحوه، والرجز: نوع من البحور الشعريّة الستّة عشر بحرًا المعروفة في «فنّ العَروض والقافية»، وأجزاؤه «مستفعلن» ستّ مرّات. وقوله: (فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: فَأذن لي رسول الله - ﷺ -. وقوله: (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ) أمرٌ من علِم يَعْلَم، فهمْزتُه وصل، والمعنى: تثبّت فيما تقوله عنه - ﷺ -، فإنّه مما ينبغي التثبّت له، فإن قول الشعر أمام رسول الله - ﷺ - ليس أمرًا هيّنًا، هذا هو الذي يظهر لي من معنى هذه العبارة. ونظير هذا ما تقدّم في «كتاب الصلاة» من قول عمر بن عبد العزيز لعروة بن الزبير لَمّا قال له عروة: أمَا إن جبريل قد نزل، فصَلّى إمام رسول الله - ﷺ -، فقال له عمر: «اعْلَمْ ما تقول يا عروة. . . إلخ»، فمعناه: تأكّد وتثبّت مما تُحدّث به، فإن هذا الأمر مهمّ. وذكر بعض الشرّاح أن قوله: «أَعْلَمُ» بصيغة المضارع للمتكلّم، ومعناه: أعلم أنا ما تقول، وتُنشد يا سلمة إلى آخر ما قاله، وهذا عندي بعيد مما عُرف من سيرة عمر - ﵁ - أنه كان كثيرًا ما يُنكر إنشاد الشعر أمامه - ﷺ -، وكذا في المساجد، فالصواب هنا حَمْله على الإنكار، لا على الإقرار. وقد ثبت إنكاره؛ لإنشاد الشعر في مواطن أخرى، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة: أن عمر مَرّ بحسّان، وهو يُنشد الشعر في المسجد، فَلَحَظ إليه، فقال: قد كنت أُنشد، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «أَجِبْ عني، اللهم أيّده بروح القدس»، قال: اللهمّ نعم. وأخرج النسائيّ وغيره، وصحّحه ابن خزيمة، عن أنس - ﵁ - قال: دخل النبيّ - ﷺ - مكة في عمرة القضاء، وابنُ رواحة بين يديه يقول: خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ … الَيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيْلِهِ … وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ فقال عمر: يا ابن رواحة، أفي حرم الله، وبين يدي رسول الله - ﷺ - تقول هذا الشعر؟ فقال النبيّ - ﷺ -: «خَلِّ عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده، لكلامه أشدّ عليهم من وقع النَّبْل». انتهى . فبهذا يتبيّن أن الصواب في قول عمر هنا «اعلم» أنه بصيغة الأمر، وأن مراده الإنكار؛ لإنشاده الشعر أمامه - ﷺ -، وأنه لا ينبغي أن يقوله؛ لأنه في نَظَره ليس من الأمور المستحسَنة التي تقال عند رسول الله - ﷺ -، فتأمله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: («يَرْحَمُهُ اللهُ») دعاء من النبيّ - ﷺ - لعامر بأن يرحمه الله تعالى؛ مكافأةً على إحسانه بهذا الرجز المتضمّن للمعاني السامية. وقوله: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ نَاسًا) وفي نسخة: «والله إن ناسًا». وقوله: (لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ)؛ أي: ليخافون أن يترحّموا عليه، وَيدْعُوا له بالرحمة والمغفرة، أو هابوا أن يصلّوا عليه صلاة الجنازة يوم مات، فالمضارع بمعنى الماضي، وعلى الثاني ففيه دليل لمن يقول: يُصلَّى على الشهيد، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك في موضعه من «كتاب الجنائز»، ولله الحمد والمنّة. وقوله: (يَقُولُونَ)؛ أي: في بيان سبب هيبتهم من الصلاة عليه. وقوله: (رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ)؛ أي: فلا يستحقّ الصلاة عليه؛ لكونه قَتَل نَفْسَه بزعمهم. وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الراوي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك في هذا السند. وقوله: (ثُمَّ سَأَلْتُ ابْنًا لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ويَحْتَمِل أن يكون إياس بن سلمة، والله تعالى أعلم. وقوله: (حَدَّثَني عَنْ أَبِيه، مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل ما حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب. وقوله: (وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ)؛ أي: تأكيدًا لثبوت الأجر مرّتين، بموته جاهدًا في طاعة الله تعالى، ومجاهدًا أعداء الله في سبيل الله تعالى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٢) - (بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَاب، وَهِيَ الْخَنْدَقُ) «الأحزاب»: جمع حزب، وهو الجماعة من الناس، والجملة من الشيء. وتحزب الناس: اجتمعوا، والحزب من القرآن: جملة مجتمعة منه، ويوم الأحزاب عبارة عن غزوة الأحزاب، وهي غزوة الخندق . قال العلّامة ابن القيّم ﵀: وكانت غزوة الأحزاب في سنة خمس من الهجرة في شوال، على أصح القولين؛ إذ لا خلاف أن أُحُدًا كانت في شوال سنة ثلاث، وواعد المشركون رسول الله - ﷺ - في العام المقبل، وهو سنة أربع، ثم أخلفوه لأجل جَدْب تلك السنة، فرجعوا، فلما كانت سنة خمس جاءوا لحربه، هذا قول أهل السير والمغازي. وخالفهم موسى بن عقبة، وقال: بل كانت سنة أربع، قال أبو محمد بن حزم: وهذا هو الصحيح الذي لا شكّ فيه، واحتَجَّ عليه بحديث ابن عمر - ﵄ - في «الصحيحين» أنه عُرِض على النبيّ - ﷺ - يوم أُحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يُجزه، ثم عُرِض عليه يوم الخندق، وهو ابن خمس عشرة سنة، فأجازه، قال: فصَحَّ أنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة. قال ابن القيّم: وأجيب عن هذا بجوابين: [أحدهما]: أن ابن عمر - ﵄ - أخبر أن النبيّ - ﷺ - رَدّه لَمّا استصغره عن القتال، وأجازه لمّا وصل إلى السنّ التي رآه فيها مطيقًا، وليمس في هذا ما ينفي تجاوزها بسنة أو نحوها. [الثاني]: أنه لعله كان يوم أُحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الخندق في آخر الخامسة عشرة. وكان سبب غزوة الخندق أن اليهود لمّا رأوا انتصار المشركين على المسلمين يوم أُحُد، وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين، فخرج لذلك، ثم رجع للعام المقبل، خرج أشرافهم، كسَلّام بن أبي الْحُقَيق، وسَلَّام بن مِشْكَم، وكِنانة بن الربيع، وغيرهم إلى قريش بمكة، يُحَرِّضونهم على غزو رسول الله - ﷺ -، ويؤلّبونهم عليه، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، ثم خرجوا إلى غَطَفان، فدعوهم، فاستجابوا لهم، ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك، فاستجاب لهم من استجاب، فخرجت قريش، وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف، ووافتهم بنو سُلَيم بِمَرّ الظَّهْران، وخرجت بنو أسد، وفزارة، وأشجع، وبنو مُرّة، وجاءت غطفان، وقائدهم عُيينة بن حِصْن، وكان مَن وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف. فلما سمع رسول الله - ﷺ - بمسيرهم إليه استشار الصحابة - ﵃ -، فأشار عليه سلمان الفارسيّ - ﵁ - بحفر خندق يحول بين العدوّ وبين المدينة، فأمر به رسول الله - ﷺ -، فبادر إليه المسلمون، وعَمِل بنفسه فيه، وبادروا هجومَ الكفار عليهم، وكان في حفره من آيات نبوّته - ﷺ -، وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبر به، وكان حَفْر الخندق أمام سَلْع، وسَلْعٌ: جبل خلف ظهور المسلمين، والخندق بينهم وبين الكفار، وخرج رسول الله - ﷺ - في ثلاثة آلاف من المسلمين، فتحصن بالجبل من خلفه، وبالخندق أمامهم. وقال ابن إسحاق: خرج في سبعمائة، قال ابن القيّم: وهذا غَلَطٌ من خروجه يوم أُحد. وأمر النبيّ - ﷺ - بالنساء، والذراريّ، فجُعلوا في آطام المدينة، واستَخْلَف عليها ابن أم مكتوم. وانطلق حُيَيّ بن أخطب إلى بني قريظة، فدنا من حصنهم، فأبى كعب بن أسد أن يفتح له، فلم يزل يكلمه حتى فتح له، فلما دخل عليه، قال: لقد جئتك بعزّ الدهر، جئتك بقريش، وغطفان، وأسد، على قادتها لحرب محمد، قال كعب: جئتني والله بذُلّ الدهر، وبِجَهَامٍ قد هراق ماؤه، فهو يرعد، ويبرق، ليس فيه شيء، فلم يزل به حتى نقض العهد الذي بينه وبين رسول الله - ﷺ -، ودخل مع المشركين في محاربته، فَسُرّ بذلك المشركون، وشَرَط كعب على حُيَيّ أنه إن لم يظفروا بمحمد أن يجيء حتى يدخل معه في حصنه، فيصيبه ما أصابه، فأجابه إلى ذلك، ووفّى له به، وبلغ رسول الله - ﷺ - خبر بني قريظة، ونَقْضهم للعهد، فبَعَث إليهم السعدين، وخَوَّات بن جُبير، وعبد الله بن رواحة؛ ليعرفوا هل هم على عهدهم، أو قد نقضوه؟ فلما دَنَوْا منهم، فوجدوهم على أخبث ما يكون، وجاهروهم بالسبّ، والعداوة، ونالوا من رسول الله - ﷺ -، فانصرفوا عنهم، ولَحَنُوا إلى رسول الله - ﷺ - لَحْنًا يخبرونه أنهم قد نقضوا العهد، وغَدَروا، فعَظُم ذلك على المسلمين، فقال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين»، واشتدّ البلاء، ونجم النفاق، واستأذن بعض بني حارثة رسول الله - ﷺ - في الذهاب إلى المدينة، وقالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]، وَهَمَّ بنو سَلِمَة بالفَشَل، ثم ثَبَّت الله الطائفتين، وأقام المشركون محاصرين رسول الله - ﷺ - شهرًا، ولم يكن بينهم قتال؛ لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد وَدّ، وجماعة معه أقبلوا نحو الخندق، فلمّا وقفوا عليه قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها، ثم تيمَّموا مكانا ضَيِّقًا من الخندق، فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، وَدَعَوْا إلى الْبِرَاز، فانتدب لعمرو عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، فبارزه، فقتله الله على يديه، وكان من شجعان المشركين، وأبطالهم، وانهزم الباقون إلى أصحابهم، وكان شعار المسلمين يومئذ: «حم لا ينصرون». ولما طالت هذه الحال على المسلمين أراد رسول الله - ﷺ - أن يصالح عُيينة بن حِصْن، والحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة، وينصرفا بقومهما، وَجَرَت المراوضة على ذلك، فاستشار السَّعْدَين في ذلك، فقالا: يا رسول الله إن كان الله أمَرك بهذا فسمعًا وطاعةً، وإن كان شيئًا تصنعه لنا، فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن، وهؤلاء القوم على الشرك بالله، وعبادة الأوثان، وهم لا يَطمعون أن يأكلوا منها ثمرة، إلا قِرَى، أو بَيْعًا، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزّنا بك، نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف، فَصَوَّب رأيهما، وقال: «إنما هو شيء أصنعه لكم؛ لمّا رأيت العرب قد رَمَتكم عن قَوْسٍ واحدة». ثم إن الله ﷿ - وله الحمد - صنع أمرًا من عنده خَذَل به العدوّ، وهَزَم جموعهم، وفَلّ حَدَّهم، فكان مما هيأ من ذلك أن رجلًا من غطفان، يقال له نعيم بن مسعود بن عامر - ﵁ - جاء إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، فَمُرْني بما شئت، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما أنت رجل واحد، فَخَذِّل عنّا ما استطعت، فإن الحرب خُدْعة»، فذهب من فوره ذلك إلى بني قريظة، وكان عَشِيرًا لهم في الجاهلية، فدخل عليهم، وهم لا يعلمون بإسلامه، فقال: يا بني قريظة إنكم قد حاربتم محمدًا، وإن قريشًا إن أصابوا فُرْصةً انتهزوها، وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين، وتركوكم ومحمدًا، فانتقم منكم، قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن، قالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم مضى على وجهه إلى قريش، فقال لهم: تعلمون وُدِّي لكم، ونُصحي لكم، قالوا: نعم، قال: إن يهود قد نَدِمُوا على ما كان منهم، من نقض عهد محمد - ﷺ - وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن، يدفعونها إليه، ثم يمالئونه عليكم، فإن سألوكم رهائن، فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك، فلما كان ليلة السبت من شوال، بعثوا إلى اليهود: إنا لسنا بأرض مُقام، وقد هلك الكُراع، والْخُفّ، فانهضوا بنا حتى نناجز محمدًا، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما أصاب مَن قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا، فإنا لا نقاتل معكم، حتى تبعثوا إلينا رهائن، فلما جاءتهم رسلهم بذلك، قالت قريش: صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل إليكم أحدًا، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمدًا، فقالت قريظة: صدقكم والله نعيم، فتخاذل الفريقان، وأرسل الله على المشركين جندًا من الريح، فجعلت تُقَوِّض خيامهم، ولا تَدَع لهم قِدْرًا إلا كفأتها، ولا طُنُبًا إلا قلعته، ولا يَقِرّ لهم قرار، وجُنْد الله من الملائكة يزلزلونهم، ويُلقون في قلوبهم الرعب والخوف، وأرسل رسول الله - ﷺ - حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال، وقد تهيئوا للرحيل،
مصادر المؤلف (٥١)

١. وفي نسخة: «فتحها عليهم».

٢. وفي نسخة: «حمرٍ إنسيّة».

٣. وفي نسخة: «من الحديث».

٤. «الفتح» ٩/ ٢٩٦، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٦).

٥. راجع: «الإصابة في تمييز الصحابة» ٣/ ٤٧١ - ٤٧٢.

٦. «عمدة القاري» ٢٢/ ١٨٤.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤١ - ٦٤٢.

٨. «المصباح المنير» ١/ ١٢٥.

٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٦.

١٠. «الفتح» ٩/ ٢٩٦، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٦).

١١. «إكمال المعلم» ٦/ ١٨٢.

١٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٦.

١٣. «الفتح» ٩/ ٢٩٦، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٦).

١٤. «عمدة القاري» ٢٢/ ١٨٤.

١٥. «عمدة القاري» ٢٢/ ١٨٤.

١٦. «شرح النوويّ»١٢/ ١٦٧.

١٧. راجع:«الفتح»٩/ ٢٩٧، كتاب«المغازي»رقم (٤١٩٦).

١٨. «عمدة القاري»٢٢/ ١٨٤.

١٩. «الفتح» ٩/ ٢٩٧ - ٢٩٨.

٢٠. شرح النوويّ«١٢/ ١٦٧.

٢١. «المصباح المنير»١/ ١٣٨.

٢٢. «المصباح المنير»١/ ١٨٢.

٢٣. وفي نسخة: «حمرٍ إنسيّة».

٢٤. «عمدة القاري» ٢٢/ ١٨٤.

٢٥. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٧ - ١٦٨.

٢٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٤٨.

٢٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٨.

٢٨. راجع: «تنبيه المعلم» ص ٣١٥.

٢٩. راجع: «مغني اللبيب» ٢/ ٤٢٢.

٣٠. «شرح النوويّ»١٢/ ١٦٨.

٣١. «المصباح المنير»٢/ ٥٠٥.

٣٢. أي: يرفعه مرّةً، ويضعه أخرى.

٣٣. «عمدة القاري» ٢٢/ ١٨٤.

٣٤. «الفتح» ٩/ ٢٩٩، كتاب «المغازي» رقم (٤١٩٦).

٣٥. «شرح النوويّ»١٢/ ١٦٩.

٣٦. «الفتح»٩/ ٢٩٩، كتاب«المغازي»رقم (٤١٩٦).

٣٧. «صحيح البخاريّ»٥/ ٢٢٧٧.

٣٨. رواه أبو يعلى في «مسنده» ٨/ ٢٠٠، والدارقطنيّ في «سننه» ٤/ ١٥٥ - ١٥٦، والبيهقيّ في «الكبرى» ١٠/ ٢٣٩، وذكره الهيثميّ في «مجمع الزوائد»، وعزاه لأبي يعلى، وقال: فيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وثقه جماعة، وضعّفه ابن معين، وغيره، وبقيّة رجاله رجال الصحيح، وحسّنه الشيخ الألبانيّ.

٣٩. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٨.

٤٠. راجع: «الفتح» ٦/ ٢٩٩ - ٣٠٠، كتاب «المظالم» رقم (٢٤٧٧).

٤١. وفي نسخة: «ائذن لي أرجُز لك».

٤٢. وفي نسخة: «والله إن ناسًا».

٤٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ١٦٩ - ١٧٠.

٤٤. «السنن الكبرى» ٦/ ١٣٦.

٤٥. «تقييد المهمل» ٣/ ٨٨٠ - ٨٨٢.

٤٦. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٥/ ٢٨٠ - ٢٨١.

٤٧. هو صاحب«تكملة فتح الملهم»، وتبعه الشيخ الهرري.

٤٨. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٢/ ٣٨٨.

٤٩. «تنبيه المعلم» ص ٣١٦.

٥٠. «المفهم» ٣/ ٦٤٣.

٥١. هو السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه.