المتقدِّمون في التصديق، والسابقون في الإيمان، وكافرهم قدوة غيرهم من الكفار، فإنهم أول من ردّ الدعوة، وكَفَر بالرسول - ﷺ -. انتهى .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٦٩٥] (١٨١٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٢/ ١٦٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٣١ و٣٧٩ و٣٨٣)، (وابن أبي عاصم) في «السُّنّة» (١٥١٠)، و(ابن حبان) في «صحيحه» (٦٢٦٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣٦٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣/ ٤١٠ و٤/ ١٨٥ و١١/ ١٤٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٤١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٣٨٤٧).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩٦] (١٨٢٠) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثنانِ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ الْيَربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣.
٢ - (عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ) العُمريّ المدنيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٢.
٣ - (أَبُوهُ) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٢.
٤ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العَدَويّ، أبو عبد الرحمن - ﵄ -، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٢٨) من رباعيّات الكتاب، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، وفيه ابن عمر - ﵁ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وهو المشهور بشدّة اتّباعه للأثر - ﵁ -.
شرح الحديث:
(عَن مُحَمَّدِ بْنِ زيدٍ) أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر - ﵄ - (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ)؛ أي: أمر الخلافة، (فِي قُرَيْشٍ)؛ يعني: أنه لا يزال الذي يليها قرشيًّا، (مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ») «ما» مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة بقاء اثنين من الناس، وفي رواية البخاريّ: «ما بقي منهم اثنان».
قال أبو محمد بن حزم - ﵀ -: قوله - ﷺ -: «لا يزال هذا الأمر … إلخ»: هذه اللفظة لفظة الخبر، فإن كان معناه الأمر، فحرام أن يكون الأمر في غيرهم أبدًا، وإن كان معناه معنى الخبر كلفظه، فلا شكّ في أن من لم يكن من قريش فلا أمر له، وإن ادّعاه، فعلى كل حال فهذا خبر يوجب منع الأمر عمن سواهم. انتهى .
وقال الكرمانيّ - ﵀ -: ليست الحكومة في زمننا لقريش، فكيف يطابق الحديث؟.
وأجاب عن ذلك بأن في بلاد الغرب خليفةً من قريش، وكذا في مصر، وتُعُقّب بأن الذي في الغرب هو الحفصيّ صاحب تونس وغيرها، وهو منسوب إلى أبي حفص رقيق عبد المؤمن صاحب ابن تومرت الذي كان على رأس المائة السادسة، ادَّعَى أنه المهديّ، ثم غلب أتباعه على معظم الغرب، وسُمُّوا بالخلافة، وَهُمْ عبد المؤمن وذريته، ثم انتقل ذلك إلى ذرية أبي حفص، ولم يكن عبد المؤمن من قريش، وقد تسمّى بالخلافة هو وأهل بيته، وأما أبو
حفص فلم يكن يَدَّعِي أنه من قريش في زمانه، وإنما ادّعاه بعض ولده لمّا غَلَبوا على الأمر، فزعموا أنهم من ذرية أبي حفص عمر بن الخطاب، وليس بيدهم الآن إلا المغرب الأدنى، وأما الأقصى فمع بني الأحمر، وهم منسوبون إلى الأنصار، وأما الأوسط فمع بني مَرِين، وَهُم من البربر.
وأما قوله: فخليفة من مصر، فصحيحٌ، ولكنه لا حَلَّ بيده ولا رَبْط، وإنما له من الخلافة الاسم فقط، وحينئذٍ هو خبر بمعنى الأمر، وإلا فقد خرج هذا الأمر عن قريش في أكثر البلاد.
ويَحْتَمِل حمله على ظاهره، وإن المتغلبين على النظر في أمر الرعية في معظم الأقطار، وإن كانوا من غير قريش، لكنهم معترفون أن الخلافة في قريش، ويكون المراد بالأمر: مجرد التسمية بالخلافة، لا الاستقلال بالحكم، والأول أظهر، والله أعلم. انتهى .
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «لا يزال هذا الأمر … إلخ» هذا خبرٌ عن المشروعية؛ أي: لا تنعقدُ الولايةُ الكبرى إلَّا لهم مهما وُجد منهم أحدٌ، وفي حديث آخر: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ، وقد استدَلَّ بهذا اللَّفظ، وما في معناه من قوله - ﷺ -: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا، وَلا تَتَقَدَّمُوها» كُبراء أصحاب الشافعيّ - ﵀ - على ترجيح مذهب الشافعيّ على غيره؛ من حيث إنه قرشيٌّ، ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّه لا يصحُّ الاحتجاج به إلَّا حتى تُحْمَل الإمامةُ فيه على العموم في كل شيء يُحتاج إلى الاقتداء فيه، من الإِماَمةِ الكُبْرى، وإمامة الفَتْوى، والقضاء، والصَّلاة، وغير ذلك من الولايات، ولا يصح ذلك؛ للإجماع على خِلافِه؛ إذ قد أجمعت الأمة على أن جميع الولايات تصحُّ لغير قريش، ما خلا الإمامة الكبرى، فهي المقصودة بالحديث قَطْعًا، وقد قدَّم النبيّ - ﷺ - غير قريش على قريش، فإنه قدَّم زيد بن حارثة، وولده أسامة، ومعاذ بن جبل، وقدَّم سالِمًا مولى أبي حُذيفة على الصلاة بقُباء، فكان يَؤُمُّهُم وفيهم أبو بكر، وعمر، وغيرهم، من كبراء قريش، ثم إن الشافعيّ - ﵀ - أول من ترك عموم تلك الأخبار، فإنَّه قد اقتدى
بمالك، واسْتَفْتَاهُ، ومالك ليس بقرشيٍّ، وإنما هو أَصْبَحيٌّ صَرِيْحًا، وأيضًا: فإنَّه لم يُرْوَ عنه أنه مَنَع من تقليد مَنْ ليس بقرشي، فدلَّ هذا كُلُّه على أن الْمُسْتَدلَّ بذلك الحديث على تقديم مذهب الشافعيّ صَحِبَتْهُ غَفْلَةٌ، قارَنَها من تَصْمِيم التَّقْليد طَيْشَةٌ، وربما رووا ألفاظًا رفعوها؛ كقوله: «تَعَلَّمُوا من قريش، ولا تُعَلِّمُوها»، وذلك لا يصحُّ نَقْلًا، ولا معنىً؛ بما تقدَّم، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ -، وهو بحث حسن، وقد تقدّم البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﷺ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٦٩٦] (١٨٢٠)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٢١٩٥) و«الأحكام» (٧١٤٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٢/ ١٧١)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٩٥٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٩ و٩٣ و١٢٨)، و(أبو القاسم البغويّ) في «الجعديّات» (٢١٩٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٥٥٨٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٢٦٦ و٦٦٥٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣٥٥ و٣٦٨ و٣٦٩)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٣١١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٤١) و«شعب الإيمان» (٦/ ٧)، و(أبو محمد البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٣٨٤٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال في «الفتح»: قوله: «ما بَقِيَ منهم اثنان»: قال ابن هُبيرة: يَحْتَمِل أن يكون على ظاهره، وأنهم لا يبقى منهم في آخر الزمان إلا اثنان: أمير، ومؤمَّر عليه، والناس لهم تبَعٌ.
قال الحافظ: في رواية مسلم عن شيخ البخاريّ في هذا الحديث: «ما بقي من الناس اثنان»، وفي رواية الإسماعيليّ: «ما بقي في الناس اثنان، وأشار بإصبعيه: السبابة، والوسطى»، وليس المراد حقيقةَ العدد، وإنما المراد به: انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش.
ويَحْتَمِل أن يُحمل المطلَق على المقيَّد في الحديث الأول، ويكون
التقدير: لا يزال هذا الأمر؛ أي: لا يُسَمَّى بالخليفة إلا من يكون من قريش، إلا أن يسمى به أحد من غيرهم غلبةً وقهرًا، وإما أن يكون المراد بلفظه: الأمرَ، وإن كان لفظه لفظَ الخبر.
ويَحْتَمِل أن يكون بقاء الأمر في قريش في بعض الأقطار دون بعض، فإن بالبلاد اليمنية، وهي النجود منها طائفة من ذرية الحسن بن عليّ لم تزل مَمْلَكة تلك البلاد معهم من أواخر المائة الثالثة، وأما مَن بالحجاز مِن ذرية الحسن بن عليّ، وهم أمراء مكة، وأمراء ينبع، ومن ذرية الحسين بن عليّ، وهم أمراء المدينة، فإنهم وإن كانوا من صميم قريش، لكنهم تحت حكم غيرهم من ملوك الديار المصرية، فبقي الأمر في قريش بقُطر من الأقطار في الجملة، وكبير أولئك؛ أي: أهل اليمن يقال له: الإمام، ولا يتولى الإمامة فيهم إلا من يكون عالِمًا متحريًا للعدل.
وقال الكرمانيّ: لم يخلُ الزمان عن وجود خليفة من قريش؛ إذ في المغرب خليفة منهم على ما قيل، وكذا في مصر.
قال الحافظ: الذي في مصر لا شكّ في كونه قرشيًّا؛ لأنه من ذرية العباس، والذي في صَعدة وغيرها من اليمن لا شكّ في كونه قرشيًّا؛ لأنه من ذرية الحسين بن عليّ، وأما الذي في المغرب فهو حفصيّ، من ذرية أبي حفص صاحب بن تومرت، وقد انتسبوا إلى عمر بن الخطاب، وهو قرشيّ.
قال: ولحديث ابن عمر شاهد من حديث ابن عباس، أخرجه البزار، بلفظ: «لا يزال هذا الدين واصبًا، ما بقي من قريش عشرون رجلًا».
وقال النوويّ: حُكم حديث ابن عمر مستمرّ إلى يوم القيامة، ما بقي من الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله - ﷺ -، فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش، من غير مزاحمة لهم على ذلك، ومن تغلب على المُلك بطريق الشركة لا يُنكر أن الخلافة في قريش، وإنما يدّعي أن ذلك بطريق النيابة عنهم. انتهى.
وقد أُورد عليه أن الخوارج في زمن بني أمية تسمَّوا بالخلافة واحدًا بعد واحد، ولم يكونوا من قريش، وكذلك ادَّعَى الخلافة بنو عبيد، وخُطب لهم بمصر، والشام، والحجاز، ولبعضهم بالعراق أيضًا، وأزيل الخلافة ببغداد قَدْر
سنة، وكانت مدة بني عبيد بمصر سوى ما تقدم لهم بالمغرب تزيد على مائتي سنة، وادَّعَى الخلافة عبد المؤمن صاحب ابن تومرت، وليس بقرشيّ، وكذلك كل من جاء بعده بالمغرب إلى اليوم.
والجواب عنه: أما عن بني عبيد، فإنهم كانوا يقولون: إنهم من ذرية الحسين بن عليّ، ولم يبايعوه إلا على هذا الوصف، والذين أثبتوا نسبتهم ليسوا بدون من نفاه، وأما سائر من ذُكِر، ومن لم يُذكَر فهم من المتغلِّبين، وحكمهم حكم البغاة، فلا عبرة بهم.
وقال القرطبيّ: هذا الحديث خبر عن المشروعية؛ أي: لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقرشيّ مهما وُجد منهم أحد، وكانه جنح إلى أنه خبر بمعنى الأمر.
وقد ورد الأمر بذلك في حديث جبير بن مطعم، رفعه: «قَدِّموا قريشًا، ولا تَقَدّموها»، أخرجه البيهقيّ، وعند الطبرانيّ من حديث عبد الله بن حنطب، ومن حديث عبد الله بن السائب مثله، وفي نسخة أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي هريرة، وعن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة مرسلًا أنه بلغه مثله، وأخرجه الشافعيّ من وجه آخر، عن ابن شهاب، أنه بلغه مثله.
وفي الباب حديث أبي هريرة - ﵁ - رفعه: «الناس تَبَعٌ لقريش في هذا الشأن»، أخرجاه في «الصحيحين»، من رواية المغيرة بن عبد الرحمن، ومسلم أيضًا من رواية سفيان بن عيينة، كلاهما عن الأعرج، عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم أيضًا من رواية همام، عن أبي هريرة، ولأحمد من رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة مثله، لكن قال: «في هذا الأمر»، وشاهده عند مسلم، عن جابر، كالأول، وعند الطبراني من حديث سهل بن سعد، وعند أحمد، وابن أبي شيبة من حديث معاوية، وعند البزار من حديث عليّ، وأخرج أحمد من طريق عبد الله بن أبي الْهُزيل، قال: لَمّا قَدِم معاوية الكوفة قال رجل من بكر بن وائل: لئن لم تنته قريش لنجعلنّ هذا الأمر في جمهور من جماهير العرب غيرهم، فقال عمرو بن العاص: كذبت، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «قريش قادة الناس».
قال ابن المنير: وجه الدلالة من الحديث ليس من جهة تخصيص قريش بالذِّكر، فإنه يكون مفهوم لَقَب، ولا حجة فيه عند المحققين، وإنما الحجة
وقوع المبتدأ مُعَرَّفًا باللام الجنسية؛ لأنَّ المبتدأ بالحقيقة ها هنا هو الأمر الواقع صفة لِـ «هذا»، وهذا لا يوصف إلَّا بالجنس، فمقتضاه حصر جنس الأمر في قريش، فيصير كأنه قال: لا أمْر إلَّا في قريش، وهو كقوله: «الشفعة فيما لَمْ يُقْسَم»، والحديث وإن كان بلفظ الخبر، فهو بمعنى الأمر، كأنه قال: ائتموا بقريش خاصّة وبقية طرق الحديث تؤيد ذلك، ويؤخذ منه أن الصحابة - ﵃ - اتفقوا على إفادة المفهوم للحصر، خلافًا لمن أنكر ذلك، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، أن شرط الإمام أن يكون قرشيًّا، وقيّد ذلك طوائف ببعض قريش، فقالت طائفة: لا يجوز إلَّا من وَلَد عليّ، وهذا قول الشيعة، ثم اختلفوا اختلافًا شديدًا في تعيين بعض ذرية عليّ، وقالت طائفة: يختص بولد العباس، وهو قول أبي مسلم الخرسانيّ، وأتباعه، ونقل ابن حزم أن طائفة قالت: لا يجوز إلَّا في وَلَد جعفر بن أبي طالب، وقالت أخرى: في ولد عبد المطلب، وعن بعضهم: لا يجوز إلَّا في بني أمية، وعن بعضهم: لا يجوز إلَّا في ولد عمر، قال ابن حزم: ولا حجة لأحد من هؤلاء الْفِرَق، وقالت الخوارج، وطائفة من المعتزلة - ﵀ -: يجوز أن يكون الإمام غير قرشيّ، وإنما يستحق الإمامة من قام بالكتاب والسُّنَّة، سواء كان عربيًّا أم عجميًّا، وبالغ ضرار بن عمرو، فقال: تولية غير القرشيّ أَوْلى؛ لأنه يكون أقلّ عشيرةً، فإذا عَصَى كان أمكن لخلعه، وقال أبو بكر بن الطيب: لَمْ يعرِّج المسلمون على هذا القول بعد ثبوت حديث: «الأئمة من قريش»، وعمل المسلمون به قرنًا بعد قرن، وانعقد الإجماع على اعتبار ذلك قبل أن يقع الاختلاف.
قال الحافظ: قد عَمِل بقول ضرار من قَبْل أن يوجد من قام بالخلافة من الخوارج علي بني أمية، كقَطَريّ - بفتح القاف، والطاء المهملة - ودامت فتنتهم حتى أبادهم المهلَّب بن أبي صُفْرة أكثر من عشرين سنة، وكذا تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج ممن قام على الحجاج، كابن الأشعث، ثم تسمى بالخلافة من قام في قُطْر من الأقطار في وقتٍ مَا، فتسمى بالخلافة، وليس من قريش، كبني عباد، وغيرهم بالأندلس، كعبد المؤمن، وذريته ببلاد المغرب كلها، وهؤلاء ضاهوا الخوارج في هذا، ولم يقولوا بأقوالهم، ولا تمذهبوا بآرائهم، بل كانوا من أهل السُّنَّة، داعين إليها.
وقال عياض: اشتراط كون الإمام قرشيًّا مذهب العلماء كافّة، وقد عدّوها في مسائل الإجماع، ولم يْنقل عن أحد من السلف فيها خلاف، وكذلك مَنْ بعدهم في جميع الأمصار، قال: ولا اعتداد بقول الخوارج، ومَن وافقهم مِن المعتزلة؛ لِمَا فيه من مخالفة المسلمين.
قال الحافظ: وَيحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر - ﵁ - من ذلك، فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات، أنه قال: إن أدركني أجلي، وأبو عبيدة حيّ استخلفته، فذكر الحديث، وفيه: «فإن أدركني أجلي، وقد مات أبو عبيدة، استخلفت معاذ بن جبل»، الحديث، ومعاذ بن جبل أنصاريّ، لا نَسَب له في قريش، فَيَحْتَمِل أن يقال: لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًّا، أو تغير اجتهاد عمر في ذلك، والله أعلم.
وأما ما احتج به من لَمْ يعيِّن الخلافة في قريش، من تأمير عبد الله بن رواحة، وزيد بن حارثة، وأسامة، وغيرهم في الحروب، فليس من الإمامة العظمى في شيء، بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير القرشيّ في حياته، والله أعلم.
واستُدِلَّ بحديث ابن عمر - ﵄ - على عدم وقوع ما فرضه الفقهاء من الشافعية وغيرهم، أنه إذا لَمْ يوجد قرشيّ يُستخلف كنانيّ، فإن لَمْ يوجد، فمِن بني إسماعيل، فإن لَمْ يوجد منهم أحد مستجمِع الشرائط، فعجميّ، وفي وجه: جُرْهُمي وإلا فمِن ولد إسحاق، قالوا: وإنما فرض الفقهاء ذلك على عادتهم في ذِكر ما يُمكن أن يقع عقلًا، وإن كان لا يقع عادة، أو شرعًا.
قال الحافظ: والذي حَمَل قائلُ هذا القول عليه أنه فَهِمَ منه الخبر المحض، وخبر الصادق لا يتخلف، وأما مَن حمَله على الأمر، فلا يحتاج إلى هذا التأويل. انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الأرجح حَمْله على الأمر؛ لوضوح أدلّته، فتنبّه، والله تعالى أعلم.