HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٢٢

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ) عَنْ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، مَعَ غُلَامِي نَافِعٍ: أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قال: فكتب لي: سمعت رسول الله ﷺ، يَوْمَ جُمُعَةٍ، عَشِيَّةَ رُجِمَ الْأَسْلَمِيُّ، يَقُولُ (لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً. كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ) وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ (عُصَيْبَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفْتَتِحُونَ الْبَيْتَ الْأَبْيَضَ. بَيْتَ كِسْرَى. أَوْ آلِ كِسْرَى). وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ (إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ فَاحْذَرُوهُمْ). وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ (إِذَا أَعْطَى اللَّهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ). وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ (أنا الفرط على الحوض).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص4
ج ٣ ص ١٤٥٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٦٤٤
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٩٧] (١٨٢١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ (ح) وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْني: ابْنَ عَبْدِ اللهِ الطَّحَّانَ - عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إنَّ هَذَا الأَمْرَ لَا يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمُ أئنَا عَشَرَ خَلِيفَةً»، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيَ عَلَيَّ، قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٣ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرَّحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغيّر حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله (٩٣) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٥. ٤ - (رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ) أبو سعيد، مقبول [١٠] من أفراد المصنّف تقدم في «الجمعة» ١٣/ ١٩٩٩. ٥ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الطَّحَّانُ) الْمُزنيّ مولاهم، أبو الْهَيثم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ٤٠٧٨. ٦ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوَائيّ الصحابيّ ابن الحصابيّ - ﵄ -، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في «الحيض» ٢٤/ ٨٠٨. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد. أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٢٩) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي) سمرة بن جندب - ﵁ - (عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (إنَّ هَذَا الأَمْرَ)؛ أي: إن عزّة الإسلام، والدِّين، وصلاح حال المسلمين، كما تدلّ عليه الروايات التالية، من قوله - ﷺ -: «لا يزال أمر الناس ماضيًا»، وقوله: «لا يزال الإسلام عزيزًا»، وقوله: «لا يزال هذا الدين عزيزًا منيعًا». (لَا يَنْقَضِي)؛ أي: لا ينقطع، ويزول (حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمُ)؛ أي: في الناس، (اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً) وفي رواية البخاريّ: «يكون اثنا عشر أميرًا». (قَالَ) جابر - ﵁ - (ثُمَّ تَكَلَّمَ)؛ أي: النبيّ - ﷺ - (بِكَلَامٍ خَفِيَ عَلَيَّ) وفي رواية سفيان التالية: «ثم تكلم النبيّ - ﷺ - بكلمة خَفِيَت عليّ»، ووقع عند أبي داود من طريق الشعبيّ، عن جابر بن سمرة - ﵄ - سبب خفاء الكلمة المذكورة على جابر، ولفظه: «لا يزال هذا الدين عزيزًا إلى اثني عشر خليفة، قال: فَكَبَّر الناس، وضَجُّوا، فقال كلمة خفيّةً، فقلت لأبي: يا أبت ما قال؟» فذكره، وفي الرواية الآتية عند مسلم: «صَمَّنيها الناس»؛ أي: أصمّوني منها، فلم أسمعها لكثرة كلامهم، ولَغَطَهم. (قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي) سمرة، وفي الرواية الآتية: «فسألت أبي»، (مَا قَالَ؟) «ما» استفهاميّة؛ أي: أي شيء قَالَ؟، وفي رواية البخاريّ: «فقال أبي»، (قَالَ) - ﷺ -: («كلُّهُمْ)؛ أي: كلّ الخليفة الاثني عشر (مِنْ قُرَيْشٍ») ووقع عند الطبرانيّ في آخر الحديث: «فالتفتّ، فإذا أنا بعمر بن الخطاب، وأبي، في أناس، فأثبتوا إليّ الحديث»، ووقع في حديث أبي جُحيفة عند البزار، والطبرانيّ نحو حديث جابر بن سمرة، بلفظ: «لا يزال أمر أمتي صالحًا»، وأخرجه أبو داود، من طريق الأسود بن سعيد، عن جابر بن سمرة نحوه، وزاد: «فلمّا رجع إلى منزله أتته قريش، فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: الهرج»، وأخرج البزار هذه الزيادة من وجه آخَر، فقال فيها: «ثم رجع إلى منزله، فأتيته، فقلت: ثم يكون ماذا؛ قال: الهرج». قال القرطبيّ - ﵀ - عند شرح قولِهِ: «لا يزال هذا الأمر عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش»: يعني به: أنه لا تزال عزَّةُ دين الإسلام قائمةً إلى اثني عشر خليفة من قريش، وقد اختُلف فيهم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم خلفاء العَدْلِ؛ كالخلفاء الأربعة، وعمر بن عبد العزيز، ولا بُدَّ من ظهور من يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتُهم في إظهار الحق والعدل، حتى يَكْمُل ذلك العدد، وهو أولى الأقوال عندي. وثانيها: أنَّ هذا إخبارٌ عن الولايات الواقعة بَعْدَهُ وبَعْدَ أصحابه، وكأنه أشار بذلك إلى مدة ولاية بني أُمَيَّة، ويعني بالدِّين: المُلك والولاية، وهو شرح الحال في استقامة السَّلْطَنَةِ لهم، لا على طريق المدح، وقد يقال: الدِّينُ على الْمُلْكِ؛ كما قال [من البسيط]: لَئِنْ حَلَلْتَ بِجوٍّ في بني أسدٍ … فِي دينِ عمرٍو وحَالتْ بيننا فَدَكُ وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ الآية [يوسف: ٧٦]، ثم عدّد هذا القائل ملوكهم، فقال: أَوَّلُهم يزيدُ بن معاوية، ثم ابنه معاويةُ بن يزيد - وقال: ولم يذكر ابن الزبير لأنه صحابيّ، ولا مروان لأنه غاصب لابن الزبير -، ثم عبد الملك، ثم الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد، ثم إبراهيم بن الوليد، ثم مروان بن محمد، فهؤلاء اثنا عشر، ثم خرجت الخلافة منهم إلى بني العباس. وثالثها: أن هذا خبر عن اثني عشر خليفة من قريش، مجتمعين في زمان واحد في آفاق مختلفة؛ كما قد وقع، فقد كان بالأندلس منهم في عصر واحد بعد أربعمائة وثلاثين سنة ثلاثة كلهم يَدَّعيها، وتَلَقَّب بها، ومعهم صاحبُ مصر، وخليفة بغداد، فكذلك يجوز أن يجتمع الاثنا عشر خليفة في العصر الواحد، وقد دلّ على هذا قوله: «سيكون خلفاء فتَكْثُر»، متّفقٌ عليه، قال القرطبيّ - ﵀ -: وكلٌّ محتمَل، والأول أَولاها؛ لبُعْده عن الاعتراض. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة - ﵄ - هذا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٦٩٧ و٤٦٩٨ و٤٦٩٩ و٤٧٠٠ و٤٧٠١ و٤٧٠٢] (١٨٢١)، و(البخاريّ) في «الإحكام» (٧٢٢٢ و٧٢٢٣)، و(أبو داود) في «كتاب المهديّ» (٤٢٨١)، و(الترمذي) في «الفِتَن» (٢٢٢٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٢٧٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٩٠ و١٠٠ و١٠٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٦٦١ و٦٦٦٢ و٦٦٦٣)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٠٥٩)، و(أبو القاسم البغويّ) في «الجعديّات» (٢٧٥٤)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٧١٥ - ٧١٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣٦٩ و٣٧٠ و٣٧١ و٣٧٢ و٣٧٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٤٥٦)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٣٩٠) و(البيهقيّ) في «دلائل النبوّة» (٦/ ٥٢٠)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٤٢٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال في «الفتح» عند شرح قوله - ﷺ -: «يكون اثنا عشر أميرًا، كلّهم من قريش» ما نصّه: قال ابن بطال عن المهلَّب: لَمْ ألق أحدًا يقطع في هذا الحديث؛ يعني: بشيء معيَّن، فقوم قالوا: يكونون بتوالي إمارتهم، وقوم قالوا: يكونون في زمن واحد، كلهم يدَّعي الإمارة، قال: والذي يغلب على الظنّ أنه - ﷺ - أخبر بأعاجيبَ تكون بعده من الفتن، حتى يفترق الناس في وقت واحد على اثني عشر أميرًا، قال: ولو أراد غير هذا لقال: يكون اثنا عشر أميرًا، يفعلون كذا، فلما أعراهم من الخبر، عرفنا أنه أراد أنهم يكونون في زمن واحد. انتهى. قال الحافظ: وهو كلامُ مَن لَمْ يقف على شيء من طُرُق الحديث غير الرواية التي وقعت في البخاريّ هكذا مختصرةً، وقد عرفت من الروايات التي ذكرتُها من عند مسلم وغيره، أنه ذَكر الصفة التي تختص بولايتهم، وهو كون الإسلام عزيزًا منيعًا، وفي الرواية الأخرى صفة أخرى، وهو أن كلهم يجتمع عليه الناس، كما وقع عند أبي داود، فإنه أخرج هذا الحديث من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، عن جابر بن سمرة، بلفظ: «لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفةً، كلهم تجتمع عليه الأمّة»، وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر، عن الأسود بن سعيد، عن جابر بن سمرة، بلفظ: «لا تضرّهم عداوة من عاداهم». وقد لَخَّص القاضي عياض ذلك، فقال: توجه على هذا العدد سؤالان: أحدهما: أنه يعارضه ظاهر قوله في حديث سَفينة - يعني: الذي أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن حبان، وغيره -: «الخلافة بعدي ثلاثون سنةً، ثم تكون مُلكًا»؛ لأنَّ الثلاثين سنة لَمْ يكن فيها إلَّا الخلفاء الأربعة، وأيام الحسن بن عليّ. والثاني: أنه وَليَ الخلافة أكثر من هذا العدد. قال: والجواب عن الأول أنه أراد في حديث سفينة خلافة النبوة، ولم يقيّده في حديث جابر بن سمرة بذلك، وعن الثاني: أنه لَمْ يقل: لا يلي إلَّا اثنا عشر، وإنما قال: «يكون اثنا عشر»، وقد وَليَ هذا العدد، ولا يمنع ذلك الزيادة عليهم، قال: وهذا إن جُعل اللفظ واقعًا على كلّ من وَليَ، وإلا فيَحْتَمِل أن يكون المراد مَن يستحق الخلافة، من أئمة العدل، وقد مضى منهم الخلفاء الأربعة، ولا بُدّ من تمام العدة قبل قيام الساعة، وقد قيل: إنهم يكونون في زمن واحد، يفترق الناس عليهم، وقد وقع في المائة الخامسة في الأندلس وحدها ستة أنفس، كلهم يتسمى بالخلافة، ومعهم صاحب مصر، والعباسية ببغداد إلى من كان يَدَّعِي الخلافة في أقطار الأرض من بلاد البرابر، وخراسان، من العلوية، والخوارج، وغيرهم، قال: ويعضد هذا التأويل قوله في حديث آخر في مسلم: «ستكون خلفاء، فيَكْثُرون»، قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أن يكون الاثنا عشر في مدّة عزة الخلافة، وقوَّة الإسلام، واستقامة أموره، والاجتماع على من يقوم بالخلافة، ويؤيده قوله في بعض الطرق: «كلّهم تجتمع عليه الأمة»، وهذا قد وُجد فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني أمية، ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد، فاتَّصَلت فُتُونهم إلى أن قامت الدولة العباسية، فاستأصلوا أمرهم، وهذا العدد موجود صحيح، إذا اعتُبِر. قال: وقد يَحْتَمِل وجوهًا أُخَر، والله أعلم بمراد نبته - ﷺ - فيها. انتهى . قال الحافظ: والاحتمال الذي قبل هذا، وهو اجتماع اثني عشر في عصر واحد كلهم يطلب الخلافة، هو الذي اختاره المهلّب، كما تقدم، وقد ذكرت وجه الردّ عليه، ولو لَمْ يَرِدْ إلَّا قوله «كلهم يجتمع عليه الناس»، فإن في وجودهم في عصر واحد يوجِد عين الافتراق، فلا يصحّ أن يكون المرادَ، ويؤيد ما وقع عند أبي داود، ما أخرجه أحمد، والبزار، من حديث ابن مسعود - ﵁ -، بسند حسن: «أنه سئل: كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله - ﷺ -، فقال: اثنا عشر، كعِدّة نقباء بني إسرائيل». وقال ابن الجوزيّ في «كشف المشكل» : قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث، وتطلّبت مظانّه، وسالت عنه، فلم أقع على المقصود به؛ لأنَّ ألفاظه مختلفة، ولا أشك أن التخليط فيها من الرواة، ثم وقع لي فيه شيء وجدت الخطابيّ بعد ذلك قد أشار إليه، ثم وجدت كلامًا لأبي الحسين بن المنادي، وكلامًا لغيره. فأما الوجه الأول، فإنه أشار إلى ما يكون بعده، وبعد أصحابه، وأن حُكم أصحابه مرتبط بحُكمه، فأخبر عن الولايات الواقعة بعدهم، فكأنه أشار بذلك إلى عدد الخلفاء من بني أمية، وكأن قوله: «لا يزال الدين -؛ أي: الولاية - إلى أن يلي اثنا عشر خليفة»، ثم ينتقل إلى صفة أخرى أشدّ من الأُولى، وأول بني أمية يزيد بن معاوية، وأَخرهم مروان الحمار، وعدّتهم ثلاثة عشر، ولا يُعَدّ عثمان، ومعاوية، ولا ابن الزبير؛ لكونهم صحابةً، فإذا أسقطنا منهم مروان بن الحكم؛ للاختلاف في ححبته، أو لأنه كان متغلِّبًا بعد أن اجتمع الناس على عبد الله بن الزبير، صحت العدّة، وعند خروج الخلافة من بني أمية، وقعت الفتن العظيمة، والملاحم الكثيرة، حتى استقرّت دولة بني العباس، فتغيرت الأحوال عمّا كانت عليه تغيّرًا بيّنًا، قال: ويؤيد هذا ما أخرجه أبو داود، من حديث ابن مسعود - ﵁ - رفعه: «تدور رَحَى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن هلكوا فسبيل من هلك، وإن يَقُمْ لهم دِينهم يَقُمْ لهم سبعين عامًا»، زاد الطبرانيّ، والخطابيّ: «فقالوا: سوى ما مضى؟ قال: نعم»، قال الخطابيّ: رَحَى الإسلام كناية عن الحرب، شَبّهها بالرحى التي تَطحن الحبّ؛ لِمَا يكون فيها من تلف الأرواح، والمراد بالدِّين في قوله: «يقم لهم دينهم» المُلك، قال: فيُشبه أن يكون إشارةً إلى مدة بني أمية في الفلك، وانتقاله عنهم إلى بني العباس، فكان ما بين استقرار المُلك لبني أمية، وظهور الوَهْن فيه، نحو من سبعين سنة. قال الحافظ: لكن يَعْكُر عليه أن من استقرار المُلك لبني أمية عند اجتماع الناس على معاوية سنة إحدى وأربعين إلى أن زالت دولة بني أمية، فقُتل مروان بن محمد في أوائل سنة اثنتين وثلاثين ومائة أزْيَد من تسعين سنة. ثم نَقَل عن الخطيب أبي بكر البغدادقي قولَهُ: «تدور رَحَى الإسلام» مَثَل يريد أن هذه المدة إذا انتهت حدث في الإسلام أمر عظيم، يُخاف بسببه على أهله الهلاك، يقال للأمر إذا تغيّر، واستحال: دارت رحاه، قال: وفي هذا إشارة إلى انتقاض مدة الخلافة، وقوله: «يقُمْ لهم دينهم»؛ أي: مُلكهم، وكان من وقت اجتماع الناس على معاوية إلى انتقاض مُلك بني أمية نحوًا من سبعين. قال ابن الجوزيّ: ويؤيد هذا التأويل ما أخرجه الطبرانيّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رفعه: «إذا مَلَك اثنا عشر من بني كعب بن لؤي، كان النَّقْفُ، والنّقَافُ إلى يوم القيامة». انتهى. قال الحافظ: والنقف ظَهَر لي أنه بفتح النون، وسكون القاف، وهو كسر الهامة عن الدماغ، والنَّقَاف بوزن فَعَال منه، وكَنَى بذلك عن القتل، والقتال، ويؤيده قوله في بعض طرق جابر بن سمرة: «ثم يكون الْهَرْجُ». وأما صاحب «النهاية»: فضَبَطه بالثاء المثلثة، بدل النون، وفسّره بالجِدّ الشديد في الخصام، ولم أر في اللغة تفسيره بذلك، بل معناه: الفطنة، والْحِذْق، ونحو ذلك. وفي قوله: «من بني كعب بن لؤيّ» إشارة إلى كونهم من قريش؛ لأنَّ لؤيًا هو ابن غالب بن فِهْر، وفهر جَمّاع قريش. وقد يؤخذ منه أن غيرهم يكون من غير قريش، فتكون فيه إشارة إلى القَحْطاني المقدَّم ذكره. قال: وأما الوجه الثاني، فقال أبو الحسين بن المنادي في الجزء الذي جَمَعَه في المهديّ: يَحْتَمِل في معنى حديث: «يكون اثنا عشر خليفةً» أن يكون هذا بعد المهديّ الذي يخرج في آخر الزمان، فقد وَجدت في «كتاب دانيال»: إذا مات المهديّ مَلَك بعده خمسة رجال، من وَلَدِ السبط الأكبر، ثم خمسة من ولد السبط الأصغر، ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأكبر، ثم يَملك بعده ولده، فيتم بذلك اثنا عشر مَلِكًا، كلّ واحد منهم إمام مهديّ. قال ابن المنادى: وفي رواية أبي صالح، عن ابن عباس: «المهديّ اسمه محمد بن عبد الله، وهو رجل ربعةٌ مُشَرَّب بحمرة، يُفَرِّج الله به عن هذه الأمة كلّ كرب، ويصرف بعدله كلّ جَوْر، ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر رجلًا، ستة مِن وَلَد الحسن، وخمسة من ولد الحسين، وآخر من غيرهم، ثم يموت، فيفسد الزمان». وعن كعب الأحبار: يكون اثنا عشر مهديّا، ثم ينزل روح الله، فيقتل الدجال. قال: والوجه الثالث أن المراد وجود اثني عشر خليفةً في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة، يعملون بالحقّ، وإن لَمْ تتوالى أيامهم، ويؤيده ما أخرجه مسدّد في «مسنده الكبير»، من طريق أبي بحر، أن أبا الجلد حدّثه، أنه لا تهلك هذه الأمة حتى يكون منها اثنا عشر خليفةً، كلهم يعمل بالهدي، ودين الحقّ، منهم رجلان من أهل بيت محمد، يعيش أحدهما أربعين سنةً، والآخر ثلاثين سنة. وعلى هذا فالمراد بقوله: «ثم يكون الهرج»؛ أي: الفتن المُؤْذِنة بقيام الساعة، من خروج الدجال، ثم يأجوج ومأجوج، إلى أن تنقضي الدنيا. انتهى كلام ابن الجوزيّ ملخّصًا بزيادات يسيرة، والوجهان: الأول، والآخر قد اشتمل عليهما كلام القاضي عياض، فكأنه ما وقف عليه، بدليل أن في كلامه زيادةً لَمْ يشتمل عليها كلامه. قال الحافظ: وينتظم من مجموع ما ذكراه أوجه، أرجحها: الثالث من أوجه القاضي؛ لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة: «كلهم يجتمع عليه الناس»، وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته، والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، إلى أن وقع أمر الْحَكَمين في صِفِّين، فسُمِّي معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية، عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين أمرٌ، بل قُتل قبل ذلك، ثم لمّا مات يزيد وقع الاختلاف، إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان، بعد قَتْل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، اجتمع الناس عليه لمّا مات عمه هشام، فَوَلِي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه، فقتلوه، وانتشرت الفتن، وتغيّرت الأحوال من يومئذٍ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك؛ لأنَّ يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لَمْ تَطُل مدته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان، ولمّا مات يزيد وَلي أخوه إبراهيم، فغلبه مروان، ثم ثار على مروان بنو العباس، إلى أن قُتل، ثم كان أول خلفاء بني العباس أبو العباس السفاح، ولم تَطُل مدته، مع كثرة من ثأر عليه، ثم وَلي أخوه المنصور، فطالت مدّته، لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس، واستمرّت في أيديهم متغلبين عليها، إلى أن تسمَّوا بالخلافة بعد ذلك، وانفرط الأمر في جميع أقطار الأرض، إلى أن لَمْ يبق من الخلافة إلَّا الاسم في بعض البلاد، بعد أن كانوا في أيام بني عبد الملك بن مروان يُخطب للخليفة في جميع أقطار الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا ويمينًا، مما غلب عليه المسلمون، ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلَّا بأمر الخليفة، ومن نَظَر في أخبارهم عَرَف صحة ذلك. فعلى هذا يكون المراد بقوله: «ثم يكون الهرج» يعني القتل الناشئ عن الفتن وقوعًا فاشيًا يفشو، ويستمرّ، ويزداد على مدى الأيام، وكذا كان، والله المستعان. والوجه الذي ذكره ابن المنادى ليس بواضح، ويعكر عليه ما أخرجه الطبرانيّ، من طريق قيس بن جابر الصدفيّ، عن أبيه، عن جدّه، رفعه: «سيكون من بعدي خلفاء، ثم من بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلًا، كما ملئت جورًا، ثم يؤمَّر القطحانيّ، فوالذي بعثني بالحقّ ما هو دونه»، فهذا يردّ على ما نقله ابن المنادى من «كتاب دانيال»، وأما ما ذكره عن أبي صالح فَوَاهٍ جدًّا، وكذا عن كعب. وأما محاولة ابن الجوزيّ الجمع بين حديث: «تدور رَحَى الإسلام»، وحديث الباب ظاهرُ التكلف، والتفسير الذي فسّره به الخطابيّ، ثم الخطيب بعيد، والذي يظهر أن المراد بقوله: «تدور رحى الإسلام» أنْ تدوم على الاستقامة، وأن ابتداء ذلك من أول البعثة النبوية، فيكون انتهاء المدة بقتل عمر في ذي الحجة سنة أربع وعشرين من الهجرة، فإذا انضم إلى ذلك اثنتا عشرة سنة وستة أشهر من المبحث في رمضان كانت المدة خمسًا وثلاثين سنةً وستة أشهر، فيكون ذلك جميع المدة النبوية، ومدة الخليفتين بعده خاصّة، ويؤيده حديث حذيفة الذي يشير إلى أن باب الأمن من الفتنة يُكسر بقتل عمر، فيُفتح باب الفتن، وكان الأمر على ما ذَكَرَ، وأما قوله في بقية الحديث: «فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يَقُم لهم دينهم يقم سبعين سنةً»، فيكون المراد بذلك: انقضاء أعمارهم، وتكون المدة سبعين سنةً إذا جُعل ابتداؤها من أول سنة ثلاثين عند انقضاء ست سنين من خلافة عثمان، فإنّ ابتداء الطعن فيه إلى أن آل الأمر إلى قَتْله كان بعد ستّ سنين مضت من خلافته، وعند انقضاء السبعين لَمْ يبق من الصحابة أحد، فهذا الذي يظهر لي في معنى هذا الحديث، ولا تَعَرُّض فيه لِمَا يتعلق باثني عشر خليفةً، وعلى تقدير ذلك، فالأَولى أن يُحْمَل قوله: «يكون بعدي اثنا عشر خليفةً» على حقيقة البَعدية، فإن جميع من ولي الخلافة من الصدّيق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفسًا، منهم اثنان لَمْ تصحّ ولايتهما، ولم تَطُل مدتهما، وهما معاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، والباقون اثنا عشر نفسًا على الولاء، كما أخبر - ﷺ -، وكانت وفاة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة، وتغيرت الأحوال بعده، وانقضى القرن الأول الذي هو خير القرون، ولا يقدح في ذلك قوله: «يجتمع عليهم الناس»؛ لأنه يُحْمَل على الأكثر الأغلب؛ لأنَّ هذه الصفة لَمْ تُفقد منهم إلَّا في الحسن بن عليّ، وعبد الله بن الزبير، مع صحة ولايتهما، والْحُكْمِ بأن من خالفهما لَمْ يثبت استحقاقه إلَّا بعد تسليم الحسن، وبعد قتل ابن الزبير، والله أعلم. وكانت الأمور في غالب أزمنة هؤلاء الاثني عشر منتظمةً، وإن وُجد في بعض مدّتهم خلاف ذلك، فهو بالنسبة إلى الاستقامة نادر، والله اعلم. وقد تكلم ابن حبان على معنى حديث: «تدور رحى الإسلام»، فقال: المراد بقوله: «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين»، انتقال أمر الخلافة إلى بني أمية، وذلك أن قيام معاوية عن عليّ بصِفِّين حتى وقع التحكيم، هو مبدأ مشاركة بني أمية، ثم استمرّ الأمر في بني أمية من يومئذ سبعين سنة، فكان أول ما ظهرت دعاة بني العباس بخراسان سنة ست ومائة، وساق ذلك بعبارة طويلة، عليه فيها مؤاخذات كثيرة، أولها دعواه أن قصة الْحَكَمين كانت في أواخر سنة ست وثلاثين، وهو خلاف ما اتفق عليه أصحاب الأخبار، فإنها كانت بعد وقعة صفين بعد أشهر، وكانت سنة سبع وثلاثين، والذي قدمته أَولى بأن يُحْمَل الحديث عليه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٦٩٨] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بَقُولُ: «لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا»، ثمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ، فَسَأَلْتُ أَبِي: مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»). رجال هذا الإسناد: أربعة أيضًا: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، صدوقٌ صنّف «المسند»، وكان لازم ابن عيينة، قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرِ) بن سُويد اللَّخْميّ الكوفيّ الْفَرَسيّ، ثقةٌ فقيةٌ تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٦. و«جابر بن سَمُرة - ﵄ -» ذُكر قبله، وكذا «سفيان بن عيينة» ذُكر أول الباب، والإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ - كالأسانيد الثلاثة السابقة، والإسنادين اللاحقَين، وهو (٣٣٠) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ) وقد بيّن في رواية أبي داود من طريق الشعبيّ، عن جابر بن سَمُرة - ﵄ - سبب خفاء الكلمة المذكورة، ولفظه: «لا يزال هذا الدين عزيزًا إلى اثني عشر خليفةً، قال: فكبَّر الناسُ، وضَجُّوا، فقال كلمةً خفيّةً، فقلت لأبي: يا أبه ما قال … إلخ»، وفي رواية مجالد، عن الشعبيّ عند أحمد: «وكان أبي أقرب إلى راحلة رسول الله - ﷺ -». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٦٩٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا الْحَدِيث، وَلَمْ يَذْكُرْ: «لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا»). رجال هذا الإسناد: أربعة أيضًا: ١ - (أبو عوانة) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطي، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. ٢ - (سِمَاكُ) بن حرب بن أوس بن خالد الذّهليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصّةُ مضطربةٌ، وقد تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. والباقيان ذُكرا في الباب، والإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، كالأسانيد الأربعة الماضية، والإسناد اللاحق، وهو (٣٣٢) من رباعيّات الكتاب. [تنبيه]: رواية سماك بن حرب، عن جابر بن سَمُرة - ﵄ - هذه ساقها الترمذيّ - ﵀ - في «جامعه»، فقال: (٢٢٢٣) - حدّثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدّثنا عمر بن عبيد الطنافسيّ، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يكون من بعدي اثنا عشر أميرًا»، قال: ثم تكلم بشيء لَمْ أفهمه، فسألت الذي يليني، فقال: قال: «كلُّهم من قريش»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٧٠٠] (…) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأزدِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَزَالُ الإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَى عَشَرَ خَلِيفَةً»، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً لَمْ أفهَمْهَا، فَقُلْتُ لأَبِيِ: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»). رجال هذا الإسناد: أربعة أيضًا: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزدِيُّ) القيسيّ، أبو خالد البصرفي، ويقال له: هُدْبة، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد بتليينه النسائيّ، من صغار [٩] مات سنة بضع و(٢٣٠) (خ م د) تقدم في «الإيمان» ١١/ ١٥١. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) البصريّ، تقدَّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٧٠١] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً»، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ أفهَمْهُ، فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: (كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ«). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، وقد رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في«الإيمان»٤/ ١١٧. ٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في«الإيمان»٢٧/ ٢٢١. ٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهور، فاضلٌ [٣] مات بعد المائة، وله نحو (٨٠) سنة (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٥٠. و«جابر بن سمرة - ﵄ -» ذُكر قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٧٠٢] (…) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَمَعِي أَبِي، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً»، فَقَالَ كَلِمَةً صَمَّنِيهَا النَّاسُ، فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، أحد مشايخ الستّة، تقدّم قريبًا. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابد [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٠٣. ٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) أبو عثمان البصريّ، الملقّب أبا الجوزاء، ثقةٌ [١١] (ت م ت س) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٩. ٥ - (أَزْهَرُ) بن سعد السمّان، أبو بكر الباهليّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٣) وهو ابن (٩٤) سنةً (خ م د ت س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٦/ ١٣٤٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (صَمَّنِيهَا النَّاسُ) بفتح الصاد المهملة، وتشديد الميم المفتوحة؛ أي: أصمّوني عنها، فلم أسمعها؛ لكثرة الكلام، ووقع في بعض النسخ: «صمّتنيها الناس»؛ أي: سكّتوني عن السؤال عنها، قاله النوويّ . وفي رواية عند أحمد في «مسنده» بلفظ: «أصَمّنيها الناس»: قال ابن الأثير: أي: شَغَلُوني عن سماعها، فكأهم جعلوني أصمّ. انتهى . وقال القاضي عياض - ﵀ -: قوله: «صَمّنيها الناسُ» كذا لكافة شُيُوخنا، وعند بعضهم: «أصمّنيها الناس»؛ أي: لَمْ أسمعها من لفظهم، وقيل: الوجه: «أصمّني عنها»، وأما الرواية الأولي، فمعناها: أي سكّتوني عن السؤال عنها، والنبيّ - ﷺ - يخطُبُ، والصواب: المعنى الأول، وهو أشبه بمساق الحديث. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: «الصمَمُ: انسداد الأُذن، وثقَل السمع، صَمَّ يَصَمُّ، بفتحهما، وصَمِمَ، بالكسر، نادرٌ صَمًّا، وصَمَمًا، وأَصَمَّ، وأصمّه الله تعالى، فهو أصمّ، جَمْعه: صُمٌّ، وصُمَّانٌ. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: صَمَّتِ الأُذُنُ صَمَمًا، من باب تَعِبَ: بَطَلَ سَمْعُها، هكذا فسَّره الأزهريّ وغيره، ويُسنَدُ الفعل إلى الشخص أيضًا، فيقال: صَمَّ يَصَمُّ صَمَمًا، فالذَّكر أصمُّ، والأنثى صَمَّاءُ، والجمع صُمٌّ، مثل أحمر، وحمراء، وحُمْرٍ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أصمّه الله، وربّما استُعمل الرباعيّ لازمًا على قلّة، ولا يُستعمل الثلاثيّ متعدِّيًا، فلا يُقال: صَمّ الله الأذنَ، ولا يُبنى للمفعول، فلا يقال: صُمَّتِ الأذُنُ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره المجد، والفيّوميّ صريح في أن «صَمّني» في هذه الرواية غير صحيح، وإنما الصحيح أن يقال: أصمّني بالهمزة، وعلى هذا فما وقع في رواية أحمد المذكورة بلفظ: «فأصمّني» هو الصواب، فتأمل، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: (١٨٢٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلَامِي نَافِعٍ أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ جُمُعَةٍ عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسْلَمِيُّ يَقُولُ: «لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَو يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَثسَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «عُصَيْبَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفْتَتِحُونَ الْبَيْتَ الأَبْيَضَ، بَيْتَ كِسْرَى، أَو آلِ كِسْرَى»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ، فَاحْذَرُوهُمْ»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إذا أَعْطَى اللهُ أَحَدَكمْ خَيْرًا فَلْيَبْدَأ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (الْمُهَاجِرُ بْنُ مِسْمَارٍ) الزهريّ، مولى سعد المدنيّ، ثقةٌ [٧]. رَوَى عن عامر، وعائشة ابني سعد بن أبي وقاص، وروى عنه ابن أبي ذيب، وموسى بن يعقوب الزَّمَعيّ، ويعقوب بن جعفر بن أبي كثير، وخالد بن إلياس، وحاتم بن إسماعيل. ذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال ابن سعد: مات بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وقيل: مات سنة خمس ومائة، وله أحاديث، وليس بذاك، وهو صالح الحديث، وقال أبو بكر البزار: مشهورٌ، صالح الحديث. أخرج له المصنّف - ﵀ -، والترمذيّ، وابن ماجة في «التفسير»، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨٢٢)، وحديث (٢٣٠٥): «أنا الفَرَط على الحوض»، وهو مختصر من حديث الباب. [تنبيه]: قولي: «ثقةٌ» أَولى من قوله في «التقريب»: مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، وقال البزّار: مشهور، صالح الحديث، وأخرج له مسلم في «صحيحه»، فمثله يكون ثقةً صحيح الحديث، وقد نظمت قاعدة ذكرها الحافظ الذهبيّ - ﵀ - في كتابه «ميزان الاعتدال»، فقلت: قَاعِدَةٌ حَقَّقَهَا الإِمَامُ … الذَّهَبِيُّ النَّاقِدُ الْهُمَامُ إِذَا رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَحَدِ … مِنَ الْمَشَايِخِ وَلَمْ يُنْتَقَدِ بِنَقْلِهِ الْمُنْكَرَ قُلْ صَحِيحُ … حَدِيثُهُ وَإِنْ خَلَا التَّصْرِيحُ مِنَ الأَئِمَّةِ بِكَوْنِهِ ثِقَهْ … بِذَا يَقُولُ جُلُّ مَنْ قَدْ حَقَّقَهْ قَالَ بِهِ الشَّيْخَانِ إِذْ قَدْ أَوْرَدَا … لَدَى «الصَّحِيحَيْنِ» رِجَالًا مَا بَدَا عَنْ أَحَدٍ تَوْثِيقُهُمْ وَهَكَذَا … ذَكَرَ فِي «الْمِيزَانِ» نِعْمَ مَأْخَذَا ٣ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول بَغْلانيّ، والثاني كوفيّ، وجابر - ﵁ - كان مدنيًّا، ثم نزل الكوفة، وفيه الرواية بالمكاتبة، وقد اختُلف فيها، والجمهور على جوازها، فقد كتب النبيّ - ﷺ - إلى الملوك، والقبائل، فلزمتهم الحجة بذلك، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، أنه (قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) - ﵄ -، وجابر بن سَمُرة هذا هو ابن عمّة عامر بن سعد الراوي عنه؛ لأنَّ والدة جابر هي خالدة بنت أبي وقّاص، أخت سعد بن أبي وقّاص - ﵃ -، قاله في «الإصابة» . (مَعَ غُلَامِي نَافِعٍ) لَمْ أجد ترجمته، (أَنْ أَخْبِرْنِي) «أن» يَحْتَمِل أن تكون مفسّرةً؛ أي: كتبت إَليه هذا الكلام - يعني: أخبرني … إلخ «- ويَحْتَمِل أن تكون مصدريّةً، ويقدّر قبلها حرف الجرّ؛ أي: بأن أخبرني، وهذا الوجه هو ارتضاه ابن هشام في»المغني«. (بِشَيْءٍ) متعلّق بـ»أخبرني«، (سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ) عامر (فَكَتَبَ) وفي نسخة:»وكَتَب«(إِلَيَّ)؛ يعني: أن جابر بن سمُرة يكتب إلى عامر قوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) قال الأبيّ - ﵀ -: كتبُ هذه المذكورات يَحْتَمِل لأنَّها التي حضرته، ويَحْتَمِل أنَّها التي حلّ الحال على الحاجة إليها. انتهى . (يَوْمَ جُمُعَةٍ) ظرف لـ«سمِعْتُ»، وكذا قوله: (عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسْلَمِيُّ) ببناء الفعل للمفعول، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل؛ أي: رجم النبيّ - ﷺ -؛ أي: أمر برجمه، والمراد: ماعز بن مالك الأسلميّ - ﵁ -، قيل: هذا معارِض لِمَا رواه أحمد في«مسنده»عن الشعبيّ من أن النبيّ - ﷺ - قال هذا الكلام في حجة الوداع. ويُجاب بأنه - ﷺ - قاله مرّتين: مرّة في حجة الوداع، وأخرى يوم رُجم ماعز - ﵁ -؛ لأنَّ سياق الروايتين مختلفٌ، فحَمْلهما على تعدّد الواقعتين غير بعيد، وأفادت هذه الرواية أن رجْم ماعز وقع يوم الجمعة، والله تعالى أعلم . (يَقُولُ:«لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا)؛ أي: ثابتًا، (حَتَّى نَقُومَ السَّاعَةُ، أَو يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ) قال القرطبيّ - ﵀ -: قيّدناه - يعني: قوله: »يكونَ« - على من يوثق بتقييده بالنصب، وتكون »أو« بمعنى »إلى أن«، كقوله [من الطويل]: فَقُلْتُ لَهُ لَا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا … نُحَاولُ مُلْكًا أَو نَمُوتَ فَنُعْذَرَا وقد دلّ على هذا الرواية الأخرى، وهي قوله: «لا يزال هذا الأمر عزيزًا إلى اثني عشر خليفة، كلّهم من قُريش»؛ يعني به: أنه لا تزال عزّة دين الإسلام قائمة إلى اثني عشر خليفة من قُريش، وقد اختُلف فيهم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم خلفاء العَدْلِ؛ كالخلفاء الأربعة، وعمر بن عبد العزيز. ولا بُدَّ من ظهور من يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهم في إظهار الحقِّ والعدل، حتى يَكْمُل ذلك العدد، وهو أولى الأقوال عندي. وثانيها: أنَّ هذا إخبارٌ عن الولايات الواقعة بَعْدَهُ وبَعْدَ أصحابه، وكأنه أشار بذلك إلى مدة ولاية بني أُمَيَّة، ويعني بالذين: المُلك والولاية، وهوشرح الحالِ في استقامة السَّلْطَنَةِ لهم، لا على طريق المدح. وقد يقال: الدِّينُ على الْمُلْكِ؛ كما قال [من البسيط]: لَئِنْ حَلَلْتَ بِجوٍّ في بني أسدٍ … فِي دِينِ عمرٍو وحَالتْ بيننا فَدَكُ وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦]. ثم عدّد هذا القائل ملوكهم فقال: أَوَّلُهم يزيدُ بن معاوية، ثم ابنه معاويةُ بن يزيد - وقال: ولم يذكر ابن الزبير لأنه صحابيّ، ولا مروان؛ لأنه غاصب لابن الزبير -، ثم عبد الملك، ثم الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد، ثم إبراهيم بن الوليد، ثم مروان بن محمد، فهؤلاء اثنا عشر. ثم خرجت الخلافة منهم إلى بني العباس. وثالثها: أن هذا خبر عن اثني عشر خليفة من قريش، مجتمعين في زمان واحد في آفاق مختلفة؛ كما قد وقع، فقد كان بالأندلس منهم في عصر واحد بعد أربعمائة وثلاثين سنة ثلاثة كلهم يَدَّعيها، وتَلَقَّب بها. ومعهم صاحبُ مصر، وخليفة بغداد، فكذلك يجوز أن يجتمع الاثنا عشر خليفة في العصر الواحد، وقد دلّ على هذا قوله: «سيكون خلفاء، فيكثرون ....»، متّفقٌ عليه، وكلٌّ مُحْتَمِل، والأول أَولاها؛ لبُعْده عن الاعتراض. انتهى كلام القرطبيّ . (وَسَمِعْتُهُ) - ﷺ - «(يَقُولُ:»عُصَيْبَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) العُصَيْبَة: تصغير العِصابة، وهي: الجماعة من الناس، قيل: أقلّهم أربعون، ويَحْتَمِل أن يكون هذا التصغير للمفتتحِين؛ لقلة من باشر فتح بيتِ كسري، فإنه يُروَى أن سعد بن أبي وقّاص خاض دجلة، وهي مَطْلَعٌ إلى دار كسري، فما بلغ الماء إلى حِزام الفرس، وما ذهب للمسلمين شيء، ووجدوا قبابًا مملوءة سِلالًا فيها آنية الذهب والفضة، ووجدوا كافورًا كثيرًا، فظنّوه مِلْحًا، فعَجَنوا به، فوجدوا مرارته، وكان في بيوت أموال كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار - ثلاث مرات -. ويَحْتَمِل أن يكون تصغيرهم بالنسبة إلى عدوّهم، ويَحْتَمِل أن يكون تصغيرهم على جهة التعظيم، كما قالوا: وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ … دُويْهِيَّةٌ تَصْفَّرُّ مِنْهَا الأَنَامِلُ (يَفْتَتِحُونَ الْبَيْتَ الأَبْيَضَ) وُصف بيت كسرى بالأبيض؛ لأنه كان مبنيًّا بالجصّ، ومُزخرفًا بالفضّة ، وقوله: (بَيْتَ كِسْرَى) بالنصب على البدليّة من «البيت»، وكسرى: ملك الْفُرس، قال أبو عمرو بن العلاء: بكسر الكاف لا غيرُ، وقال ابن السرّاج - كما رواه عنه الفارسيّ، واختاره ثعلب، وجماعة -: الكسر أفصح، والنسبة إلى المكسور: كِسْرِيٌّ، وكِسْرَويّ، بحذف الألف، وبقلبها واوًا، والنسبة إلى المفتوح بالقلب لا غيرُ، والجمع: أكاسرةٌ. انتهى . وقوله: (أَو آلِ كِسْرَى»)«أو»للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال:«بيت آل كسرى»بدل«بيت كسرى». (وَسَمِعْتُهُ) - ﷺ - (يَقُولُ:«إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ)؛ أي: قبل قيام الساعة، (كَذَّابِينَ) هذا يفسّره الحديث الآخر الذي قال - ﷺ - فيه: »لا تقوم السَّاعة حتى يخرج ثلاثون كذّابون، كلهم يزعم أنه نبيّ، وأنا خاتم النبيين« . (فَاحْذَرُوهُمْ»)؛ أي: احذروا خديعتهم، وتلبيسهم على الناس. (وَسَمِعْتُهُ) - ﷺ - (يَقُولُ:«إذا أَعْطَى اللهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا)؛ أي: مالًا، (فَلْيَبْدَأ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ») قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا كما قال في الحديث الآخر:«خير الصدقة عن ظهر غني، وابدأ بمن تعول»، وكقوله في حديث آخر:«إذا أنعم الله على عبد نعمة أحبَّ أن يرى أثر نعمته عليه». ومعنى هذا الأمر الابتداء بالأهم فالأهم، والأَولى فالأَولي، وقد بينّا هذا المعنى في«كتاب الزكاة». انتهى كلام القرطبيّ . (وَسَمِعْتُهُ) - ﷺ - (يَقُولُ: (أنا الْفَرَطُ) - بفتح الراء -؛ أي: السابق إليه، والمنتظر لِسَقْيِكم منه، والْفَرَط: هو: الذي يتقدَّم القوم إلى الماء؛ ليهيّء لهم ما يحتاجون إليه، وهو الفارط أيضًا، والفَرْطُ - بسكون الراء -: السَّبْق والتقدّم . (عَلَى الْحَوْضِ) - بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو - جمعه أحواضٌ، وحِيَاض، وأصل حِيَاضٍ الواو، لكن قُلبت ياءً للكسرة قبلها، مثلُ ثوب وأثواب، وثيَابٍ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٧٠٣ و٤٧٠٤] (١٨٢٢)، وسيأتي أيضًا برقم (٢٣٠٥)، و(أحمد) في«مسنده»(٥/ ٨٦ و٨٧ و٨٩)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤/ ٣٧٣)، و(أبو يعلى) في«مسنده» (١٣/ ٤٥٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز تحمّل الحديث بالمكاتبة. ٢ - (ومنها): أن هذا من المعجزات الظاهرة لرسول الله - ﷺ - حيث أخبر بما سيقع بعده من فتح كنوز كسري، ومدائنه، وقد فتحوها بحمد الله تعالى في زمن عمر بن الخطاب - ﵁ -. ٣ - (ومنها): تحذير النَّبِيّ - ﷺ - أمته من الانخداع بالدجالين الكذّابين الذين يأتون بين يدي الساعة يدّعون الرسالة، ويلبّسون على الناس، وقد ختم الله - ﷾ - النبيّين به - ﷺ -، فلا نبيّ بعده. ٤ - (ومنها): أن الشخص إذا وجد مالًا ينبغي أن يبدأ بنفسه، فيسدّ خلّتها، ثم بأهل بيته، ومن تلزمه نفقته، ثم يتصدّق على الفقراء والمساكين بعد ذلك. ٥ - (ومنها): إثبات حوض النبيّ - ﷺ -، وأنه هو الفَرَط المتقدّم على أمته إليه؛ ليستقبلهم هناك، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﷾ - أوّل الكتاب قال: [٤٧٠٤] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ سَمُرَةَ الْعَدَوِيّ: حَدِّثنا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَاتِمٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الحيض» ١٦/ ٧٧٥. ٢ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٣. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (إِلَى ابْنِ سَمُرَةَ الْعَدَوِيّ) كذا هو في جميع النسخ: «الْعَدويّ»، قال القاضي عياض - ﵀ -: كذا في الأصل، وليس هو بعدويّ، إنما هو عامريّ، سُوائيّ، فلعلّه تصحّف العامريّ بالعدويّ؛ لأنَّ سُواءة بن عامر بن صعصعة، وهو زهريّ الحلف، خاله سعد بن أبي وقّاص، وأمه خالدة بنت أبي وقّاص، واسم جابر. انتهى . وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَاتِمٍ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير ابن أبي ذئب. [تنبيه]: رواية ابن أبي ذئب عن مهاجر بن مسمار هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٦٩٩٨) - أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصريّ، قال: ثنا ابن أبي فُديك [حدّثنا ابن أبي ذئب] عن مهاجر بن مسمار، عن عامر بن سعد، أنه أرسل إلى ابن سمرة العدويّ: حدِّثنا ما سمعت من رسول الله - ﷺ -، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يزال الدين قائمًا، حتى يكون اثنا عشر خليفةً من قريش، ثم يخرج كذّابون بين يدي الساعة، ثم يخرج عصابة من المسلمين يستخرجون كنز القصر الأبيض، كنز كسري، أو آل كسري، وإذا أُعطي أحدكم خيرًا، فليبدأ بنفسه، وأهله، وماله ، وأنا فَرَطكم على الحوض». انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٣٦)

١. «المفهم» ٤/ ٨ - ٩.

٢. «شرح البخاريّ» لابن بطّال ٨/ ٢٨٧.

٣. «إكمال المعلم» ٦/ ٢١٧.

٤. «كشف المشكل» ١/ ٤٥٢.

٥. «الفتح» ١٧/ ٦٧ - ٧٢، كتاب «الأحكام» رقم (٧٢٢٢).

٦. وفي نسخة: «عن سماك بن حرب».

٧. «جامع الترمذيّ»٤/ ٥٠١.

٨. وفي نسخة:«ماذا قال».

٩. وفي نسخة:«فقلت لأبي، فقال».

١٠. وفي نسخة: «وسمعته».

١١. وفي نسخة: «صَمَّتَنِيهَا».

١٢. وفي نسخة: «صَمَّتَنِيهَا».

١٣. «شرح النوويّ» ١٢/ ٢٠٣.

١٤. «النهاية في غريب الأثر» ٣/ ٥٤.

١٥. «إكمال المعلم» ٦/ ٢١٨.

١٦. «القاموس المحيط» ص ٧٥٥.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٧.

١٨. وفي نسخة: «وكتب».

١٩. وفي نسخة: «رَجم الأسلميَّ» بالبناء للفاعل.

٢٠. «الإصابة في تمييز الصحابة»١/ ٥٤٢.

٢١. راجع:«مغني اللبيب»١/ ٧٤.

٢٢. «شرح الأبيّ»٥/ ١٦٢ - ١٦٣.

٢٣. «تكملة فتح الملهم» ٣/ ٢٨٧.

٢٤. «المفهم» ٤/ ٨ - ١٠.

٢٥. «المفهم» ٤/ ١٠ - ١١.

٢٦. «المفهم» ٤/ ١٠.

٢٧. «المصباح المنير» ٢/ ٥٣٣.

٢٨. حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة.

٢٩. «المعجم الكبير» ١٨/ ١٣٥.

٣٠. «المفهم» ٤/ ١١.

٣١. «المفهم» ٤/ ١١، وشرح النوويّ«١٢/ ٢٠٤.

٣٢. «المصباح المنير»١/ ١٥٦.

٣٣. «إكمال المعلم» ٦/ ٢١٩.

٣٤. سقط من نسخة أبي عوانة قوله: «حدّثنا ابن أبي ذئب»، ولا بدّ منه، ولذا ألحقته بين قوسين، فتنبّه.

٣٥. هكذا النسخة: «وأهله وماله»، والظاهر أنه مصحّف من: «وأهل بيته»، كما هو نصّ مسلم، فليُتنبّه.

٣٦. «مسند أبي عوانة» ٤/ ٣٧٣ - ٣٧٤.