HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٢٤

حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ ومحمد بن رافع وعبد بن حميد. وألفاظهم متقاربة (قال إسحاق وعبد: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَتْ: أَعَلِمْتَ أَنَّ أَبَاكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ؟ قَالَ قُلْتُ: مَا كان ليفعل. قالت: إنه لفاعل. قَالَ: فَحَلَفْتُ أَنِّي أُكَلِّمُهُ فِي ذَلِكَ. فَسَكَتُّ. حَتَّى غَدَوْتُ. وَلَمْ أُكَلِّمْهُ. قَالَ: فَكُنْتُ كَأَنَّمَا أَحْمِلُ بِيَمِينِي جَبَلًا. حَتَّى رَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ. فسألني عن حال الناس. وأنا أخبره. قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ مَقَالَةً. فَآلَيْتُ أَنْ أَقُولَهَا لَكَ. زَعَمُوا أَنَّكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ. وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَكَ رَاعِي إِبِلٍ أَوْ رَاعِي غَنَمٍ ثُمَّ جَاءَكَ وَتَرَكَهَا رَأَيْتَ أَنْ قَدْ ضَيَّعَ. فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ. قَالَ: فَوَافَقَهُ قَوْلِي. فَوَضَعَ رَأْسَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيَّ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَحْفَظُ دِينَهُ. وَإِنِّي لَئِنْ لَا أَسْتَخْلِفْ فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف. وإن أستخلف فإن أبو بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ! مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ. فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَعْدِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أحدا. وأنه غير مستخلف.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص5
ج ٣ ص ١٤٥٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣١ ص٦٨٧
١٠ - (سِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ) البصريّ الْمِرْبديّ - بكسر الميم، وسكون الراء، بعدها موحّدة - ثقةٌ [٦] (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٣/ ٤٢٧٤. ١١ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) القُرْدوسيّ، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الْحَسَنِ)؛ أي: كلّ هؤلاء الخمسة: يونس بن عُبيد، ومنصور بن زاذان، وحميد الطويل، وسماك بن عطيّة، وهشام بن حسّان رووا هذا الحديث عن الحسن البصريّ. [تنبيه]: روايات هؤلاء الخمسة تقدّم بيانها في «كتاب الإيمان» رقم [٣/ ٤٢٧٣] (١٦٥٢)، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال: [٤٧٠٩] (١٨٢٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللهُ، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي بُردة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس - ﵁ -، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وأن محمد بن العلاء أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، كما تقدّم في الباب الماضي، وأن فيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، فأبو بردة جدّ لبريد بن عبد الله، وأن صحابيّه من أكابر الصحابة - ﵃ -، وكان أحسن الناس صوتًا في القراءة، قال له النبيّ - ﷺ -: «لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود - ﵇ -»، متّفقٌ عليه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم الأشعريّ - ﵁ - أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي) وفي الرواية التالية: «أقبلت إلى النبيّ - ﷺ -، ومعي رجلان من الأشعريين»، وفي رواية للبخاريّ: دخلت على النبيّ - ﷺ - أنا ورجلان من قومي«، قال في»الفتح«: لَمْ أقف على اسم هذين الرجلين، قال: وقد وقع في»الأوسط«للطبرانيّ من طريق عبد الملك بن عُمير، عن أبي بريدة، في هذا الحديث: أن أحدهما ابن عمِّ أبي موسى. (فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلاكَ اللهُ، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ) وللبخاريّ في»الأحكام«:»فقال أحدهما: أَمِّرنا يا رسول الله، فقال الآخر مثله«، ولأحمد، والنسائيّ من وجه آخر، عن أبي بُردة:»فتشهّد أحدهما، فقال: جئناك لتستعين بنا على عملك، فقال الآخر مثله«، وعندهما من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه:»أتاني ناس من الأشعريين، فقالوا: انطلق معنا إلى رسول الله - ﷺ -، فإن لنا حاجةً، فقمت معهم، فقالوا: أتستعين بنا في عملك؟ «. قال الحافظ - ﵀ -: ويُجْمَع بأنه كان معهما من يَتْبَعْهما، أو أطلق صيغة الجمع على الاثنين. انتهى . (فَقَالَ) - ﷺ -«إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ)؛ يعني: الولاية على أمور المسلمين، (أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ») بفتح الراء، يقال: حَرَصَ عليه حَرْصًا، من باب ضرب: إذا اجتهد، والاسم: الْحِرْص بالكسر، وحَرِصَ على الدنيا، من باب ضرب أيضًا، ومن باب تَعِبَ لغةٌ: إذا رَغِبَ رَغْبَةً مذمومةً، فهو حريصٌ، وجمْعه: أحراصٌ، مثلُ ظَرِيفٍ وظِرَافٍ، وغَلِيظ وغِلَاظٍ، وكَرِيمٍ وكِرَام، قاله الفيّوميّ ، وقال المجد: الْحِرْصُ: بالكسر: الْجَشَعُ، وقد حَرَصَ، كضربَ، وسَمِعَ، فهو حَرِيصٌ. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: يقال: حَرِص، بفتح الراء، وكسرها، والفتح أفصح، وبه جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]. انتهى . وفي رواية:«لا نستعمل على عملنا من أراده»، وفي رواية:«من سألنا»، بفتح اللام، وفي رواية:«فقال: إنّ أخْوَنَكم عندنا من يطلبه، فلم يستعن بهما في شيء حتى مات»، أخرجه أحمد، من رواية إسماعيل بن أبي خالد، عن أخيه، عن أبي بُردة، وأدخل أبو داود بينه وبين أبي بردة رجلًا، قاله في«الفتح» . قال العلماء: والحكمة في أنه لا يُوَلَّى مَن سأل الولاية أنه يُوكَل إليها، ولا تكون معه إعانة، كما صُرِّح به في حديث عبد الرَّحمن بن سمرة - ﵁ - السابق، وإذا لَمْ تكن معه إعانة لَمْ يكن كُفؤًا، ولا يُوَلَّى غيرُ الكفء، ولأن فيه تُهْمة للطالب، والحريص، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه، وستأتي بقية مسائله في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٧١٠] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأَشْعَريِّينَ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي، وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِي، فَكِلَاهُمَا سَأَل الْعَمَلَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَاكُ، فَقَالَ: «مَا تَقُولُ يَا؟» مُوسَى، أَو يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ؟ «، قَالَ: فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ، مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أنفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ، قَالَ: وَكَأَنِّي أنظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ ، وَقَدْ قَلَصَتْ، فَقَالَ:«لنْ، أَو لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَيَا مُوسَى، أَو يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسِ»، فَبَعَثَهُ عَلَى الْيَمَن، ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْه، قَالَ: انْزِلْ، وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا كَانَ يَهُودِيًّا، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السَّوْء، فَتَهَوَّدَ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِه، فَقَالَ: اجْلِسْ، نَعَمْ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِه، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِه، فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرَا الْقِيَامَ مِنَ اللَّيْل، فَقَالَ أَحَدُهُمَا، مُعَاذ: أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ، وَأَقُومُ، وَأرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) اليشكرّي، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمون سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) عن (٧٨) سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٨٥. ٤ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٦. ٥ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ فقية [٣] (ع) تقدم في «الحيض» ٢١/ ٧٩١. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالتحديث، وبالبصريين، غير شيخيه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغداديّ، وأما أبو موسى، وولده أبو بردة، فقد سكنا الكوفة، والبصرة، فقد كان أبو موسى - ﵁ - أميرًا على البصرة، فوُلد له أبو بردة هناك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، بل هو من رواية الأقران، ورواية الابن عن أبيه. شرح الحديث: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ - ﵁ - (أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -)؛ أي: توجَّهت إليه من المحلّ الذي كنت فيه، وقد بيّن سبب إقباله فيما أخرجه النسائيّ من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى، «قال: أتاني ناس من الأشعريين، فقالوا: اذهب معنا إلى رسول الله - ﷺ -، فإن لنا حاجةً، فذهبت معهم …» الحديث. (وَمَعِي رَجُلَانِ) جملة حاليّة من فاعل «أقبلت»، وقد تقدّم أنه لا يُعرف اسمهما. (مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ)؛ أي: من قبيلة أشعر، بفتح الهمزة، والعين: نسبة إلى الأشعر، أبو قبيلة باليمن، وهو نبت بن أُدَد بن زيد بن يشجب بن عريب، وإنما قيل له: الأشعر؛ لأنَّ أمه ولدته، والشعر على بدنه، قاله في «اللباب» ، وقوله: (أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي، وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِي) جملة حاليّة من «رجلان»؛ لتخصّصه بالوصف بالجارّ والمجرور. (فَكِلَاهُمَا) مبتدأ مرفوع بالألف؛ لكونه ملحقًا بالمثنّى، كما قال في «الخلاصة»: بِالألفِ ارْفَع الْمُثَنَّى وَكِلَا … إِذَا بِمُضْمَرٍ مُضَافًا وُصِلَا وقوله: (سَأَلَ الْعَمَلَ) خبر المبتدأ؛ يعني أن كلًّا من الرجلين الأشعريَّين طلب من النبيِّ - ﷺ - أن يجعله واليًا على بعض الأعمال. [تنبيه]: إنما أفرد الضمير في قوله: «سأل»؛ لأنَّ الأكثر في «كلا»، و«كلتا» إفراد الضمير؛ مراعاة للفظهما، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ الآية [الكهف: ٣٣]، ويجوز أيضًا مراعاة المعنى بقلّة، فيقال: كلاهما قاما، وقوله: (وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَاكُ) جملة حاليّة من الفاعل. (فَقَالَ) - ﷺ - («مَا تَقُولُ يَا أَبا مُوسىَ)»ما«استفهاميّة: أَيْ: أيُّ شيء تقول فيما سأله هذا الرجلان؟. قال القرطبيّ - ﵀ -: هو استفهامُ استعلامٍ عمَّا عنده من إرادته العمل، أو من معونته لهما على استدعائهما العمل، فأجابه بما يقتضي أنه لَمْ يكن عنده إرادة ذلك، ولا خبرٌ من إرادة الرجلين، فلمَّا تحقق النبيّ - ﷺ - ذلك ولَّاه العمل؛ إذ لَمْ يسأله، ولا حَرِص عليه، ومَنَعه الرَّجلين؛ لِحِرْصهما، وسؤالهما؛ على ما تقرّر آنفًا من أن الحريص عليها مخذول، والكاره لها مُعان، ومما جرى من الكلام بهذا المعنى مجرى المثل قولهم: الحرص على الأمانة دليل الخيانة. انتهى . وقوله: (أَو يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ؟») «أو» هنا للشكّ من الراوي، قال: «يا أبا موسى، أو قال:»يا عبد الله بن قيس«، وهو اسم أبي موسى - ﵁ -. (قَالَ) أبو موسى (فَقُلْتُ) اعتذارًا عن دخوله معهما، وهما يطلبان العمل، (وَالَّذِي بَعَثَكَ)؛ أي: أرسلك، والواو فيه للقَسَم، وفِعْل القَسَم محذوفٌ؛ أي: أُقسم بالله الذي أرسلك إلى الناس (بِالْحَق)؛ أي: بالدِّين والشرع الثابت الذي لا يدخله نسخٌ، ولا تبديل، (مَا) نافية، (أَطْلَعَانِي) كأعلماني وزنًا ومعنًى، (عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا)؛ أي: على الذي أضمراه في أنفسهما من طلب العمل، وفي رواية أبي العُميس: »فاعتذرت إلى رسول الله - ﷺ -«، وقلت: لَمْ أدر ما حاجتهم، فصدّقني، وعذَرَني»، وفي لفظ:«لم أعلم لماذا جاءا؟ ». (وَمَا) نافية أيضًا، (شَعَرْتُ)؛ أي: ما فَطِنتُ، يقال: شَعَرَ بالشيء - بالفتح - يشعُر - بالضمّ - شِعْرًا - بالكسر -: فَطِن له، قاله في«المختار»، وفي«المصباح»: وشَعَرتُ بالشيء شُعورًا، من باب قَعَد، وشِعْرًا، وشِعْرةً - بكسرهما -: عَلِمت. انتهى. (أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ)؛ أي: الولاية، فـ«أن»ومعمولاها مفعول«شعَرَ»، ففي الجملة الأُولى نفى كونهما أخبراه قَصْدَهما، وفي الثانية نفى علمه به، وأنه لَمْ يتوصّل إليه بأيّ وسيلة من القرائن، ومقصوده الاعتذار إليه - ﷺ - حيث شاركهما في الدخول عليه مع كونهما يطلبان العمل الذي ساءه جمرو طَلَبهما له؛ لأنَّ طَلَبهما له يدلّ على حِرصهما له، فيحملهما الحرص على عدم القيام بواجبه؛ لأنَّ من سأل الإمارة، فأُعطيَها وُكل إليها، ومن وَلي من غير مسألة أُعينَ عليها، كما بيّنه حديث عبد الرَّحمن بن سمرة - ﵁ - الماضي. (قَالَ) أبو موسى - ﵁ - (وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ) - ﷺ - (تَحْتَ شَفَتِهِ)؛ أي: حال كونه ثابتًا تحت شفته - ﷺ -، و«شفته» بالإفراد، وفي بعض النسخ: «شفتيه» بالتثنية. قال الفيّوميّ - ﵀ -: الشَّفَةُ مُخَفَّفٌ، ولامها محذوفة، والهاء عوضٌ عنها، وللعرب فيها لغتان، منهم من يجعلها هاء، ويبني عليها تصاريف الكلمة، ويقول: الأصل: شَفْهَةٌ، وتُجْمَع على شِفَاهٍ، مثلُ كَلْبةٍ، وكِلابٍ، وعلى شَفَهَاتٍ، مثلُ سَجْدةٍ وسَجَدات، وتُصَغّر على شُفَيْهَةٍ، وكلّمته مُشَافَهَةً، والحروف الشَّفَهِيَّةُ، ومنهم من يَجعلها واوًا، ويبني عليها تصاريف الكلمة، ويقول: الأصل شَفْوَةٌ، وتُجمع على شَفَوَاتٍ، مثل شَهْوَةٍ وشَهَوَاتٍ، وتصغّر على شُفَيَّةٍ، وكلّمته مُشَافَاةً، والحروف الشَّفَوِيَّةُ، ونقل ابن فارس القولين عن الخليل، وقال الأزهريّ أيضًا: قال الليث: تُجمع الشَّفَةُ على شَفَهَاتٍ، وشَفَوَاتٍ، والهاء أقيس، والواو أعمّ؛ لأنهم شبّهوها بسنوات، ونُقصانها حَذْف هائها، وناقض الجوهريّ، فأنكر أن يقال: أصلها الواو، وقال: تُجمَع على شَفَوَاتٍ، ويقال: ما سمعت منه بِنْتَ شَفَةٍ؛ أي: كلمة، ولا تكون الشَّفَةُ إلَّا من الإنسان. ويقال في الْفَرْق: الشَّفَةُ من الإنسان، والْمِشْفَرُ من ذي الْخُفّ، والجَحْفَلَةُ من ذي الحافر، والمِقَمَّةُ من ذي الظِّلْف، والخَطْمُ، والخُرْطُومُ من السِّباع، والمِنْسَرُ بفتح الميم، وكسرها، والسين مفتوحة فيهما، من ذي الجناح الصائد، والمِنْقَارُ من غير الصائد، والْفِنْطِيسة من الخنزير. انتهى . وقد نظمت هذه الفروق، بقولي: فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ أَنِيقَهْ … بِحِفْظِهَا وَفَهْمِهَا خَلِيقَهْ لِنَّاسِ جَاءَ شَفَةٌ وَالْمِشْفَرُ … غَدَا لِذِي الْخُفِّ فَخُذْهُ تُشْكَرُ وَقُلْ لِذِي الْحَافِرِ جَاءَ جَحْفَلَهْ … مِقَمَّةٌ ذَوَاتَ ظِلْفٍ شَمَلَهْ وَالْخَطْمُ وَالْخُرْطُومُ لِسِّبَاعِ … وَمِنْسَرٌ لِذِي الْجَنَاحِ السَّاعِي لِلاصْطِيَادِ وَالَّذِي لَا صَيْدَ لَهْ … أَتَى لَهُ الْمِنْقَارُ عِنْدَ النَّقَلَهْ قَالُوا وَللْخِنْزِيرِ جَا فِنْطِيسَةُ … فَلْتَحْفَظَنْ فَإِنَّهَا نَفِيسَةُ وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي «الْمِصْبَاحِ» … عَلَّامَةُ الْفَيُّومِ كَالْمِصْبَاحِ (وَقَدْ قَلَصَتْ)؛ أي: انزوت، أو ارتفعت، يقال: قَلَصت شفته، من باب ضَرَبَ: انزوت؛ أي: انجمعت، وتقلّصتْ مثله، وقَلَصَ الظلُّ: ارتفع، أفاده الفيّوميّ - ﵀ -. والجملة حال من «شَفَته»؛ أي: حال كونها منزوية، أو مرتفعةً بسبب وضع السواك تحتها. وقال القرطبيّ - ﵀ -: «قَلَصَتْ»؛ أي: تقبَّضتْ، وقَصُرتْ، وكأنَّ السِّواك كان فيه قَبْضٌ، أو يكون النبيّ - ﷺ - قبض شفته؛ ليتمَكَّن من تسويك أسنانه. انتهى . (فَقَالَ) - ﷺ - لَمّا رأى حرصهما على العمل، وخشي عدم قيامهما بما يجب عليهما تجاهه («لَنْ، أَو) قال (لَا) فـ»أو«للشكّ من الراوي، (نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ)؛ أي: طَلَبه، وفي رواية بُريد الماضية:»فقال: إنا والله لا نُوَلِّي على هذا العمل من سأله، ولا أحدًا حَرَصَ عليه«. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن سبب منعه - ﷺ - لهما من العمل خوف الخيانة منهما؛ لأنَّ الحرص عليه يحملهما على الجور والظلم، والله أعلم. ثم بعد مَنْعهما لِمَا ذُكر قال - ﷺ - للذي لَمْ يطلب العمل، وهو أبو موسى الأشعريّ - ﵁ -: (وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنتَ يَا أَبا مُوسَى، أَو يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسِ») «أو» للشكّ من الراوي، كما سبق قريبًا. (فَبَعَثَهُ)؛ أي: أرسل - ﷺ - أبا موسى - ﵁ - واليًا (عَلَى الْيَمَنِ) - بفتحتين -: الإقليم المعروف، سُمّي به لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليها: يمني على القياس، ويَمَانٍ، بالألف على غير قياس، وعلى هذا ففي الياء مذهبان: أحدهما: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم يُنكر التثقيل، لأنَّ الألِف عِوَض عنه، فلا يُجمع بينهما، والثاني: التثقيل، أفاده في «المصباح». (ثُمَّ أَتبَعَهُ) بهمزة القطع، من الإتباع؛ أي: أتبع النبيّ - ﷺ - أبا موسى - ﵁ - (مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) ابن عمرو بن أوس بن عائذ بن عديّ بن كعب الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرَّحمن المدنيّ، أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة، وشهد بدرًا، والمشاهد، وقال ابن مسعود - ﵁ -: كنا نشبّهه بإبراهيم - ﵇ -، وكان أمة قانتًا لله، حنيفًا، ولم يك من المشركين، تُوُفّي في طاعون عمواس سنة (١٨) تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٧/ ١٣٠. قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «ثُمّ أتبعه معاذ بن جبل» ظاهر هذا: أنه وَلّى معاذًا على أبي موسى، ولم يعزل أبا موسى، وعلى هذا يدلّ تنفيذ معاذ الْحُكم بقتل المرتدّ، وإمضاؤه، ويَحْتَمِل أن يكون - ﷺ - وَلَّى كلّ واحد منهما على عمل غير عمل الآخر، إما في الجهات، وإما في الأعمال، وهذا هو الصحيح؛ بدليل ما وقع في «الصحيحين»: أن النبيّ - ﷺ - ولَّى معاذًا على مِخْلاف من اليمن، وأبا موسى على مِخْلاف، والْمِخْلاف: واحد المخاليف، وهو: الكُوَرُ. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «ثم أتبعه» بهمزة، ثم مثناة ساكنة، قوله: «معاذ بن جبل» بالنصب؛ أي: بَعَثه بعده، وظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجّه، ووقع في بعض النسخ: «واتّبعه» بهمزة وصل، وتشديد، و«معاذٌ» بالرفع، لكن تقدم في «المغازي» بلفظ: «بعَثَ النبيّ - ﷺ - أبا موسى، ومعاذًا إلى اليمن، فقال: يَسِّرا، ولا تُعَسِّرا …» الحديث، وَيحْمَلِ على أنَّه أضاف معاذًا إلى أبي موسى بعد سَبْق ولايته، لكن قبل توجّهه، فوَصّاهما عند التوجه بذلك، ويمكن أن يكون المراد: أنه وَصَّى كلًّا منهما واحد بعد آخر. انتهى . (فَلَمَّا قَدِمَ) معاذ (عَلَيْهِ)؛ أي: على أبي موسى، وفي رواية للبخاريّ في «المغازي»: «أن كلًّا منهما كان على عَمَل مستقلّ، وأن كلًّا منهما كان إذا سار في أرضه، فقرُب من صاحبه، أحدَثَ به عهدًا»، وفي أخرى هناك: «فجعلا يتزاوران، فزار معاذٌ أبا موسى، وفي أخرى:»فضَرَب فُسطاطًا«. (قَالَ) أبو موسى (انْزِلْ) عن دابّتك، فاجلس على الوسادة، (وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً) - بكسر الواو -: الْمِخَدّة، جَمْعها: وِسادات، ووسائد، والوِساد - بغير هاء: كلُّ ما يُتوسّد به، من قُمَاشٍ، وتُراب، وغير ذلك، والجمع: وُسُدٌ، مثلُ كتابٍ وكُتُب، ويقال: الوِساد لغة في الوسادة . وقال المجد - ﵀ -: الوساد: الْمُتّكأُ، والْمِخَدّة، كالوسادة، وَيُثلَّث، جَمْعه: وُسُدٌ، ووسائدُ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أفادت عبارة المجد أن الوساد، والوسادة يجوز فيهما فتح الواو، وكسرها، وضمّها، فتنبّه. وقال في«الفتح»: معنى«ألقى له وِسادة»: فَرَشها له؛ ليجلس عليها. وقد ذكر الباجيّ، والأصيليّ فيما نقله عياض عنهما، أن المراد بقول ابن عباس:«فاضطجعتُ في عَرْض الوِسادة»: الفِراش، وردّه النوويّ، فقال: هذا ضعيف، أو باطلٌ، وإنما المراد بالوسادة: ما يُجعل تحت رأس النائم، وهو كما قال، قال: وكانت عادتهم أن من أرادوا إكرامه وضعوا الوسادة تحته؛ مبالغةً في إكرامه. وقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو: أن النبيّ - ﷺ - دخل عليه، فألقى له وِسادةً، كما تقدم في«الصيام». وفي حديث ابن عمر أنه دخل على عبد الله بن مُطيع، فطَرَح له وِسادةً، فقال له: ما جئتُ لأجلس، أخرجه مسلم، قال الحافظ: ولم أر في شيء من كتب اللغة أن الفراش يُسَمَّى وسادةً. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن في تعقّب النوويّ لِمَا قاله الباجيّ والأصيليّ من أن المراد بقول ابن عبَّاس - ﵄ -:«فاضطجعت في عرض الوسادة» الفراش نظرٌ؛ لأنه لا يمكن أن يضطجع ابن عبّاس في عرض المخدّة، ثم يضطجع النبيّ - ﷺ -، وأهله في طولها، بل المراد به الفراش كما قالا؛ تجوّزًا، ولا يخفى أن باب المجاز واممع، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (وَإِذَا) فجائيّة؛ أي: ففاجأني (رَجُلٌ) قال الحافظ: لَمْ أقف على اسم الرجل المذكور. (عِنْدَهُ)؛ أي: عند أبي موسى، (مُوثَقٌ) اسم مفعول، مِنْ أوثقه، إذا ربطه بالوِثَاق، بفتح الوا ووكسرها، وهو القَيدُ، والحبلُ، ونحوه، وهو صفة لـ «رجلٌ». (قَالَ) معاذ (مَا هَذَا؟)؛ أي: ما شأن هذه الموثق؟ (قَالَ) أبو موسى (هَذَا كَانَ يَهُودِيًّا، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السَّوْءِ) بفتح، فسكون؛ أي: دين الشرّ، قال المجد: ولا خَيْرَ في قَوْلِ السَّوْء، بالفتح، والضم، إذا فَتَحْتَ فَمَعْنَاه: في قَوْلٍ قَبيح، وإذا ضَمَمْتَ فمعناه: في أَنْ تَقُولَ سُوءًا، وقُرِئ: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] بالوَجْهَيْن؛ أي: الهَزِيمة، والشَّر، والرَّدَي، والفَسَاد، وكذا ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]، أو المَضْمُومُ: الضَّرَرُ، والمَفْتُوحُ: الفَسَادُ، والنَّارُ، ومنه: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠] في قِرَاءَةٍ، ورَجُلُ سَوءٍ، ورَجُلُ السَّوْء، بالفتح، والإضافَةِ. انتهى . (فَتَهَوَّدَ)؛ أي: صار يهوديًّا، وفي رواية لأحمد من طريق أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، قال: «قَدِم معاذ بن جبل على أبي موسى، فإذا رجل عنده، فقال: ما هذا؟ …»، فذكر مثله، وزاد: «ونحن نريده على الإسلام منذ أحسبه شهرين»، وأخرج الطبرانيّ من وجه آخر، عن معاذ، وأبي موسى: «أن النبيّ - ﷺ - أمَرَهما أن يعلّما الناس، فزار معاذ أبا موسى، فإذا عنده رجل مُوثَق بالحديد، فقال: يا أخي أَوَ بُعِثت تُعَذِّب الناس؟ إنما بُعثنا نعلّمهم دينهم، ونأمرهم بما ينفعهم، فقال: إنه أسلم، ثم كفر، فقال: والذي بعث محمدًا بالحقّ لا أبرح حتى أحرقه بالنار». (قَالَ) معاذ (لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ) بالبناء للمفعول، (قَضَاءُ اللهِ) تعالى (وَرَسُول) - ﷺ -، و«قضاء» مرفوع، على أنَّه خبر لمحذوف؛ أي: هذا قضاء الله ورسوله - ﷺ -، ويجوز نَصْبه على الحال، أو على أنَّه مفعول مطلق لعامل محذوف؛ أي: اقضِ قضاء الله ورسوله، أو مفعول لفعل محذوف؛ أي: نفّذ قضاء الله ورسوله - ﷺ -. قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا يدلّ بظاهره على أنَّ المرتدّ لا يستتاب، وأنه يُقتل من غير استتابة، وبه قال الحسن، وطاووس، وبعض السَّلف، وحُكي عن عبد العزيز بن أبي سلمة، وهو قول أهل الظاهر، وحكاه الطحاويّ عن أبي يوسف، قالوا: وتنفعه توبته عند الله تعالى، ولكن لا تَدْرأ عنه القتل. وفرَّق عطاء بين من وُلد مسلمًا، فلم نستتبه، وبين من أسلم ثم ارتدّ، وجمهور الأئمة، والفقهاء على استتابته، وحَكَى ابن القَصَّار إجماع الصحابة على استتابته، ثم اختلف هؤلاء في مدّة الاستتابة، وهل يضرب لها أجل؛ فقال أحمد، وإسحاق: ثلاثةُ أيام، واستحسنه مالك، وأبو حنيفة، وقاله الشافعيّ مرةً، وحَكَى ابن القصَّار عن مالك فيه قولين: الوجوب، والاستحباب، وقال الزهريّ: يُدعى إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن أبي قُتِلَ، وقاله الشافعيّ مرةً، وقال المزنيّ: يُقتل مكانه إن لَمْ يَتُب، وعن عليّ - ﵁ -: أنه يستتاب شهرًا، وقال النَّخعيّ: يستتاب أبدًا، وقاله الثوريّ، وعن أبي حنيفة: يستتاب ثلاث مرات، أو ثلاث جُمع، أو ثلاثة أيام؛ مرّة في كلّ يوم، أو جمعة، والرَّجل والمرأة عند الجمهور سواء، وفرَّق أبو حنيفة، فقال: تُسجن المرأة، ولا تُقتل، وشذَّ قتادة، والحسن، فقالا: تُسْتَرَقُّ، ولا تُقتل. ورُوي مثله عن عليّ، وخالف أصحاب الرأي في الأَمَة، فقالوا: تُدْفَعُ إلى سيدها، ويجبرها على الإسلام. وَقَتْل المرتدّ بالسيف عند الجمهور، وذهب ابن سُريج من أصحاب الشافعيّ إلى أنه يُقتل بالخشب ضربًا؛ لأنه أبطأُ لقتله، لعله يُراجع التوبة أثناء ذلك. وفيه حُجّة على أنَّ لولاة الأمصار إقامة الحدود في القتل، والزني، وغير ذلك، وهو مذهب كافة العلماء: مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وغيرهم. واختُلِفَ في إقامة ولاة المياه، وأشباههم كذلك، فرأى أشهب ذلك لهم، إذا جعل ذلك لهم الإمام، وقال ابن القاسم نحوه، وقال الكوفيون: لا يقيمه إلَّا فقهاء الأمصار، ولا يقيمه عامل السَّواد. واختُلِفَ في القضاة إذا كانت ولايتهم مطلقة غير مقيّدة بنوع من الإحكام، فالجمهور على أنَّ جميع ذلك لهم؛ من إقامة الحدود، وإثبات الحقوق، وتغيير المناكير، والنظر في المصالح، سواء أكان الحقّ لآدميّ، أو اختص بحق الله تعالى، وحكمُه عندهم حكم الوصيِّ المطلق اليد في كلّ شيء، إلَّا ما يختصّ بضبط بيضة الإسلام، من إعداد الجيوش، وجباية الخراج. واختَلَف أصحاب الشافعيّ: هل له نَظَر في مال الصدقات، والتقدّم للجُمَع والأعياد، أم لا؟ على قولين، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا نظر له في إقامة حدٍّ، ولا في مصلحةٍ إلَّا لطالب مُخَاصِمٍ، وحُكمه عنده حُكم الوكيل. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه كافّة العلماء من إقامة ولاة الأمصار للحدود، من القتل، والرجم، وغير ذلك هو الأرجح؛ لحديث الباب، وغيره، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) أبو موسى (اجْلِسْ، نَعَمْ)؛ أي: نقتله، (قَالَ) معاذ (لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِه، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)؛ أي: كَرّر هذا الكلام ثلاث مرات، وبَيَّن أبو داود في روايته أنهما كرّرا القول، أبو موسى يقول: «اجلس»، ومعاذ يقول: «لا أجلس»، فعلى هذا فقوله: «ثلاث مرات» من كلام الراوي، لا تتمة كلام معاذ، ووقع في رواية أيوب بعد قوله: «قضاء الله ورسوله»: «أن من رجع عن دِينه - أو قال: بدَّل دينه، فاقتلوه». (فَأَمَرَ بِهِ)؛ أي: أمر أبو موسى بقتله، (فَقُتِلَ) بالبناء للمفعول، وفي رواية أيوب: «فقال: والله لا أقعد، حتى تضربوا عنقه، فضُرِب عنقه»، وفي رواية الطبرانيّ: «فأَتَى بحطب، فألْهَب فيه النار، فكَتَّفه، وطرحه فيها»، ويمكن الجمع بأنه ضَرَب عنقه، ثم ألقاه في النار، ويؤخذ منه أن معاذًا وأبا موسى كانا يريان جواز التعذيب بالنار، وإحراق الميت بالنار مبالغة في إهانته، وترهيبٌ عن الاقتداء به. وأخرج أبو داود، من طريق طلحة بن يحيى، ويزيد بن عبد الله، كلاهما عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: «قَدِم عليّ معاذ، فذكر قصة اليهوديّ، وفيه: فقال: لا أنزل عن دابتي حتى يُقْتَل، فقُتل، قال أحدهما: وكان قد استتيب قبل ذلك»، وله من طريق أبي إسحاق الشيبانيّ، عن أبي بردة: «أتِي أبو موسى برجل قد ارتدّ عن الإسلام، فدعاه، فأبى عشرين ليلةً، أو قريبًا منها، وجاء معاذ، فدعاه، فأبى، فضَرَب عنقه»، قال أبو داود: رواه عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، فلم يذكر الاستتابة، وكذا ابن فُضيل، عن الشيبانيّ، وقال المسعوديّ عن القاسم - يعني: ابن عبد الرَّحمن - في هذه القصة: «فلم ينزل، حتى ضُرِب عنقه، وما استتابه». قال الحافظ: هذا تعارضه الرواية المثبتة؛ لأنَّ معاذًا استتابه، وهي أقوى من هذه والروايات الساكتة عنها، لا تعارِضها، وعلى تقدير ترجيح رواية المسعوديّ، فلا حجة فيه لمن قال: يُقتل المرتدّ بلا استتابة؛ لأنَّ معاذًا يكون اكتفى بما تقدّم من استتابة أبي موسى، وقد ذكرت قريبًا أن معاذًا رَوَى الأمر باستتابة المرتدّ، والمرتدّة. انتهى . (ثُمَّ تَذَاكَرَا)؛ أي: أبو موسى، ومعاذ - ﵁ -، (الْقِيَامَ مِنَ اللَّيْلِ) «من» بمعنى «في»، أو هي للتبعيض، وفيه إشارة إلى أنه لا يُشرع قيام كلّ الليل، وفي رواية للبخاريّ: «ثم تذاكرا قيام الليل»، وفي رواية سعيد بن أبي بردة؛ «فقال: كيف تقرأ القرآن؟»؛ أي: في صلاة الليل. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «ثم تذاكرا قيام الليل»؛ أي: فضل قيام الليل، هل الأفضل قيامُه كله، أو قيام بعضه؟ فكأن أبا موسى ذهب إلى أن قيامه كله لمن قَوِيَ عليه أفضل، وهذا كما وقع لعبد الله بن عمرو في حديثه المتقدّم، وكأنّ معاذًا رأى أن قيام بعضه، ونوم بعضه أفضل، وهذا كما أشار إليه النبيّ - ﷺ - في حديث عبد الله بقوله: «إنك إذا فعلت ذلك هجمتْ عينُك، ونَفِهَت نفسك»، وكما قاله في حديث البخاريّ المتقدم: «أمَّا أنا فأقوم، وأنام»، وقال في آخره: «فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني». انتهى . (فَقَالَ أَحَدُهُمَا) وقوله: (مُعَاذٌ) مرفوعٌ على البدليّة لـ «أحدُهما»، ووقع في رواية سعيد بن أبي بردة: «فقال أبو موسى: أقرؤه قائمًا، وقاعدًا، وعلى راحلتي، وأتفوّقه - بفاء، وقاف، بينهما واو ثقيلة؛ أي: ألازم قراءته - في جميع الأحوال»، وفي أخرى: «فقال أبو موسى: كيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم، وقد قضيت حاجتي، فأقرأ ما كتب الله لي». (أمّا أَنَا فَأَنَامُ) بعض الليل، (وَأَقُومُ) بعضه، (وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي) وفي رواية سعيد: «وأحتسب» في الموضعين، وحاصله أنه يرجو الأجر في ترويح نفسه بالنوم؛ ليكون أنشط عند القيام. قال النوويّ - ﵀ -: معناه: أني أنام بنيّة القوّة، وإجماع النفس للعبادة، وتنشيطها للطاعة، فأرجو في ذلك الأجر، كما أرجو في قومتي؛ أي: صلواتي. انتهى. وقال القرطبيّ - ﵀ -: إنما كان ذلك؛ لأنه كان ينام ليقوم؛ أي: يقصد بنومه الاستعانة على قيامه، والتنشيط عليه، والتفرُّغ من شغل النوم عن فهم القرآن، فكان نومه عبادة يرجو فيها من الثواب ما يرجوه في القيام، ولا يَفْطُن لمثل هذا إلَّا مثل معاذ الذي يسبق العلماء يوم القيامة بِرَتْوَة ؛ أي: بِرَمْيَةِ قوس؛ كما قاله - ﷺ -، وعلى هذا فما من مُباحٍ إلَّا ويمكن أن يُقْصَد فيه وجهٌ من وجوه الخير، فيصير قُرْبَة بحسب القصد الصحيح، والله أعلم. انتهى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٤٧٠٩ و٤٧١٠] (١٨٢٤)، و(البخاريّ) في «استتابة المرتدّين» (٦٩٢٣) و«الأحكام» (٧١٤٩)، و(أبو داود) في «الحدود» (١٣٥٤)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ٩ - ١٠) و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٤١٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤٥٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٠٧١ و٤٤٨١)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٩٢)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ٢١٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٣٠٦)، و(البزّار) في «مسنده» (٨/ ١٣٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٤٧٨)، و(الرويانيّ) في «مسنده» (١/ ٣١٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ١٠٠)، و(البغويّ) في «شرح السُّنّة» (٢٤٦٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ذمّ طلب الإمارة، والحرص عليها، وقد وردت أحاديث في ذلك: ففي «الصحيحين» حديث عبد الرَّحمن بن سمرة - ﵁ - المذكور في الباب، وفي «صحيح البخاريّ» أيضًا عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنِعْم المرضعة، وبئست الفاطمة». وأخرج الطبرانيّ، والبزار بسند صحيح، عن عوف بن مالك بلفظ: «الإمارة أولها مَلامَة، وثانيها نَدَامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلَّا مَنْ عَدَل». وفي «المعجم الأوسط»، للطبراني من رواية شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال شريك: لا أدري رفعه أم لا؟ قال: «الإمارة أولها ندامة، وأوسطها غرامة، وآخرها عذاب يوم القيامة»، وله شاهد من حديث شداد بن أوس رفعه بلفظ: «الإمارة أولها ملامة، وثانيها ندامة»، أخرجه الطبرانيّ. وعند الطبرانيّ من حديث زيد بن ثابت رفعه: «نِعْم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقها وحِلّها، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها، تكون عليه حَسْرَة يوم القيامة»، أفاده في «الفتح» . ٢ - (ومنها): منعُ الحريص عليها مِنْ تولّيها؛ لأنَّ فيه تُهْمةً، ويوكل إليها، ولا يعان، فيؤدّي إلى تضييع الحقوق؛ لِعَجْزه. ٣ - (ومنها): استحباب السواك، وقد ورد فيه أحاديث كثيرة، وقد سبق بيانها في «كتاب الطهارة». ٤ - جواز استياك الإمام بحضرة الرعيّة، وقد ترجم النسائيّ - ﵀ - عليه، فقال: «باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيّته؟».
مصادر المؤلف (٢٢)

١. «الفتح»١٦/ ١٤٨، كتاب«استتابة المرتدّين»رقم (٦٩٢٣).

٢. «المصباح المنير»١/ ١٣٠.

٣. «القاموس المحيط»ص ٢٧٩.

٤. «شرح النوويّ»١٢/ ٢٠٧.

٥. «الفتح»١٦/ ١٤٩، كتاب«استتابة المرتدّين»رقم (٦٩٢٣).

٦. وفي نسخة: «شفتيه».

٧. «اللباب في تهذيب الأنساب»١/ ٦٤.

٨. «المفهم» ٤/ ١٧.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٣١٨.

١٠. «المفهم» ٤/ ١٨.

١١. «المفهم»٤/ ١٧ - ١٨.

١٢. «الفتح»١٦/ ١٤٩، كتاب«استتابة المرتدّين»رقم (٦٩٢٣).

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٨.

١٤. «القاموس المحيط» ص ١٣٩٧.

١٥. «الفتح» ١٦/ ١٤٩ - ١٥٠، كتاب «استتابة المرتدِّين» رقم (٦٩٢٣).

١٦. «القاموس المحيط» ص ٦٥١.

١٧. «المفهم» ٤/ ١٨ - ١٩.

١٨. «الفتح» ١٦/ ١٥٠ - ١٥١.

١٩. «المفهم» ٤/ ١٩ - ٢٠.

٢٠. أشار به إلى ما أخرجه الطبرانيّ مرسلًا عن محمد بن كعب القرظيّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «معاذ بن جبل إمام العلماء برتوة»، قال الحافظ الهيثميّ: وفيه محمد بن عبد الله بن أزهر الأنصاريّ، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. انتهى. «مجمع الزوائد» ٩/ ٣١١.

٢١. «المفهم» ٤/ ١٩ - ٢٠.

٢٢. «الفتح» ١٦/ ٦٣١، كتاب «الإحكام» رقم (٧١٤٨).