HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٣٤

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ ابن جريح: نزل: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [٤ /النساء] فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيِّ. بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ. أخبرنيه يعلى ابن مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عباس.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص13
ج ٣ ص ١٤٦٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٢ ص٣٩
وقوله: (قَالُوا .... الخ)؛ أي: قال هؤلاء الثلاثة: عبد الله بن نُمير، ومحمد بن بشر، وأبو أسامة: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عديّ بن عَمِيرة - ﵁ -. [تنبيه]: روايات هؤلاء الثلاثة المذكورين عن إسماعيل بن أبي خالد لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٧٤٦] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَليُّ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقةٌ ثبت، من كبار [٩] (ت ١٩٢) (ع) تقدّم في «الجنائز» ٢٦/ ٢٢٣٦. والباقون ذُكروا قبله، وإسحاق هو: ابن راهويه. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ)؛ أي: بمثل حديث الأربعة المذكورين في الإسنادين السابقين، وهم: وكيع، وعبد الله بن نُمير، ومحمد بن بشر، وأبو أسامة. [تنبيه]: رواية الفضل بن موسى، عن إسماعيل بن أبي خالد، لَمْ أجد من ساقها أيضًا، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ وُجُوبِ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَتَحْرِيمِهَا فِي الْمَعْصِيَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٧٣٧] (١٨٣٤) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيِّ، بَعَثَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ. أَخْبَرَنِيهِ يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدّم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦١. ٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصِّيصيِّ الأعور، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدّم في «المقدمة» ٦/ ٩٤. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، لكنه يدلس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدّم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٥ - (يَعْلَى بْنُ مُسْلِمِ) بن هُرْمُز المكيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ [٦] (خ م د ت س) تقدَّم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٩. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدّم في «المقدمة» ٥٧/ ٣٢٩. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر - ﵄ -، مات سنة (٦٨) (ع) تقدّم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأن فيه ابن عباس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: عن حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأعور، أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْج: نَزَلَ) وفي بعض النسخ: «نزلت»، وقوله: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فاعل «نَزَلَ»، مرفوع محكيّ، لِقَصْد لَفْظه، وحقيقة الطاعة: امتثال الأمر، كما أن المعصية ضدّها، وهي مخالفة الأمر، والطاعة مأخوذة من أطاع: إذا انقاد، والمعصية مأخوذة من عَصَى: إذا اشتد، «وأولو» واحدهم «ذُو» على غير قياس، كالنساء، والإبل، والخيل، كلُّ واحد اسم جمع، ولا واحد له من لفظه، وقد قيل في واحد الخيل: خائل، قاله القرطبيّ المفسّر - ﵀ - . [تنبيه]: قال في «الفتح»: والنكتة في إعادة العامل في الرسول، دون أولي الأمر، مع أن المطاع في الحقيقة هو الله تعالى، كون الذي يُعرَف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسُّنَّة، فكأن التقدير: أطيعوا الله فيما نَصَّ عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بَيَّن لكم من القرآن، وما ينصه عليكم من السُّنَّة، أو المعنى: أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبَّد بتلاوته، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن، ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية لَمّا قال له: أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فقال له: أليس قد نُزِعَت عنكم - يعني: الطاعة - إذا خالفتم الحقّ بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]. وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ عطفٌ على ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾، وكرّر الفعل في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إشارة إلى استقلال الرسول - ﷺ - بالطاعة، ولم يُعِدْه في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ إشارةً إلى عدم استقلالهم بالطاعة، بل إنما يطاعون إذا أطاعوا الله تعالى، ورسوله - ﷺ -، فطاعتهم تابعة لطاعتهما، كما أوضح ذلك بعده بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ كأنه قيل: إذا لَمْ يكن أولو الأمر مستقيمين، وشاهدتم منهم خلاف الحقّ، فردّوه إلى الحقّ، وهو الكتاب والسُّنّة، ولا يأخذكم في الله لومة لائم. انتهى بتصرّف . (فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيِّ) هو: عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عَدِيّ بن سُعيد بن سَعْد بن سَهْم بن عمرو بن هُصَيص القرشيّ السهميّ، أبو حُذافة، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، مع أخيه قيس، وقيل: إنه شَهِد بدرًا، ونزلت فيه آية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية، وروى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه أبو وائل، ومسعود بن الحكم الزُّرَقيّ. قال أبو القاسم البغويّ: بلغني أنه مات في خلافة عثمان، وقال أبو نعيم الحافظ: تُوُفّي بمصر في خلافة عثمان، قيل: إن مسلمًا رَوَى له، وهو وَهَمٌ، وحُكِيَ في «كتاب الأطراف». وهو الذي أَسَرَته الروم في زمن عمر بن الخطاب، فأرادوه على الكفر فأبى، فقال له ملك الروم: قَبِّلْ رأسي، وأُطلقك، قال: لا، قال: قَبِّلْ رأسي، وأطلقك ومن معك من المسلمين، فقَبَّل رأسه، ففعل، وأَطْلَق معه ثمانين أسيرًا، فَقَدِم بهم على عمر، فقال: حَقٌّ على كلِّ مسلم أن يُقَبِّل رأس عبد الله، وأنا أبدأ، ففعلوا. له في «الصحيحين» قصة في سؤاله مَن أَبِي؟ وفيها: لو ألحقني بعبد أسود للحقت به، وفيهما قصته في السريَّة التي أمرهم أن يدخلوا في النار، وقال ابن الْبَرْقيّ: حُفِظ عنه ثلاثة أحاديث، ليست بصحيحة الاتصال . وقال في «الإصابة»: ومن مناقب عبد الله بن حُذافة ما أخرجه البيهقيّ من طريق ضِرَار بن عمرو، عن أبي رافع، قال: وَجَّه عمر جيشًا إلى الروم، وفيهم عبد الله بن حُذافة، فأسروه، فقال له ملك الروم: تنصَّر أُشْرِكْكَ في مُلكي، فأبى، فأمَر به، فَصُلب، وأمَر برميه بالسهام، فلم يَجْزَع، فأُنزل، وأَمَر بقِدْرٍ، فصُبَّ فيها الماء، وأُغلي عليه، وأَمَر بإلقاء أسير فيها، فإذا عظامه تلوح، فأَمَر بإلقائه، إن لَمْ يتنصّر، فلما ذهبوا به بكي، قال: رُدُّوه، فقال: لِمَ بكيت؟ قال: تمنيت أن لي مائةَ نفس، تُلْقَى هكذا في الله، فعَجِب، فقال: قَبِّل رأسي، وأنا أُخْلِي عنك، فقال: وعن جميع أُسارى المسلمين؟، قال: نعم، فقَبَّل رأسه، فخَلَّى بينهم، فقَدِمَ بهم على عمر، فقام عمر، فقَبَّل رأسه. وأخرج ابن عساكر لهذه القصّة شاهدًا من حديث ابن عباس، موصولًا، وآخر من فوائد هشام بن عثمان، من مرسل الزهريّ. انتهى . وقال ابن يونس: شَهِدَ فتح مصر، وقُبِر في مقبرتها، وحَكَى محمد بن الربيع الْجِيزيّ أنه وَهَمٌ . (بَعَثَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ) قال في «الفتح»: قوله: «نزلت في عبد الله بن حذافة» كذا ذكره مختصرًا، والمعنى: نزلت في قِصّة عبد الله بن حُذافة؛ أي: المقصود منها في قصته قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. قال الحافظ: وقد غَفَل الداوديّ عن هذا المراد، فقال: هذا وَهَمٌ على ابن عباس، فإن عبد الله بن حُذافة خرج على جيش، فغَضِب، فأوقدوا نارًا، وقال: اقتحموها، فامتنع بعض، وهَمّ بعض أن يفعل، قال: فإن كانت الآية نزلت قبلُ، فكيف يَخصّ عبد الله بن حُذافة بالطاعة دون غيره؟ وإن كانت نزلت بعدُ، فإنما قيل لهم: إنما الطاعة في المعروف، وما قيل لهم: لِمَ لَمْ تطيعوه؟ انتهى. قال الحافظ: وبالحَمْل الذي قدّمته يظهر المراد، وينتفي الإشكال الذي أبداه؛ لأنهم تنازعوا في امتثال ما أمرهم به، وسببه أن الذين هَمُّوا أن يطيعوه، وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة، والذين امتنعوا عارضه عندهم الفرار من النار، فناسب أن يَنْزل في ذلك ما يُرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع، وهو الردّ إلى الله تعالى، وإلى رسوله - ﷺ -؛ أي: إن تنازعتم في جواز الشيء وعدم جوازه، فارجعوا إلى الكتاب والسُّنَّة، والله أعلم. وقد رَوَى الطبريّ أن هذه الآية نزلت في قصةٍ جَرَتْ لعمار بن ياسر، مع خالد بن الوليد، وكان خالد أميرًا، فأجار عمار رجلًا بغير أَمْره، فتخاصما، فنزلت، فالله أعلم. وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقول ابن عباس - ﵄ -: «بعثه رسول الله - ﷺ - في سرية» كلام غير تامّ، وتتميمه: أن عبد الله بن حُذَافَةَ أمرهم بأمر، فخالف بعضهم، وأَنِفَ على عادة العرب، فإنهم كانوا يأنفون من الطّاعة، قال الشافعيّ: كانت العرب تأنف من الطّاعة للأمراء، فلمَّا أطاعوا رسول الله - ﷺ - أمرهم بطاعة الأمراء، وقال أبو العالية: نزلت الآيةُ بسبب عمَّار بن ياسر، خرج في سرية؛ أميرهم خالد بن الوليد، فأجاز عَمَّار رجلًا، فأبى خالد أن يُجِيزَ أمانَهُ، فأخبر بذلك النبيّ - ﷺ - فأجاز أمان عَمَّار، ونهى أن يُجار على الأمير. قال القرطبيّ - ﵀ -: وقول ابن عباس أشهر، وأصح، وأنسب، وعلى هذا: فأولو الأمرِ في الآية: هم الأمراء، وهو أظهر مِنْ قول من قال: هم العلماء؛ قاله الحسن، ومالك، وله وجه، وهو: أن الأمراء شَرْطهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراءُ رسول الله - ﷺ -، وحينئذٍ تجب طاعتهم، فلو أَمروا بما لا يقتضيه العلم حَرُمَتْ طاعتهم، فإذًا الحكم للعلماء، والأمرُ لهم بالأصالة، غير أنهم لهم الفتيا من غير جبر، وللأمير الفتيا والجبر، وهذان القولان أشبه ما قيل في هذه الآية. وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية: ﴿تَنَزَعْتُمْ﴾: اختلفتم، وأصله: التجاذب، والتعاطي، ومنه سُمِّي المستقيان متنازعين؛ لأنهما يتجاذبان الدّلو بالحبل، ولا شك أن المواجَه بهذا الخطاب الصحابة. وعلى هذا فالمراد بقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ أي: انتظروا أن يُنزل الله فيه قرآنًا، أو يبيّن فيه رسول الله - ﷺ - سُنَّة، وقيل: المراد الصحابة وغيرهم، والمعنى: أنَّ المرجِع عند التنازع كتاب الله، وسُنَّة رسوله - ﷺ -، قاله قتادة. وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾؛ أي: الردُّ إلى كتاب الله تعالى وسُنّة رسوله - ﷺ - خير من الردّ إلى التحاكم بالهوي، و﴿خَيْرٌ﴾ للمفاضلة التي على منهاجِ قولهم: العسل أحلى من الخل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤]، و﴿خَيْرٌ﴾ هنا بمعنى: الواجب؛ أي: ذلك الواجب عليكم، و﴿تَأْوِيلًا﴾؛ أي: مآلًا، ومرجعًا؛ قاله قتادة وغيره. انتهى . وقوله: (أَخْبَرَنِيهِ) هو من قول ابن جريجٍ، (يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، وفيه تقديم المتن على بعض السند، وهو جائز على الصحيح، وسيأتي بيانه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٤٧٣٧] (١٨٣٤)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٥٨٤)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٢٥٥)، و(الترمذيّ) في «الجهاد» (١٦٧٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٢٢ و٦/ ٣٢٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٣٧)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٦٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٨٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣٩٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٥/ ١٣١)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ١٢٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٥٥) و«شعب الإيمان» (٣/ ٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قوله في هذا السند: أخبرنيه يعلى … إلخ فيه تقديم المتن على بعض السند، وفيه خلاف، كما قال السيوطي في «ألفيّة الحديث»: وَسَابِقٌ بِالْمَتْنِ أَو بَعْضِ سَنَدْ … ثُمَّ يُتِمُّهُ أَجِزْ فَإِنْ يُرَدْ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُ كُلِّهِ رَجَحْ … جَوَازُهُ كَبَعْضِ مَتْنٍ فِي الأَصَحِّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ يُؤَخِّرُ السَّنَدْ … حَيْثُ مَقَالٌ فَاتَّبِعْ وَلَا تَعَدّ وحاصل معنى الأبيات: أنه روى أحد حديثًا، وقَدَّم المتن أَوّلًا، ثمّ ذَكَر إسناده، كأن يقول: «قال رسول الله - ﷺ - كذا»، ثم يقول: حدّثنا به فلان، عن فلان … إلخ، أو أخّر بعض السند، كما وقع عند مسلم هنا، وكأن يروي عن نافع، عن ابن عمر حديثًا، ثم يقول: حدّثنا به فلان إلى أن يصل إلى نافع، فهذا كلّه جائز، وقد وقع كثيرًا عند الرواة، وإذا أراد مَن عنده الحديثُ بهذه الصفة أن يسوق الإسناد كلّه أَوّلًا قبل المتن، فهو جائز على القول الصحيح، كجواز تقديم بعض المتن على بعض، إذا لَمْ يكن ذلك مؤثّرًا على المعنى. وهذا كلّه في غير «صحيح ابن خزيمة»، فإنه - ﵀ - يقدّم الحديث على السند إذا كان في السند من فيه مقال، فيبتدئ به، ثم بعد الفراغ يذكر السند، وقد صرّح هو بأن مَن رواه على غير ذلك الوجه لا يكون في حِلّ منه، فحينئذ ينبغي أن يُمنع هذا، ولو جوّزنا الرواية بالمعنى. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): سبب سريّة عبد الله بن حُذافة - ﵁ - هذه: هو ما أخرجه أحمد، وابن ماجة، وصححه ابن حبّان، والحاكم من طريق عمر بن الحكم بن ثوبان، أن أبا سعيد الخدريّ قال: بعث رسول الله - ﷺ - علقمة بن مُجَزِّز الْمُدْلِجيّ على بَعْث أنا فيهم، فخرجنا، حتى إذا كنا على رأس غَزَاتنا، أو في بعض الطريق استأذنته طائفة، فأَذِن لهم، وأَمَّر عليهم عبد الله بن حُذافة السهميّ، وكان من أصحاب بدر، وكانت فيه دُعَابةٌ، فكنت فيمن رجع معه، فبينا نحن في الطريق، نزلنا منزلًا، وأوقد القوم نارًا، يصطلون بها، أو يصنعون عليها صنيعًا لهم، إذ قال لهم عبد الله بن حذافة: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلي، قال: فأنا آمركم بشيء ألا فعلتموه؟ قالوا: بلي، قال: فإني أعزم عليكم بحقي، وطاعتي، إلَّا تواثبتم في هذه النار، قال: فقام ناس حتى إذا ظنّ أنهم واثبون فيها، قال: أمسكوا عليكم أنفسكم، إنما كنت أضحك معكم، فلمّا قَدِمُوا على رسول الله - ﷺ - ذكروا ذلك له، فقال رسول الله - ﷺ -: «مَن أمركم بمعصية فلا تطيعوه». وذكر ابن سعد أن سريّة علقمة بن مُجَزِّز المدلجيّ إلى الحبشة في شهر ربيع الآخر، سنة تسع من مهاجر رسول الله - ﷺ -. قالوا: بلغ رسول الله - ﷺ - أن ناسًا من الحبشة، تراياهم أهل جُدّة، فبعث إليهم علقمةَ بن مُجَزِّز في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر، وقد خاض إليهم البحر، فهربوا منه، فلما رجع تعجّل بعض القوم إلى أهلهم، فأَذِن لهم، فتعجّل عبد الله بن حُذافة السهميّ فيهم، فأَمَّره على من تعجل، وكانت فيه دُعابة، فنزلوا ببعض الطريق، وأوقدوا نارًا يصطلون عليها، ويصطنعون، فقال: عزمت عليكم إلَّا تواثبتم في هذه النار، فقام بعض القوم، فاحتجزوا حتى ظنّ أنهم واثبون فيها، فقال: اجلسوا، إنما كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: «من أمركم بمعصية فلا تطيعوه». انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): قال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: المراد بأولي الأمر: مَنْ أوجب الله تعالى طاعته، من الولاة، والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف، من المفسّرين، والفقهاء، وغيرهم، وقيل: هم العلماء، وقيل: الأمراء والعلماء، وأما من قال: هم الصحابة خاصّة فقط فقد أخطأ. انتهى . وقال في «الفتح»: اختُلِف في المراد بأولي الأمر في الآية، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: هم الأمراء، أخرجه الطبريّ بإسناد صحيح، وأخرج عن ميمون بن مِهْران وغيره نحوه، وعن جابر بن عبد الله، قال: هم أهل العلم والخير، وعن مجاهد، وعطاء، والحسن، وأبي العالية: هم العلماء، ومن وجه آخر أصحّ منه عن مجاهد، قال: هم الصحابة - ﵁ -، وهذا أخصّ، وعن عكرمة قال: أبو بكر، وعمر، وهذا أخصّ من الذي قبله، ورجّح الشافعيّ الأول، واحتَجّ له بأن قريشًا كانوا لا يَعرفون الإمارة، ولا ينقادون إلى أمير، فأُمروا بالطاعة لمن وَلي الأمر، ولذلك قال - ﷺ -: «من أطاع أميري فقد أطاعني»، متّفقٌ عليه، وقال ابن عيينة: سألت زيد بن أسلم عنها، ولم يكن بالمدينة أحد يفسّر القرآن بعد محمد بن كعب مثله، فقال: اقرأ ما قبلها تعرف، فقرأت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الآية [النساء: ٥٨]، فقال: هذه في الولاة، واختار الطبريّ حملها على العموم، وإن نزلت في سبب خاصّ، والله أعلم . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما رجّحه الطبريّ - ﵀ - من حَمْل الآية على العموم هو الأرجح؛ لأنَّ العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، والله تعالى أعلم. وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر - ﵀ - في «تفسيره»: لَمّا تقدّم إلى الولاة في الآية المتقدمة وبدأ بهم، فأمَرهم بأداء الأمانات، وأن يحكموا بين الناس بالعدل، تقدّم في هذه الآية إلى الرعية، فأمر بطاعته أَوّلًا، وهي امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله - ﷺ - ثانيًا، فيما أَمَر به، ونَهَى عنه، ثم بطاعة الأمراء ثالثًا، على قول الجمهور، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم. قال سهل بن عبد الله التستريّ: أطيعوا السلطان في سبعة: ضَرْب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام، والحجّ، والجمعة، والعيدين، والجهاد. قال سهل: وإذا نَهَى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتي، فإن أفتى فهو عاص، وإن كان أميرًا جائرًا. وقال ابن خويز منداد: وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية، ولذلك قلنا: إن وُلاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم، ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم متى غزوا، والحكم من قبلهم، وتولية الإمامة والحسبة، وإقامة ذلك على وجه الشريعة. وإن صلّوا بنا وكانوا فَسَقَةً من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم، وإن كانوا مبتدِعة لَمْ تجز الصلاة معهم إلَّا أن يُخَافوا، فيصلي معهم تقيّةً، وتعاد الصلاة. ورُوي عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: حقّ على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه؛ لأنَّ الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته. وقال جابر بن عبد الله، ومجاهد: «أولو الأمر» أهل القرآن والعلم، وهو اختيار مالك - ﵀ -، ونحوه قول الضحاك، قال: يعني الفقهاء، والعلماء في الدِّين. وحُكي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد - ﷺ - خاصة. وحُكي عن عكرمة أنَّها إشارة إلى أبي بكر وعمر - ﵄ - بخاصة. وروى سفيان بن عيينة عن الحكم بن أبان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد، فقال: هنّ حرائر، فقلت: بأي شيء؟ قال: بالقرآن، قلت: بأيّ شيء في القرآن؟ قال: قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾، وكان عُمَر من أولي الأمر، قال: عَتَقت ولو بِسَقْط. وقال ابن كيسان: هم أولو العقل، والرأي الذين يدبِّرون أمر الناس. قال القرطبيّ: وأصح هذه الأقوال الأول والثاني، أما الأول فلأن أصل الأمر منهم، والحكم إليهم. وفي «الصحيحين» عن ابن عباس - ﵄ - قال: نزل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ في عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عديّ السهميّ؛ إذ بَعَثه النبيّ - ﷺ - في سريّة. قال أبو عمر: وكان في عبد الله بن حذافة دُعابة معروفة، ومن دعابته أن رسول الله - ﷺ - أَمَّره على سريّة فأمرهم أن يجمعوا حطبًا، ويوقدوا نارًا، فلما أوقدوها أمرهم بالتقحم فيها، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله - ﷺ - بطاعتي؟! وقال: «من أطاع أميري فقد أطاعني؟». فقالوا: ما آمنا بالله، واتبعنا رسوله إلَّا لننجو من النار! فصَوَّب رسول الله - ﷺ - فِعْلهم، وقال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وهو حديث صحيح الإسناد مشهور. وروى محمد بن عمرو بن علقمة، عن عمر بن الحكم بن ثوبان أن أبا سعيد الخدريّ قال: كان عبد الله بن حذافة بن قيس السهميّ من أصحاب بدر، وكانت فيه دُعابة. وذكر الزبير قال: حدثني عبد الجبار بن سعيد عن عبد الله بن وهب، عن الليث بن سعد قال: بلغني أنه حَلَّ حِزَام راحلة رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره، حتى كاد رسول الله - ﷺ - يقع، قال ابن وهب: فقلت لليث: ليضحكه؟ قال: نعم كانت فيه دُعابة. وقال ميمون بن مهران، ومقاتل، والكلبي: «أولو الأمر» أصحاب السرايا. وأما القول الثاني: فيدل على صحته قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فأمَر تعالى بردّ المتنازَع فيه إلى كتاب الله وسُنَّة نبيّه - ﷺ -، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الردّ إلى الكتاب والسُّنَّة، ويدلّ هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبًا، وامتثال فتواهم لازمًا، قال سهل بن عبد الله - ﵀ -:
مصادر المؤلف (١٢)

١. وفي نسخة: «نزلت».

٢. «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٢٦١.

٣. راجع: «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٥٧٦.

٤. «تهذيب التهذيب» ٥/ ١٦٢.

٥. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٤/ ٥٨.

٦. «تهذيب التهذيب» ٥/ ١٦٢.

٧. «المفهم» ٤/ ٣٤ - ٣٥.

٨. راجع: شرحي المسمّى «إسعاف ذوي الوطر بشرح ألفيَّة الأثر» ٢/ ٩٣ - ٩٥.

٩. «الطبقات الكبرى» لابن سعد - ﵀ - ٢/ ١٦٣.

١٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ٢٢٣.

١١. «الفتح» ١٠/ ٥٥، كتاب «التفسير» رقم (٤٥٨٤).

١٢. يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الآية.