HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٥٦

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ألفا وأربعمائة. فَبَايَعْنَاهُ وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. وَهِيَ سمرة. وقال: وبايعناه عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ. وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الموت.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص25
ج ٣ ص ١٤٨٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, سنن النسائي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٤١
[٤٧٤] في الحديث ؛ دليل على سنة بيعة الإسلام، ودليل فضيلة الموضع إذا كان معتادا للخير، وفيه دلالة النبوة لنبوع الماء من أصابعه ﷺ. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٢ ص٢٢٤
وحاصل الجواب أن هذا لا يُخالف منهجه؛ لأنه روى الحديث أوّلًا بإسنادين متّصلين صحيحين، ثم ذكر هذا متابعًا للإسنادين، والمتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فالحديث صحيح متّصلٌ، ولله الحمد والمنّة. [تنبيه آخر]: رواية معاوية بن صالح، عن مسلم بن قرظة هذه ساقها ابن حبّان - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٤٥٨٩) - أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة، قال: حدّثنا حرملة بن يحيى، قال: حدّثنا ابن وهب، قال: حدّثني معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن مسلم بن قَرَظة، عن عوف بن مالك الأشجعيّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خياركم وخيار أئمتكم الذين تحبونهم، ويحبونكم، ويصلّون عليكم، وتصلّون عليهم، وشراركم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم، ويلعنونكم»، قيل: أفلا ننابذهم يا رسول الله؟ قال: «لا، ما أقاموا الصلوات الخمس، ألا ومَن له والٍ، فيراه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزع يدًا من طاعته». انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بابُ اسْتِحْبَابِ مُبَايَعَةِ الإِمَامِ الْجَيْشَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِتَالِ، وَبَيَانِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٧٩٩] (١٨٥٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَبَايَعْنَاهُ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ، تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَهِيَ سَمُرَةٌ، وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَلَا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن مهاجر التَّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم، المكيّ، صدوق يدلّس [٤] (٢٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. ٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٣٩) من رباعيّات الكتاب، وأن الثلاثة الأولين مصريّون، والرابع مكيّ، والصحابيّ مدنيّ، وأن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، وهو ابن صحابيّ، ومن المعمّرين، كما أسلفته آنفًا. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) - ﵁ -، وفي رواية النسائيّ: «عن أبي الزبير أنه سمع جابرًا» (قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ) بصيغة التصغير، وهي مخفّفة الياء على المشهور، وأجاز بعضهم تشديد الياء الأخيرة ، هي بئر بقرب مكة، نزله النبيّ - ﷺ - حين أراد العمرة، فصدّته قريشٌ، فوجّه إليهم عثمان بن عفّان - ﵁ - ليخبرهم بأنه جاء معتمرًا، ولم يجئ لقتال، فأبطأ عليه، فأُرجف بأنه قُتل، فبايع النبيّ - ﷺ - أصحابه هذه البيعة المسمّاة ببيعة الرضوان، وقد تقدّم ذكرها . (أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ) قال النوويّ - ﵀ -: وفي رواية: «ألفًا وخمسمائة»، وفي رواية: «ألفًا وثلاثمائة»، وقد ذَكَر البخاريّ ومسلم هذه الروايات الثلاث في «صحيحيهما»، وأكثر روايتهما: «ألفًا وأربعمائة»، وكذا ذكر البيهقيّ أن أكثر روايات هذا الحديث: «ألفًا وأربعمائة». ويمكن أن يُجمع بينهما بأنهم كانوا أربعمائة وكسرًا، فمن قال: «أربعمائة» لم يعتبر الكسر، ومن قال: «خمسمائة» اعتبره، ومن قال: «ألفًا وثلاثمائة» ترك بعضهم؛ لكونه لم يُتقن العدد، أو لغير ذلك. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «ألفًا وأربعمائة» قد رُوي أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة، وإنما اختلف قوله لأن ذلك العدد كان عنده تخمينًا، لا تحقيقًا، إن لم يكن غلطًا من بعض الرواة. انتهى . وقال في «الفتح»: والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألفًا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفًا وأربعمائة ألغاه، ويؤيده قوله في حديث البراء: «ألفًا وأربعمائة، أو أكثر»، واعتمد على هذا الجمع النوويّ. وأما البيهقيّ فمال إلى الترجيح، وقال: إن رواية من قال: «ألفًا وأربعمائة» أصحّ، ثم ساقه من طريق أبي الزبير، ومن طريق أبي سفيان، كلاهما عن جابر كذلك، ومن رواية مَعْقِل بن يسار، وسلمة بن الأكوع، والبراء بن عازب، ومن طريق قتادة، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه. ومعظم هذه الطرق عند مسلم، ووقع عند ابن سعد في حديث مَعْقِل بن يسار: «زُهَاء ألف وأربعمائة»، وهو ظاهر في عدم التحديد، وأما قول عبد الله بن أبي أوفى: «ألفًا وثلاثمائة»، فيمكن حمله على ما اطَّلَع هو عليه، واطَّلَع غيره على زيادة ناس، لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة، أو العدد الذي ذكره جملةُ من ابتدأ الخروج من المدينة، والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره هو عدد المقاتِلة، والزيادة عليها من الأتباع، من الْخَدَم، والنساء، والصبيان، الذين لم يبلغوا الحُلُم. انتهى . (فَبَايَعْنَاهُ)، وقوله: (وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ) جملة حالية؛ أي: والحال أن عمر بن الخطّاب - ﵁ - آخذ بيد النبيّ - ﷺ - حال البيعة، وقوله: (تَحْتَ الشَّجَرَةِ) متعلّق بحال مقدّر، فيكون من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة، وقوله: (وَهِيَ سَمُرَةٌ) جملة مستأنفة، بيّن بها نوع الشجر، وهذا الاستئناف هو الذي يُسمّى استئنافًا بيانيًّا، وهو الذي وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، فكأن سائلًا سأل، فقال: ما هي الشجرة؟ فأجابه بأنها سَمُرة، وهي بفتح السين المهملة، وضمّ الميم، بعدها راء جمعها سَمُر، وزان رَجُلٍ، وهي شجر الطَّلْحِ، وهو نوع الْعِضَاهِ، قاله الفيّوميّ . وقال المرتضى الزبيديّ في «التاج»: السّمُرة بفتح السين، وضمّ الميم: شجرة معروفة، صغيرة الورق، قصيرة الشوك، وله بُرْمة صفراء، يأكل الناس فيها، وليس في العِضَاه شيء أجود خشبًا منها، يُنقل إلى القرى، فتغمى به البيوت. انتهى . (وَقَالَ) جابر - ﵁ - (بَايَعْنَاهُ) وفي بعض النسخ: «فبايعناه»؛ أي: بايعنا النبيّ - ﷺ - (عَلَى أَلَا نَفِرَّ)؛ أي: لا نفرّ عند ملاقاة العدوّ، وإن كان يؤدّي إلى الموت، وإنما بايعوه على هذا؛ لكونه في مقدور المكلّفين، يستطيعون الوفاء به. [تنبيه]: سبب هذه البيعة أنه - ﷺ - خرج من المدينة إلى مكة لأداء العمرة، فلما وصل الحديبية منعته قريش، وصدّته عن البيت، فدعا - ﷺ - خِرَاش بن أمية الخزاعيّ، فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على بعير له، يقال له: الثعلب؛ ليبلّغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعَقَروا به جمل رسول الله - ﷺ -، وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش، فخلَّوا سبيله حتى أتى رسول الله - ﷺ -. ثم دعا - ﷺ - عمر بن الخطاب - ﵁ - ليبعثه إلى مكة، فيبلّغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بمكة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلّك على رجل أعزّ عليها مني، عثمان بن عفان، فدعا رسول الله - ﷺ - عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان، وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنه إنما جاء زائرًا لهذا البيت، ومعظِّمًا لحرمته، فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلّغ رسالة رسول الله - ﷺ -، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان، وعظماء قريش، فبلّغهم عن رسول الله - ﷺ - ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله - ﷺ - إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله - ﷺ -، واحتبسته قريش عندها، فَبَلغ رسول الله - ﷺ - والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قُتِل. ثم إن رسول الله - ﷺ - قال حين بَلَغه أن عثمان قد قتل: «لا نبرح حتى نناجز القوم»، فدعا رسول الله - ﷺ - الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله - ﷺ - على الموت، وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله - ﷺ - لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفرّ، ولم يتخلف عن البيعة أحد من المسلمين حضرها، إلا الْجَدّ بن قيس المنافق، أخو بني سَلِمة، فكان جابر بن عبد الله يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته، قد ضبأ إليها - أي: التجأ، وتحصّن بها - يستتر بها من الناس. ثم ضرب رسول الله - ﷺ - يده على الأخرى، وقال: «هذه يد عثمان»، بل هي خير من يد عثمان، فبايَع له، ثم تبيّن بعد ذلك أن الذي ذُكِر من أمر عثمان باطل . (وَلَمْ نُبايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ) وفي رواية سلمة بن الأكوع - ﵁ -: «أنهم بايعوه يومئذ على الموت» وهو معنى رواية عبد الله بن زيد بن عاصم، وفي رواية مجاشع بن مسعود - ﵁ -: «البيعة على الهجرة، والبيعة على الإسلام، والجهاد»، وفي حديث ابن عمر، وعبادة - ﵃ -: «بايعنا على السمع والطاعة، وأن لا ننازع الأمر أهله»، وفي رواية عن ابن عمر في غير «صحيح مسلم»: «البيعة على الصبر». قال العلماء: هذه الرواية تجمع المعاني كلها، وتُبَيِّن مقصود كلّ الروايات، فالبيعة على أن لا نَفِرّ معناه: الصبر حتى نظفر بعدوّنا، أو نُقْتَل، وهو معنى البيعة على الموت؛ أي: نصبر، وإن آل بنا ذلك إلى الموت، لا أن الموت مقصود في نفسه، وكذا البيعة على الجهاد؛ أي: والصبر فيه، والله أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن قول جابر - ﵁ -: «لم نبايع رسول الله - ﷺ - على الموت»، إنما هو حكاية للّفظ الذي صدر منه، حين المبايعة، فلا ينفي صدور لفظ الموت من غيره، كما في حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - الآتي - إن شاء الله تعالى - وأنه لا اختلاف في المعنى، إذ المقصود مصابرة العدوّ، ولو أدّى ذلك إلى الموت، والله تعالى أعلم بالصواب. قال النوويّ: وكان في أول الإسلام يجب على العشرة من المسلمين أن يصبروا لمائة من الكفار، ولا يفرّوا منهم، وعلى المائة الصبر لألف كافر، ثم نُسِخ ذلك، وصار الواجب مصابرة المِثْلَين فقط، قال النوويّ - ﵀ -: هذا مذهبنا، ومذهب ابن عباس، ومالك، والجمهور أن الآية منسوخة. وقال أبو حنيفة، وطائفة: ليست بمنسوخة، واختلفوا في أن المعتبَر مجرد العدد من غير مراعاة القوّة والضعف، أم يُرَاعَى؟ والجمهور على أنه لا يراعى؛ لظاهر القرآن. وأما حديث عبادة - ﵁ -: «بايعنا رسول الله - ﷺ - على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تَسرِقوا. . .» إلى آخره، فإنما كان ذلك في أول الأمر، في ليلة العقبة، قبل الهجرة من مكة، وقبل فرض الجهاد. انتهى . وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ» مخالفٌ لِمَا قاله سلمة بن الأكوع أنهم بايعوه في ذلك اليوم على الموت، وكذلك قال عبد الله بن زيد، وهذا خلافٌ لفظيّ، وأما المعنى فمتّفقٌ عليه؛ لأن من بايع على أن لا يفرّ حتى يَفتح الله عليه، أو يُقتل، فقد بايع على الموت، فكأن جابرًا لم يسمع لفظ الموت، وأخذ غيره الموت من المعنى، فعبّر عنه، ويشهد لِمَا ذكرته أنه قد رُوي عن ابن عمر في غير كتاب مسلم أن البيعة كانت على الصبر ، وكان هذا الحكم خاصًّا بأهل الحديبية، فإنه مخالفٌ لِمَا في كتاب الله تعالى، من إباحة الفرار عند مِثْلَي العدد، كما نصّ عليه في سورة الأنفال، وعلى مقتضى بيع الحديبية لا فرار أصلًا، فهذا حكم خاصّ بهم - والله تعالى أعلم - ولذلك قال عبد الله بن زيد: لا أبايع على هذا أحدًا بعد رسول الله - ﷺ - . ثم إن الناس اختلفوا في العدد المذكور في آيتي الأنفال، فحَمَله جمهور العلماء على ظاهره من غير اعتبار للقوّة والضعف، والشجاعة والجبن، وحكى ابن حبيب، عن مالك، وعبد الملك: أن المراد بذلك القوّة، والتكافؤ، دون تعيين العدد، وقال ابن حبيب: والقول الأول أكثر، فلا تفرّ المائة من المائتين، وإن كانوا أشدّ جَلَدًا، وأكثر سلاحًا، قال القرطبيّ: وهو الظاهر من الآية، قال عياضٌ: ولم يُختلف أنه متى جُهل منزلة بعضهم على بعض في مراعاة العدد لم يجز الفرار. انتهى كلام القرطبيّ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (٢٧٩٨) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا جُويرية، عن نافع، قال: قال ابن عمر - ﵄ -: رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله، فسألت نافعًا على أيّ شيء بايعهم؟ على الموت؟ قال: لا، بل بايعهم على الصبر. انتهى. أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٤٧٩٩ و٤٨٠٠ و٤٨٠١ و٤٨٠٢ و٤٨٠٣ و٤٨٠٤ و٤٨٠٥ و٤٨٠٦] (١٨٥٦)، و(البخاريّ) في «المغازي» (٤١٥٣ و٤١٥٤)، و(الترمذيّ) في «السير» (١٥٩١ و١٥٩٤)، و(النسائيّ) في «البيعة» (٤١٦٠) و«الكبرى» (٢٧٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣١٠ و٣٩٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٤٥٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٨٧٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٤٢٧)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٢١٠ و٦/ ٣٠٦)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٢/ ١٠٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٣٥)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٨٠٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَمْ نُبَايِعْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى الْمَوْتِ، إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٨٠١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، سَمِعَ جَابِرًا، يُسْأَلُ: كَمْ كَانُوا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: كُنَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، فَبَايَعْنَاهُ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَجَرَةِ، وَهِيَ سَمُرَةٌ، فَبَايَعْنَاهُ، غَيْرَ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيّ، اخْتَبَأَ تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ المعروف بالسمين، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَجَّاجُ) بن محمد الأعور، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (يُسْأَلُ: كَمْ كَانُوا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟) السائل هو سالم بن أبي الجعد، كما سيأتي التصريح به بعد حديثين. وقوله: (فَبَايَعْنَاهُ)؛ أي: بايعنا النبيّ - ﷺ -، وكنى عنه بالضمير مبالغة في إجلاله وتعظيمه، وجاء في بعض النسخ: «فبايعنا» بحذف المفعول، وإنما حُذف للعلم به، فصار كالمذكور، ولذا صحّ إعادة الضمير عليه في قوله: «وعمر آخذ بيده». وقوله: (غَيْرَ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيّ) ذَكَر الأبّيّ أنه كان من المنافقين، وذَكر أصحاب السِّيَر أنه كان سيّد بني سَلِمَة، فطرح رسول الله - ﷺ - سؤدده، وسوّد عليهم بشر بن البراء بن المعرور، ويمكن أن يكون ذلك هو السبب في حقده على رسول الله - ﷺ -. وأخرج الواقديّ في «مغازيه» عن أبي قتادة، قال: لما نزلنا على الحديبية، والماء قليل، سمعت الجد بن قيس يقول: ما كان خروجنا إلى هؤلاء القوم بشيء، نموت من العطش عن آخرنا، فقلت: لا تقل هذا يا أبا عبد الله، فَلِمَ خرجت؟ قال: خرجت مع قومي، قلت: فَلِمَ تخرج معتمرًا؟ قال: لا والله ما أحرمت، قال أبو قتادة: ولا نويت العمرة؟ قال: لا، فلما دعا رسول الله - ﷺ - الرجل، فنزل بالسهم، وتوضأ رسول الله - ﷺ - في الدلو ومَجّ فاه فيه، ثم ردّه في البئر، فجاشت البئر بالرواء، قال أبو قتادة: فرأيت الجد مادًّا رجليه على شفير البئر في الماء، فقلت: أبا عبد الله أين ما قلت؟ قال: إنما كنت أمزح معك، لا تذكر لمحمد مما قلت شيئًا، قال أبو قتادة: وقد كنت ذكرته قبل ذلك للنبيّ - ﷺ -. قال: فغضب الجدّ، وقال: بقينا مع صبيان من قومنا، لا يعرفون لنا شرفًا ولا سنًّا، لَبَطْنُ الأرض اليوم خير من ظهرها، قال أبو قتادة: وقد كنت ذكرت قوله للنبيّ - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «ابنه خير منه»، قال أبو قتادة: فلقيني نفر من قومي، فجعلوا يؤنبونني، ويلومونني حين رفعت مقالته إلى رسول الله - ﷺ -، فقلت لهم: بئس القوم أنتم، وَيْحَكُم عن الجدّ بن قيس تذبّون؟ قالوا: نعم، كبيرنا، وسيدنا، فقلت: قد والله طرح رسول الله - ﷺ - سؤدده عن بني سلمة، وسَوّد علينا بشر بن البراء بن مَعرُور، وهدمنا المنامات التي كانت على باب الجدّ، وبنيناها على باب بشر بن البراء، فهو سيدنا إلى يوم القيامة. قال أبو قتادة: فلما دعا رسول الله - ﷺ - إلى البيعة فَرّ الجدّ بن قيس، فدخل تحت بطن البعير، فخرجت أعدو، وأخذت بيد رجل كان يكلمني، فأخرجناه من تحت بطن البعير، فقلت: ويحك ما أدخلك ها هنا؟ أفرارًا مما نزل به روح القدس؟ قال: لا، ولكني رُعِبت، وسمعت الهيعة، قال الرجل: لا نَضَحْتُ عنك أبدًا، وما فيك خير، فلما مَرِض الجدّ بن قيس، ونزل به الموت لزم أبو قتادة بيته، فلم يخرج حتى مات، ودُفن، فقيل له في ذلك؟، فقال: والله ما كنت لأصلي عليه، وقد سمعته يقول يوم الحديبية: كذا وكذا، وقال في غزوة تبوك: كذا وكذا، واستحييت من قومي يرونني خارجًا ولا أشهده. ويقال: خرج أبو قتادة إلى ماله بالواديين، فكان فيه حتى دُفن، ومات الجدّ في خلافة عثمان. انتهى . وقوله: (اخْتَبَأَ تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرِهِ)؛ يعني: أنه اختفى، وذكر ابن هشام في «سيرته» قال: فكان جابر بن عبد الله - ﵄ - يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته، قد ضبأ إليها يستتر بها من الناس. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٨٠٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ مُجَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يُسْأَلُ: هَلْ بَايَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذِي الْحُلَيْفَةِ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ صَلَّى بِهَا، وَلَمْ يُبَايعْ عِنْدَ شَجَرَةٍ ، إِلا الشَّجَرَةَ الَّتِي بِالْحُدَيْبِيَةِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: دَعَا النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) البغداديّ، أبو إسحاق التمّار، ثقةٌ [١٠] (٢٣٢) تقدم في «الإيمان» ٤١/ ٢٧٢، من أفراد المصنّف. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَلَمْ يُبَايعْ) وفي بعض النسخ: «ولم نُبايع» بالنون. وقوله: (عِنْدَ شَجَرَةٍ) وفي بعض النسخ: «عند الشجرة» بالتعريف. وقوله: (دَعَا النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ) إشارة إلى ما ظهر على يد النبيّ - ﷺ - من معجزة فَوَران الماء في بئر الحديبية بعدما أصبحت قليلة الماء، كما سيأتي تفصيل ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٨٠٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ - وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ -، قَالَ سَعِيدٌ، وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ»، وَقَالَ جَابِرٌ: لَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ لأَرَيْتُكُمْ مَوْضِعَ الشَّجَرَةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ) الكنديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٢ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الهرويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، ويقال: الأنباريّ، صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِي فتغيّر، فصار يتلقّن، من قدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٧. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) الضبّيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٣. ٥ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. والباقيان ذُكرا في الباب، و«سفيان» هو: ابن عيينة. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٤١) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ) بن عبد الله - ﵄ -، أنه (قَالَ: كُنَّا) معاشر الصحابة (يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ) تقدّم بيان اختلاف الروايات، ووجه الجمع بينها في حديث أول الباب. (فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ») هذا صريح في فضل أصحاب الشجرة، فقد كان من المسلمين إذ ذاك جماعة بمكة، وبالمدينة، وبغيرهما، وعند أحمد بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: لما كان بالحديبية، قال النبيّ - ﷺ -: «لا توقدوا نارًا بليل»، فلما كان بعد ذلك قال: «أوقدوا، واصطنعوا، فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم، ولا مُدّكم»، وعند مسلم من حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا: «لا يدخل النار من شهد بدرًا، والحديبية»، وروى مسلم أيضًا من حديث أم مبشر، أنها سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «لا يدخل النار أحد من أصحاب الشجرة». وتمسك به بعض الشيعة في تفضيل عليّ على عثمان؛ لأن عليًّا كان من جملة من خوطب بذلك، وممن بايع تحت الشجرة، وكان عثمان حينئذ غائبًا. ورُدّ عليهم بأن النبيّ - ﷺ - بايع عنه، فاستوى معهم عثمان في الخيرية المذكورة، ولم يقصد في الحديث إلى تفضيل بعضهم على بعض. واستُدِلّ به أيضًا على أن الخضر ليس بحيّ؛ لأنه لو كان حيًّا مع ثبوت كونه نبيًّا للزم تفضيل غير النبيّ على النبيّ، وهو باطل، فدلّ على أنه ليس بحيّ حينئذٍ. وأجاب من زعم أنه حيّ باحتمال أن يكون حينئذٍ حاضرًا معهم، ولم يقصد إلى تفضيل بعضهم على بعض، أو لم يكن على وجه الأرض، بل كان في البحر، والثاني جواب ساقط. وعَكَس ابن التين، فاستَدَلَّ به على أن الخضر ليس بنبيّ، فبنى الأمر على أنه حيّ، وأنه دخل في عموم مَن فَضَّل النبيّ - ﷺ - أهل الشجرة عليهم، قال الحافظ: وقد قدمنا الأدلة الواضحة على ثبوت نبوة الخضر في أحاديث الأنبياء. وأغرب ابن التين، فجزم أن إلياس ليس بنبيّ، وبناه على قول مَن زعم أنه أيضًا حيّ، وهو ضعيف، أعني كونه حيًّا، وأما كونه ليس بنبي فنفيٌ باطل، ففي القرآن العظيم: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الصافات]، فكيف يكون أحد من بني آدم مرسَلًا، وليس بنبيّ؟ انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: كون الخضر نبيًّا هو الحقّ الذي دلّت عليه ظواهر النصوص، وكذلك موته هو الحقّ أيضًا، وسيأتي البحث في ذلك مستوفًى في «كتاب الفضائل» - إن شاء الله تعالى -. (وَقَالَ جَابِرٌ) - ﵁ - (لَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ) إنما قال ذلك لأنه عَمِي في آخر عمره، (لأَرَيْتُكُمْ مَوْضِعَ الشَّجَرَةِ) هذا قاله جابر - ﵁ - ظنًّا منه أنه لا يزال يعرفها، لكن سيأتي عن سعيد بن الْمُسيِّب عن أبيه أنه قال: «فانطلقنا حاجِّين، فخفي علينا مكانها»، وفي لفظ: «فَنَسُوْها من العام المقبل»، وفي لفظ: «ثم أتيتها بعدُ، فلم أعرفها، ويَحْتَمل أن يكون جابر اختصّ بمعرفتها دون غيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله أوّل الباب، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٨٠٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ الأعمى، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلّس، ورُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٥/ ٤٥٢. ٢ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ كان يرسل كثيرًا [٣] (٧ أو ٩٨) وقيل: مائة، أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الحيض» ٨/ ٧٢٨. و«جابر - ﵁ -» ذُكر قبله، والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: (قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ) هذا مختصر من الحديث الصحيح في بئر الحديبية، ومعناه أن الصحابة - ﵃ - لَمّا وصلوا الحديبية وجدوا بئرها إنما تَنِزّ مثل الشِّراك، فبسق النبيّ - ﷺ - فيها، ودعا فيها بالبركة، فجاشت، فهي إحدى المعجزات لرسول الله - ﷺ -، فكأن السائل في هذا الحديث عَلِمَ أصل الحديث، والمعجزة في تكثير الماء، وغير ذلك مما جرى فيها، ولم يَعْلَم عددهم، فقال جابر: كنا ألفًا وخمسمائة، ولو كنا مائة ألف أو أكثر لكفانا. وقوله في الرواية التي قبل هذه: «دعا على بئر الحديبية»؛ أي: دعا فيها بالبركة. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٨٠٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ (ح) وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: الطَّحَّانَ - كِلَاهُمَا يَقُولُ: عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ) بن الحكم، أبو سعيد الواسطيّ، مقبول [١٠] (م) تقدم في «الجمعة» ١٣/ ١٩٩٩، من أفراد المصنّف. ٣ - (خَالِدٌ الطَّحَّانُ) هو: خالد بن عبد الله الطحّان الواسطيّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السّلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغيّر بآخره [٥] (ت ١٣٦) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٥. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: هذه الرواية مختصرة من حديث جابر - ﵁ -، وقد ساقها البخاريّ - ﵀ - مطوّلةً، فقال: (٣٥٧٦) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا عبد العزيز بن مسلم، حدّثنا حُصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: عَطِشَ الناس يوم الحديبية، والنبيّ - ﷺ - بين يديه رِكْوَةٌ، فتوضأ، فَجَهِشَ الناسُ نحوه، فقال: «ما لكم؟» قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ، ولا نشرب، إلا ما بين يديك، فوضع يده في الرِّكْوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه، كأمثال العيون، فشربنا، وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. انتهى . ثم ظاهر هذا الحديث أن المعجزة وقعت بفوران الماء من بين أصابع النبيّ - ﷺ -، ولكن وقع في حديث البراء - ﵁ - عند البخاريّ ما يدلّ على أن النبيّ - ﷺ - صبّ ماء وضوئه في البئر، فكثُر الماء فيها. وجَمَع ابن حبّان بينهما بأن ذلك وقع مرتين. ويَحْتَمل أن يكون الماء لَمّا تفجّر من بين أصابعه - ﷺ -، ويده في الركوة، وتوضأوا كلّهم، وشرِبوا أَمَر حينئذ بصبّ الماء الذي بقي في الركوة في البئر، فتكاثر الماء فيها. ووقع في رواية أبي الأسود، عن عروة، عند البيهقيّ في «دلائل النبوّة» أنه - ﷺ - أمر بسهم، فوُضع في قعر البئر، فجاشت بالماء، قاله في «الفتح» . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٨٠٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ) نَصب «ألفًا» خبرًا لـ «كان» المحذوفة؛ أي: كنّا ألفًا وأربعمائة، وهذا العدد يخالف العدد المذكور في الحديث الذي قبله، ويُجمع بأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، فمن اقتصر عليها ألغى الكسر، ومن قال:
مصادر المؤلف (٢٥)

١. «صحيح ابن حبان» ١٠/ ٤٤٩.

٢. وفي نسخة: «فبايعناه».

٣. تقدّم البحث في هذا مستوفى في شرح الحديث برقمي [٣٠٣٤] وبرقم محمد فؤاد (١٢٥٣).

٤. «المفهم» ٤/ ٦٦.

٥. «شرح النوويّ» ١٣/ ٢.

٦. «المفهم» ٤/ ٦٦.

٧. «الفتح» ٩/ ٢٥٦ - ٢٥٧، كتاب «المغازي» رقم (٤١٤٧).

٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٨٨.

٩. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٣/ ٢٧٨.

١٠. راجع: «سيرة ابن هشام» ٢/ ٣١٤ - ٣١٥.

١١. «شرح النوويّ» ١٣/ ٣/ ٤.

١٢. أخرجه البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه» ٣/ ١٠٨٠، فقال:

١٣. هو ما أخرجه الشيخان من طريق عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد - ﵁ - قال: لمّا كان زمن الحرّة أتاه آتٍ، فقال له: إن ابن حنظلة يبايع الناس على الموت، فقال: لا أبايع على هذا أحدًا بعد رسول الله - ﷺ -.

١٤. «المفهم» ٤/ ٦٧ - ٦٨.

١٥. وفي نسخة: «أنه سمع».

١٦. هكذا النسخة، والظاهر أنها «على».

١٧. «مغازي الواقديّ» ١/ ٥٩١.

١٨. أي: التجأ إليها، واستتر بها.

١٩. «الروض الأُنُف» للسهيليّ ٧/ ٦٤.

٢٠. وفي نسخة: «ولم نبايع».

٢١. وفي نسخة: «تحت الشجرة».

٢٢. «الفتح»٩/ ٢٦١ - ٢٦٢، كتاب«المغازي» رقم (٤١٥٣).

٢٣. «شرح النوويّ» ١٣/ ٤ - ٥.

٢٤. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١٣١٠.

٢٥. «الفتح» ٩/ ٢٦٠.