HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٦٢

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (يَعْنِي ابن إسماعيل) عن يزيد بن أبي عبيد، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ! ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ؟ تَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لَا. وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِي فِي البدو.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص27
ج ٣ ص ١٤٨٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٢ ص٢٥٦
عليهم أن لا يَفِرُّوا عنه حتى يموتوا دونه، وذلك بخلاف غيره. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٤٨١٦] (١٨٦١)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٢٩٥٩) و«المغازي» (٤١٦٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٤٣١)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٥٩٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٤٦)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (٢٧/ ٤٢٩)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٩) - (بَابُ تَحْرِيمِ رُجُوعِ الْمُهَاجِرِ إِلَى اسْتِيطَانِ وَطَنِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٨١٧] (١٨٦٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الأَكْوَعِ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ؟، تَعَرَّبْتَ؟، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَذِنَ لِي في الْبَدْوِ). رجال هذا الإسناد: أربعةٌ: وهو السند المذكور قبل إسنادين. شرح الحديث: (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) - ﵁ -، وفي رواية القعنبيّ: «عن حاتم: أنبأنا يزيد بن أبي عُبيد»، أخرجها أبو نعيم. (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ) هو ابن يوسف بن أبي عقيل الثقفيّ الأمير المشهور، الظالم المبير، وقع ذكره وكلامه في «الصحيحين»، وغيرهما، وليس بأهل أن يُروى عنه، وَليَ إمرة العراق عشرين سنة، ومات سنة (٩٥)، وكان كلامه هذا مع سلمة - ﵁ - لمّا وَلِي الحَجّاج إمرة الحجاز بعد قتل ابن الزبير، فسار من مكة إلى المدينة، وذلك في سنة أربع وسبعين، وقيل: إن سلمة مات في آخر خلافة معاوية سنة ستين، ولم يدرك زمن إمارة الحجاج، والأول هو الصحيح . (فَقَالَ) الحجّاج (يَا ابْنَ الأَكْوَعِ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ) يَحتَمِل أن يكون استفهامًا على جهة الإنكار، وأن يكون إخبارًا، وكأنه أشار إلى ما جاء من الحديث في ذلك، فقد أخرج النسائيّ من حديث ابن مسعود - ﵁ - رفعه: «لَعَن الله آكل الربا، وموكله - الحديث، وفيه -: والمرتدّ بعد هجرته أعرابيًّا». قال ابن الأثير في «النهاية»: كان مَن رجع بعد هجرته إلى موضعه من غير عذر، يعدّونه كالمرتدّ، وقال غيره: كان ذلك من جفاء الحَجّاج، حيث خاطب هذا الصحابيّ الجليل بهذا الخطاب القبيح، من قبل أن يستكشف عن عُذْره، ويقال: إنه أراد قتله، فبيّن الجهة التي يريد أن يجعله مستحقًّا للقتل بها. وقد أخرج الطبرانيّ من حديث جابر بن سمرة - ﵁ - رفعه: «لَعَن الله مَن بدا بعد هجرته، إلا في الفتنة، فإن البُدُوّ خير من المقام في الفتنة». وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقول الْحَجَّاج لسلمة بن أكوع: «أرتددْتَ؟ تَعَرَّبت؟» استفهامٌ على جهة الإنكار عليه أنه خرج من محل هجرته؛ التي هي المدينة إلى البادية؛ التي هي موطن الأعراب؛ لِمَا كان المعلوم من حال المهاجر أنه يحرّم عليه الانتقال منها إلى غيرها، لا سيما إنْ رجع إلى وطنه؛ فإنّ ذلك محرَّم بإجماع الأمَّة، على ما حكاه القاضي عياض، وربما أُطلق على ذلك رِدَّة، كما أطلقه الحجاج هنا، فأجابه سلمة بأن النبيّ - ﷺ - أَذِنَ له في ذلك، فكان ذلك خصوصًا في حقّه. انتهى . (تَعَرَّبْتَ؟)؛ أي: صرت أعرابيًّا، تسكن البادية مع الأعراب، والتعرّب: بالعين المهملة، والراء الثقيلة؛ أي: السكنى مع الأعراب، بفتح الهمزة، وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر منها، فيسكن البدو، فيرجع بعد هجرته أعرابيًّا، وكان إذ ذاك محرَّمًا، إلا إن أذن له الشارع في ذلك؛ كسلمة هذا - ﵁ - (قَالَ) سلمة - ﵁ - (لَا)؛ أي: لم أتعرّب، ولم أسكن البادية رجوعًا عن هجرتي، ولا من تلقاء نفسي. (وَلَكِنْ) بتشديد النون، وتخفيفها (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ)؛ أي: في سكنى البادية، و«البدو» بفتح، فسكون: البادية، وسُمِّيت بذلك؛ لأنه يبدو ما فيها، ومن فيها؛ أي: يظهر، أو لأنّ من خرج إليها من الحاضرة بدا؛ أي: ظهر، والحاضر أصله: النازل على الماء، كما قال: مِنْ سَبَأَ الحاضرين مَأْرِبَ إِذْ … يَبْنُونَ مِنْ دون سيْلِهِ العَرِمَا وسُمِّي به أهل القرى والحصون؛ لأنهم لا يرحلون عن مياهٍ يجتمعون عليها، قاله القرطبيّ - ﵀ - . وفي رواية حماد بن مَسْعَدة عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة: «أنه استأذن رسول الله - ﷺ - في البداوة، فَأَذِن له»، أخرجه الإسماعيليّ، وفي لفظ له: «استأذنتُ النبيّ - ﷺ -». وقد وقع لسلمة - ﵁ - في ذلك قصة أخرى مع غير الحجاج، فأخرج أحمد من طريق سعيد بن إياس بن سلمة، أن أباه حدّثه، قال: «قَدِم سلمة المدينة، فلقيه بُريدة بن الْحُصيب، فقال: ارتددت عن هجرتك؟ فقال: معاذ الله، إني في إذن من رسول الله - ﷺ -، سمعته يقول: ابْدُوا يا أسلم - أي: القبيلة المشهورة التي منها سلمة، وأبو بَرْزة، وبُريدة المذكور - قالوا: إنا نخاف أن يقدح ذلك في هجرتنا، قال: أنتم مهاجرون حيث كنتم»، وله شاهد من رواية عمرو بن عبد الرحمن بن جَرْهد، قال: «سمعت رجلًا يقول لجابر: مَن بَقِي من أصحاب رسول الله - ﷺ -؟ قال: أنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع، فقال رجل: أمّا سلمة فقد ارتدّ عن هجرته، فقال: لا تَقُل: ذلك، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لأسلم: ابدوا، قالوا: إنا نخاف أن نرتدّ بعد هجرتنا، قال: أنتم مهاجرون حيث كنتم»، وسند كل منهما حسنٌ، قاله في «الفتح» . [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث قوله: «وعن يزيد بن أبي عبيد قال: لَمّا قُتل عثمان بن عفان، خرج سلمة بن الأكوع إلى الرَّبَذَة، وتزوج هناك امرأةً، ووَلَدت له أولادًا، فلم يَزَلْ بها حتى قبل أن يموت بليال، نزل المدينة». انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «وعن يزيد بن أبي عبيد» هو موصول بالسند المذكور. وقوله: «لمّا قُتل عثمان بن عفان خرج سلمة إلى الرَّبَذَة - بفتح الراء، والموحدة، بعدها معجمة - موضع بالبادية بين مكة والمدينة، ويستفاد من هذه الرواية مُدَّة سكنى سلمة البادية، وهي نحو الأربعين سنةً؛ لأن قَتْل عثمان كان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وموت سلمة سنة أربع وسبعين ، على الصحيح. وقوله:«نزل المدينة»هذا يُشعر بأن سلمة لم يمت بالبادية، كما جزم به يحيى بن عبد الوهاب ابن منده في الجزء الذي جمعه في آخر من مات من الصحابة، بل مات بالمدينة، كما تقتضيه رواية يزيد بن أبي عبيد هذه، وبذلك جزم أبو عبد الله بن منده في«معرفة الصحابة»، وفي الحديث أيضًا ردٌّ على من أرّخ وفاة سلمة سنة أربع وستين، فإن ذلك كان في آخر خلافة يزيد بن معاوية، ولم يكن الحجاج يومئذ أميرًا، ولا ذا أمر، ولا نهي، وكذا فيه ردٌّ على الهيثم بن عديّ حيث زعم أنه مات في آخر خلافة معاوية، وهو أشدّ غلطًا من الأول، إن أراد معاوية بن أبي سفيان، وإن أراد معاوية بن يزيد بن معاوية، فهو عين القول الذي قبله، وقد مشى الكرمانيّ على ظاهره، فقال: مات سنة ستين، وهي السنة التي مات فيها معاوية بن أبي سفيان، كذا جزم به، والصواب خلافه. وقد اعتَرَضَ الذهبيّ على من زعم أن سلمة عاش ثمانين سنة، ومات سنة أربع وسبعين؛ لأنه يلزم منه أن يكون له في الحديبية اثنتا عشرة سنة، وهو باطلٌ؛ لأنه ثبت أنه قاتَل يومئذ، وبايع. قال الحافظ: وهو اعتراض متّجه، لكن ينبغي أن ينصرف إلى سنة وفاته، لا إلى مبلغ عمره، فلا يلزم منه رجحان قول من قال: مات سنة أربع وستين، فإن حديث جابر يدلّ على أنه تأخر عنها؛ لقوله: لم يبق من الصحابة إلا أنس وسلمة، وذلك لائق بسنة أربع وسبعين، فقد عاش جابر بن عبد الله بعد ذلك إلى سنة سبع وسبعين على الصحيح، وقيل: مات في التي بعدها، وقيل: قبل ذلك. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٤٨١٧] (١٨٦٢)، و(البخاريّ) في «الفتن» (٧٠٨٧)، و(النسائيّ) في «البيعة» (٧/ ١٥١) و«الكبرى» (٤/ ٤٣٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٤٣١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه، ووجه ذلك أن الحجّاج لَمّا عنّف سلمة - ﵁ - بتعرّبه لم يعارضه في ذلك، وإنما اعتذر بكون النبيّ - ﷺ - أَذِنَ له، فلولا إنه أَذِنَ له لَمَا جاز له ذلك، ويؤيّد هذا ما تقدّم من حديث ابن مسعود - ﵁ -: «لعن الله آكل الربا. . .» الحديث، وفيه: «والمرتدّ بعد هجرته أعرابيًّا»، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان جرأة الحجّاج، وتطاوله على هذا الصحابيّ الجليل - ﵁ -، وتعنيفه بهذا الخطاب القبيح.
مصادر المؤلف (٧)

١. «الفتح» ٧/ ٢١٩ - ٢٢٠، كتاب «الجهاد» رقم (٢٩٥٩).

٢. «عمدة القاري» ٢٤/ ١٩٧.

٣. «المفهم» ٤/ ٧١.

٤. «المفهم»٤/ ٧١.

٥. «الفتح» ١٦/ ٤٩٤، كتاب «الفتن» رقم (٧٠٨٧).

٦. هكذا وقع في «الفتح»: سبعين بتقديم السين، ثم الموحّدة، وهذا عندي محلّ نظر؛ لأنه ثبت أنه قتل سعيد بن جبير صبرًا سنة (٩٥) ومات بعده بقليل، فالظاهر أن صوابه «تسعين»، لا سبعين، فليُتأمّل.

٧. «الفتح» ١٦/ ٤٩٤، كتاب «الفتن» رقم (٧٠٨٧).