HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٠١

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ. قَالُوا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ) عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُسَيْسَةَ، عَيْنًا يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ. فَجَاءَ وَمَا فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (قَالَ: لَا أَدْرِي مَا اسْتَثْنَى بَعْضَ نِسَائِهِ) قَالَ: فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَكَلَّمَ. فَقَالَ (إِنَّ لَنَا طَلِبَةً. فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا فَلْيَرْكَبْ مَعَنَا) فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي ظهرانهم في علو المدينة. فَقَالَ (لَا. إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا) فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ. حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ. وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ) فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (قُومُوا إلى جنة عرضها السماوات وَالْأَرْضُ) قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يا رسول الله! جنة عرضها السماوات وَالْأَرْضُ؟ قَالَ (نَعَمْ) قَالَ: بَخٍ بَخٍ. فَقَالَ رسول الله ﷺ (ما يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ) قَالَ: لَا. والله! يا رسول الله! إلى رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ (فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا) فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ. فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ. ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ. قَالَ فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ. ثم قاتل حتى قتل.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص44
ج ٣ ص ١٥٠٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن أبي داود, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٥٦
[٥٠٢] فيه حديث أنس ﵁: (بَعَثَ النَّبي ﷺ بُسَيسَةَ عَيْنًا) ؛ بُسَيْسَةً: بضم الباء؛ وبعدها سين مهملة؛ وبعد السين ياء تحتها نقطتان؛ وبعد الياء سين مهملة، و(الظَّهرُ): الرِّكاب، والجمع الظُّهران، و(عُلوِ المَدِينَةِ): أعلاها، وقوله: (إِنَّ لَنَا طَلِبَةً)؛ أي حاجةً نطلُبها؛ أي: مطلوبًا، وقوله: (حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ)، أي: قُدَّامه. وقوله: (عُمَيرُ بنُ الحُمَامِ): بضم الحاء وتخفيف الميم، وقوله: (إِلَّا رَجَاءَةَ أَن أَكُونَ)؛ أي: رجاءَ أن أكون، يقال: رَجا يرجو رجاءً ورجاءةً. وفي هذا الحديث: سنة إنفاذ الطَّلائع، وفضيلةُ الجهاد؛ واتّباعِ أمر الإمام، والمخاطرةُ بالنّفس رجاء الفوز. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٢ ص٥٢٥
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٠٧] (١٩٠١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالُوا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بُسَيْسَةَ عَيْنًا، يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَاءَ، وَمَا فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرِي، وَغَيْرُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: لَا أَدْرِي مَا اسْتَثْنَى بَعْضَ نِسَائِهِ، قَالَ: فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَتَكَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنَّ لَنَا طَلِبَةً، فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا، فَلْيَرْكَبْ مَعَنَا»، فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي ظُهْرَانِهِمْ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «لَا، إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا»، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وأَصْحَابُهُ، حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ»، فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ»، قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: بَخٍ بَخٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟»، قَالَ : لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا»، فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ، حَتَّى قُتِلَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ) اسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦١. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ، أبو النضر مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١١. ٧ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، تقدّم قبل بابين. ٨ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ -، تقدّم أيضًا قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هدا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحادهم في كيفيّة التحمّل والأداء، وفيه أنس بن مالك - ﵁ - تقدّم الكلام عليه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: بَعَثَ)؛ أي: أرسل (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بُسَيْسَةَ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ: «بُسيسة» - بباء موحّدة مضمومة، وبسينين مهملتين، مفتوحتين، بينهما ياء مثناة تحت ساكنة - قال القاضي عياض: هكذا هو في جميع النسخ، قال: وكذا رواه أبو داود، وأصحاب الحديث، قال: والمعروف في كتب السيرة: بَسْبَس - بباءين موحّدتين مفتوحتين، بينهما سين ساكنة -، وهو بسبس بن عمرو، ويقال: ابن بِشْر، من الأنصار، من الخزرج، ويقال: حليف لهم، قال النوويّ: يجوز أن يكون أحد اللفظين اسمًا له، والآخر لقبًا. انتهى . وقال في «الإصابة»: بسبسة بن عمرو بن ثعلبة بن خَرَشة بن زيد بن عمرو بن سعد بن ذُبيان بن رشدان بن غَطَفان بن قيس بن جُهينة الْجُهَنيّ، حليف بني طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو بموحدتين مفتوحتين، بينهما مهملة ساكنة، ثم مهملة مفتوحة، ويقال له: بسبس بغير هاء، وهو قول ابن إسحاق وغيره، شَهِد بدرًا باتفاق، ووقع ذِكره في «صحيح مسلم» من حديث أنس قال: «بعث رسول الله - ﷺ - بسبسة عينًا، ينظر ما صنعت عِير أبي سفيان. . .» فذكر الحديث في وقعة بدر، وهو بموحدتين، وزانُ فَعْلَلَة، وحَكَى عياض أنه في مسلم بموحدة مصغّر، ورواه أبو داود، ووقع عنده: بُسَيسة بصيغة التصغير، وكذا قال ابن الأثير إنه رآه في أصل ابن منده، لكن بغير هاء، والصواب الأول، فقد ذكر ابن الكلبيّ أنه الذي أراد الشاعر بقوله: أَقِمْ لَهَا صُدُورَهَا يَا بَسْبَسُ … إِنَّ مَطَايَا الْقَوْمِ لَا تُحَبَّسُ . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «بُسَيسَة» - بضم الباء بواحدةٍ، وفتح السين، وياء التصغير - هكذا رواه جميعُ رواة الحديث، وكذا وقع في كتاب مسلم، وأبي داود، والمعلومُ في كتاب السِّير: «بَسْبَس» بفتح الباء غير مصغّرٍ، وهو: بَسْبَسُ بن عمرو، ويقال: ابن بِشْرٍ، من الأنصار، وقيل: حليفهم، وأنشد ابنُ إسحاق في خبره: أَقِمْ لَهَا صُدُورَهَا يَا بَسبَسُ … أَنْ تَرِدَ الماءَ بِمَاءِ أكيَسُ وقوله: (عَيْنًا) منصوب على الحال، و«العين»: الجاسوس؛ أي: حال كونه عينًا؛ أي: متجسّسًا، ورَقِيبًا، وقال القرطبيّ: «العين»: الجاسوس، سُمّي به لأنه يُعاين، فيُخبِر مُرسله بما يراه، فكأنه عينه. انتهى . (يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ) يَحْتمل أن تكون «ما» موصولًا حرفيًّا، والمصدر المؤوّل مفعول «صنع»؛ أي: ينظر صنعَ عِيْره، ويَحْتَمِل أن تكون اسميًّا مفعول «صنعت»، والعائد محذوف؛ أي: صنعته عيره. و«العير» - بكسر العين -: الإبل تَحْمِل الْمِيرة، ثمّ غَلَبَ على كلّ قافلة، قاله الفيّوميّ . وقال ابن الأثير - ﵀ -: الْعِير: الإبل بأحمالها، فِعْلٌ، من عار يَعِير: إذا سار، وقيل: هي قافلة الحمير، فكثُرت حتى سُمّيت بها كلُّ قافلة، كأنها جمع عَيْرٍ، وكان قياسها أن تكون فُعْلًا بالضمّ، كسُقْفٍ في سَقْفٍ، إلا أنه حوفظ على الياء بالكسرة، نحو عِيْنٍ. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: «الْعِير»: هي الدواب التي تَحْمِل الطعام وغيره، من الأمتعة، قال في «المشارق»: الْعِير: هي الإبل والدواب تَحْمِل الطعام وغيره، من التجارات، قال: ولا تُسَمَّى عِيرًا إلا إذا كانت كذلك، وقال الجوهريُّ - ﵀ - في «الصحاح»: العير الإبل تَحْمِل الْمِيرة، وجمعها عِيَرَات، بكسر العين، وفتح الياء. انتهى . والمراد بعير أبي سفيان: هي العير التي أقبل بها أبو سفيان من الشام. قال ابن هشام في «سيرته»: قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله - ﷺ - سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلًا من الشأم، في عِير لقريش عظيمة، فيها أموال لقريش، وتجارة من تجاراتهم، وفيها ثلاثون رجلًا من قريش، أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زُهرة، وعمرو بن العاص بن وائل بن هاشم. قال ابن إسحاق: لمّا سمع رسول الله - ﷺ - بأبي سفيان نَدَب المسلمين إليهم، وقال: هذه عِير قريش، فيها أموالهم، فاخرُجوا إليها، لعل الله يُنفلكموها، فانتدب الناس، فخفّ بعضهم، وثَقُل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله - ﷺ - يلقى حربًا. وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز، يتحسس الأخبار، ويسأل مَن لَقِي من الركبان؛ تخوفًا على أمر الناس، حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك، ولعيرك، فحَذِر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ، فبعثه إلى مكة، وأمر أن يأتي قريشًا، فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة، فلما وصل مكة صرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، قد جَدَع بعيره، وحَوّل رحله، وشَقَّ قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمةَ اللطيمةَ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث ، فخرجت قريش حتى جمع الله تعالى بينها وبين المسلمين، فكانت النتيجة أن انتصر الحقّ، ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. (فَجَاءَ) بسيسة - ﵁ - إلى النبيّ - ﷺ - (وَمَا فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرِي) هذا قول أنس - ﵁ -، (وَغَيْرُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ) الراوي، والظاهر أنه ثابت: (لَا أَدْرِي مَا اسْتَثْنَى بَعْضَ نِسَائِهِ) «ما» هنا مصدريّة؛ أي: لا أعرف هل استثنى وجود بعض نساء النبيّ - ﷺ - في البيت أم لا؟ (قَالَ) ثابت (فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ)؛ أي: حدّث بُسيسة النبيّ - ﷺ - بما رأى من أحوال عِيْر أبي سفيان، وأنّه مقبلٌ من الشام. وفي «سيرة ابن هشام»: وكان بسبس بن عمرو، وعديّ بن أبي الزغباء قد مضيا حتى نزلا بدرًا، فأناخا إلى تَلّ قريب من الماء، ثم أخذا شنًّا لهما يستقيان فيه، ومجديّ بن عمرو الجهنيّ على الماء، فسمع عديّ وبسبس جاريتين من جواري الحاضر، وهما يتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتي العير غدًا أو بعد غد، فأعمل لهم، ثم أقضيك الذي لك، قال مجدي: صدقت، ثم خلص بينهما، وسمع ذلك عديّ وبسبس، فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله - ﷺ -، فأخبراه بما سمعا. انتهى . (قَالَ) أنس - ﵁ - (فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَتَكَلَّمَ)؛ أي: كلّم الناس، وبيّن لهم سبب خروجه، (فَقَالَ: «إِنَّ لَنَا طَلِبَةً) - بفتح الطاء المهملة، وكسر اللام -: هو ما يُطلب؛ يعني: حاجةً مطلوبةً، والمراد: الإغارة على عير أبي سفيان، (فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ) - بفتح الظاء المعجمة، وسكون الهاء -: هي الإبل التي يُحمل عليها، وتُركب، يقال: عند فلان ظَهْر؛ أي: إبل، وتُجمع على ظُهْران بضمّ، فسكون . (حَاضِرًا)؛ أي: موجودًا في المدينة، (فَلْيَرْكَبْ مَعَنَا»، فَجَعَلَ)؛ أي: شَرَع (رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُونَهُ)؛ أي: يطلبون منه - ﷺ - أن يأذن لهم (فِي ظُهْرَانِهِمْ) بضمّ الظاء، وسكون الهاء؛ أي: مركوباتهم، وهو: جمع ظَهْر - بفتح، فسكون - وقيل: جمع ظَهِير، كقَضِيب وقُضْبان . (فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ) بضمّ العين، وكسرها؛ يعني: أنهم استأذنوه - ﷺ - للإتيان بمراكبهم من عوالي المدينة حتى يخرجوا معه، (فَقَالَ) - ﷺ - («لَا)؛ أي: لا آذن لكم (إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا») الظاهر أن الاستثناء منقطع؛ أي: لكن من كان مركوبه حاضرًا بالمدينة، فليخرج معنا، ويَحْتَمل أن يكون متّصلًا؛ أي: لا آذن للناس إلا لمن كان ظهره حاضرًا بالمدينة. (فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ) - بفتح الموحّدة، وسكون الدال المهملة -: اسم موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، ويقال: هو منها على ثمانية وعشرين فرسخًا. وقال الطيبيّ - ﵀ -: بدر موضع يُذكّر، ويؤنّث، وهو اسم ماء، وقال الشعبيّ: بئر كانت لرجل يُدعى بدرًا، ومنه يوم بدر، قُتل فيه عُمير هذا أول قتيل من الأنصار في الإسلام . (وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يُقَدِّمَنَّ) مضارع قَدَّم اللام، بمعنى تقدّم، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١]، ووقع في بعض النسخ:»لا يتقدّمَنَّ«، وهو واضح. (أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ»)؛ أي: قدّامه متقدّمًا في ذلك الشيء، والمراد: نهي الصحابة - ﵃ - من أن يتقدّموا على رسول الله - ﷺ -؛ لئلا يفوتهم شيء من المصالح التي لا يعلمونها، أفاده النوويّ ، وقال الأبيّ: المراد أن لا يتقدّمه في الرأي، ولا يريد: حتى أكون أمامه في القتال؛ لأنه لم يقاتل يوم بدر، وإنما كان في العريش، ولا ينبغي للإمام أن يقاتل خوف أن يصاب، فيهلك من معه، وقد عِيب على عمرو بن العاص دخوله الإسكندريّة مختفيًا. انتهى . (فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) للصحابة - ﵃ -؛ تشجعًا لهم، وحثًّا على الجهاد: (»قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ) قال الطيبيّ - ﵀ -: عدّاه بإلى لإرادة معنى المسارعة، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٣]، (عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ»)؛ أي: مثلُ عرض السموات والأرض، قال القرطبيّ - ﵀ -: شبّه الجنّة بسعة السموات والأرض، وإن كانت الجنّة أوسع منهما بكثير؛ مخاطبةً لنا بما شاهدنا؛ إذ لم نُشاهد أوسع من السموات والأرض، وهذا أشبه ما قيل في هذا المعنى. انتهى . وقال الطيبيّ - ﵀ -: وصف الجنّة بالعرض مبالغة عرفًا، وتخصيص العرض بها دون الطول دلالة على أن العرض إذا كان كذلك، فمال الطول؟ . (قَالَ) الراوي (يَقُولُ) بصيغة المضارع؛ استحضارًا لصورة الحال، (عُمَيْرُ) - بضمّ العين المهملة، مصغّرًا، (ابْنُ الْحُمَامِ) - بضمّ الحاء المهملة، وتخفيف الميم - هو: عُمير بن الحمام بن الْجَمُوح بن زيد بن حرام بن كعب بن سلمة (الأَنْصَارِيُّ) السَّلَميّ، ذكره موسى بن عقبة، وغيره فيمن شَهِد بدرًا، وقال ابن إسحاق: قال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجلٌ، فيقتلَ صابرًا، محتسبًا، مقبلًا، غير مُدْبِر، إلا أدخله الله الجنة»، فقال عُمير بن الحمام أحد بني سَلِمة، وفي يده تمرات يأكلهنّ: بخ بخ، فما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، فقذف التمر من يده، وأخذ سيفه، فقاتل حتى قُتِل، وهو يقول: رَكْضًا إِلَى اللهِ بِغَيْرِ زَادِ … إِلَّا التُّقَى وَعَمَلُ الْمَعَادِ وَالصَّبْرُ فِي اللهِ عَلَى الْجِهَادِ … وَكُلُّ زَادٍ عُرْضَةُ النَّفَادِ غَيْرَ التُّقَى وَالْبِرِّ وَالرَّشَادِ فكان أولَ قتيل قُتل في سبيل الله في الحرب، قاله في «الإصابة» . (يَا رَسُولَ اللهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟) هذا السؤال من عُمير سؤال استعظام، وتعجّب من سعة ثواب الله تعالى للمجاهد. (قَالَ) - ﷺ - («نَعَمْ»)؛ أي: هي كعرضهما سعةً، (قَالَ) عُمير - ﵁ - (بَخٍ بَخٍ) كلمة تقال لتفخيم الأمر وتعظيمه، والتعجّب منه، يقال: بسكون الخاء، وكسرها، منوّنة، قاله القرطبيّ . وقال المجد - ﵀ -: «بَخْ»، كَقَدْ؛ أي: عَظُم الأمرُ، وفَخُم، تقال وحدها، وتُكَرَّر: بَخٍ بَخْ، الأول منون، والثاني مسكنٌ، وقُلْ في الإفراد: بَخْ ساكنةً، وبَخِ مكسورة، وبَخٍ منونةً، وبَخٌ منونةً مضمومةً، ويقال: بَخْ بَخْ مسكّنين، وبَخٍ بَخٍ، منونين، وبَخٍّ بَخٍّ مشددين: كلمة تقال عند الرضى، والإعجاب بالشيء، أو الفخر والمدح. انتهى . وقال التوربشتيّ - ﵀ -: قوله: «بخ» كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وكُرّرت للمبالغة، وسبق إلى فهم الرجل من قوله - ﷺ -: «ما يَحملك على قولك: بخ بخ؟» أنه يوهم أن قوله ذلك صدر عنه من غير رويّة، ونيّة، شبيهًا بقول من سلك مسلك المزاح، فنفى ذلك بقوله: «لا والله»؛ أي: ليس الأمر على ما توهّمت، وقوله: «إلا رجاء»؛ أي: ما قلت ذلك إلا رجاء. وتعقّبه الطيبيّ، فقال: أقول: قوله: «شبيهًا بقول من سلك مسلك المزاح»، وقوله: «ليس الأمر على ما توهّمت» ليسا بمرضيين، بل يُحمل قوله: «بخ بخ» على ما فسّر في الغريبين من قوله: قال أبو بكر: معناه تعظيم الأمر، وتفخيمه، كذا في «شرح مسلم»، وذلك أنه - ﷺ - لمّا قال: «قوموا إلى جنّة»؛ أي: سارِعوا إليها، وابذُلوا مُهَجكم، وأرواحكم في سبيل الله، ولا تَقاعسوا عنها، عَظَّم عُمير ذلك، وفخّمه بقوله: «بخ بخ»، فقال - ﷺ -: ما حملك على التعظيم؟ أخوفًا قلت هذا؟ فقال: لا، بل رجاء، والفاء في قوله: «فإنك» جزاء شرط؛ أي: إذا كان الأمر على ما قلت، فإن الله تعالى يُجيبك إلى ما ترومه، وترجوه. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا) استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء (يَحْمِلُكَ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب، يقال: حَمَلَه على الأمر يَحْمله، فانحَمَل: أغراه به، أفاده المجد . (عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟»، قَالَ) عُمير: (لَا)؛ أي: لم يحملني على ذلك شيءٌ (وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا رَجَاءَةَ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في أكثر النسخ المعتمدة: «رجاءةَ» بالمد، ونصب التاء، وفي بعضها: «رجاءَ» بلا تنوين، وفي بعضها بالتنوين، ممدودًا، بحذف التاء، وكله صحيحٌ، معروف في اللغة، ومعناه: والله ما فعلته لشيء إلا لرجاء أن أكون من أهلها. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «لا والله! إلا رجاءَ»، رَوَيته بنصب الهمزة، من غير تاء تأنيثٍ، على أن يكونَ مفعولًا من أجله، والأَولى فيه الرفع، على أن يكونَ فاعلًا بفعل مضمَر، يدلُّ عليه قولُه: «ما يحملُك على قولك: بخ بخ؟»؛ لأنَه جوابُه؛ أي: لا يحملُني على قولي: بخٍ بخٍ إلا رجاءُ أن أكون من أهل الجنة، وقد رواه كثير من المشايخ: «إلَّا رجاءة» بتاء التأنيث، وهو مصدرُ الرَّجاء، لكنه محدود، قال المبرّدُ: تقولُ العربُ: فعلته رَجْأتك؛ أي: رجاك؛ من الرَّجاء، وهو الطمَعُ في تحصيل ما فيه عَرَضٌ ونَفعٌ. انتهى . (أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا)؛ أي: من أهل الجنّة الموصوفة بما ذُكر. (قَالَ) - ﷺ - («فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا») هذه بشرى من النبيّ - ﷺ - لعُمير بن الحمام - ﵁ - بأنه من أهل الجنّة، وذلك بوحي من الله، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم]. (فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ) بفتح القاف والراء، وهي جَعْبَةُ السهام، قال القرطبيّ - ﵀ -: وهكذا روايتنا فيه، وأما من رواه بضمّ القاف، وسكون الراء، وكسر الباء، وقَرْقَره، فتغيير، وإن كانت لهما أوجهٌ بعيدة. انتهى . (فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ)؛ أي: من تلك التمرات، (ثُمَّ قَالَ) عُمير (لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، من باب تَعِبَ. قال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «لئن أنا حييت» اللام موطّئة للقسم، و«إن» شرطيّة، و«أنا» فاعل فعل مضمَر يفسّره ما بعده. (حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ)، وقوله: (إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ) جواب القسم، واكتُفي به عن جواب الشرط، ويُمكن أن يُذهب به مذهب أصحاب المعاني، فيقال: إن الضمير المنفصل قُدِّم للاختصاص، وهو على منوال قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ الآية [الإسراء: ١٠٠] فكأنه وَجَد نفسه مختارةً للحياة على الشهادة، فأنكر عليها ذلك الإنكار، وإنما قال ذلك استبطاءً للانتداب بما نُدِب به من قوله - ﷺ -: «قوموا إلى جنّة»؛ أي: سارعوا إليها. انتهى . (قَالَ) أنس - ﵁ - (فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ)؛ أي: المشركين، (حَتَّى قُتِلَ) بالبناء للمفعول؛ أي: استُشهد في تلك المعركة - ﵁ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٤٩٠٧] (١٩٠١)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٦١٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٣٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» ٤/ ٤٥٩)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٤٨١)، و(ابن أبي عاصم) في «الجهاد» (١/ ٢٢٦)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٣٧٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٤٣ و٩٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز بعث العيون والجواسيس؛ لاستطلاع خبر العدوّ، وأخْذ الحذر منهم. ٢ - (ومنها): بيان استحباب التورية في الحرب، وأن لا يبيّن الإمام جهة إغارته، وإغارة سراياه؛ لئلا يشيع ذلك، فيأخذ العدوّ بالحذر والتأهّب. ٣ - (ومنها): بيان فضل هذا الصحابيّ الجليل، عُمير بن الْحُمام - ﵁ -. ٤ - (ومنها): بيان استحباب حثّ الإمام الجيش على الإقدام على العدو من غير جُبن، وترغيبهم في الجنّة، وقد دعا الله - ﷾ - إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥]، وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾) [الحديد: ٢١]. ٥ - (ومنها): بيان سعة الجنّة، وأنها كَعَرض السموات والأرض. ٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: وفي هذين الحديثين - يعني: هذا الحديث، والحديث التالي - دليل على جواز استقتال الرجل نفسه في طلب الشَهادة، وإن علم أنه يُقتَل، وقد فعله كثير من الصحابة والسَّلف وغيرهم، وروي عن عمر، وأبي هريرة - ﵄ -، وهو قولُ مالك، ومحمد بن الحسن، غير أنَّ العلماءَ كرهوا فِعلَ ذلك لرأس الكتيبة؛ لأنه إن هلك هلك جيشُه، وقد روي عن عمر أيضًا كراهية الاستقتال، وقال: «لأن أموتَ على فراشي أحبُّ إليَّ من أن أُقتل بين يدي صفٍ»؛ يعني: يُستقتل، ورأى بعضُ العلماء هذا الفعلَ مِن إلقاءه اليد للتهلكة المنهي عنه. قال القرطبيّ: وفي هذا بُعْدٌ من وجهين: أحدهما: أن أحسنَ ما قيل في الآية: أنها فيمن ترك الإنفاق في الجهاد. وثانيها: أن عملًا يُفضي بصاحبه إلى نيل الشَّهادة ليس بتهلكة، بل التهلكةُ: الإعراضُ عنه، وتركُ الرَّغبة فيها، ودلَّ على ذلك الأحاديث المتقدِّمة كلها، فلا يُعدل عنها. انتهى ، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (٣٢)

١. وفي نسخة: «يستأذنوه».

٢. وفي نسخة: «لا يتقدّمنّ».

٣. وفي نسخة: «فقال».

٤. وفي نسخة: «إلا رجاء».

٥. وفي نسخة: «قال: فأخرج».

٦. «شرح النوويّ» ١٣/ ٤٤.

٧. «الإصابة في تمييز الصحابة» ١/ ٢٨٨.

٨. «المفهم» ٣/ ٧٣٤.

٩. «المفهم» ٣/ ٧٣٥.

١٠. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٠.

١١. «النهاية في غريب الحديث والأثر» ص ٦٥٣.

١٢. «شرح النوويّ» ١٣/ ٤٤ - ٤٥.

١٣. راجع:»سيرة ابن هشام«١/ ٦٠٦ - ٦٠٩.

١٤. »سيرة ابن هشام«١/ ٦١٧.

١٥. «النهاية في غريب الحديث والأثر» ص ٥٨٤.

١٦. شرح الأبيّ«٥/ ٢٤١.

١٧. »الكاشف عن حقائق السنن«٨/ ٢٦٣٦ - ٢٦٣٧.

١٨. »شرح النوويّ«١٣/ ٤٥.

١٩. «شرح الأبيّ» ٥/ ٢٤١.

٢٠. «المفهم» ٣/ ٧٣٥.

٢١. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٦٣٧.

٢٢. أي: أركض ركضًا، وأُسرع إسراعًا مثل: ركض الخيل وإسراعه.

٢٣. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٤/ ٧١٥ - ٧١٦.

٢٤. «المفهم» ٣/ ٧٣٥.

٢٥. «القاموس المحيط» ١/ ٣١٧.

٢٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٦٣٧.

٢٧. «القاموس المحيط» ص ٣٢٢.

٢٨. «شرح النوويّ» ١٣/ ٤٥ - ٤٦.

٢٩. «المفهم» ٣/ ٧٣٥.

٣٠. «المفهم» ٣/ ٧٣٦.

٣١. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٦٣٧.

٣٢. «المفهم» ٣/ ٧٣٦ - ٧٣٧.